كان نهاراً يلتهب شوقاً لأشياءَ لم تبدُ بعد ..
الفرح والحزن متلازمان ، واللهفة والشوق يتعانقان ، يجرانه جراً لذات الشارع الذي خفق قلبه فيه ذات انتشاء ..
يعدل من هندامه يريد أن يكون أجمل ، أن يبدو أطول ليصل إلى السماء ،كي يراها من هناك، فيرسل بعضاً من غيمةٍ تمطر عليها حباً ..
ها هي ذي ، تماماً كما تصورها..
سمرتها ، شفتيها ، عينيها الواسعتين ، حركة جفنيها حين ترتبك ، احمرار وجنتيها حين يغزوهما الحياء ، هي ذي بكل ما فيها من مكونات ، كما يحب أن يراها ..
الواحدة والربع وبضع ارتعاشات
الآن تماماً ، حين تظهر من طرف الشارع ، تتهادى فوق الأرض بكعبين تظن إذ رأيتهما كم هما سعيدان إذ يحملانها ، يغيظان من يراهما ..
نعم هي فرصته الذهبية ..
ستقترب منه ، حتى تصبح بمحاذاته تماماً ، ثم تسقط حقيبتها أرضاً ، ولسوف تظهر صورتها مع (أيمن) ..
ستشعر بالخجل ، ولسوف تحمر وجنتاها ، ليس لأنها تبدو متبرجة بالصورة وكأنها في يوم خطبتها ، بل لأن الصورة مع ( أيمن ) بالذات . هو ذاته ولا أحدٌ سواه ..
الآن وهي تقترب منه ، بدأ يدرك في رعب هائل ، أن كل ما تخيله يحدث بالضبط
وعندما كان يساعدها لتلملم بعض ما تناثر منها ، ليعيد شعورها إلى حقيبتها البنية ، وخجلها إلى وجنتيها ، كانت حدقتاه تتسعان بهلع ، كيف أمكنه رؤية ما حدث قبل حدوثه .. أي رؤيا ساعدته بذلك ؟؟
قالت له قبل أن تنصرف :
- أشكرك .. لقد ساعدتني مرة أخرى .
ستلتفت إليه ، قبل أن تبلغ نهاية الشارع ، سترمقه بنظرة غامضة ، ثم تمضي ..
الأشياء كلها تبدو واضحة جداً ، الشوارع والأبنية فقدت كينونتها ، صارت شفافة ، الجدران تظهر ما خلفها ، الأبواب كلها مفتوحة ، العقول كلها أمامه كتاب أبيض مفتوح يقرأ ما خلفه بوضوح ..
يرمق الأفق ، الذي كان صافياً ، يتمتم :
- ستمطر الآن ..
يفتح مظلته ويمضي في الشارع المشمس ، يراقبه الناس في دهشة ، يبتسم بعضهم في شفقة ، بينما يواصل هو طريقه ، دون أن يلتفت خلفه ولو مرة واحدة ، ثم يطوي مظلته ، ويمسح ما بها من مياه ، ويداري ابتسامته خلف باب منزل قديم ، يدخله ليلقي نظرة على الموجودات ، يتأمل شاشة التلفاز الفضية ، يقلب المحطات ، يجرب أن يقرأ نشرة الأخبار كأنه رآها ، وأن يخبر نفسه بنهاية المسلسل وهو في حلقاته الأولى ، ذاتها متكررة متعرية يعرفها جيدا ..
(ديجافو)... انطباع الرؤية المسبق ، أو ربما ... أكثر .
يفكر حتى يضني عقله ، ثم يغمره النعاس ، ينتفض جسده مرات ، في نومٍ غطى جسده ولم يقترب من روحه وعقله .
****
كيف يحذرها ؟؟
ينهض عصراً ، يشعل سيجارة ، ينفث دخانها في سماء الغرفة ، يوماً ما سيدخل المشفى بسبب هذه السموم ، يرفع سماعة الهاتف ، يطلب رقمها الذي انطبع أمام ذاكرته دون أن يتذكر أين عرفه ومتى ؟ ترد بصوتها الناعم الوادع ، كأنه محض همس ، يتحشرج صوته ، من بين ما يقول :
- سارة ، سيخدعك أيمن ، سوف يتزوج أخرى ..
ويغلق سماعة الهاتف ، ولهاثه أضحى مسموعاً كدقات قلبه التي اخترقت صدره ، يرتمي على الأريكة ، ترى كيف ستكون ردة فعلها ، هل ستصدق ؟
كيف سيقنعها ؟
ستكون في المشفى ليلاً ، عملها يقتضي أن تقضي ليلتها مناوبة ، سيكون هو هناك ، بأية حجة
ساعات تمضي ، في الليل البارد كان يتحرك خلف المشفى ، في شارع دخله بالذات ، الشوارع الخلفية لمدينة الصمت التي لا تتغير إلا ليلا ، حين يصبح للمقموعين صوتٌ تسمعه بعد انتصاف الليل ، حين تخرج الخفافيش لا تخشى أجهزة الأمن ولا تملك أن تتراجع ..
هناك كان شابٌ صغيرٌ يحاول المرور فيعترض طريقه لص تعس ، يتحرك هو حتى يتوسط المسافة بينهما ..
يخرج اللص سلاحه الأبيض ، يهرب الفتى بينما يرفع هو قبضته نحو اللص ، يضرب وجهه بكل عنف ، كأنه يرى فيه كل ما يبغضه ، صورة المحتل ، ووجه أيمن وملامح مدرس التربية البدنية ، رأى فيه الشر ذاته ، ينهال عليه ضرباً ، ثم يسقط أرضاً حين يرى سكين اللص تخترق بطنه ، فترتسم ملامحها أمام عينيه ، ذاتها كما ظهرت في الصورة ، بشعرها الأسود الثائر ، وقميصها الأخضر الداكن ، والشال الذي لفها فغطى كتفيها ولم يغط حسنها ..
هناك ، كان على سريرٍ مرتفع ، حوله الجدران بيضاء شفافة ، والسماء تبدو واضحة ، النجوم فيها متلألئة رغم سقف الغرفة ، صدره ملتف بالشاش الأبيض ، لكنه لا يشعر بالألم في صدره ، لكأنها كانت طعنة من الخلف ، الممرضات حوله ، والصورة مشوشة كما الصوت والإحساس ..
صوت خافت يقول :
- لقد عاد
ممرضة تقول في حسرة :
- ليتني مكانِك .
- كم أشفق عليه
يتأوه ، فتهرع إليه (سارة) ..
يبتسم ، يطلب أن تساعده بالنهوض قليلاً ، تمسك به من يده اليمنى ، تلمس كتفه براحتيها ، يشعر بأناملها حوله ، في كل مكان ، يشعر بها تملأ عالمه كله ، تقول له :
- أنت الآن بخير
يبتسم ، وهل كان في عمره كله أفضل حالاً من الآن .. ؟
- هل تذكر ... ؟
لم تكمل ، ابتلعت باقي حروفها ، رمقته بنظرة غريبة ، وانصرفت ..
نعم هو يذكر ، لقاءه معها ، حين ساعدها في التقاط حقيبتها وما تناثر منها ، حين لمح صورة أيمن ، حين رأى جريمتها ، تلك الغافلة ..
يتذكر طيفاً من ذكرى ، تمر أمامه يحاول أن يمسك خيطاً ، يفشل ويحاول حتى يغلبه تعبه فينام ..
يرى نفسه وحيداً ، الضباب يحيط بكل شيء ، قال له أحدهم :
"المعرفة تقتل ، إن الضباب هو ما يجعل الأشياء تبدو ساحرة " *
حاول أن يتذكر أين سمع العبارة من قبل ففشل ؟ ظل يفتش عن نفسه بين الضباب ، وصورته تتجلى أمامه من بين السحب ، غريبة قبيحة ، كأنه صار محض مسخ
هو كابوس ولا شيء غير ذلك ، الحقائق أكثر وضوحاً من هذا الحلم ، الحقائق فيها وجهٌ يعشقه وشعورٌ لا يبارحه ، فمتى يستفيق ؟ ليتناول كأساً من الماء ، تناوله إياه (سارة) .
****
" لا زلت مريضاً بها ، مصاباً بولعٍ اسمه : هي ، لا زلت أدمنها ، أعشق ملامحها ، صورتها وصوتها وهمسها وكل شيء لمسته بيديها فحولته ذهبا ..
أعشقها ، أقتات صوتها وتوقظني كل صباح همسةٌ صادرة منها ، كيف تمتلك القدرة على أن تكون رائعةً هكذا ؟ كيف تحيط بها هالةٌ من البنفسج تجعلها رقيقةً هكذا .؟
ليتني اكتشفتها منذ زمن ، ليتني عثرت عليها في إحدى رحلاتي قبل اكتشاف أمريكا ، وقبل سقوط التفاحة على وجهي ، قبل اكتشافي نظريتي في الحمام ، وقبل أن يفكر قابيل في طريقة يداري بها جريمته ، ليتني اكتشفتها قبل أن أراها .. "
يعتدل قليلاً ليبدو الحزن جلياً خلف الصورة ، حين تصبح الساعات المتبقية لخروجه قليلة ،
عقرب الساعات الماكر يصبح أكثر سرعة ، يقصد هذا ، يريد أن ينتهي الأمر فجأة ..
هل يجرب الموت ؟
كيف تتنبه سارة ، وكيف ستختلف الأشياء بغتةً ؟
يفكر أن يفعل ، هل تلحظه سارة ؟ أم سيكون كما زوربا ، مجرد شيء بلا قيمة لا يعني أكثر من متعلقات ، تعطى كالغنائم لمن يبقى ، أو من يسأل عنه ، أو لممرضي المشفى المناوبين لحظة إعلان الوفاة ..
فكرة الموت ليست سيئة ، فقط لو امتلك القدرة ليعرف ، كم سيحزنها هذا ؟ وكيف ستفكر وهي ترى دماءه تنساب أرضاً لتكتب اسمها ، وحين ترى رسالة أخيرة يخبرها فيها كم يعشقها ..
أخيراً تدخل الغرفة ، بيدها محقنٌ صغيرٌ ، وفي جوفها خفايا وأسرار ..
يمسك يدها قبل أن تقترب من ذراعه ، يجب أن يخبرها ..
تدفعه عنها ، تتراجع للوراء :
- كفى ..
المشهد يتوقف فجأة ، في يدها محقنا وفي إصبعها دبلةٌ ذهبيةٌ ، أيمن لم يخنها أو يتزوج عليها
هي من تركته، هي اختارت غيره ، تركته يصارع حيرته وحبه ..
- يا
" كنا هناك ، عاشقين في رفقة المطر ، حين جاءت كأنها عروس ، قلت لها :
- كم أنت فاتنة ، لماذا تتزينين وأنت بكل هذا الجمال ؟
فتبتسم / وتحوطني بذراعها ، وتلتقط صورة تظهرنا معاً بمؤقت الكاميرا الفورية ،
تضع الصورة في حقيبتها ، تقول وهي تعانقني :
- لن تفارق حقيبتي أبدا ..
متى تبدو الأشياء مفتعلة ، متكررة ، كأنها محض ذكريات ..؟ "
- أيمن .
حين ينقشع الضباب ، لترى بنفسك أن الحقيقة أكثر بشاعةً من مجرد كابوسْ .
الفرح والحزن متلازمان ، واللهفة والشوق يتعانقان ، يجرانه جراً لذات الشارع الذي خفق قلبه فيه ذات انتشاء ..
يعدل من هندامه يريد أن يكون أجمل ، أن يبدو أطول ليصل إلى السماء ،كي يراها من هناك، فيرسل بعضاً من غيمةٍ تمطر عليها حباً ..
ها هي ذي ، تماماً كما تصورها..
سمرتها ، شفتيها ، عينيها الواسعتين ، حركة جفنيها حين ترتبك ، احمرار وجنتيها حين يغزوهما الحياء ، هي ذي بكل ما فيها من مكونات ، كما يحب أن يراها ..
الواحدة والربع وبضع ارتعاشات
الآن تماماً ، حين تظهر من طرف الشارع ، تتهادى فوق الأرض بكعبين تظن إذ رأيتهما كم هما سعيدان إذ يحملانها ، يغيظان من يراهما ..
نعم هي فرصته الذهبية ..
ستقترب منه ، حتى تصبح بمحاذاته تماماً ، ثم تسقط حقيبتها أرضاً ، ولسوف تظهر صورتها مع (أيمن) ..
ستشعر بالخجل ، ولسوف تحمر وجنتاها ، ليس لأنها تبدو متبرجة بالصورة وكأنها في يوم خطبتها ، بل لأن الصورة مع ( أيمن ) بالذات . هو ذاته ولا أحدٌ سواه ..
الآن وهي تقترب منه ، بدأ يدرك في رعب هائل ، أن كل ما تخيله يحدث بالضبط
وعندما كان يساعدها لتلملم بعض ما تناثر منها ، ليعيد شعورها إلى حقيبتها البنية ، وخجلها إلى وجنتيها ، كانت حدقتاه تتسعان بهلع ، كيف أمكنه رؤية ما حدث قبل حدوثه .. أي رؤيا ساعدته بذلك ؟؟
قالت له قبل أن تنصرف :
- أشكرك .. لقد ساعدتني مرة أخرى .
ستلتفت إليه ، قبل أن تبلغ نهاية الشارع ، سترمقه بنظرة غامضة ، ثم تمضي ..
الأشياء كلها تبدو واضحة جداً ، الشوارع والأبنية فقدت كينونتها ، صارت شفافة ، الجدران تظهر ما خلفها ، الأبواب كلها مفتوحة ، العقول كلها أمامه كتاب أبيض مفتوح يقرأ ما خلفه بوضوح ..
يرمق الأفق ، الذي كان صافياً ، يتمتم :
- ستمطر الآن ..
يفتح مظلته ويمضي في الشارع المشمس ، يراقبه الناس في دهشة ، يبتسم بعضهم في شفقة ، بينما يواصل هو طريقه ، دون أن يلتفت خلفه ولو مرة واحدة ، ثم يطوي مظلته ، ويمسح ما بها من مياه ، ويداري ابتسامته خلف باب منزل قديم ، يدخله ليلقي نظرة على الموجودات ، يتأمل شاشة التلفاز الفضية ، يقلب المحطات ، يجرب أن يقرأ نشرة الأخبار كأنه رآها ، وأن يخبر نفسه بنهاية المسلسل وهو في حلقاته الأولى ، ذاتها متكررة متعرية يعرفها جيدا ..
(ديجافو)... انطباع الرؤية المسبق ، أو ربما ... أكثر .
يفكر حتى يضني عقله ، ثم يغمره النعاس ، ينتفض جسده مرات ، في نومٍ غطى جسده ولم يقترب من روحه وعقله .
****
كيف يحذرها ؟؟
ينهض عصراً ، يشعل سيجارة ، ينفث دخانها في سماء الغرفة ، يوماً ما سيدخل المشفى بسبب هذه السموم ، يرفع سماعة الهاتف ، يطلب رقمها الذي انطبع أمام ذاكرته دون أن يتذكر أين عرفه ومتى ؟ ترد بصوتها الناعم الوادع ، كأنه محض همس ، يتحشرج صوته ، من بين ما يقول :
- سارة ، سيخدعك أيمن ، سوف يتزوج أخرى ..
ويغلق سماعة الهاتف ، ولهاثه أضحى مسموعاً كدقات قلبه التي اخترقت صدره ، يرتمي على الأريكة ، ترى كيف ستكون ردة فعلها ، هل ستصدق ؟
كيف سيقنعها ؟
ستكون في المشفى ليلاً ، عملها يقتضي أن تقضي ليلتها مناوبة ، سيكون هو هناك ، بأية حجة
ساعات تمضي ، في الليل البارد كان يتحرك خلف المشفى ، في شارع دخله بالذات ، الشوارع الخلفية لمدينة الصمت التي لا تتغير إلا ليلا ، حين يصبح للمقموعين صوتٌ تسمعه بعد انتصاف الليل ، حين تخرج الخفافيش لا تخشى أجهزة الأمن ولا تملك أن تتراجع ..
هناك كان شابٌ صغيرٌ يحاول المرور فيعترض طريقه لص تعس ، يتحرك هو حتى يتوسط المسافة بينهما ..
يخرج اللص سلاحه الأبيض ، يهرب الفتى بينما يرفع هو قبضته نحو اللص ، يضرب وجهه بكل عنف ، كأنه يرى فيه كل ما يبغضه ، صورة المحتل ، ووجه أيمن وملامح مدرس التربية البدنية ، رأى فيه الشر ذاته ، ينهال عليه ضرباً ، ثم يسقط أرضاً حين يرى سكين اللص تخترق بطنه ، فترتسم ملامحها أمام عينيه ، ذاتها كما ظهرت في الصورة ، بشعرها الأسود الثائر ، وقميصها الأخضر الداكن ، والشال الذي لفها فغطى كتفيها ولم يغط حسنها ..
هناك ، كان على سريرٍ مرتفع ، حوله الجدران بيضاء شفافة ، والسماء تبدو واضحة ، النجوم فيها متلألئة رغم سقف الغرفة ، صدره ملتف بالشاش الأبيض ، لكنه لا يشعر بالألم في صدره ، لكأنها كانت طعنة من الخلف ، الممرضات حوله ، والصورة مشوشة كما الصوت والإحساس ..
صوت خافت يقول :
- لقد عاد
ممرضة تقول في حسرة :
- ليتني مكانِك .
- كم أشفق عليه
يتأوه ، فتهرع إليه (سارة) ..
يبتسم ، يطلب أن تساعده بالنهوض قليلاً ، تمسك به من يده اليمنى ، تلمس كتفه براحتيها ، يشعر بأناملها حوله ، في كل مكان ، يشعر بها تملأ عالمه كله ، تقول له :
- أنت الآن بخير
يبتسم ، وهل كان في عمره كله أفضل حالاً من الآن .. ؟
- هل تذكر ... ؟
لم تكمل ، ابتلعت باقي حروفها ، رمقته بنظرة غريبة ، وانصرفت ..
نعم هو يذكر ، لقاءه معها ، حين ساعدها في التقاط حقيبتها وما تناثر منها ، حين لمح صورة أيمن ، حين رأى جريمتها ، تلك الغافلة ..
يتذكر طيفاً من ذكرى ، تمر أمامه يحاول أن يمسك خيطاً ، يفشل ويحاول حتى يغلبه تعبه فينام ..
يرى نفسه وحيداً ، الضباب يحيط بكل شيء ، قال له أحدهم :
"المعرفة تقتل ، إن الضباب هو ما يجعل الأشياء تبدو ساحرة " *
حاول أن يتذكر أين سمع العبارة من قبل ففشل ؟ ظل يفتش عن نفسه بين الضباب ، وصورته تتجلى أمامه من بين السحب ، غريبة قبيحة ، كأنه صار محض مسخ
هو كابوس ولا شيء غير ذلك ، الحقائق أكثر وضوحاً من هذا الحلم ، الحقائق فيها وجهٌ يعشقه وشعورٌ لا يبارحه ، فمتى يستفيق ؟ ليتناول كأساً من الماء ، تناوله إياه (سارة) .
****
" لا زلت مريضاً بها ، مصاباً بولعٍ اسمه : هي ، لا زلت أدمنها ، أعشق ملامحها ، صورتها وصوتها وهمسها وكل شيء لمسته بيديها فحولته ذهبا ..
أعشقها ، أقتات صوتها وتوقظني كل صباح همسةٌ صادرة منها ، كيف تمتلك القدرة على أن تكون رائعةً هكذا ؟ كيف تحيط بها هالةٌ من البنفسج تجعلها رقيقةً هكذا .؟
ليتني اكتشفتها منذ زمن ، ليتني عثرت عليها في إحدى رحلاتي قبل اكتشاف أمريكا ، وقبل سقوط التفاحة على وجهي ، قبل اكتشافي نظريتي في الحمام ، وقبل أن يفكر قابيل في طريقة يداري بها جريمته ، ليتني اكتشفتها قبل أن أراها .. "
يعتدل قليلاً ليبدو الحزن جلياً خلف الصورة ، حين تصبح الساعات المتبقية لخروجه قليلة ،
عقرب الساعات الماكر يصبح أكثر سرعة ، يقصد هذا ، يريد أن ينتهي الأمر فجأة ..
هل يجرب الموت ؟
كيف تتنبه سارة ، وكيف ستختلف الأشياء بغتةً ؟
يفكر أن يفعل ، هل تلحظه سارة ؟ أم سيكون كما زوربا ، مجرد شيء بلا قيمة لا يعني أكثر من متعلقات ، تعطى كالغنائم لمن يبقى ، أو من يسأل عنه ، أو لممرضي المشفى المناوبين لحظة إعلان الوفاة ..
فكرة الموت ليست سيئة ، فقط لو امتلك القدرة ليعرف ، كم سيحزنها هذا ؟ وكيف ستفكر وهي ترى دماءه تنساب أرضاً لتكتب اسمها ، وحين ترى رسالة أخيرة يخبرها فيها كم يعشقها ..
أخيراً تدخل الغرفة ، بيدها محقنٌ صغيرٌ ، وفي جوفها خفايا وأسرار ..
يمسك يدها قبل أن تقترب من ذراعه ، يجب أن يخبرها ..
تدفعه عنها ، تتراجع للوراء :
- كفى ..
المشهد يتوقف فجأة ، في يدها محقنا وفي إصبعها دبلةٌ ذهبيةٌ ، أيمن لم يخنها أو يتزوج عليها
هي من تركته، هي اختارت غيره ، تركته يصارع حيرته وحبه ..
- يا
" كنا هناك ، عاشقين في رفقة المطر ، حين جاءت كأنها عروس ، قلت لها :
- كم أنت فاتنة ، لماذا تتزينين وأنت بكل هذا الجمال ؟
فتبتسم / وتحوطني بذراعها ، وتلتقط صورة تظهرنا معاً بمؤقت الكاميرا الفورية ،
تضع الصورة في حقيبتها ، تقول وهي تعانقني :
- لن تفارق حقيبتي أبدا ..
متى تبدو الأشياء مفتعلة ، متكررة ، كأنها محض ذكريات ..؟ "
- أيمن .
حين ينقشع الضباب ، لترى بنفسك أن الحقيقة أكثر بشاعةً من مجرد كابوسْ .
*****
السبت-3 ديسمبر 2011
الواحدة صباحاً
السبت-3 ديسمبر 2011
الواحدة صباحاً
* أوسكار وايلد
تعليق