حين حضرتني ذاك المساء الساحر
ذاك المساء الأخير
كان في عينيك شيء مغري
يُورد اللحن للحن
شيء غير القصيدة
شيء غير لوحات الشجو .
غير نجمات الفرح
شيء يشبه غناء السماء في ليلة تجلي
شيء سمرني على كف الدهش ..
أطااالعك بحب .
مدججاً رأسي بحكايات وأخبار سوداء , تثقل كاهل عالم بأكمله .
خبر صغير واحد وينفجر كل شيء داخلي
خبر واحد رمادي . واملأ الدنيا حولي كلمات , لا تشبه كلمات النوارس بشيء , بل أشبه بعاصفة , تود أن تلتهم العالم بأكمله ، عامان متوحشان ينهشان , في قلوبنا , بأبناء الوطن و بكل شيء داخله
عامان . كوحش مارق , يفتح فمه ليلتهم كل شيء , استشعرهما قرناً من الزمن
الجميع يأكله الخوف والقلق . عامان كأنهما ألف عام .
أصوات البوم , التي نعقت في كل مكان خراباً , جعلت أهل مدينتا يقاومون , بمكوثهم داخل منازلهم , حتى آخر قذيفة , تحملتها جنبات المدينة , ومن ثم هاهم يفرون من القصف ومن شعثاء التدمير دون وعي ، وها أنا فجأة أجد نفسي خلفهم مشرداً , خارج بيتي على أرصفة التشرد والشتات , دون أن أعلم لي وجّهَة محددة , في هذا المد المُغّبر في عيني
مطارداً من كل شيء , حتى الهواء أشعر أنه يطاردني يستقصي وجهتي , أشعر بأني صرت معمراً جدا جداً . ارهقنا هذا الوضع المفخخ , في كل زاوية وطريق وشارع .
لكنا لن نهادن هكذا يصرخ صوت داخلي
نعم شعور داخلي يحدثني , بأن عمري صار ألف عام ، بين ليلة وضحاها ، في جو تصعد جحيماً , قلقاً , هروباً ، لقد جعلوا السماء عبثية دماء .. جنازير تربض على قلوبنا طائرات حربية . لا تعرف غير قصف الأبرياء .
رصاص متوحش يفتك دون توقف .. و أيدي قلق تمسكنا بلا نهاية
ما زلت أذكر كلمات جارنا الفلسطيني , أبو مازن حين يجالسنا . دائما كان
يقول : " ما زال معي مفتاح الدار في فلسطين " ، على أمل أن يعود إليها ذات يوم .
أصبح اليوم عمره سبعة وثمانين عامٍ ، وها هو يفر مع المجموعة الأخيرة من المدينة , في نزوح ثاني , نزوح يقّتات الهَمّ الأسود من قلبه وقلوبنا جميعاً ، فما كاد يلوذ بالنسيان أو التناسي , عن تغربته الأولى ونزوحه المر عن فلسطين ، وانتظاره العودة بعد كل هذه السنين ، حتى نزح مرة أخرى معنا
نطالع الدهشة ببلاهة , وهي تتفرسنا بعيون لص , في هذه البقعة من الأرض
كأننا هبطنا من الفضاء , بأشكال غريبة تدعو للتأمل أرى داخلي وأمامي , فراغا يطالعنا بعيون تسأل ألف سؤال
حتى لو اقترب أحدهم ، ليقيس الشعور داخلنا ، أنا وهو أخاذاً مسافات الطول والعرض , سيجد فراغاً فاغراً فمه محدقاً باللا شيء ، لاشيء نحمله ، غير حقيبة صغيرة ممتلئة أوجاعاً وهموماً تحجرت مدامعها ، حزناً على ما حل بالوطن
لا شيء غير كلمات , أبكمها هول المعاناة , في الذاكرة سيجد كل المسافات , صارت ملونة , بدماء الوطن , التي تصرخ دون توقف , من القتل الهمجي .
دووون مجيب
يا ألهي : قلق لا يهدأ وترقب أشعث أغّبر لا غير
حتى حينما رآنا سائق الحافلة ذاك , قال هل أنتم نازحون
على ما يبدو للنازحين سمات يراها الغير ، ولا نراها
آه يا جارنا يا أبى مازن , كم أثقل الهم قلبك .. كـــــــــــــــل هذه السنين الطويلة
لا يشعر بالنازح إلا نازح مثله تماماً , مهما حاولنا الالتصاق بشعوره .
الآن شعرت بشعورك القديم يا جارنا
كلمة واحدة رمادية , ستفجرني دون أن أعلم , غضباً
يأكل كل شيء
عادت مرايا أبو مازن تطالع السماء من جديد , أملاً ودعاء
أدعي يا جارنا أبى مازن
أدعي بقلب لحوح متعب , في ساعة الكرب هذه , علا الله يستجيب دعاؤنا .
ها نحن على مشارف الحدود . كأننا سوف نهاجر لقارة أخرى , غير هذه القارة التي ألفناها .
كأن خيوط الفجيعة , بالوطن تُبكمُني عن الكلام كل هذا الضجيج ثائراً داخلي وأنا صامت , لا أرض أحنُّ من أرض الوطن على أهلها
تعال لنبتعد عن المارة قليلاً , كي لا يرتطموا بحقائب الهم التي نحملها داخلنا أنا وأنت , ربما انفجر بهم دونما قصد
ربما تكون الحقيبة , التي بيدي صغيرة للغاية بحجمها , لكنها مثقلة بملح العالم أجمع , وصقوعة شتائه كلها
أبو مازن يرمقني بنظرات تساؤل , أفهمه جاري منذ نعومة أظافري , هو صديق والدي رحمه الله وزوجته صديقة والدتي بل هم أصدقاء العائلة جميعا
بل أني أعتبره كوالد لي , وجَدٌ .. دائماً استشيره بكل أمر جلل
أبى مازن : يؤكد لي بنظراته شيئاً .. يوجه كلماته لعيوني
سهاماً صائبة لاتتسعها الكلمات
يا أبى مازن . لن نستطيع مغادرة الوطن .
ـ هيا نعود للوطن يابني لن أنزح مرتين , نموت أو نحيا في الوطن , فأنا لا أستطيع أن أنسى أن هذه الأرض , كانت وطني الثاني لسنوات طويلة
.......... صدقت . أرجلي مغروسة في التراب هنا . وعيناها في تلك المدينة ما زالت تندهني ، لن أستطيع مغادرة الوطن , أشعر كأني سأغادر روحي هنا على أبواب الغربة , هيا بنا لنعود أدراجنا يا أبى مازن , نموت أو نحيا فيه , سأذود عنه بكل ما أستطيع فلمن نترك الوطن ؟؟؟! .
كم أكره الألوان الرمادية
تشعرني أن الحياة لفظت آخر أنفاسها
ولكن أليس الحياة ذاتها
من تسرق من الأشياء ألوانها
في عيوننا .. لتتركها رماديات تعابثها ريح الوجود
الصفراء بصقوعه منطقها .
تعليق