هو وطفلة والسيجارة الأخيرة
متململا أشعل سيجارته وأعاد العلبة الفارغة إلى جيبه، ثم شرع يعدّ نقوده القليلة..
بضعة فلوس لا تسمن ولا تغني عن جوع. تنهّد بعمق، متسائلا في قرارة نفسه:
- أمن المعقول أنّ عشق الفرد لوطنه يسبّب له المتاعب في الحياة؟ يسُجن ويعذب
وتهان كرامته، وفي لحظة ما يجد نفسه تائها يجوب الشوارع والفراغ بلا وظيفة أو
عمل، فتختفي الأحلام، وتتبخّر الأمنيات وينتهي كل شيء!
يسحب نفسا عميقا من سيجارته، زافرا الدخّان ببطء، وقبل أن يتممها يطفئ نوّارتها
بيده، لنيّته الإحتفاظ بها أطول مدّة ممكنة، ثمّ يعيدها بهدوء وحنان خشية الكسر إلى
العلبة الفارغة، يتنبّه على نفسه، بحنان؟ السيجارة!
يستعيد الذكرى:
- بابا، أريدك أن تحضر لي مصّاصة من الحلوى، أحبّ طعمها اللذيذ.
"آه ريم الحلوة، أتمنى لو أضع العالم بين يديك." بدأت الصور تهلّ تترى، عندما دخل
ليشتري قلما من محلّ يبيع قرطاسيّة وألعاب أطفال، أشارت بإصبعها:
- بابا، أريد الدمية الشقراء ذات السلسلة الذهبيّة الّتي تزيّن جيدها، اشترها لي من فضلك..
قال في قرارة نفسه بعد رؤية سعرها:
-"تبا، ثمنها يعادل راتبي أيّام الوظيفة." ينظر بحسرة إلى طفلته قائلا:
- آسف حبيبتي، لا أستطيع لا يتوفّر معي ما يعادل قيمتها. تتناول لعبة إفريقيّة سوداء تماثلها تماما:
- لا بأس إذا هذه تكفيني. يبتسم ابتسامة مريرة: "حتى أنت يا ريم الطفلة عندك تفرقة عنصرية!"
- ولا هذه أيضا الاثنتان سعرهما واحد، ولا اختلاف بينهما إلاّ بلون البشرة، خلقنا الله تعالى سواسيّة،
لا فرق بين الناس إلّا بالتقوى.
- نعم يا بابا أعرف هذا، لكن "سعيد" وأخواته جيراننا الأغنياء أخبروني أنّ أمّهم تمنعهم من اللعب
معي لكوننا فقراء، رغم هذا ولأنّهم يحبّوني يقومون بهذا خفية عنها، وأوصوني الطلب منها السماح
لخادمتهم البنت السوداء اللعب معي، فتأذن لي باللعب عندهم ولا تطردني.
فكّر بحزن، ثم تمتم قائلا: " كيف أوضّح لك ما لا أفهمه يا صغيرتي." يشتدّ توتّره، يتساءل منزعجا:
"أين لفافة التبغ؟ أحتاج تهدئة أعصابي بها." يشعلها مرة أخرى نافثا دخّانها، يستعيد هدوءه ويستمرّ بالتفكير:
"ويح للإنسان ما أقساه، هو الذي يعلّم صغاره أنواع التفرقة العنصريّة والطبقيّة والإقليميّة بفئاتها المتعدّدة،
لهذا يلجؤون إلى الكذب والخديعة لمواراتها."
"لكن ليس كلّ البشر هكذا" يستدرك وقد تبادر إلى ذهنه والده الحبيب، لولاه لكان مصيرهم في الشارع.
يتذكّره يلحّ عليه بضرورة الاعتناء بصحّته وماله وعائلته الصغيرة؛ ريم وزوجته عبير.
"عبير" المرأة الصامدة الصّامتة الّتي باعت مصاغها كي يعيشوا بكرامة عندما اعتقلوه. وما زالت صابرة
تتحمّل ضنك العيش بشجاعة، تعضده وتشدّ أزره في قضايا الوطن.
يتملّى سيجارته، ما زال يفكر في عائلته الصغيرة: "كم من مرّة ألحّتا عليّ بترك التدخين حفاظا على صحّتي."
يهمس مستيقظا من شروده: "تالله معهما حقّ، لا أرغب الاستمرار بها"
رماها بعنف ويدهكها بقدمه، قائلا بعزم من حديد جديد:
- سأنجح في التخلّص من هذه العادة القبيحة، عليّ العودة إلى البيت لأبشّرهما بذلك.
بيته؟ يفكّر، عندما تهدر مزن السماء يفيض بهم سيل المطر الغزير من خلال شقوق السقف. فيضّطران
إلى تغطية سرير ريم بأكياس (نايلون) بمثابة مظلّة تقيها البلل، فسرير ريم موجود في أحد أ
ركان غرفة البيت الضيّقة الوحيدة.
"سأشتري الفلافل كالعادة بعشرة قروش، ريم الغالية تستسيغ طعمه." همس في نفسه متابعا:
"كم أتمنى أن أشتري لهما اللّحم المشويّ، هما لا تشعراني برغبتهما فيه، رغم رائحته الشهيّة المنبعثة من
دار أبي سعيد عندما يكون عندهم حفلة شواء وما أكثرها، دون أن يأبهوا بشعور جيرانهم المحتاجين أمثالنا."
"أوه تبا، رآني بائع الفلافل من بعيد قادما نحوه، ها هو يبتسم لي ويجهّز لي طلبي كما عوّدته. لقد حفظني
عن ظهر قلب." يتابع التفكير: " لكن لا يحق له توقّع تصرفاتي مسبقا، لربّما أرغب في شراء شيء آخر،
كلّا لا أريده أن يعتبرني من المسلّمات، ثمة مطعم جديد سأذهب إليه هذه المرة، لا أحتمل شفقة أحد."
مرّ بالبنك القريب الّذي يعمل به مجانّا منذ ثلاثة أشهر، بعد أن وافقوا عليه بصفته متدرّب بحجّة عدم توفر شاغر
وذلك بعد خروجه من السجن. تلمّس في جيبه ظرفا يكاد يحرقه، وصله مختوما صباح اليوم من الإدارة
ولم يتجرّا على فضّه بعد.
قفل عائدا إلى البيت، أتت ريم راكضة تحضن ساقيه الطويلتين، رفعها بيد واحدة، يمطرها بقبلاته،
بدا وكأنه استفاق من غيبوبة طويلة أبعدته عن أسرته.
- بابا، حبيبي بابا لقد أتيت، يبسم لها و يناول زوجته الطعام، ما أجمل وجهها المشرق وعلامات الارتياح
تبدو عليه واضحة، تبتسم مشجّعة يا لروعتها وهي سعيدة، استعاد إحساسه السابق عندما رآها لأوّل مرة.
يزغرد صوت ريم فرحا:
- بابا عندي لك اليوم خبر رائع، أنت تعرف خال سعيد الذي يشغل منصبا كبيرا، وكنت قد سمعتك تحدّث
والدتي عنه سابقا، وكان في زيارة لهم، غافلت الجميع وطلبت منه أن يعيدك إلى عملك، ناداني وقال:
"لم أنسك يا صغيرة، بحثت في أمر والدك وعليه مراجعة مكتب العمل غدا، سيجد توصية منّي لهم بخصوصه،
أوصلي له سلامي هو مربّي أجيال فاضل، ولقد أحسن تربيتك."
وقع الخبر بردا وسلاما عليه، فعلا قرأ الخبر في جريدة اليوم أنّ الحكومة بصدد إعادة المفصولين
السياسيّين إلى أعمالهم في ظلّ التوجّهات الديمقراطيّة الحديثة.
بيده جعّد الكتاب الموجود في جيبه والذي يحتوي قرار تثبيته في العمل لدى البنك.
أشرقت إبتسامته، مرحبّا بالنّور الساطع الجديد في بلده الحبيب،
يعانقها فرحا وما زالت صورة الدمية التي أحبّتها منطبعة في ذهنه.
تمت
ريما ريماوي
متململا أشعل سيجارته وأعاد العلبة الفارغة إلى جيبه، ثم شرع يعدّ نقوده القليلة..
بضعة فلوس لا تسمن ولا تغني عن جوع. تنهّد بعمق، متسائلا في قرارة نفسه:
- أمن المعقول أنّ عشق الفرد لوطنه يسبّب له المتاعب في الحياة؟ يسُجن ويعذب
وتهان كرامته، وفي لحظة ما يجد نفسه تائها يجوب الشوارع والفراغ بلا وظيفة أو
عمل، فتختفي الأحلام، وتتبخّر الأمنيات وينتهي كل شيء!
يسحب نفسا عميقا من سيجارته، زافرا الدخّان ببطء، وقبل أن يتممها يطفئ نوّارتها
بيده، لنيّته الإحتفاظ بها أطول مدّة ممكنة، ثمّ يعيدها بهدوء وحنان خشية الكسر إلى
العلبة الفارغة، يتنبّه على نفسه، بحنان؟ السيجارة!
يستعيد الذكرى:
- بابا، أريدك أن تحضر لي مصّاصة من الحلوى، أحبّ طعمها اللذيذ.
"آه ريم الحلوة، أتمنى لو أضع العالم بين يديك." بدأت الصور تهلّ تترى، عندما دخل
ليشتري قلما من محلّ يبيع قرطاسيّة وألعاب أطفال، أشارت بإصبعها:
- بابا، أريد الدمية الشقراء ذات السلسلة الذهبيّة الّتي تزيّن جيدها، اشترها لي من فضلك..
قال في قرارة نفسه بعد رؤية سعرها:
-"تبا، ثمنها يعادل راتبي أيّام الوظيفة." ينظر بحسرة إلى طفلته قائلا:
- آسف حبيبتي، لا أستطيع لا يتوفّر معي ما يعادل قيمتها. تتناول لعبة إفريقيّة سوداء تماثلها تماما:
- لا بأس إذا هذه تكفيني. يبتسم ابتسامة مريرة: "حتى أنت يا ريم الطفلة عندك تفرقة عنصرية!"
- ولا هذه أيضا الاثنتان سعرهما واحد، ولا اختلاف بينهما إلاّ بلون البشرة، خلقنا الله تعالى سواسيّة،
لا فرق بين الناس إلّا بالتقوى.
- نعم يا بابا أعرف هذا، لكن "سعيد" وأخواته جيراننا الأغنياء أخبروني أنّ أمّهم تمنعهم من اللعب
معي لكوننا فقراء، رغم هذا ولأنّهم يحبّوني يقومون بهذا خفية عنها، وأوصوني الطلب منها السماح
لخادمتهم البنت السوداء اللعب معي، فتأذن لي باللعب عندهم ولا تطردني.
فكّر بحزن، ثم تمتم قائلا: " كيف أوضّح لك ما لا أفهمه يا صغيرتي." يشتدّ توتّره، يتساءل منزعجا:
"أين لفافة التبغ؟ أحتاج تهدئة أعصابي بها." يشعلها مرة أخرى نافثا دخّانها، يستعيد هدوءه ويستمرّ بالتفكير:
"ويح للإنسان ما أقساه، هو الذي يعلّم صغاره أنواع التفرقة العنصريّة والطبقيّة والإقليميّة بفئاتها المتعدّدة،
لهذا يلجؤون إلى الكذب والخديعة لمواراتها."
"لكن ليس كلّ البشر هكذا" يستدرك وقد تبادر إلى ذهنه والده الحبيب، لولاه لكان مصيرهم في الشارع.
يتذكّره يلحّ عليه بضرورة الاعتناء بصحّته وماله وعائلته الصغيرة؛ ريم وزوجته عبير.
"عبير" المرأة الصامدة الصّامتة الّتي باعت مصاغها كي يعيشوا بكرامة عندما اعتقلوه. وما زالت صابرة
تتحمّل ضنك العيش بشجاعة، تعضده وتشدّ أزره في قضايا الوطن.
يتملّى سيجارته، ما زال يفكر في عائلته الصغيرة: "كم من مرّة ألحّتا عليّ بترك التدخين حفاظا على صحّتي."
يهمس مستيقظا من شروده: "تالله معهما حقّ، لا أرغب الاستمرار بها"
رماها بعنف ويدهكها بقدمه، قائلا بعزم من حديد جديد:
- سأنجح في التخلّص من هذه العادة القبيحة، عليّ العودة إلى البيت لأبشّرهما بذلك.
بيته؟ يفكّر، عندما تهدر مزن السماء يفيض بهم سيل المطر الغزير من خلال شقوق السقف. فيضّطران
إلى تغطية سرير ريم بأكياس (نايلون) بمثابة مظلّة تقيها البلل، فسرير ريم موجود في أحد أ
ركان غرفة البيت الضيّقة الوحيدة.
"سأشتري الفلافل كالعادة بعشرة قروش، ريم الغالية تستسيغ طعمه." همس في نفسه متابعا:
"كم أتمنى أن أشتري لهما اللّحم المشويّ، هما لا تشعراني برغبتهما فيه، رغم رائحته الشهيّة المنبعثة من
دار أبي سعيد عندما يكون عندهم حفلة شواء وما أكثرها، دون أن يأبهوا بشعور جيرانهم المحتاجين أمثالنا."
"أوه تبا، رآني بائع الفلافل من بعيد قادما نحوه، ها هو يبتسم لي ويجهّز لي طلبي كما عوّدته. لقد حفظني
عن ظهر قلب." يتابع التفكير: " لكن لا يحق له توقّع تصرفاتي مسبقا، لربّما أرغب في شراء شيء آخر،
كلّا لا أريده أن يعتبرني من المسلّمات، ثمة مطعم جديد سأذهب إليه هذه المرة، لا أحتمل شفقة أحد."
مرّ بالبنك القريب الّذي يعمل به مجانّا منذ ثلاثة أشهر، بعد أن وافقوا عليه بصفته متدرّب بحجّة عدم توفر شاغر
وذلك بعد خروجه من السجن. تلمّس في جيبه ظرفا يكاد يحرقه، وصله مختوما صباح اليوم من الإدارة
ولم يتجرّا على فضّه بعد.
قفل عائدا إلى البيت، أتت ريم راكضة تحضن ساقيه الطويلتين، رفعها بيد واحدة، يمطرها بقبلاته،
بدا وكأنه استفاق من غيبوبة طويلة أبعدته عن أسرته.
- بابا، حبيبي بابا لقد أتيت، يبسم لها و يناول زوجته الطعام، ما أجمل وجهها المشرق وعلامات الارتياح
تبدو عليه واضحة، تبتسم مشجّعة يا لروعتها وهي سعيدة، استعاد إحساسه السابق عندما رآها لأوّل مرة.
يزغرد صوت ريم فرحا:
- بابا عندي لك اليوم خبر رائع، أنت تعرف خال سعيد الذي يشغل منصبا كبيرا، وكنت قد سمعتك تحدّث
والدتي عنه سابقا، وكان في زيارة لهم، غافلت الجميع وطلبت منه أن يعيدك إلى عملك، ناداني وقال:
"لم أنسك يا صغيرة، بحثت في أمر والدك وعليه مراجعة مكتب العمل غدا، سيجد توصية منّي لهم بخصوصه،
أوصلي له سلامي هو مربّي أجيال فاضل، ولقد أحسن تربيتك."
وقع الخبر بردا وسلاما عليه، فعلا قرأ الخبر في جريدة اليوم أنّ الحكومة بصدد إعادة المفصولين
السياسيّين إلى أعمالهم في ظلّ التوجّهات الديمقراطيّة الحديثة.
بيده جعّد الكتاب الموجود في جيبه والذي يحتوي قرار تثبيته في العمل لدى البنك.
أشرقت إبتسامته، مرحبّا بالنّور الساطع الجديد في بلده الحبيب،
يعانقها فرحا وما زالت صورة الدمية التي أحبّتها منطبعة في ذهنه.
تمت
ريما ريماوي
تعليق