عائد من الظل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عجلان أجاويد
    مشاكس و عنيد
    • 03-01-2017
    • 238

    عائد من الظل

    أنا الآن مضطرب البال مشوش الأفكار ، وكأن فكري تروض على طنين دحرجة البراميل ، أعلنت أمس عن سقوط موغابي زعيم مقبرة الخراب ، و اليوم سأتراجع عما قلته و أعتذر ، فأنا صادق و قد ألفت الصدق في كلامي ، أخطأت حين صدقت القبر المنسي من مقبرة سيدي ابراهم ، و نقلت لكم الخبر و أنا في كامل قوتي العقلية و البدنية ، و لم أكن أنوي التصريح الكاذب الذي يعاقب عليه القانون ، رغم أنني نقلت الخبر بصدق و بكل أمانة من قبر المعني و لم أزايد عليه أو أزيد من خيالي ، و لأن وكالة القبور المنسية كذبت الخبر و اتهمتني بتصديق مسيلمة الكذاب و من سار في ركبه من سلاطين و حكام و رؤساء أحزاب و حكموا المقبرة بالزور و الظلم و البهتان
    لست واثقا من الهدف في إطلاق هذه الفقاعة و السرعة في إطفائها بالتكذيب و الوعيد لمن تجرأ و تجاوز قبرا حتى و إن كان بالمزاح ،
    ماذا كان يحدث لو انتفضت كل القبور على طنين دحرجة البراميل الذي أحدث هذه الفوضى السياسية و الاجتماعية و نحن في غنى عنها بعد ما أورثنا اياها جدهم بوعزيز بن قانة و العربي بن جمام و الميهوب بوقصعة الذي كان يصلي صلاة الجنائز على الأموات بلا وضوء نكاية فيهم ، و كي لا يقبل الله توبتهم و رحمتهم
    كان بوشليح يسكن المغارة في جبل لعراكب ، و في الليل يتسلل إلى أكواخ الأهالي يعبث بنسائهم و بناتهم فيسميه جهادا ضد الكفار ، لهذا السبب تراني أدحرج البرميل على قبورهم حتى أسمعهم طنين الاستقلال الذي يتغنون به عند كل مناسبة ، ماذا لو عاد بوشليح من قبره الموحش في أعماق الغابة و اعترف بتلك التفاصيل التي أغرته بجهاد الطمع في النيل من شرف أهل القرية ، و كيف اندس بين صفوف الفلاقة لاختراقهم بطلب من الحركي ليمان بن لمقدم ، و قد وعده بأشياء كثيرة ، غير أنه ليلة الاستفتاء على تقرير المصير تم جلاء السكان إلى المحتشد ، تسللوا في غفلة و أصلبوا عقارب الزمن على ساعة بين يومين ، و أطلقوا آخر رصاصة كانت كافية لطمس تاريخ كامل من الرعب و السلوك المشين لمن تعاون على الشر وإذلال الشرفاء ،
    خرج بوشليح و هرب في المجهول و قد اخترقت جسده قطعة المعدن الثقيل و لما أحس بالوهن انبطح و جحظت عيناه كأنها تتبع عزرائيل لحظة قبض روحه ، في الصباح انتشر الخبر في القرية و القرى المجاورة ، أحس الأهالي بنكهة التشفي تسري في أوصالهم ، فأجمعوا على دفنه في أعماق الغابة بعيدا عن الأماكن الطاهرة ، خوفا أن يلوثها قبره و تتمرد روحه المدنسة بالشر ، و منذ ذلك الزمن و أنا أحس برغبة في دوس قبره و قد ماتت حرمة القبور في نفسي

    عندما مالت الشمس صوب المغيب ، تدفق الظلام على القرية، فانزوى أهلها في أركانها الموحشة بأكواخها الطينية ، و مزاربها الصغيرة الضيقة ، و قد زادت في انتشار الخوف و الرعب و مرارة العيش مع بشر هجرتهم الرحمة و الإنسانية بلا رجعة ،،،
    في هذه الأثناء يخرج بوشليح من مخبئه ، و ينزاح صوب الأكواخ في خطة محكمة ،سيعرج على محتشد مزوارة ، سيلتقي لجودان اسماعيل و عبد الحميد بن جمام ، و وسيملأ قحفه بالفوضى نتيجة احتسائه للعديد من قنينات الخمر
    وقف بو خن و قد اعتلاه الغضب بعدما رأى الدوبل سيس ضمن رتل الأحجار ، واكتشف خيانة النمس له
    قل له: بصوت متدحرج و قد بحت حنجرته
    اللعبة خنزت يا بوسرطوق !!!
    ثم دلف نحو الباب و هو يحك مؤخرته ، و يتوعده بلعبة نظيفة

    رمى أحجار الدومينو في وجه النمس ، وخرج وهو يتمتم بكلام خافت ثم انساب صوب كوخه ، لكنه تفاجأ حين لج المفتاح في خرم الباب و تبين له أن القفل قد استبدل و ليس له من وسيلة أخرى لفتحه ، فسيطرت عليه أفكار شيطانية مريبة
    تساءل : هل غيرت زوجته القفل ، و حققت تهديداتها ، ألم تقسم له بتغيير القفل و تركه للمبيت في الصقيع إن هو تأخر مرة أخرى ؟
    ماذا لو يعود إلى المقهى و يبيت فيها ؟
    طرق طرقا خفيفا على الباب علها تتراجع و تفتح له الباب ، لكنها صممت على تنفيذ وعيدها ، تراجع بوخن نحو الخلف ثم اندفع بقوة ، فانبلج الباب و استسلم القفل لشدة الارتطام ، وجدها عارية على غير عادتها وتحسس الدفء في نصف فراشه الآخر ، في تلك اللحظة خطرت بباله حادثة الدليمي يوم تأمر عليه لجودان اسماعيل و كلفه بالمبيت في جبل لعراكب ليخلو له الجو في العبث بحرمته ،،،
    أقسم لها بالثلاث و أقسمت هي أيضا ، إذا من ،،، ؟ النمس كان معه في المقهى ، لن يكون إلا ابن بوشليح فهو الوحيد الذي أطل واختفى ، و هل يمكن للجينات الوراثية أن تنقل الخبث من الاباء إلى الأبناء ،،؟
    في مساء اليوم الموالي فتحت المقهى أبوابها ، و حام اللعيبة حول طاولات الدومينو , إلا بوخن فقد تأخر عن الموعد ، و تأخر السؤال
    قال النمس بنبرته التهكمية ،
    بوخن ترشح للانتخابات ، هو الآن منشغل بجمع التوقيعات ، و إعداد برنامج يغري به الناخبين بعد أيام يصبح نائبا في البرلمان ، سنراه على شاشة التلفزيون ، يناقش ويحلل ، ينتقد و يصوب ، سيطبق خطط اللعبة في مناقشة برنامج الرئيس ، ثم أكمل و هو يقلب أحجار الدومينو ، لن يلعب معكم بعد اليوم ، سيلعب مع الكبار بعد أن تمنح له الدولة الامتيازات المغرية كي يرفع كفه للمصادقة ، و ترفع زوجته ساقيها للاستسلام
    تبادلوا النظرات فيما بينهم وكأنهم فهموا ما يقصده النمس من تلك الفضائح التي تتقرر في القرية ،
    لم يكن عبد الله الهز ينوي الشر أو العبث بشرف الناس ، و قد استقام في وقفته طالبا الصفح و البراءة ، و قال للقاضي اختلطوا معي في الظل ، أصبحوا قطيعا من الذئاب وراء نعجة منفردة عزلها الفقر و زاد في عزلتها الترمل ، و الحاجة لمن يقف جنبها و يحميها
    استدار إليها القاضي سائلا ،،، و أنت ؟؟؟
    لم تتردد في الإجابة و البوح
    قالت : حين تغرق القرية في الظلام يتسلل بوشليح إلى الكوخ مدججا بالوعيد و التهديد باسم الجبهة و التمرد على الاستعمار و الجهاد على الكفار ، و لما مات ذلك الموت الرخيص خلفه عبد الله الهز في تبني ما تأخر من ظلام ، لم التقي به صدفة بل هو من أرغمني بعد مطاردة طويلة و مغامرات لا تنتهي عند بال

    صمت القاضي و صمتت القبور المتناثرة أمامه ، لم يبقى إلا طنين البرميل الفارغ ينبعث في طرف مقبرة سيدي ابراهم ، و قد أختلط بكل الأصوات الآتية من تلك المرتفعات القريبة من جبل لعراكب التي تمتد لتشكل سلسلة قمم حادة يحتضنها الأفق الفسيح الممتد بلا حدود ، كانت القرى المجاورة مثل لمليمل و أحمال و لجرابة محميات صغيرة ، لبوشليح و عبود باسم الثورة و باسم تطبيق شرع الله على القرويين العزل ، بل كانت مرتعا لنزواتهم التي تتحدى كل الأعراف وكل المواثيق ،،،
    بدأ النمس يخلط أحجار الدومينو ، بطريقة تعكس حالته النفسية المتوترة ، و قد أحاط به بوخن و عبد الله الهز و الضبيش ،
    قال له بوخن بنبرة استهزاء : اليوم يومك يا النمس !!!
    رد عليه النمس بتوتر و استخفاف و هو ينقر قطع الدومينو بعضها ببعص ،،، أ أنت يا بوخن ؟؟؟ ، أمثالك ألعب معهم بنصف عين ، ثم لقد سمعت أنك ترشحت لخوض غمار الانتخابات ، ستصبح نائبا في البرلمان ، قد نشتاق للعب معك ، بعدما تمنحك الدولة سيارة فارهة و مسكن لائق ، و قد تتوسط لنا لاسترجاع مكانتنا و العيش بكرامة في القرية ، دون التعرض للمضايقات و المساءلة عن انتماءاتنا السياسية
    ابتسم عبد الله الهز ابتسامة خادعة لاستمالة النمس ، و تشجيعه على الخوض في أسرار القرية ، ثم طرح القطعة الرخامية ، وقد تعمد في زحلقتها على سطح الطاولة و قال : سيس ،،، أقتل ،سكت النمس و استمر في نقر أحجار الدومينو بعضها ببعض ، و قد تاه في متاهة تلك الأيام الصعبة و المرعبة ، حين كانت تخرج الذئاب من الغابة لتتلقفها كلاب القرية بنباحها المتميز ، فتعلن القرية حدادها و قد أنطفأت الأنوار الخافتة التي كانت تنبعث من نوافذ الأكواخ الطينية الساكنة ، لو لا تلك الطلقات المتقطعة و التي تحدث بين الحين و الحين ، فيهرع بوشليح إلى طرف القرية حيث يسهل عليه الهرب و الاحتماء في شعابها ، بعدما يكون قد نال من شرف أهل القرية باسم الجهاد على الاستعمار و مقاومة المحتل ،،، في الأيام الأولى للاستقلال زحف الأهالي على مزرعة الكولون و حولوها إلي قيطوهات متداخلة من الأكواخ ، و زحف رفقاء بوشليح على الشقفة و على بنايات المعمرين و استولوا عليها ،،،، لا أحد تذكر مريم الشاطودانية حين أوقفها جنود الاحتلال ، مزقوا لباسها الرث ، ثم تركوها عارية بين قهقهاتهم المرعبة ، هربت في المجهول صوب المرج ، قطفت الحشائش و غطت حقولها المثيرة
    نكزه الضبيش بكوعه : ألعب يا النمس ، ،
    استفاق النمس من تيهه ، رمى قطعة الدومينو و نطق بصوت خافت
    _ تموت ،،،؟؟؟
    تنهد بوخن و استمر في نقر أحجار الدومينو السبع ، بعدما تجاوزته اللعبة للمرة الثانية ،و قد أحس بتلاعب النمس بالأحجار أثناء خلطها ،فنقر الطاولة إذانا لهم بالتجاوز ، إلا أن عبد الله الهز اتبع خطة مخالفة لرغبة النمس ، و فتح اللعبة على شطرها المقفل ،
    تاه بوخن في الظل ، سار في معبر ضيق ، ثم انحرف صوب باب الكوخ ، سمع همسا خافتا فحاول التطلع إلى مصدره ،
    إنه عبد الله الهز يحتضن بندقية من خيش و يتموه في الظل ،،،
    قال له القاضي و قد أعماه الطمع ، و تعمد التقليل و التهوين ،،
    _ كم ستدفع إذا تنازلت ؟؟؟
    رد الهز بجديته المعهودة : سأكون مدينا لك بالخبز و الملح الذي بيننا
    و لما ازداد الهرج و المرج داخل الحجرة ، عمد القاضي إلى نقر سطح الخشب الصقيل المستورد بمال الشعب و رفع الجلسة ، فتسللت عبر ممرات القاعة و قد كتمت شهقتها ، و سترت بطنها الفاضح ،و تبعها الحاضرون إلى الانصراف ،
    و لنا خلت المقبرة من المشيعين ، وقف القاضي على قبره ، وهمس ببحة خافتة ،
    _ باسم الشعب حكمت المحكمة ببراءة عبد الله الهز من كل التهم المنسوبة إليه ،،، ثم اختفى في الظل،،!!!
    تمادت القبور في صمتها و لم تستطع انتقاد الحكم الظالم في حق القرية و أهلها ،حتى القبور الحديثة التزمت الصمت بالتواطؤ مع الأحياء لتركها رقعة ضالة في الظل ، رهينة الخرافة و الشعوذة و الدروشة و لعبة الدومينو ، و التي أخرت الاستقلال ثم رهنته للزوايا المنفرجة تعبث فيه كما تشاء ، حتى اشتراكات الأهالي كانت تعبر الحدود عبر وادى سنيس ثم مغنية دون أن ينقص منها فلس واحد ، لكن بعد وصولها مدينة وجدة المغربية تسندها الراقصة تحت فخديها ، و تصرف باسم الثورة و شراء السلاح ، بعد الاستقلال ازدهرت لعبة الأمس ، و استدعيت أرامل الشهداء إلى المكاتب و الإدارات لصرف معاشاتهن في الظل و بالشروط المخجلة،،،
    _ قال له النمس بنبرة استهزاء ،،،!!!!
    ألعب يا بوخن لسنا تحت قبة البرلمان ...!!!!
    تنهد بوخن تنهيدة الانكسار و مد يده المرتجفة صوب رتل الأحجارتأهب بوخن للمغادرة غير أن كلام النمس الموجع ألزمه البقاء و الصمود ، خاصة و قد استفزه حين أشار إلى حذائه البلاستيكي ثم إلى أنفه إشارة مهينة ، دفعته إلى ثني قدميه نحو الخلف ، و الاستعداد و التأهب للمواجهة و رد الفعل و التصدي له ، حتى و إن تطلب المبيت في المقهى ، و لكن ماذا سيقول لزوجته وقد أقسم لها بعدم تكرار ذلك التأخر الذي كاد يعصف برابطة الزوجية قبل أسبوع فقط ، ثم أيترك هذا الوغد ينتصر عليه انتصارا مؤلما و ممزوجا بالخيبة و المهانة و الكلام الموجع ، و قد تعمد النمس في إثارة مشاعره و استفزاز أحاسيسه حين ذكر له قبة البرلمان ،
    نقر بوخن القطع الرخامية بعضها البعض ثم طرح القطعة البيضاء الناصعة و كأنه أصيب بالبكم !!!
    قال له النمس : ألعب يا بوخنشور !!!
    أحس بوخن بوخز الصيحة ، و تاه في الظل ، سار في اتجاه جبل لعراكب ، داس على قبر بو شليح و تحدى روحه الشريرة ، وقطف حزمة من فروع الغابة ليقدمها علفا لعنزته ، أثناء العودة تخمرت في رأسه فكرة الترشح لخوض غمار الانتخابات البرلمانية ، لما لا يوظف تلك الخطط الكثيرة الناجحة التي يتقنها في لعبة الدومينو ، السياسة أيضا لعبة لا تختلف عن بقية الألعاب ، ثم كيف بقي هؤلاء المقامرين يعبثون بمستقبل البلاد من غير خطة ، و من غير نتيجة ، هل ورثوا حكمنا عن ابائهم ،
    _قال له النادل :
    وهو يحرك رأسه ،،، انهض يا بو خن لقد انتهى الليل
    ركن بوخن إلى الهدوء و السكينة ، و قد خفتت تلك الانفعالات و رسبت الهستيريا العاصفة التي هزت كيانه ، و استفاقته على حالة مهينة و موجعة ، تلفت إلى جنبيه كمن يبحث عن شيء ضاع منه اللحظة ، و قبضته لازالت تقبض على أحجار الدومينو بأحكام ،
    _ تساءل و هو في حيرة من أمره ،،،؟؟؟
    _ أين النمس ،،، أين اختفى ،،،؟؟
    تسربت إلى كيانه شكوك قاتلة و استسلم لتساؤلاته ،، هل النمس من دس له المخدر في القهوة و تركه نائما في المقهى ، فتح قبضته و رمى أحجار الدومينو على الأرض ، و لما أحدثت نقرا على البلاط تاه بوخن في الظل
    كان بوشليح عميلا مزدوجا ، كلفه عبد الحميد بن جمام باختراق سم الخياط ، حاول في البداية لكن قادة الثورة حكموا عليه بالإعدام ، و لما استشهد القادة الكبار انتهى حال الثورة إلى اليتم ، فأصبح السم الذي يقتل كل السموم ، و الخياط الذي يخيط التهم للأهالي بكل المقاسات التي ترضيه و تشبع نزواته

    تقلص الشك في صدر بوخن مفسحا المنافذ لليقين و هو يهم بالخروج من المقهى ، خاصة وقد تم تنويمه بطريقة لا تخطر على بال ، تيقن من الرشفة الأخيرة في عمق الفنجان لما لها من نكهة خاصة ومميزة ، لكن السؤال الذي بقي يؤرقه هو لماذا تآمرا عليه النمس مع ابن المهزازة و هما مختلفان على الدوام ، ثم كيف توسط له ابن بوشليح مع مدير الميناء كي يعينه حارسا ليليا ، لكن لم يلبث و انكشف أمره ، و قد عثروا على صورها الفاضحة في هاتفه الخاص ، كان يستعمله للضغط عليها حين تأبى و تنكسر ، و لما انكشفت الحقيقة ، أحس بالتعب و الدوار ، وهي أحست بجهنم تغشاها
    _ قال لها القاضي باستحياء : منذ متى ؟؟؟
    ترددت في البوح ، تلفتت إلى الجهات المحيطة بها ، تبحث عن كوة للخلاص و حشرجت بصوتها الخافت
    _ ليس اليوم يا سيدي ؟؟؟ !!! استسلمت القرية للظل وقد غمرها السكون و الصمت ، لولا بعض النباح المتقطع المنبعث من جهة الشوف ، حيث كان بوشليح يتحايل على زعبر بالحراسة هناك طول الليل ، للمبيت في فراشه و الاستمتاع بدفئه باسم الثورة و المساهمة في الجهاد و محاربة الاستعمار ،
    و خلال نصف قرن من الاستقلال استفاقت الجينات الوراثية في ذات ابنه الملوثة بالشر ، أوهم زوجته برحلة صيد ، أكدها الجمعي في المنعطف و سار معه كشاهد على تخوم جبل لعراكب ، بعيدا عن الميناء القابع في حلق الماء ، ورتل الشاحنات الكبيرة ،
    قال للجمعي بنبرة افتخار و اعتزاز
    _ أنا من حتمت على مدير الميناء توظيفه عساسا ، هي أحسن له من البقاء في بيته ، ثم له عدة امتيازات كالعلاج و التقاعد ، و ينام في النهار إذا أراد ،،،،
    و حين امتطى عقرب الساعة ظهر أخيه على ساعة بين يومين ، تحسر ابن بوشليح على جولة الصيد الخائبة ، ودع رفيقه ثم أقفل عائدا في الظل صوب إحداثيات الفء الموعودة
    استمر النمس في العبث بأحجار الدومينو ، فكان ينقر بعضها البعض ، ويمهل ابن المهزازة على الرد عليه ، فرتل القطع قد انحرف مساره صوب لحظة لم يتوقعها أحد ، و في اللحظة نفسها كان صوت الرئيس زروال ينبعث من جهاز التلفزيون المعلق في الركن المظلم من المقهى ، و هو يحرك رأسه في حركة دائرية ،و يتوعد المواطنين باقتلاع الإرهاب من جذورهم ، و قتل الدوبل سيس قتلا مهينا و مخزيا ،
    نقر ابن المهزازة سطح الطاولة في إشارة منه إلى توافق الخطة مع خطاب الرئيس ، فالمواجهة تأزمت و تعقدت وأصبحت مستحيلة و لم يبقى أمامه سوى هامش ضئيل للمناورة ،
    _ قال للنمس باستهزاء
    ابن الأرملة جاء إلى القرية ، أوقف سيارته الرباعية الدفع على مشارف لعراكب أوهم الجمعي بالصيد ، تركه يترصد الخنازير عند تخوم منتصف الليل ، و تسلل صوب الظل
    قال له النمس باستهزاء أنت ثعلب البساتين ، لا تقاوم إغراءات طمعك و تخوض معارك وهمية تخسرها في النهاية ، لا تصمد طويلا حتى تنهار مثل كومة الروث ، فمن اشار لك بالترشح للبرلمان و أنت أمي و جاهل ، أنت مثل ابن بوشليح الذى تحدى الواقع و ترشح في حزب الملط و لما استلم المقعد و مؤهلاته العقلية لا تسمح له بالتشريع أو قراءة القوانين ، لأنه تربى على الخبث و الحرام و ممارسة الرذيلة و الفاحشة ، فاستغل كل الفرص لإطفاء نزواته
    أما أنت يا بوخنشور فلعبة الدومينو أكبر منك و قد وجدت من يجلس معك و أنت تفوح بالنتانة ،
    أحس بوخن بالإهانة و هو يخلط أحجار الدومينو ، تلفت إلى ابن المهزازة الذي كان يدخن تبغا مشبوها ، و قد جحظت عيناه ، إلى درجة أنه صار لا يفرق بين أحجار الدومينو قال له بصوته المتهدج المخنوق
    _ عيش تشوف يا شلاغم الكلب ،،،
    تاه ابن المهزازة في الظل ، عاد إلى تلك الأيام الصعبة حين كانت طائرات الكيمولي تحوم على مرتفعات جبل لعراكب ، و تفرغ حمولتها على مواقع الثوار ، بلا رحمة و لا شفقة ، كان بوشليح يسند ظهره إلى كيس الاشتراكات التي جمعها عنوة من الأهالي ، و هو يتوعد و يتهدد بتصفية المشري و صالح البف ، و كل من استنكر تصرفاته المخزية التي كان يمارسها في ادلال و اهانة الناس ،
    بعد الاستقلال تقررت نفس المآسي و بنفس الأشخاص،،،،،
    نقر عبد الله الهز الطاولة إذانا بالمرور ، وبقي النمس يترصد القطعة المناسبة لغلق اللعبة
    انحنى بوخن على صدر الطاولة ، انحناء مذلا ليخرج عقب سجارة من أحد جيوب سرواله الرث ، و هو يتوعد الضبيش بهزيمة نكراء لن ينساها أبدا ، تتذكرها الأجيال على مر التاريخ ، و سيحدث ثورة في عالم الدومينو يتجاوز صداها الثورة التونسية التي الهمت العالم وتركته مدينا لها بالاعتراف و الافتخار ، و أنهت خرافة الشعب المذل الذى رضع المذلة مع لبن حكامه
    _ قال بصوته الخن و بنبرة أبناء الميلية و قد استبدلوا حرف اللام نونا ،،،
    أنعب يا عبد الله الهز ،،،؟؟؟
    تاه عبد الله الهز في الظل ، حاصرته الأشباح من جهات الغرب و سدت عليه كل المنافذ حتى خفتت أنفاسه ، دق حفيد بوشليح الباب دقا خفيفا و تسرب صوته المدجج بالرعب ،،،
    _ أفتح يا عمي عبد الله ،،،
    ,,,,/,,,,

    شقيف الشقفاوي
  • عجلان أجاويد
    مشاكس و عنيد
    • 03-01-2017
    • 238

    #2
    استفاق عبد الله الهز على صوت ألفه منذ أمد بعيد ، لكن الخوف و الرعب أغرقه في لجة التيه ، لم يعد يرتكز على خطة للخلاص و النأي بروحه إلى بر الأمان ، و قد انفتح الباب و استسلمت أقفاله لعنف الزوار ، و دلفوا إلى أركان الغرفة يفتشون عن المجهول
    قبضوا عليه من صدره و ضيقوا عليه الخناق
    _ اليوم يا عمي عبد الله تسدد الدين الذي تراكم عليك ،،
    رد بصوته المبحوح
    _ لم أفعل ما يعاقب عليه القانون ،،؟؟
    _ و بنت الجبل ،،،؟؟؟
    _ هي تهمة بسيطة لا علاقة لها بالإرهاب ، و قد عالجتها الدولة في حينها
    تنحنح حفيد بوشليح في إشارة لمن انتشروا في الظل و أسندوا الأسوار المتهالكة بأكتافهم
    في الصباح أشرقت القرية على الصمت ، و قد انتشر سعار الليل في القلوب المحمومة بالخوف ،
    قال النمس بنبرته المعهودة و هو ينقر أحجار الدومينو :
    _ لماذا يجري وراءك الظل إذا هربت منه يا بوخنشور ،،؟؟
    في الركن المظلم من المقهى ينبعث صوت الرئيس زروال عبر جهاز التلفزيون ، و هو يحرض على اجتثاث الإرهاب من جذور الناس ، فلم تبقى أمامه سوى تصفية المواطنين في القرى النائية و الأحياء المعزولة و حتى في المدن المشبوهة التى تأوي الإرهابيين ، ففي عهدته المشئومة انتشر الموت و المجازر الرهيبة ،
    همس بوخن في أذن النمس ، قال له :
    _ و جدوه في شاطئ أزرود جثة بين مد وجزر ، و قد ثقبت الحيتان الكبيرة عينيه و سلخت ملامحه ، في البداية لم يتعرفوا عليه لو لا الوشم الذي بقي راسخا على زنده ، قال أولاده كان ينوي الحرقة إلي فرنسا لكن الموت عجل به
    .../...
    شقيف الشقفاوي

    تعليق

    • عجلان أجاويد
      مشاكس و عنيد
      • 03-01-2017
      • 238

      #3
      توقف بوخن لحظة ، تلفت إلى جنبيه و كأنه يحترس أن يسمعه أحد من المقهى ، و أخذ ينقر أحجار الدومينو نقرا متواصلا كأنه أصيب بهستريا غريبة ، قال و عيناه تمسحان جبل لعراكب ،،،
      لما قبضوا على حفيد بوشليح انتزعوا منه بعض الاعترافات ، أخذوه إلى القرارم ، ساروا به على طريق الكورنيش و نفذ أوامرهم ، طافوا به حواشي سدات و حواف الوادي و كان جريئا في التنفيذ ، رحب به بن عودة أركبه القارب و وعده بالعبور إلى زيامة منصورية عبر البحر ، و لما بلغوا به منارة الموت ، و قد ابتعدوا عن الشاطئ ، ربطوه إلى كتلة الإسمنت و أسقطوه نحو القاع ،
      انتهز النمس تأثر بوخن ، وطرح الدوبل سيس فقد تهيأت له الظروف للتخلص منها في غفلة الضبيش و قد تم تحييده
      .../...
      شقيف الشقفاوي

      تعليق

      • عجلان أجاويد
        مشاكس و عنيد
        • 03-01-2017
        • 238

        #4
        تلفت إلى طرف المقبرة و قد استوطنته قبور جديدة ، و أخذ يتمتم و يتكلم مع القبور المنسية كأنها تسمعه و تتجاوب معه ، فهو يعرف أصحابها واحدا و احدا ، و قد أسند البرميل الفارغ الذي اعتاد دحرجته إلى شاهد قبر لم يبقى منه سوى الأجزاء المغروزة في التراب ، و اختفت تلك الإحداثيات المدونة عليه ،لأنه اعتقد في البداية أنه قبر عبود الذي لم ينكشف موته إلا بعد ما تسربت الرائحة الكريهة و انتشرت في أرجاء القرية ، و بقي باب كوخه مقفل من الداخل ، و حين كسروا الباب وجدوه مستلقيا و إلى جنبه قنينات الخمر المستورد و أعقاب السجائر المشبوهة ، بعد الاستقلال عمل مؤذنا في المسجد الوحيد بالقرية ، و مارس الحجامة في ردحة الجامع ، كان يؤذن و أحيانا يؤم الناس في الصلاة ، وليس هذا هو السبب الذي جعله يسند البرميل إلى عروة قبره ، بل لأنه تذكره يوم حاصر القرية باسم الجهاد و تحرير الوطن ،

        وقف على رأس فناء الكوخ و ثني كفيه نحو الخلف ، و أصر على التحقق والانتقام من الشخص الذي استقدم جيش العدو إلى القرية ، بكى بلقاسم مغو و تشبث بجلابيب أمه ، كان طفلا صغيرا في الثانية عشر , بكت هي الأخرى بحرقة و ترجته ،، نظرت في وجه السماء الفسيح و أوكلت أمرها لله ، لكن قلبه كان قاسيا و غاشما ، سار به صوب الغابة و غاب في الظل

        قال بوخن و هو يفتل البركوكس على طاولة المقهى : منذ إغراق حفيد بو شليح في البحر ، و القرية غارقة في الخوف ، و كلما تأخر واحد من أبنائها في العودة إلى بيته ، إلا و زادت التهم لآل بو شليح بالتعرض للمتأخرين ، فهم من تسببوا في كثير من المآسي ، و في اختفاء الكثير من الناس ، حتى الذين هربوا إلى المدن البعيدة استقدمهم ابنه و ذبحهم في وادي زكار بين القل و عين قشرة ،

        تنهد بوخن ثم أكمل : كان عمي السعيد ينقر أحجار الدومينو في مقهى الكور المكتظة بالزوار و الهاربين من الشقفة و أولاد علال ، الذين اختاروا بونة للنجاة من القتل ، و فجأة توقفت السيارة السوداء الداكنة ، نزل الرعب في قلبه حين توجهوا صوبه ، و تسرب البلل في سرواله

        قالوا له : أنت،،، "؟؟

        وقف و سار معهم صوب السيارة السوداء الداكنة أركبوه في الوسط و انطلقت بهم نحوى الظل ، في حين كان عمار بولرواح يتأبط الرشاش الروسي و يتهدد المواطنين بالقتل ، و بجمع الاشتراكات و الاسهامات ، لتبقى راية المال الحرام تخفق في قلبه

        .../...

        شقيف الشقفاوي

        تعليق

        • عائده محمد نادر
          عضو الملتقى
          • 18-10-2008
          • 12843

          #5
          مساء الورد
          سأكون معك هنا
          ساقرأ وأكتب رؤيتي لأني شغوفة بالقراءة وعندي ولع ووله بالنصوص
          محبتي والورد
          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

          تعليق

          • عجلان أجاويد
            مشاكس و عنيد
            • 03-01-2017
            • 238

            #6
            لما أقفلت السيارة السوداء الداكنة بالعودة ، كانت خيوط الظلام تلف قلب عمي السعيد ، وقد ضاقت به ساحة الكور الفسيحة ، التي يعرفها من قبل ، يوم هاجر إلى عنابة للعمل في مخبزة اللعباوي ، التي اشتراها بأموال الثورة و قد جمعت عنوة في شكل مساهمات و اشتراكات و ضرائب ومكوس فرضها بوشليح الأب على الأهالي ، و لما اختلفوا في قسمتها أحرق اللعباوي أكياس الورق و ادعى التخلص من فتنة هذه الأموال
            _ قال له ابن بوشليح بصوت خافت ،،،
            _ قل لهم يفرجون عنك الآن ،،،
            بكى عمي السعيد بكاء مرا ، حتى بكت معه الأرصفة ، توسل لهم و ترجاهم ، لكن قلوبهم كانت صلبة و قاسية ، و لما دخلوا منعرجات وادي زكار ، انزلوه من السيارة و سحبوه على الأرض ، جردوه من أوراقه الثبوتية و سرواله و تركوه يتخبط في العراء،،،
            _ قال لهم عمار بولرواح و هو يمسح خيشم الرشاش ، و يحذق في تفاصيل فرحتهم
            _ ابن الكلب لا يعرف مصلحته ، تآمر علينا و تآمر على نفسه ،،
            و لما عاد حميدة الفن إلى بيته أحس بالدوار و بصداع شديد أفقده وعيه و هو يشير إلى حنجرته و عيناه شاخصتان إلى فراغ ، أجلسته زوجته في وجه النافذة و رشته بالماء البارد ، لكنه استسلم للسكون ، قبل أن يحكي لها تفاصيل السفر المستعجل الذي أسكت روح عمي السعيد ،،،
            تسلل الخوف إلى قلب النمس و هو يخلط أحجار الدومينو ، خصوصا بعدما سمع بمقتل السعيد في وادي زكار ، و الموت الفجائي لحميدة الفن ، و الاختفاء الغامض لبوالصابون ،
            _ قال بصوته المتهدج المخنوق
            _ تموت ،،، في لإشارة لقطعة الدومينو ،،
            رد عليه بوخن بنبرة كئيبة ممزوجة بالألم
            _ من سيبقى في القرية ،،، إذا ماتت ،،؟؟؟
            كان الجمعي في رحلة صيد ، يترصد الخنازير في أطراف غابة لعراكب ، و قد طلب من ابن بوشليح المرافقة حتى يستفيد من تجاربه في مغامرات الليل ، غير أنه قرر الانسحاب و العودة إلى الظل ، فلا يمكن أن تضيع منه ليلة دافئة كتلك الليالي التي قضاها في قبة البرلمان


            .../....
            يتبع
            شقيف الشقفاوي




            التعديل الأخير تم بواسطة عجلان أجاويد; الساعة 12-02-2018, 18:12.

            تعليق

            • عائده محمد نادر
              عضو الملتقى
              • 18-10-2008
              • 12843

              #7
              مساء الورد أجاويد
              حقيقة بداية موفقة جدا
              تهيأ لي أني قرأت عن البراميل ودحرجتها بنص آخر حسب ما أذكر وأعجبتني الفكرة والتنفيذ كثيرا وربما فقط لي تحفظ حول تسمية ( النمس ) لأن الاسم مستهلك كثيرا وليس لأنه غير مناسب مثلا لا سمح الله
              أحببت الريتم السريع حيث استطعت نقلي من مشهد لآخر وبكل حرفية وحتى آخر رقم ( 1 ) وكنت موفقا جدا بجعل السلاسة سيدة الموقف وباحتراف
              سيكون لي لقاء آخر مع روايتك
              تحياتي وباقة ورد
              الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

              تعليق

              • عجلان أجاويد
                مشاكس و عنيد
                • 03-01-2017
                • 238

                #8
                مرحبا عائدة و مرحبا بنسمة العروبة من بغداد ،
                في الواقع يا سيدتي هذه الرواية أو شبهة الرواية ،
                هي توثيق للأحداث الدامية التي عاشتها قريتي الصغيرة ( الشقفة _ ولاية جيجل )
                خلال الحقبة الإستعمارية و ما تلتها من فوضى سياسية و ثقافية و اجتماعية بعد الإستقلال ،
                و كيف اجهض الحراك الديمقراطي بعد إلغاء المسار الإنتخابي ،
                ودخول البلاد في حمام الدم ،
                للنمس ( الاسم ) دلالة و للنمس ( الشخص ) زاوية في هاته المتاهة ،
                ،،، مرحبا بك للمرة الالف

                تعليق

                • عجلان أجاويد
                  مشاكس و عنيد
                  • 03-01-2017
                  • 238

                  #9

                  شقيف الشقفاوي










                  من روايتي 22 ( عائد من الظل )

                  تحسر بوخنشور على أيام السلم الجميلة التي مرت على أهل القرية ، يوم كان الطيب لقزيمة يجلس في الركن المرتفع من المقهى ويمضي الليل يقرأ أرقام أحجار النرد ، كان يقرأ الأرقام بجهورية و فصاحة ، و أحيانا يضيف للرقم بعض الأوصاف ، كأن يقول مثلا ثلاثة النملة ، أو غيرها من الأرقام ، و يكون رواد المقهى منصتين بلا همس ولا حراك ، إذا سعل أحدهم أو عطس فيتحتم على الطيب لقزيمة أعادة قراءة الرقم مرة ثانية حتى لا تنتهي اللعبة إلى الفوضى ،
                  في تلك الأثناء يكون عبد الله الهز قد تسلل إلى مرحلة متقدمة من تطبيق خطته صوب الظل ، بعدما يتأكد من انشغالهم و غوصهم في تفاصيل لعبة النرد ،
                  قال له القاضي : ألا تستحي ،،، و في شهر الصيام ،،،؟
                  تلفت إليها لفتة تحدي ، ثم مسح القاعة بنظرة الغريق الذي يبحث عن قشة يتشبث بها للنجاة ، و بلا حياء أشار إليها
                  _ هي يا سيدي القاضي ،،، هي ،،!!!
                  سمرت عينيها إلى سقف القاعة ، و تدحرج الدمع على وجنتيها ،شهقت من وخز الإجابة و عمق السؤال ،و تاهت في الظل ،!!!
                  كانت طائرات الكيمولي تغطي سماء جبل لعراكب ، و تنثر من الجو مناشير تدعو المتمردين إلى سلم الشجعان ، و قد طرح ديغول مشروع قسنطينة لإسقاط حجج الذين أسرفوا على أنفسهم و أقنطوا من رحمة الله ، تدعوهم إلى جادة الصواب و العودة إلى أحضان المجتمع
                  .../...
                  يتبع
                  شقيف الشقفاوي



                  تعليق

                  • عجلان أجاويد
                    مشاكس و عنيد
                    • 03-01-2017
                    • 238

                    #10
                    شقيف الشقفاوي

                    من روايتي 23 (عائد من الظل)

                    كان ديغول قد أطلق حمامة مشروع قسنطينة المقيدة بسلم الشجعان ، و قد أحاطت به لجة الاستسلام و الانكسار ، فأغرق الجبال بالحركى و الخونة الذين خدموا المشروع الاستعماري بوفاء ابائهم و اجدادهم ، كان واثقا بهم إلى درجة اعتبارهم أوفى لفرنسا من أبنائها ، لتقويض مستقبل الوطن بحرية مقيدة و استقلال منقوص ،،،
                    نقر القاضي وجه الخشب الأحمر الصقيل المستورد بمال الشعب ، و صاح صيحة مدوية
                    _ محكمة ،،،،،
                    ثم شرع يتلو كأنه يقرأ من دباج ، باسم القبور المنسية حكمت المحكمة ببراءة عبد الله الهز، ثم تلفت إلى الحاضرين يقرأ رد الفعل في عيون الحاضرين ، الذين هموا بالانصراف ،
                    _ قال له النمس : كنت حاضرا يا بوخن ، رأيتها تتململ ببطنها الفاضح ، هي من دعت عليه ، و استجاب الله لدعائها لأنها كانت مظلومة ،


                    .../...
                    يتبع

                    شقيف الشقفاوي



                    التعديل الأخير تم بواسطة عجلان أجاويد; الساعة 18-02-2018, 20:08.

                    تعليق

                    • محمد مزكتلي
                      عضو الملتقى
                      • 04-11-2010
                      • 1618

                      #11
                      السيد أجاويد الجميل.

                      المكان هنا ممتع ومشوق.
                      أتابع باهتمام.


                      مساء الخير.
                      أنا لا أقولُ كلَّ الحقيقة
                      لكن كل ما أقولهُُ هو حقيقة.

                      تعليق

                      • عجلان أجاويد
                        مشاكس و عنيد
                        • 03-01-2017
                        • 238

                        #12

                        صمت النمس برهة ثم تلفت صوب جبل لعراكب ، و أكمل كلامه ،
                        _ أنت يا بوخن لازلت تثق في هذه الحياة التي نعيشها مع عصبة عمار بولرواح ، و صالح البخ و الميهوب بوقصيعة ،
                        قل لي كيف أصبحت تؤمن بالثورة و قد استولى عليها الحركى و الخونة و ضباط فرنسا ، حتى الانتخابات و الديمقراطية تم تمييعها ،
                        هل تتذكر حسنين الترقي يوم زار القرية أول مرة ، و هو يتعمد إظهار قطعة المعدن لإرهاب أبناء القرية و إذلالهم ،
                        و إهام الناس بأنه يفك و يربط على مزاجه ، و على المستويات التي ترهب و تخيف ،
                        هنا انتفض بوخن وقد ذكر النمس واحدا ممن سبق و تعامل معهم في الانتخابات ،
                        قال : أين هو الآن حسنين الترقي ،،،؟
                        رد عليه النمس : هو في مسرح البرواقية يؤدي دورا أساسيا في مسرحية سقوط بغداد في حلق المغول

                        .../...

                        يتبع
                        شقيف الشقفاوي



                        التعديل الأخير تم بواسطة عجلان أجاويد; الساعة 24-02-2018, 21:25.

                        تعليق

                        • عجلان أجاويد
                          مشاكس و عنيد
                          • 03-01-2017
                          • 238

                          #13
                          شقيف الشقفاوي

                          من روايتي 25 (عائد من الظل )
                          تظاهر النمس بعدم الاهتمام ، عندما تساءل بوخن عن مكان تواجد حسنين الترقي ، لذلك جاء جوابه غامضا و مبهما و متشعبا ، فحسنين الترقي يقبع في السجن منذ ثلاث سنوات لتورطه في قضايا فساد الاخلاق و الرشوة و التهريب ، و قد اتخذ الدين غطاء لنشاطاته المشبوهة ، و استطاع خلال مدة قصيرة جمع ثروة كبيرة ، حتى الجمعي تلاعب به و أخذ منه المليارات بدعوى تأمين له عقود ملكية بناية مهملة في أطراف المدينة ،
                          _ وقف بوخن وقفة انكسار ، فانبعثت الرائحة الكريهة من حذائه البلاستيكي المشقق الحواف ، و أشار إلى النمس إشارة تهديد و وعيد ، قال له بصوته الخن
                          _ أنت يا النمس لا خير فيك ، أنت من مكنت الترقي و عمار بولرواح من نهب أموالي يوم ترشحت للانتخابات ، و بسبب استهزاؤك بي تم شطبي من على رأس القائمة
                          اشعل النمس سجارته ، ثم سحب نفسا طويلا و نفث دخانها إلى أعلى ، و بقي ينقر سطح الطاولة بقطعة الدومينو ، و هو في حالة هستيريا تعكس الحالة النفسية الصعبة التي يعيشها ، خاصة بعدما تحداه بوخن و ألصق به تهم لا علاقة له بها ،
                          _ قال له بلهجة صارمة ،،،
                          _ متى أصبحت رجلا يا بوخنشور ، لقد حذرتك عدة مرات من عمار بو لرواح ، و من الترقي و صالح البخ ، و لكنك كنت مثل النعامة أثناء المواجهة تدفن رأسك في الرمال
                          تاه بوخن في الظل ، سار في شارع زيغوت يوسف المطل على الميناء و على الطرف الآخر بناية البرلمان الشاهقة ، مد بصره على امتداد البحر ، كانت البواخر متناثرة أمام مدخل الميناء ، تنهد بعمق و أغمض عينيه ، رأى الترقي ينظم رحلات الموت صوب جزيرة سردينيا و اللكونت و صقلية ،،،و يحصد الأرواح و الأموال ، حتى السلع التي تفرغ في الميناء تصب في جيبه ، في تلك الأثناء مر بجانبه كهل في عقده الخامس تتأبط ذراعه صبية في عمر الزهور ، وقد سمعه يقول لها :
                          _ اصبري بعض الوقت ، ريثما يدرجك الترقي في قائمة المرحلين من حي الصفيح ، حينها سيكون لنا جزيرة مستقلة نربي فيها الغولان و طائر الحبار ، ثم نستدعي أمراء الخليج للصيد و السهرات
                          و لما فتح عينيه وجد النمس ينقر الأحجار و يغني
                          أيما الشيلي و العون
                          يا لي رايح للطاهير أطريق أيبعيدة
                          على دارك يا بو طويل
                          لا ظحكة لا تبسيمة
                          .../...
                          يتبع

                          شقيف الشقفاوي



                          التعديل الأخير تم بواسطة عجلان أجاويد; الساعة 02-03-2018, 11:05.

                          تعليق

                          • عجلان أجاويد
                            مشاكس و عنيد
                            • 03-01-2017
                            • 238

                            #14
                            من روايتي 26 ( عائد من الظل )
                            استمر النمس في الغناء ، و بقي بو خن مشدوها و في حيرة من أمره ، فهو يعرف الحالة التي تغري النمس على الغناء ، وفي أغلب الحالات لا تكون لصالحه ، فهو معروف بالاستهزاء بالآخرين ، حتى ولو كانوا أحسن منه ، لكنه يتعمد الإثارة و السخرية للسيطرة على بعض المواقف التي تحرجه ، أو تكشف بعض النقائص التي تخصه وتعنيه ،


                            لم يكن الميهوب بوقصيعة ليبرح المقهى و قد استوطن الشك قلبه هو أيضا من غناء النمس ، كيف انشرح اليوم وهو دائم العبوس و لا يقوى حتى على الابتسامة ،

                            نهض من مكانه و اقترب من طاولة النرد ، فبادره بوخن بالتحية و مد يده للمصافحة ، غير أن الميهوب تجاهله و تركه تائها في الفراغ

                            أما النمس فارتجف من الخوف لما اقترب منه ، و ربما تسرب البلل إلى سرواله ، و صاح بصوته الحاد المميز

                            _ هات قهوة لعمي الميهوب ،،،ثم تاه في الظل ،،،

                            قبل نهاية الثورة بخمس سنوات ، كان وهجها قد تدحرج إلى الفتور ، وازداد الضغط العسكري على جبل لعراكب و قد استشهد القادة الكبار الذين واجهوا المحتل بصدورهم العارية ، ولم يبقى في الساحة سوى الذين ألفوا العيش في المغارات و الكهوف يترصدون ساعة الحسم للسطو على منازل المعمرين و ممتلكاتهم ، كان ديغول يقود معركة شرسة على الجبهة العسكرية لتحييد الوطنيين ، أما على الجبهة السياسية فقد تعثرت إيفيان في بنودها الأخيرة لصالح التوجهات الديغولية على استقلال مقيد بشروط غامضة للحفاظ على المصالح و النفوذ ، و لتثبيت حالة الوهن و الفوضى التي نعيشها الآن ، ثم ألم تكن مشاركة رضا مالك في المفاوضات باقتراح الطرف المعادي للإسراع في التنفيذ ، و إنهاء حالة الترقب و الشك ، اليوم لا شيء جنيناه من تلك التضحيات الباهظة ، حتى مريم الشاطودانية التي عذبت ببشاعة لا توصف ماتت في كوخها الطيني ، و تركت الاستقلال للخونة يعبثون به و بنا أيضا

                            _ نكزه الميهوب بلوح الرشاش متسائلا
                            _ متى تستقيم يا النمس ،،،،؟؟؟
                            .../...
                            يتبع
                            شقيف الشقفاوي

                            تعليق

                            • عجلان أجاويد
                              مشاكس و عنيد
                              • 03-01-2017
                              • 238

                              #15
                              • من روايتي 27 ( عائد من الظل )

                                فتر حماس النمس بعدما استعلى عليه الميهوب بالكلام الجارح ، أما بوخن فقد تراجع إلى الخلف و قلبه يطفق بالخوف ، فقبل أسبوع فقط اختفي أخوه في وضح النهار ، و اضمحل في الظل ، لا أحد يعرف المكان الذي نقل إليه ،انتظروه و لما يئسوا من عودته ، اتصلوا بابن بوشليح عله يقودهم للحلقة المفقودة في سلسلة الاختفاءات القسرية التي تقع في القرية ، فأنكر معرفته بالجهة المعنية بالخطف ، غير أن الضبيش أقسم لهم أنه رآه منقبا بين أفراد كتيبة تاسوست ، و هم يعبرون الشقفة ، و رآى الزبير و المحفوظ و آخرين يحيطون به و يتوعدونه بالتهجير نحو الظل
                                كان الشارع الرئيسي يعج بالناس و هم يرددون الأهازيج و الهتافات التي تعودوا عليها منذ الاستقلال ، و كان الإرهابي عويس يتأبط ذراع عزوز بن قانة ، و يجوبان الشارع الطويل في مشهد مخزي يوحي بعودة مملكة الزيبان التي وعدت بها فرنسا أبنائها الأوفياء،،،
                                احترف عويس الإرهاب في جبل لعراكب و كان يعد القرويين بدولة العدل و الكرامة ، و سيقيم لهم الجنة على الأرض بعدما ينتزع السلطة من المغتصبين لها ، لكنه تحين الفرصة المواتية و نزل إلى المدينة لاستثمار تلك الأموال في مشاريع التنمية و المصالحة المزعومتين على حساب الضحايا من الأبرياء ،،،
                                قال له عمار بولرواح و هو يلعق قطرات السائل الأحمر من قعر الزجاجة ، و يسند ظهره إلى نتوء صخرة الشاطئ المتآكلة بفعل ارتطام الأمواج ،
                                _ انزلته من السيارة و أفرغت في صدره مخزنا من الأسرار ، تخبط في البداية ثم استسلم ، إبن الكلب أوهمنا بالجهاد من مغارة أولاد سعيد ، و أشوشاي و سيدي صالح ، طاف على صبايا أولاد علال ، و لما اندحرت فرنسا ، زحف نحو العاصمة للاستلاء على أملاك المحتل ، و يؤسس لتاريخ الحركة الوطنية بمزاجه الخاص
                                .../....
                                يتبع
                                شقيف الشقفاوي









                              تعليق

                              يعمل...
                              X