أنا الآن مضطرب البال مشوش الأفكار ، وكأن فكري تروض على طنين دحرجة البراميل ، أعلنت أمس عن سقوط موغابي زعيم مقبرة الخراب ، و اليوم سأتراجع عما قلته و أعتذر ، فأنا صادق و قد ألفت الصدق في كلامي ، أخطأت حين صدقت القبر المنسي من مقبرة سيدي ابراهم ، و نقلت لكم الخبر و أنا في كامل قوتي العقلية و البدنية ، و لم أكن أنوي التصريح الكاذب الذي يعاقب عليه القانون ، رغم أنني نقلت الخبر بصدق و بكل أمانة من قبر المعني و لم أزايد عليه أو أزيد من خيالي ، و لأن وكالة القبور المنسية كذبت الخبر و اتهمتني بتصديق مسيلمة الكذاب و من سار في ركبه من سلاطين و حكام و رؤساء أحزاب و حكموا المقبرة بالزور و الظلم و البهتان
لست واثقا من الهدف في إطلاق هذه الفقاعة و السرعة في إطفائها بالتكذيب و الوعيد لمن تجرأ و تجاوز قبرا حتى و إن كان بالمزاح ،
ماذا كان يحدث لو انتفضت كل القبور على طنين دحرجة البراميل الذي أحدث هذه الفوضى السياسية و الاجتماعية و نحن في غنى عنها بعد ما أورثنا اياها جدهم بوعزيز بن قانة و العربي بن جمام و الميهوب بوقصعة الذي كان يصلي صلاة الجنائز على الأموات بلا وضوء نكاية فيهم ، و كي لا يقبل الله توبتهم و رحمتهم
كان بوشليح يسكن المغارة في جبل لعراكب ، و في الليل يتسلل إلى أكواخ الأهالي يعبث بنسائهم و بناتهم فيسميه جهادا ضد الكفار ، لهذا السبب تراني أدحرج البرميل على قبورهم حتى أسمعهم طنين الاستقلال الذي يتغنون به عند كل مناسبة ، ماذا لو عاد بوشليح من قبره الموحش في أعماق الغابة و اعترف بتلك التفاصيل التي أغرته بجهاد الطمع في النيل من شرف أهل القرية ، و كيف اندس بين صفوف الفلاقة لاختراقهم بطلب من الحركي ليمان بن لمقدم ، و قد وعده بأشياء كثيرة ، غير أنه ليلة الاستفتاء على تقرير المصير تم جلاء السكان إلى المحتشد ، تسللوا في غفلة و أصلبوا عقارب الزمن على ساعة بين يومين ، و أطلقوا آخر رصاصة كانت كافية لطمس تاريخ كامل من الرعب و السلوك المشين لمن تعاون على الشر وإذلال الشرفاء ،
خرج بوشليح و هرب في المجهول و قد اخترقت جسده قطعة المعدن الثقيل و لما أحس بالوهن انبطح و جحظت عيناه كأنها تتبع عزرائيل لحظة قبض روحه ، في الصباح انتشر الخبر في القرية و القرى المجاورة ، أحس الأهالي بنكهة التشفي تسري في أوصالهم ، فأجمعوا على دفنه في أعماق الغابة بعيدا عن الأماكن الطاهرة ، خوفا أن يلوثها قبره و تتمرد روحه المدنسة بالشر ، و منذ ذلك الزمن و أنا أحس برغبة في دوس قبره و قد ماتت حرمة القبور في نفسي
عندما مالت الشمس صوب المغيب ، تدفق الظلام على القرية، فانزوى أهلها في أركانها الموحشة بأكواخها الطينية ، و مزاربها الصغيرة الضيقة ، و قد زادت في انتشار الخوف و الرعب و مرارة العيش مع بشر هجرتهم الرحمة و الإنسانية بلا رجعة ،،،
في هذه الأثناء يخرج بوشليح من مخبئه ، و ينزاح صوب الأكواخ في خطة محكمة ،سيعرج على محتشد مزوارة ، سيلتقي لجودان اسماعيل و عبد الحميد بن جمام ، و وسيملأ قحفه بالفوضى نتيجة احتسائه للعديد من قنينات الخمر
وقف بو خن و قد اعتلاه الغضب بعدما رأى الدوبل سيس ضمن رتل الأحجار ، واكتشف خيانة النمس له
قل له: بصوت متدحرج و قد بحت حنجرته
اللعبة خنزت يا بوسرطوق !!!
ثم دلف نحو الباب و هو يحك مؤخرته ، و يتوعده بلعبة نظيفة
رمى أحجار الدومينو في وجه النمس ، وخرج وهو يتمتم بكلام خافت ثم انساب صوب كوخه ، لكنه تفاجأ حين لج المفتاح في خرم الباب و تبين له أن القفل قد استبدل و ليس له من وسيلة أخرى لفتحه ، فسيطرت عليه أفكار شيطانية مريبة
تساءل : هل غيرت زوجته القفل ، و حققت تهديداتها ، ألم تقسم له بتغيير القفل و تركه للمبيت في الصقيع إن هو تأخر مرة أخرى ؟
ماذا لو يعود إلى المقهى و يبيت فيها ؟
طرق طرقا خفيفا على الباب علها تتراجع و تفتح له الباب ، لكنها صممت على تنفيذ وعيدها ، تراجع بوخن نحو الخلف ثم اندفع بقوة ، فانبلج الباب و استسلم القفل لشدة الارتطام ، وجدها عارية على غير عادتها وتحسس الدفء في نصف فراشه الآخر ، في تلك اللحظة خطرت بباله حادثة الدليمي يوم تأمر عليه لجودان اسماعيل و كلفه بالمبيت في جبل لعراكب ليخلو له الجو في العبث بحرمته ،،،
أقسم لها بالثلاث و أقسمت هي أيضا ، إذا من ،،، ؟ النمس كان معه في المقهى ، لن يكون إلا ابن بوشليح فهو الوحيد الذي أطل واختفى ، و هل يمكن للجينات الوراثية أن تنقل الخبث من الاباء إلى الأبناء ،،؟
في مساء اليوم الموالي فتحت المقهى أبوابها ، و حام اللعيبة حول طاولات الدومينو , إلا بوخن فقد تأخر عن الموعد ، و تأخر السؤال
قال النمس بنبرته التهكمية ،
بوخن ترشح للانتخابات ، هو الآن منشغل بجمع التوقيعات ، و إعداد برنامج يغري به الناخبين بعد أيام يصبح نائبا في البرلمان ، سنراه على شاشة التلفزيون ، يناقش ويحلل ، ينتقد و يصوب ، سيطبق خطط اللعبة في مناقشة برنامج الرئيس ، ثم أكمل و هو يقلب أحجار الدومينو ، لن يلعب معكم بعد اليوم ، سيلعب مع الكبار بعد أن تمنح له الدولة الامتيازات المغرية كي يرفع كفه للمصادقة ، و ترفع زوجته ساقيها للاستسلام
تبادلوا النظرات فيما بينهم وكأنهم فهموا ما يقصده النمس من تلك الفضائح التي تتقرر في القرية ،
لم يكن عبد الله الهز ينوي الشر أو العبث بشرف الناس ، و قد استقام في وقفته طالبا الصفح و البراءة ، و قال للقاضي اختلطوا معي في الظل ، أصبحوا قطيعا من الذئاب وراء نعجة منفردة عزلها الفقر و زاد في عزلتها الترمل ، و الحاجة لمن يقف جنبها و يحميها
استدار إليها القاضي سائلا ،،، و أنت ؟؟؟
لم تتردد في الإجابة و البوح
قالت : حين تغرق القرية في الظلام يتسلل بوشليح إلى الكوخ مدججا بالوعيد و التهديد باسم الجبهة و التمرد على الاستعمار و الجهاد على الكفار ، و لما مات ذلك الموت الرخيص خلفه عبد الله الهز في تبني ما تأخر من ظلام ، لم التقي به صدفة بل هو من أرغمني بعد مطاردة طويلة و مغامرات لا تنتهي عند بال
صمت القاضي و صمتت القبور المتناثرة أمامه ، لم يبقى إلا طنين البرميل الفارغ ينبعث في طرف مقبرة سيدي ابراهم ، و قد أختلط بكل الأصوات الآتية من تلك المرتفعات القريبة من جبل لعراكب التي تمتد لتشكل سلسلة قمم حادة يحتضنها الأفق الفسيح الممتد بلا حدود ، كانت القرى المجاورة مثل لمليمل و أحمال و لجرابة محميات صغيرة ، لبوشليح و عبود باسم الثورة و باسم تطبيق شرع الله على القرويين العزل ، بل كانت مرتعا لنزواتهم التي تتحدى كل الأعراف وكل المواثيق ،،،
بدأ النمس يخلط أحجار الدومينو ، بطريقة تعكس حالته النفسية المتوترة ، و قد أحاط به بوخن و عبد الله الهز و الضبيش ،
قال له بوخن بنبرة استهزاء : اليوم يومك يا النمس !!!
رد عليه النمس بتوتر و استخفاف و هو ينقر قطع الدومينو بعضها ببعص ،،، أ أنت يا بوخن ؟؟؟ ، أمثالك ألعب معهم بنصف عين ، ثم لقد سمعت أنك ترشحت لخوض غمار الانتخابات ، ستصبح نائبا في البرلمان ، قد نشتاق للعب معك ، بعدما تمنحك الدولة سيارة فارهة و مسكن لائق ، و قد تتوسط لنا لاسترجاع مكانتنا و العيش بكرامة في القرية ، دون التعرض للمضايقات و المساءلة عن انتماءاتنا السياسية
ابتسم عبد الله الهز ابتسامة خادعة لاستمالة النمس ، و تشجيعه على الخوض في أسرار القرية ، ثم طرح القطعة الرخامية ، وقد تعمد في زحلقتها على سطح الطاولة و قال : سيس ،،، أقتل ،سكت النمس و استمر في نقر أحجار الدومينو بعضها ببعض ، و قد تاه في متاهة تلك الأيام الصعبة و المرعبة ، حين كانت تخرج الذئاب من الغابة لتتلقفها كلاب القرية بنباحها المتميز ، فتعلن القرية حدادها و قد أنطفأت الأنوار الخافتة التي كانت تنبعث من نوافذ الأكواخ الطينية الساكنة ، لو لا تلك الطلقات المتقطعة و التي تحدث بين الحين و الحين ، فيهرع بوشليح إلى طرف القرية حيث يسهل عليه الهرب و الاحتماء في شعابها ، بعدما يكون قد نال من شرف أهل القرية باسم الجهاد على الاستعمار و مقاومة المحتل ،،، في الأيام الأولى للاستقلال زحف الأهالي على مزرعة الكولون و حولوها إلي قيطوهات متداخلة من الأكواخ ، و زحف رفقاء بوشليح على الشقفة و على بنايات المعمرين و استولوا عليها ،،،، لا أحد تذكر مريم الشاطودانية حين أوقفها جنود الاحتلال ، مزقوا لباسها الرث ، ثم تركوها عارية بين قهقهاتهم المرعبة ، هربت في المجهول صوب المرج ، قطفت الحشائش و غطت حقولها المثيرة
نكزه الضبيش بكوعه : ألعب يا النمس ، ،
استفاق النمس من تيهه ، رمى قطعة الدومينو و نطق بصوت خافت
_ تموت ،،،؟؟؟
تنهد بوخن و استمر في نقر أحجار الدومينو السبع ، بعدما تجاوزته اللعبة للمرة الثانية ،و قد أحس بتلاعب النمس بالأحجار أثناء خلطها ،فنقر الطاولة إذانا لهم بالتجاوز ، إلا أن عبد الله الهز اتبع خطة مخالفة لرغبة النمس ، و فتح اللعبة على شطرها المقفل ،
تاه بوخن في الظل ، سار في معبر ضيق ، ثم انحرف صوب باب الكوخ ، سمع همسا خافتا فحاول التطلع إلى مصدره ،
إنه عبد الله الهز يحتضن بندقية من خيش و يتموه في الظل ،،،
قال له القاضي و قد أعماه الطمع ، و تعمد التقليل و التهوين ،،
_ كم ستدفع إذا تنازلت ؟؟؟
رد الهز بجديته المعهودة : سأكون مدينا لك بالخبز و الملح الذي بيننا
و لما ازداد الهرج و المرج داخل الحجرة ، عمد القاضي إلى نقر سطح الخشب الصقيل المستورد بمال الشعب و رفع الجلسة ، فتسللت عبر ممرات القاعة و قد كتمت شهقتها ، و سترت بطنها الفاضح ،و تبعها الحاضرون إلى الانصراف ،
و لنا خلت المقبرة من المشيعين ، وقف القاضي على قبره ، وهمس ببحة خافتة ،
_ باسم الشعب حكمت المحكمة ببراءة عبد الله الهز من كل التهم المنسوبة إليه ،،، ثم اختفى في الظل،،!!!
تمادت القبور في صمتها و لم تستطع انتقاد الحكم الظالم في حق القرية و أهلها ،حتى القبور الحديثة التزمت الصمت بالتواطؤ مع الأحياء لتركها رقعة ضالة في الظل ، رهينة الخرافة و الشعوذة و الدروشة و لعبة الدومينو ، و التي أخرت الاستقلال ثم رهنته للزوايا المنفرجة تعبث فيه كما تشاء ، حتى اشتراكات الأهالي كانت تعبر الحدود عبر وادى سنيس ثم مغنية دون أن ينقص منها فلس واحد ، لكن بعد وصولها مدينة وجدة المغربية تسندها الراقصة تحت فخديها ، و تصرف باسم الثورة و شراء السلاح ، بعد الاستقلال ازدهرت لعبة الأمس ، و استدعيت أرامل الشهداء إلى المكاتب و الإدارات لصرف معاشاتهن في الظل و بالشروط المخجلة،،،
_ قال له النمس بنبرة استهزاء ،،،!!!!
ألعب يا بوخن لسنا تحت قبة البرلمان ...!!!!
تنهد بوخن تنهيدة الانكسار و مد يده المرتجفة صوب رتل الأحجارتأهب بوخن للمغادرة غير أن كلام النمس الموجع ألزمه البقاء و الصمود ، خاصة و قد استفزه حين أشار إلى حذائه البلاستيكي ثم إلى أنفه إشارة مهينة ، دفعته إلى ثني قدميه نحو الخلف ، و الاستعداد و التأهب للمواجهة و رد الفعل و التصدي له ، حتى و إن تطلب المبيت في المقهى ، و لكن ماذا سيقول لزوجته وقد أقسم لها بعدم تكرار ذلك التأخر الذي كاد يعصف برابطة الزوجية قبل أسبوع فقط ، ثم أيترك هذا الوغد ينتصر عليه انتصارا مؤلما و ممزوجا بالخيبة و المهانة و الكلام الموجع ، و قد تعمد النمس في إثارة مشاعره و استفزاز أحاسيسه حين ذكر له قبة البرلمان ،
نقر بوخن القطع الرخامية بعضها البعض ثم طرح القطعة البيضاء الناصعة و كأنه أصيب بالبكم !!!
قال له النمس : ألعب يا بوخنشور !!!
أحس بوخن بوخز الصيحة ، و تاه في الظل ، سار في اتجاه جبل لعراكب ، داس على قبر بو شليح و تحدى روحه الشريرة ، وقطف حزمة من فروع الغابة ليقدمها علفا لعنزته ، أثناء العودة تخمرت في رأسه فكرة الترشح لخوض غمار الانتخابات البرلمانية ، لما لا يوظف تلك الخطط الكثيرة الناجحة التي يتقنها في لعبة الدومينو ، السياسة أيضا لعبة لا تختلف عن بقية الألعاب ، ثم كيف بقي هؤلاء المقامرين يعبثون بمستقبل البلاد من غير خطة ، و من غير نتيجة ، هل ورثوا حكمنا عن ابائهم ،
_قال له النادل :
وهو يحرك رأسه ،،، انهض يا بو خن لقد انتهى الليل
ركن بوخن إلى الهدوء و السكينة ، و قد خفتت تلك الانفعالات و رسبت الهستيريا العاصفة التي هزت كيانه ، و استفاقته على حالة مهينة و موجعة ، تلفت إلى جنبيه كمن يبحث عن شيء ضاع منه اللحظة ، و قبضته لازالت تقبض على أحجار الدومينو بأحكام ،
_ تساءل و هو في حيرة من أمره ،،،؟؟؟
_ أين النمس ،،، أين اختفى ،،،؟؟
تسربت إلى كيانه شكوك قاتلة و استسلم لتساؤلاته ،، هل النمس من دس له المخدر في القهوة و تركه نائما في المقهى ، فتح قبضته و رمى أحجار الدومينو على الأرض ، و لما أحدثت نقرا على البلاط تاه بوخن في الظل
كان بوشليح عميلا مزدوجا ، كلفه عبد الحميد بن جمام باختراق سم الخياط ، حاول في البداية لكن قادة الثورة حكموا عليه بالإعدام ، و لما استشهد القادة الكبار انتهى حال الثورة إلى اليتم ، فأصبح السم الذي يقتل كل السموم ، و الخياط الذي يخيط التهم للأهالي بكل المقاسات التي ترضيه و تشبع نزواته
تقلص الشك في صدر بوخن مفسحا المنافذ لليقين و هو يهم بالخروج من المقهى ، خاصة وقد تم تنويمه بطريقة لا تخطر على بال ، تيقن من الرشفة الأخيرة في عمق الفنجان لما لها من نكهة خاصة ومميزة ، لكن السؤال الذي بقي يؤرقه هو لماذا تآمرا عليه النمس مع ابن المهزازة و هما مختلفان على الدوام ، ثم كيف توسط له ابن بوشليح مع مدير الميناء كي يعينه حارسا ليليا ، لكن لم يلبث و انكشف أمره ، و قد عثروا على صورها الفاضحة في هاتفه الخاص ، كان يستعمله للضغط عليها حين تأبى و تنكسر ، و لما انكشفت الحقيقة ، أحس بالتعب و الدوار ، وهي أحست بجهنم تغشاها
_ قال لها القاضي باستحياء : منذ متى ؟؟؟
ترددت في البوح ، تلفتت إلى الجهات المحيطة بها ، تبحث عن كوة للخلاص و حشرجت بصوتها الخافت
_ ليس اليوم يا سيدي ؟؟؟ !!! استسلمت القرية للظل وقد غمرها السكون و الصمت ، لولا بعض النباح المتقطع المنبعث من جهة الشوف ، حيث كان بوشليح يتحايل على زعبر بالحراسة هناك طول الليل ، للمبيت في فراشه و الاستمتاع بدفئه باسم الثورة و المساهمة في الجهاد و محاربة الاستعمار ،
و خلال نصف قرن من الاستقلال استفاقت الجينات الوراثية في ذات ابنه الملوثة بالشر ، أوهم زوجته برحلة صيد ، أكدها الجمعي في المنعطف و سار معه كشاهد على تخوم جبل لعراكب ، بعيدا عن الميناء القابع في حلق الماء ، ورتل الشاحنات الكبيرة ،
قال للجمعي بنبرة افتخار و اعتزاز
_ أنا من حتمت على مدير الميناء توظيفه عساسا ، هي أحسن له من البقاء في بيته ، ثم له عدة امتيازات كالعلاج و التقاعد ، و ينام في النهار إذا أراد ،،،،
و حين امتطى عقرب الساعة ظهر أخيه على ساعة بين يومين ، تحسر ابن بوشليح على جولة الصيد الخائبة ، ودع رفيقه ثم أقفل عائدا في الظل صوب إحداثيات الفء الموعودة
استمر النمس في العبث بأحجار الدومينو ، فكان ينقر بعضها البعض ، ويمهل ابن المهزازة على الرد عليه ، فرتل القطع قد انحرف مساره صوب لحظة لم يتوقعها أحد ، و في اللحظة نفسها كان صوت الرئيس زروال ينبعث من جهاز التلفزيون المعلق في الركن المظلم من المقهى ، و هو يحرك رأسه في حركة دائرية ،و يتوعد المواطنين باقتلاع الإرهاب من جذورهم ، و قتل الدوبل سيس قتلا مهينا و مخزيا ،
نقر ابن المهزازة سطح الطاولة في إشارة منه إلى توافق الخطة مع خطاب الرئيس ، فالمواجهة تأزمت و تعقدت وأصبحت مستحيلة و لم يبقى أمامه سوى هامش ضئيل للمناورة ،
_ قال للنمس باستهزاء
ابن الأرملة جاء إلى القرية ، أوقف سيارته الرباعية الدفع على مشارف لعراكب أوهم الجمعي بالصيد ، تركه يترصد الخنازير عند تخوم منتصف الليل ، و تسلل صوب الظل
قال له النمس باستهزاء أنت ثعلب البساتين ، لا تقاوم إغراءات طمعك و تخوض معارك وهمية تخسرها في النهاية ، لا تصمد طويلا حتى تنهار مثل كومة الروث ، فمن اشار لك بالترشح للبرلمان و أنت أمي و جاهل ، أنت مثل ابن بوشليح الذى تحدى الواقع و ترشح في حزب الملط و لما استلم المقعد و مؤهلاته العقلية لا تسمح له بالتشريع أو قراءة القوانين ، لأنه تربى على الخبث و الحرام و ممارسة الرذيلة و الفاحشة ، فاستغل كل الفرص لإطفاء نزواته
أما أنت يا بوخنشور فلعبة الدومينو أكبر منك و قد وجدت من يجلس معك و أنت تفوح بالنتانة ،
أحس بوخن بالإهانة و هو يخلط أحجار الدومينو ، تلفت إلى ابن المهزازة الذي كان يدخن تبغا مشبوها ، و قد جحظت عيناه ، إلى درجة أنه صار لا يفرق بين أحجار الدومينو قال له بصوته المتهدج المخنوق
_ عيش تشوف يا شلاغم الكلب ،،،
تاه ابن المهزازة في الظل ، عاد إلى تلك الأيام الصعبة حين كانت طائرات الكيمولي تحوم على مرتفعات جبل لعراكب ، و تفرغ حمولتها على مواقع الثوار ، بلا رحمة و لا شفقة ، كان بوشليح يسند ظهره إلى كيس الاشتراكات التي جمعها عنوة من الأهالي ، و هو يتوعد و يتهدد بتصفية المشري و صالح البف ، و كل من استنكر تصرفاته المخزية التي كان يمارسها في ادلال و اهانة الناس ،
بعد الاستقلال تقررت نفس المآسي و بنفس الأشخاص،،،،،
نقر عبد الله الهز الطاولة إذانا بالمرور ، وبقي النمس يترصد القطعة المناسبة لغلق اللعبة
انحنى بوخن على صدر الطاولة ، انحناء مذلا ليخرج عقب سجارة من أحد جيوب سرواله الرث ، و هو يتوعد الضبيش بهزيمة نكراء لن ينساها أبدا ، تتذكرها الأجيال على مر التاريخ ، و سيحدث ثورة في عالم الدومينو يتجاوز صداها الثورة التونسية التي الهمت العالم وتركته مدينا لها بالاعتراف و الافتخار ، و أنهت خرافة الشعب المذل الذى رضع المذلة مع لبن حكامه
_ قال بصوته الخن و بنبرة أبناء الميلية و قد استبدلوا حرف اللام نونا ،،،
أنعب يا عبد الله الهز ،،،؟؟؟
تاه عبد الله الهز في الظل ، حاصرته الأشباح من جهات الغرب و سدت عليه كل المنافذ حتى خفتت أنفاسه ، دق حفيد بوشليح الباب دقا خفيفا و تسرب صوته المدجج بالرعب ،،،
_ أفتح يا عمي عبد الله ،،،
,,,,/,,,,
شقيف الشقفاوي
لست واثقا من الهدف في إطلاق هذه الفقاعة و السرعة في إطفائها بالتكذيب و الوعيد لمن تجرأ و تجاوز قبرا حتى و إن كان بالمزاح ،
ماذا كان يحدث لو انتفضت كل القبور على طنين دحرجة البراميل الذي أحدث هذه الفوضى السياسية و الاجتماعية و نحن في غنى عنها بعد ما أورثنا اياها جدهم بوعزيز بن قانة و العربي بن جمام و الميهوب بوقصعة الذي كان يصلي صلاة الجنائز على الأموات بلا وضوء نكاية فيهم ، و كي لا يقبل الله توبتهم و رحمتهم
كان بوشليح يسكن المغارة في جبل لعراكب ، و في الليل يتسلل إلى أكواخ الأهالي يعبث بنسائهم و بناتهم فيسميه جهادا ضد الكفار ، لهذا السبب تراني أدحرج البرميل على قبورهم حتى أسمعهم طنين الاستقلال الذي يتغنون به عند كل مناسبة ، ماذا لو عاد بوشليح من قبره الموحش في أعماق الغابة و اعترف بتلك التفاصيل التي أغرته بجهاد الطمع في النيل من شرف أهل القرية ، و كيف اندس بين صفوف الفلاقة لاختراقهم بطلب من الحركي ليمان بن لمقدم ، و قد وعده بأشياء كثيرة ، غير أنه ليلة الاستفتاء على تقرير المصير تم جلاء السكان إلى المحتشد ، تسللوا في غفلة و أصلبوا عقارب الزمن على ساعة بين يومين ، و أطلقوا آخر رصاصة كانت كافية لطمس تاريخ كامل من الرعب و السلوك المشين لمن تعاون على الشر وإذلال الشرفاء ،
خرج بوشليح و هرب في المجهول و قد اخترقت جسده قطعة المعدن الثقيل و لما أحس بالوهن انبطح و جحظت عيناه كأنها تتبع عزرائيل لحظة قبض روحه ، في الصباح انتشر الخبر في القرية و القرى المجاورة ، أحس الأهالي بنكهة التشفي تسري في أوصالهم ، فأجمعوا على دفنه في أعماق الغابة بعيدا عن الأماكن الطاهرة ، خوفا أن يلوثها قبره و تتمرد روحه المدنسة بالشر ، و منذ ذلك الزمن و أنا أحس برغبة في دوس قبره و قد ماتت حرمة القبور في نفسي
عندما مالت الشمس صوب المغيب ، تدفق الظلام على القرية، فانزوى أهلها في أركانها الموحشة بأكواخها الطينية ، و مزاربها الصغيرة الضيقة ، و قد زادت في انتشار الخوف و الرعب و مرارة العيش مع بشر هجرتهم الرحمة و الإنسانية بلا رجعة ،،،
في هذه الأثناء يخرج بوشليح من مخبئه ، و ينزاح صوب الأكواخ في خطة محكمة ،سيعرج على محتشد مزوارة ، سيلتقي لجودان اسماعيل و عبد الحميد بن جمام ، و وسيملأ قحفه بالفوضى نتيجة احتسائه للعديد من قنينات الخمر
وقف بو خن و قد اعتلاه الغضب بعدما رأى الدوبل سيس ضمن رتل الأحجار ، واكتشف خيانة النمس له
قل له: بصوت متدحرج و قد بحت حنجرته
اللعبة خنزت يا بوسرطوق !!!
ثم دلف نحو الباب و هو يحك مؤخرته ، و يتوعده بلعبة نظيفة
رمى أحجار الدومينو في وجه النمس ، وخرج وهو يتمتم بكلام خافت ثم انساب صوب كوخه ، لكنه تفاجأ حين لج المفتاح في خرم الباب و تبين له أن القفل قد استبدل و ليس له من وسيلة أخرى لفتحه ، فسيطرت عليه أفكار شيطانية مريبة
تساءل : هل غيرت زوجته القفل ، و حققت تهديداتها ، ألم تقسم له بتغيير القفل و تركه للمبيت في الصقيع إن هو تأخر مرة أخرى ؟
ماذا لو يعود إلى المقهى و يبيت فيها ؟
طرق طرقا خفيفا على الباب علها تتراجع و تفتح له الباب ، لكنها صممت على تنفيذ وعيدها ، تراجع بوخن نحو الخلف ثم اندفع بقوة ، فانبلج الباب و استسلم القفل لشدة الارتطام ، وجدها عارية على غير عادتها وتحسس الدفء في نصف فراشه الآخر ، في تلك اللحظة خطرت بباله حادثة الدليمي يوم تأمر عليه لجودان اسماعيل و كلفه بالمبيت في جبل لعراكب ليخلو له الجو في العبث بحرمته ،،،
أقسم لها بالثلاث و أقسمت هي أيضا ، إذا من ،،، ؟ النمس كان معه في المقهى ، لن يكون إلا ابن بوشليح فهو الوحيد الذي أطل واختفى ، و هل يمكن للجينات الوراثية أن تنقل الخبث من الاباء إلى الأبناء ،،؟
في مساء اليوم الموالي فتحت المقهى أبوابها ، و حام اللعيبة حول طاولات الدومينو , إلا بوخن فقد تأخر عن الموعد ، و تأخر السؤال
قال النمس بنبرته التهكمية ،
بوخن ترشح للانتخابات ، هو الآن منشغل بجمع التوقيعات ، و إعداد برنامج يغري به الناخبين بعد أيام يصبح نائبا في البرلمان ، سنراه على شاشة التلفزيون ، يناقش ويحلل ، ينتقد و يصوب ، سيطبق خطط اللعبة في مناقشة برنامج الرئيس ، ثم أكمل و هو يقلب أحجار الدومينو ، لن يلعب معكم بعد اليوم ، سيلعب مع الكبار بعد أن تمنح له الدولة الامتيازات المغرية كي يرفع كفه للمصادقة ، و ترفع زوجته ساقيها للاستسلام
تبادلوا النظرات فيما بينهم وكأنهم فهموا ما يقصده النمس من تلك الفضائح التي تتقرر في القرية ،
لم يكن عبد الله الهز ينوي الشر أو العبث بشرف الناس ، و قد استقام في وقفته طالبا الصفح و البراءة ، و قال للقاضي اختلطوا معي في الظل ، أصبحوا قطيعا من الذئاب وراء نعجة منفردة عزلها الفقر و زاد في عزلتها الترمل ، و الحاجة لمن يقف جنبها و يحميها
استدار إليها القاضي سائلا ،،، و أنت ؟؟؟
لم تتردد في الإجابة و البوح
قالت : حين تغرق القرية في الظلام يتسلل بوشليح إلى الكوخ مدججا بالوعيد و التهديد باسم الجبهة و التمرد على الاستعمار و الجهاد على الكفار ، و لما مات ذلك الموت الرخيص خلفه عبد الله الهز في تبني ما تأخر من ظلام ، لم التقي به صدفة بل هو من أرغمني بعد مطاردة طويلة و مغامرات لا تنتهي عند بال
صمت القاضي و صمتت القبور المتناثرة أمامه ، لم يبقى إلا طنين البرميل الفارغ ينبعث في طرف مقبرة سيدي ابراهم ، و قد أختلط بكل الأصوات الآتية من تلك المرتفعات القريبة من جبل لعراكب التي تمتد لتشكل سلسلة قمم حادة يحتضنها الأفق الفسيح الممتد بلا حدود ، كانت القرى المجاورة مثل لمليمل و أحمال و لجرابة محميات صغيرة ، لبوشليح و عبود باسم الثورة و باسم تطبيق شرع الله على القرويين العزل ، بل كانت مرتعا لنزواتهم التي تتحدى كل الأعراف وكل المواثيق ،،،
بدأ النمس يخلط أحجار الدومينو ، بطريقة تعكس حالته النفسية المتوترة ، و قد أحاط به بوخن و عبد الله الهز و الضبيش ،
قال له بوخن بنبرة استهزاء : اليوم يومك يا النمس !!!
رد عليه النمس بتوتر و استخفاف و هو ينقر قطع الدومينو بعضها ببعص ،،، أ أنت يا بوخن ؟؟؟ ، أمثالك ألعب معهم بنصف عين ، ثم لقد سمعت أنك ترشحت لخوض غمار الانتخابات ، ستصبح نائبا في البرلمان ، قد نشتاق للعب معك ، بعدما تمنحك الدولة سيارة فارهة و مسكن لائق ، و قد تتوسط لنا لاسترجاع مكانتنا و العيش بكرامة في القرية ، دون التعرض للمضايقات و المساءلة عن انتماءاتنا السياسية
ابتسم عبد الله الهز ابتسامة خادعة لاستمالة النمس ، و تشجيعه على الخوض في أسرار القرية ، ثم طرح القطعة الرخامية ، وقد تعمد في زحلقتها على سطح الطاولة و قال : سيس ،،، أقتل ،سكت النمس و استمر في نقر أحجار الدومينو بعضها ببعض ، و قد تاه في متاهة تلك الأيام الصعبة و المرعبة ، حين كانت تخرج الذئاب من الغابة لتتلقفها كلاب القرية بنباحها المتميز ، فتعلن القرية حدادها و قد أنطفأت الأنوار الخافتة التي كانت تنبعث من نوافذ الأكواخ الطينية الساكنة ، لو لا تلك الطلقات المتقطعة و التي تحدث بين الحين و الحين ، فيهرع بوشليح إلى طرف القرية حيث يسهل عليه الهرب و الاحتماء في شعابها ، بعدما يكون قد نال من شرف أهل القرية باسم الجهاد على الاستعمار و مقاومة المحتل ،،، في الأيام الأولى للاستقلال زحف الأهالي على مزرعة الكولون و حولوها إلي قيطوهات متداخلة من الأكواخ ، و زحف رفقاء بوشليح على الشقفة و على بنايات المعمرين و استولوا عليها ،،،، لا أحد تذكر مريم الشاطودانية حين أوقفها جنود الاحتلال ، مزقوا لباسها الرث ، ثم تركوها عارية بين قهقهاتهم المرعبة ، هربت في المجهول صوب المرج ، قطفت الحشائش و غطت حقولها المثيرة
نكزه الضبيش بكوعه : ألعب يا النمس ، ،
استفاق النمس من تيهه ، رمى قطعة الدومينو و نطق بصوت خافت
_ تموت ،،،؟؟؟
تنهد بوخن و استمر في نقر أحجار الدومينو السبع ، بعدما تجاوزته اللعبة للمرة الثانية ،و قد أحس بتلاعب النمس بالأحجار أثناء خلطها ،فنقر الطاولة إذانا لهم بالتجاوز ، إلا أن عبد الله الهز اتبع خطة مخالفة لرغبة النمس ، و فتح اللعبة على شطرها المقفل ،
تاه بوخن في الظل ، سار في معبر ضيق ، ثم انحرف صوب باب الكوخ ، سمع همسا خافتا فحاول التطلع إلى مصدره ،
إنه عبد الله الهز يحتضن بندقية من خيش و يتموه في الظل ،،،
قال له القاضي و قد أعماه الطمع ، و تعمد التقليل و التهوين ،،
_ كم ستدفع إذا تنازلت ؟؟؟
رد الهز بجديته المعهودة : سأكون مدينا لك بالخبز و الملح الذي بيننا
و لما ازداد الهرج و المرج داخل الحجرة ، عمد القاضي إلى نقر سطح الخشب الصقيل المستورد بمال الشعب و رفع الجلسة ، فتسللت عبر ممرات القاعة و قد كتمت شهقتها ، و سترت بطنها الفاضح ،و تبعها الحاضرون إلى الانصراف ،
و لنا خلت المقبرة من المشيعين ، وقف القاضي على قبره ، وهمس ببحة خافتة ،
_ باسم الشعب حكمت المحكمة ببراءة عبد الله الهز من كل التهم المنسوبة إليه ،،، ثم اختفى في الظل،،!!!
تمادت القبور في صمتها و لم تستطع انتقاد الحكم الظالم في حق القرية و أهلها ،حتى القبور الحديثة التزمت الصمت بالتواطؤ مع الأحياء لتركها رقعة ضالة في الظل ، رهينة الخرافة و الشعوذة و الدروشة و لعبة الدومينو ، و التي أخرت الاستقلال ثم رهنته للزوايا المنفرجة تعبث فيه كما تشاء ، حتى اشتراكات الأهالي كانت تعبر الحدود عبر وادى سنيس ثم مغنية دون أن ينقص منها فلس واحد ، لكن بعد وصولها مدينة وجدة المغربية تسندها الراقصة تحت فخديها ، و تصرف باسم الثورة و شراء السلاح ، بعد الاستقلال ازدهرت لعبة الأمس ، و استدعيت أرامل الشهداء إلى المكاتب و الإدارات لصرف معاشاتهن في الظل و بالشروط المخجلة،،،
_ قال له النمس بنبرة استهزاء ،،،!!!!
ألعب يا بوخن لسنا تحت قبة البرلمان ...!!!!
تنهد بوخن تنهيدة الانكسار و مد يده المرتجفة صوب رتل الأحجارتأهب بوخن للمغادرة غير أن كلام النمس الموجع ألزمه البقاء و الصمود ، خاصة و قد استفزه حين أشار إلى حذائه البلاستيكي ثم إلى أنفه إشارة مهينة ، دفعته إلى ثني قدميه نحو الخلف ، و الاستعداد و التأهب للمواجهة و رد الفعل و التصدي له ، حتى و إن تطلب المبيت في المقهى ، و لكن ماذا سيقول لزوجته وقد أقسم لها بعدم تكرار ذلك التأخر الذي كاد يعصف برابطة الزوجية قبل أسبوع فقط ، ثم أيترك هذا الوغد ينتصر عليه انتصارا مؤلما و ممزوجا بالخيبة و المهانة و الكلام الموجع ، و قد تعمد النمس في إثارة مشاعره و استفزاز أحاسيسه حين ذكر له قبة البرلمان ،
نقر بوخن القطع الرخامية بعضها البعض ثم طرح القطعة البيضاء الناصعة و كأنه أصيب بالبكم !!!
قال له النمس : ألعب يا بوخنشور !!!
أحس بوخن بوخز الصيحة ، و تاه في الظل ، سار في اتجاه جبل لعراكب ، داس على قبر بو شليح و تحدى روحه الشريرة ، وقطف حزمة من فروع الغابة ليقدمها علفا لعنزته ، أثناء العودة تخمرت في رأسه فكرة الترشح لخوض غمار الانتخابات البرلمانية ، لما لا يوظف تلك الخطط الكثيرة الناجحة التي يتقنها في لعبة الدومينو ، السياسة أيضا لعبة لا تختلف عن بقية الألعاب ، ثم كيف بقي هؤلاء المقامرين يعبثون بمستقبل البلاد من غير خطة ، و من غير نتيجة ، هل ورثوا حكمنا عن ابائهم ،
_قال له النادل :
وهو يحرك رأسه ،،، انهض يا بو خن لقد انتهى الليل
ركن بوخن إلى الهدوء و السكينة ، و قد خفتت تلك الانفعالات و رسبت الهستيريا العاصفة التي هزت كيانه ، و استفاقته على حالة مهينة و موجعة ، تلفت إلى جنبيه كمن يبحث عن شيء ضاع منه اللحظة ، و قبضته لازالت تقبض على أحجار الدومينو بأحكام ،
_ تساءل و هو في حيرة من أمره ،،،؟؟؟
_ أين النمس ،،، أين اختفى ،،،؟؟
تسربت إلى كيانه شكوك قاتلة و استسلم لتساؤلاته ،، هل النمس من دس له المخدر في القهوة و تركه نائما في المقهى ، فتح قبضته و رمى أحجار الدومينو على الأرض ، و لما أحدثت نقرا على البلاط تاه بوخن في الظل
كان بوشليح عميلا مزدوجا ، كلفه عبد الحميد بن جمام باختراق سم الخياط ، حاول في البداية لكن قادة الثورة حكموا عليه بالإعدام ، و لما استشهد القادة الكبار انتهى حال الثورة إلى اليتم ، فأصبح السم الذي يقتل كل السموم ، و الخياط الذي يخيط التهم للأهالي بكل المقاسات التي ترضيه و تشبع نزواته
تقلص الشك في صدر بوخن مفسحا المنافذ لليقين و هو يهم بالخروج من المقهى ، خاصة وقد تم تنويمه بطريقة لا تخطر على بال ، تيقن من الرشفة الأخيرة في عمق الفنجان لما لها من نكهة خاصة ومميزة ، لكن السؤال الذي بقي يؤرقه هو لماذا تآمرا عليه النمس مع ابن المهزازة و هما مختلفان على الدوام ، ثم كيف توسط له ابن بوشليح مع مدير الميناء كي يعينه حارسا ليليا ، لكن لم يلبث و انكشف أمره ، و قد عثروا على صورها الفاضحة في هاتفه الخاص ، كان يستعمله للضغط عليها حين تأبى و تنكسر ، و لما انكشفت الحقيقة ، أحس بالتعب و الدوار ، وهي أحست بجهنم تغشاها
_ قال لها القاضي باستحياء : منذ متى ؟؟؟
ترددت في البوح ، تلفتت إلى الجهات المحيطة بها ، تبحث عن كوة للخلاص و حشرجت بصوتها الخافت
_ ليس اليوم يا سيدي ؟؟؟ !!! استسلمت القرية للظل وقد غمرها السكون و الصمت ، لولا بعض النباح المتقطع المنبعث من جهة الشوف ، حيث كان بوشليح يتحايل على زعبر بالحراسة هناك طول الليل ، للمبيت في فراشه و الاستمتاع بدفئه باسم الثورة و المساهمة في الجهاد و محاربة الاستعمار ،
و خلال نصف قرن من الاستقلال استفاقت الجينات الوراثية في ذات ابنه الملوثة بالشر ، أوهم زوجته برحلة صيد ، أكدها الجمعي في المنعطف و سار معه كشاهد على تخوم جبل لعراكب ، بعيدا عن الميناء القابع في حلق الماء ، ورتل الشاحنات الكبيرة ،
قال للجمعي بنبرة افتخار و اعتزاز
_ أنا من حتمت على مدير الميناء توظيفه عساسا ، هي أحسن له من البقاء في بيته ، ثم له عدة امتيازات كالعلاج و التقاعد ، و ينام في النهار إذا أراد ،،،،
و حين امتطى عقرب الساعة ظهر أخيه على ساعة بين يومين ، تحسر ابن بوشليح على جولة الصيد الخائبة ، ودع رفيقه ثم أقفل عائدا في الظل صوب إحداثيات الفء الموعودة
استمر النمس في العبث بأحجار الدومينو ، فكان ينقر بعضها البعض ، ويمهل ابن المهزازة على الرد عليه ، فرتل القطع قد انحرف مساره صوب لحظة لم يتوقعها أحد ، و في اللحظة نفسها كان صوت الرئيس زروال ينبعث من جهاز التلفزيون المعلق في الركن المظلم من المقهى ، و هو يحرك رأسه في حركة دائرية ،و يتوعد المواطنين باقتلاع الإرهاب من جذورهم ، و قتل الدوبل سيس قتلا مهينا و مخزيا ،
نقر ابن المهزازة سطح الطاولة في إشارة منه إلى توافق الخطة مع خطاب الرئيس ، فالمواجهة تأزمت و تعقدت وأصبحت مستحيلة و لم يبقى أمامه سوى هامش ضئيل للمناورة ،
_ قال للنمس باستهزاء
ابن الأرملة جاء إلى القرية ، أوقف سيارته الرباعية الدفع على مشارف لعراكب أوهم الجمعي بالصيد ، تركه يترصد الخنازير عند تخوم منتصف الليل ، و تسلل صوب الظل
قال له النمس باستهزاء أنت ثعلب البساتين ، لا تقاوم إغراءات طمعك و تخوض معارك وهمية تخسرها في النهاية ، لا تصمد طويلا حتى تنهار مثل كومة الروث ، فمن اشار لك بالترشح للبرلمان و أنت أمي و جاهل ، أنت مثل ابن بوشليح الذى تحدى الواقع و ترشح في حزب الملط و لما استلم المقعد و مؤهلاته العقلية لا تسمح له بالتشريع أو قراءة القوانين ، لأنه تربى على الخبث و الحرام و ممارسة الرذيلة و الفاحشة ، فاستغل كل الفرص لإطفاء نزواته
أما أنت يا بوخنشور فلعبة الدومينو أكبر منك و قد وجدت من يجلس معك و أنت تفوح بالنتانة ،
أحس بوخن بالإهانة و هو يخلط أحجار الدومينو ، تلفت إلى ابن المهزازة الذي كان يدخن تبغا مشبوها ، و قد جحظت عيناه ، إلى درجة أنه صار لا يفرق بين أحجار الدومينو قال له بصوته المتهدج المخنوق
_ عيش تشوف يا شلاغم الكلب ،،،
تاه ابن المهزازة في الظل ، عاد إلى تلك الأيام الصعبة حين كانت طائرات الكيمولي تحوم على مرتفعات جبل لعراكب ، و تفرغ حمولتها على مواقع الثوار ، بلا رحمة و لا شفقة ، كان بوشليح يسند ظهره إلى كيس الاشتراكات التي جمعها عنوة من الأهالي ، و هو يتوعد و يتهدد بتصفية المشري و صالح البف ، و كل من استنكر تصرفاته المخزية التي كان يمارسها في ادلال و اهانة الناس ،
بعد الاستقلال تقررت نفس المآسي و بنفس الأشخاص،،،،،
نقر عبد الله الهز الطاولة إذانا بالمرور ، وبقي النمس يترصد القطعة المناسبة لغلق اللعبة
انحنى بوخن على صدر الطاولة ، انحناء مذلا ليخرج عقب سجارة من أحد جيوب سرواله الرث ، و هو يتوعد الضبيش بهزيمة نكراء لن ينساها أبدا ، تتذكرها الأجيال على مر التاريخ ، و سيحدث ثورة في عالم الدومينو يتجاوز صداها الثورة التونسية التي الهمت العالم وتركته مدينا لها بالاعتراف و الافتخار ، و أنهت خرافة الشعب المذل الذى رضع المذلة مع لبن حكامه
_ قال بصوته الخن و بنبرة أبناء الميلية و قد استبدلوا حرف اللام نونا ،،،
أنعب يا عبد الله الهز ،،،؟؟؟
تاه عبد الله الهز في الظل ، حاصرته الأشباح من جهات الغرب و سدت عليه كل المنافذ حتى خفتت أنفاسه ، دق حفيد بوشليح الباب دقا خفيفا و تسرب صوته المدجج بالرعب ،،،
_ أفتح يا عمي عبد الله ،،،
,,,,/,,,,
شقيف الشقفاوي
تعليق