هدير الخوف..
نزولا عند رغبة زوجته رضي "هاني" المشاركة في رحلة بحرية لزيارة جزيرة أرواد التي تبعد ما يقارب النصف الساعة عن مدينة طرطوس حيث يقيمون، وكانوا يقضون إجازتهم السنويّة في ربوع سوريا، وافق رغم
شدّة خوفه من البحر الغدّار، خصوصا أنّهما لا يجيدان السباحة، قال:
شدّة خوفه من البحر الغدّار، خصوصا أنّهما لا يجيدان السباحة، قال:
- ما زلت أذكر أوّل مرة شاركت صديقي السباحة في البركة، وكدت أغرق لولا تنبهه لي وتمكّن من إنقاذي. أضاف خجلا: بعدها لم أقرب الماء بتاتا. لكنّها لم تهتمّ لكونها مغامرة لا تخاف، ورغبت بقوّة أن يشاركها زيارة
تلك الجزيرة السياحيّة الجميلة. استقلّوا أحد القوارب العاملة على خطّ الجزيرة يرافقهم وحيدهم "حسام".
تلك الجزيرة السياحيّة الجميلة. استقلّوا أحد القوارب العاملة على خطّ الجزيرة يرافقهم وحيدهم "حسام".
أمضى "هاني" الهادئ بطبيعته الوقت يفرك يدا بيد دون أن يكفّ عن الحوقلة والبسملة وقد تملكّه الخوف، فكّرت في داخلها: " غريب أمر هاني، يبدو جبانا رعديدا رغم إنقاذه حسام عندما أغلق باب الدّار على نفسه،
قافزا من شرفة الجيران إلى شرفتنا في الدور الرابع، دون أن يخيفه الارتفاع الشاهق.
قافزا من شرفة الجيران إلى شرفتنا في الدور الرابع، دون أن يخيفه الارتفاع الشاهق.
أفاقت من أفكارها على ميلان القارب الحادّ المفاجئ باتجاه اليمين.. ممّا أقلق الجميع فضجّوا يتساءلون. نظرت إلى زوجها هلعة، وإذا بعينيه تقدحان شررا، همس قائلا:
- هل يعجبك الوضع يا حنان؟! يالك من لجوجة، طيّب فكلّ شيء بحسابه.
- هل يعجبك الوضع يا حنان؟! يالك من لجوجة، طيّب فكلّ شيء بحسابه.
لم تجبه وطاف شبح ابتسامة اعتذار على وجهها، ترنو إليه وطفلهما الذي لم يتجاوز ربيعه الثالث، يجلس آمنا في حضن أبيه، مطمئنّاً بين ذراعيه تلتفّان حوله تشدّانه بقوّةٍ وحنان إلى صدره. شعرت بتأنّيب الضّمير،
أطرقت برأسها نادمة لا تنبس ببنت شفة لقد فات الأوان، من الواضح غضبه منها.
أطرقت برأسها نادمة لا تنبس ببنت شفة لقد فات الأوان، من الواضح غضبه منها.
دبّت حركة حيث الربّان ومساعده: ها هي ذي إنّني أراها. توقّف، توقّف، اقترب إلى اليمين قليلا. ركّز الجميع أنظارهم حيث يؤشّر الرجل، فرأوا حافظة جلديّة تطفو على سطح البحر. غطس المساعد في الماء وعاد يحملها. وسلّمها لمالكها الذي أوقعها بالصدفة في عرض البحر، كانت منتفخة وتوحي بأنها ممتلئة بالنقود، هتف الجميع فرحين باستعادتها. التفتت مبتسمة إلى هاني وكان قد استرخى قليلا، فهمس بأذنها قائلا:
- سنعود حال وصولنا الجزيرة دون التجوّل فيها، أريد التخلّص من هذا الكابوس بأقرب فرصة.
- سنعود حال وصولنا الجزيرة دون التجوّل فيها، أريد التخلّص من هذا الكابوس بأقرب فرصة.
هذا ما حصل بعد جبرهم على دفع أجرة العودة، استقلّوا قاربا آخر ومضوا في رحلة العودة من جديد. وإذ بالخوف يداهمها هي الأخرى، فالخوف معدٍ فعلا، شرعت تدعو الله في سرّها أن تنتهي الرحلة على خير. غرقت في أفكارها من جديد: "يا لي من بلهاء، لمَ ألححت عليهم؟! لقد قمت بنفس الرحلة مرّتين سابقا ولم أستمتع بهما.
في المرّة الأولى؛ كانت مع أهلها، وفوجئوا لمّا توقّف المركب في عرض البحر، ممّا اضطرّ المساعد إلى النزول في الماء ليزيل أكياس (نايلون) التصقت بمروحة المحرك، خلال العمليّة رأت وجه والدتها يمتقع ويصبح كالليمونة الصفراء خوفا على الابن الشاب الذي لم يأبه بندائها وساعد في عملية الإنقاذ.
أما المرّة الثانية، فأتت برفقتها أختها الصغيرة في رحلة جَماعيّة مع الأصدقاء.. يومئذ صعدت على نفس القارب امرأة محليّة من سكّان الجزيرة، وتبادلوا معها أطراف الحديث، طمأنتهم قائلة:
- لا تخافوا، هذه رحلة عادية، تعوّدتها يوميّا من وإلى الجزيرة.
لكن باغتتهم عاصفة عاتية فهاج البحر وماج، صفعهم الماء عندما دخل عليهم من كوّات القارب المفتوحة، ودبّ الذعر حين بدأ القارب يتمايل بعنف وتعالت صيحات الفزع.
جلست إحدى الصديقات على الأرض تحتضن طفلها الصغير هلعة تبكي وتصرخ، وانتقل خوفها إلى ابنها الكبير، فأفرغ ما في جوفه على عروس شابّة محجبّة. لشدّة اشمئزازها، بردة فعل عفويّة خلعت عباءتها،
وإذا بها ترتدي قميص نوم شفافا يظهر أكثر ممّا يخفي، فَاحَتضنَها زوجها يحتجّ عليها، ويسترها بجسده.
وإذا بها ترتدي قميص نوم شفافا يظهر أكثر ممّا يخفي، فَاحَتضنَها زوجها يحتجّ عليها، ويسترها بجسده.
أمّا هي فلقد أصابتها حالة خدر وتبلّد إحساس، انسلخت عن الواقع وصارت ترى الأحداث كشريط سينمائيّ تمرّ أمام عينيها، كأنّه مقطع لا يخصّها.
- يا للخسارة، لقد أفسد الماء تسريحة شعري. قالت أختها، ضحكتا بهستيريّة وبدأت الدموع تترقرق في عينيهما دون أن تحسّا، كان موقف الأخت من الأحداث يصنّف ضمن المضحك المبكي.
الطامّة الكبرى الّتي ساهمت في زيادة فزعهم انهيار المرأة المحليّة، فقعدت على أرض القارب تبكي وتولول وتندب حظّها، بعد أن تملّكتها بدورها هي الأخرى نوبة الفزع أسوةً بالباقين الذين لم يألفوا جو البحر
وتقلّباته الهادرة. انتهت العاصفة بعد قليل، وعاد البحر إلى هدوئه المخادِع، لكن بعد أن نجح في طمس فرحة الجميع، لم يتجوّل أحد منهم في الجزيرة، بل جلسوا على الشاطئ ينتظرون إعداد القوارب للعودة
من جديد.
عادت تنظر إلى ساعتها متلهّفة الوصول إلى شاطيء الأمان: "لربما منيّتي هي التي جلبتني إلى هنا لثالث مرّة، رحمتك يا الله أنقذ طفلي وزوجي الحبيبين."
"الحمد لله أخيرا وصلنا برّ الأمان" وتنفسّت الصعداء.لم تتردّد في مسك يد المساعد الممدودة لمساعدتها على النزول من القارب، كانت مهدودة القوى وأحسّت بقوّته تسندها. نعم خوض غمار البحر يتطلّب رجالا
"الحمد لله أخيرا وصلنا برّ الأمان" وتنفسّت الصعداء.لم تتردّد في مسك يد المساعد الممدودة لمساعدتها على النزول من القارب، كانت مهدودة القوى وأحسّت بقوّته تسندها. نعم خوض غمار البحر يتطلّب رجالا
أقوياء شديدي البأس. ألقت النظرة الأخيرة على البحر تعاهد نفسها ألاّ تعود مرة أخرى "ليست في كل مرّة تسلم الجرّة".
بعد أيّام من عودتهم إلى البيت بأمان استعادت ما جرى معهم في القارب، سألت زوجها مبتسمة: عندما قلت لي كلّ شيء بحسابه ماذا كنت تقصد حينها؟! نظر إليها نظرة غامضة، باسطا يديه الإثنتين جذبها إلى
أحضانه وغابا في قبلة طويلة، ثمّ غاص في عينيها يبادلها الابتسامة العذبة قائلا:
أحضانه وغابا في قبلة طويلة، ثمّ غاص في عينيها يبادلها الابتسامة العذبة قائلا:
- لا شك أنّ هذه التجربة أفادتني، أعتقد أنّني قادر على ركوب البحر من جديد، لكن حينئذ قلّبت فكرة غرق القارب في رأسي، بالطبع سأعمل على إنقاذ "حسام" لمعرفتي القليلة بالسباحة، أمّا أنتِ أيّتها العنيدة فكلّما
برز رأسك فوق الماء كنت سأعود وأغطسه بيدي من جديد!
برز رأسك فوق الماء كنت سأعود وأغطسه بيدي من جديد!
مع تحيتي/ ريما ريماوي.
تعليق