جراحة الأفكار بين المدارسة و الممارسة (مقدمة في التغيير السلمي).

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #61
    جراحة الأفكار بين المدارسة و الممارسة (مقدمة في التغيير السلمي).

    الْخُبْث الزُّعاف

    لعلّها كانت لحظةً من لحظات التّنوير النّادرة الّتي تحصل للواحد منا لمّا يكون مستغرقا في حديث مثمر بنّاء مركِّزا على ما يقول أو على ما يتحدث فيه فتنقدح في ذهنه كلمة أو عبارة أو فكرة موضوع، وهذا ما حدث لي في صبيحة اليوم، 04 محرم 1442، عندما كنت في حديث جاد مع أحد أصدقائي عما يحصل للأمة من أحداث جسام بسبب مكر أعدائها بها وخبثهم فيها فلم أجد وصفا يصور خبث أعداء الأمة ضدها إلا "زعافا"، وهو وصف يطلق عادة على السم القاتل الذي يفتك بالشقي الذي سُقِيَّه أو حقن به فيهلكه إن لم يتدارك بالترياق الفعال؛ "الخُبْث الزُّعاف" خبث خطير فتّاك سار في مفاصل الأمة، عروقِها ودمائِها، يكاد يقضي عليها لولا لطف الله تعالى بها.

    إننا لا ننظر في أي مجال من مجالات الحياة، حياة الأمة العربية، من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، إلا رأينا ما لا يسر الناظر البصير المدقق ولا الملاحظ المستبصر المحقق، كأن الأمة، وهي التي وصفت في فترة من فترات تاريخها المجيد وماضيها التليد بـ"خير أمة أخرجت للناس"، فصارت اليوم، للأسف الشديد، شر أمة بين الناس.

    فما الذي حصل لها حتى تردت إلى أسفل سافلين وقد كانت في أعلى عليين؟ كيف انحطت إلى الدرك السافل المهين وقد كانت على الدرج السامق المبين؟ الحديث يطول، ويطول، ويطول، وما في الكاتب المتعَب من طاقة تسمح له بالاسترسال فيه لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فنقول: السبب المباشر هو أن هذه الأمة استبدلت الذي هو أدنى: الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، بالذي هو خير: الإسلامَ، والإيمانَ، والإحسانَ.

    لقد عملت الأمة، وبكل جهد وتفانٍ، على نقض عهودها مع الله تعالى ومع رسوله الكريم، صلى الله عليه وسلم، وفعلت عكس ما أمرها الله تعالى ورسوله، صلى الله عليه وسلم، به نهيا وعزما، فكانت عاقبة أمرها خسرى حتى الآن وإلى أن تتوب إلى ربها الكريم وتثوب إلى إن شاء الله تعالى، وما ذلك على الله بعزيز.

    كنت منذ أربعة عقود من الدهر اختصرت عوامل سقوط الأمة الحضاري في نوعين اثنين:
    1- عوامل داخلية ذاتية؛
    2- عوامل خارجية عدوانية[مكرية، أو خُبْيثة]
    وحديثنا اليوم عن عامل "الخبث الزعاف" الذي فتك ويفتك بالأمة منذ مدة وهكذا أربط ما أسجله اليوم بما كتبته من عقود ولعله يكون للحديث بقية إن كان في العمر بيقة، إن شاء الله تعالى، عندما سنتكلم عن الترياق الفعال من " الخُبْث الزُّعاف".



    البُلَيْدة، يوم الأحد 4 من شهر الله المحرم 1442؛ الموافق 23/08/2020(غ).
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • عمار عموري
      أديب ومترجم
      • 17-05-2017
      • 1300

      #62
      الأمة الأسلامية لا تزال في طور الانحطاط والذي قد يمتد إلى سنوات طويلة.
      بشيء من التفاؤل، ربما علينا انتظار نصف قرن على الأقل، حتى تولد أمة أخرى جديدة...
      مالك بن نبي كان يعتقد أن 25 سنة تكون كافية لقيام حضارة جديدة، الرئيس الراحل هواري بومدين أكد هذه النظرية على أرض الواقع بإقامة دولة رائدة في ظرف 15 سنة.
      رؤية السعودية 2030، أجده مشروعا واعدا في هذا الإطار.
      قرأت قبل يومين أن كوبا تطور علاجا للكورنا. أين هذه الدولة الصغيرة، أو الجزيرة المجهرية، من الدول العربية والإسلامية المترامية الأطراف على الكرة الأرضية، وذات القدرات المادية والأدمغة البشرية الهائلة ؟

      أخي الحبيب حسين : أتمنى أن تكون مشاركتي، هامشا صغيرا للحديث المثمر الذي ذكرته.
      مع تحياتي القلبية وتمنياتي لك بموفور الصحة والخير، بإذنه تعالى.

      تعليق

      • حسين ليشوري
        طويلب علم، مستشار أدبي.
        • 06-12-2008
        • 8016

        #63
        مرحبا أخي الحبيب أهلا وسهلا بك في الحوار الأخوي المفتوح عن واقع الأمة المزري المفضوح.
        أشكر لك مشاركتك الطيبة والسريعة والمشجعة على مواصلة الحديث عن العامل الخبيث.

        ثم أما بعد، لقد بيَّن الله تعالى في كتابه الكريم القانون الذي يغير ما بأمة، قوم، حتى تغير حالها بإرادتها لا بإرادة غيرها الأصدقاء فكيف بالأعداء الخبثاء؟ يقول الله تعالى {إنَّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم} (الرعد:11)؛ ويقول{
        ذَ‌ٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الأنفال:53)؛ ويقول {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(التوبة:115)؛ لاحظ لفظ "قوم" في الآيات الثلاث المختارة أن الله تعالى لا يغير حال القوم، الجماعة، المجتمع، الأمة، حتى يأخذوا بأسباب التغيير التي بينها لهم في كتابه العزيز وفي سنة النبي، صلى الله عليه وسلم، وإن الأمة لما كانت مؤمنة متمسكة بإيمانها وقد حبب الله إليها الإيمان وزينه في قلوبها وكره إليها الكفر والفسوق والعصيان ارتقت وبنت حضارة أدهشت العالمين؛ ولما نكثت العهد ونقضت الميثاق وأحبت الكفر والفسوق والعصيان وفضلتها على الإسلام والإيمان والإحسان سقطت وانحطت وتدهورت إلى الحال التي نراها عليها منذ قرون جزاء وفاقا، والله المستعان.
        أكرر لك شكري، أخي، على التفاعل المثمر عسانا نواصل الحديث.
        تحياتي إليك.

        sigpic
        (رسم نور الدين محساس)
        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

        "القلم المعاند"
        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

        تعليق

        • حسين ليشوري
          طويلب علم، مستشار أدبي.
          • 06-12-2008
          • 8016

          #64
          جراحة الأفكار بين المدارسة و الممارسة (مقدمة في التغيير السلمي).

          النُّفَيْخَة (مقالة نفسية تحليلة)

          (بين يدي المقالة: أبادر إلى نشر ما توفر لدي من هذه المقالة الجديدة قبل الانتهاء منها عسى أن يبادر قراؤها إلى إثرائها ومناقشة ما نشر منها مع الملاحظة أنني أكتب عفو الخاطر وليس وفق مخطط مسبق)


          "النَّفيخة" شيء من المطاط ينفخ حتى يكبر ويصير قابلا للارتفاع في الجو يمسك بخيط حتى لا يفلت فيضيع وقد يطلق المئات منه في الهواء احتفاءً بالمناسبات السعيدة، وهو ما يسمى بالأعجمية "البالون"، أو بالعامية الجزائرية "النَّبُّولَة"، والجمع "نبابل"، ويحب الأطفال اللعب بالنبابل وتستعمل في الأفراح والمناسبات والأعياد بأنواعها، وأفضل ضبطها بفتح النون وليس بضمها قياسا على "النَّطيحة" و"الفريسة"، على وزن "فعيلة" مؤنث فعيل بمعنى مفعول أي أن "النَّفيخة" هي "المنفوخة" مؤنث منفوخ، أو إن ضبطناها بالضمة "نُفَيْخَة" فهي تصغير "نَفِيخة" للتحقير كما هو مثبت في العنوان.

          احتجت إلى هذا التعريف الطويل حتى لا أضطر، وأنا في خضم الحديث في موضوعي هذا، إلى شرح "النفيخة"، بالفتح أو بالضم، كل مرة، وليست النية معقودة للحديث عن هذا الشيء الشهير جدا وإنما عن "النفيخة" المعنوية الكامن في كل إنسان منا حتى وإن حاول إظهار نفيخته في مظهر حسن مُعجِب للناس لائق؛ في كل شخص، كائن بشري طبعا، نفيخة مختفية فيه وقد تكبر هذه النفيخة حتى يصير الشخص نفسه نفيخة كبيرة ناطقة متحركة متنقلة متفاعلة مع الناس ومنفعلة بهم وعليهم.

          فما سبب هذا الانتفاخ المضر بصاحبه أكثر مما هو مضر بالناس يا ترى؟ أرى أن هذا الانتفاخ الوَرَمي، نسبة إلى الورم، ناتج عن تربية سئية أصلا، وعن تقدير مبالغ فيه للنفس من الشخص ذاته، وعن مبالغة في تقدير شخص ما من الآخرين المحيطين به أو المتعاملين معه.

          1- سوء التربية: تلعب التربية، أو التنشئة الاجتماعية، دورا كبيرا وخطيرا في غرس الكبر والتعاظم، الانتفاخ، في نفسية الطفل، فمنذ الصغر يُلقَّن الصبي أنه أحسن الأطفال، وأفضلهم، وأجملهم، وأذكاهم، ولا أحد يماثله، أو يضاهيه، أو يفوقه، وهذا لا يعني إلغاء تقدير الصغار لتشجيعهم على التفوق على أقرانهم، لا ! لكن المبالغة في التقدير تأتي حتما بنتائج كارثية في نفس الطفل وعقله؛ كما أن تلبية مطالب هذا الطفل غير المشروطة وغير المحدودة، أو ما يسمى "التدليل" المبالغ فيه شكل من أشكال سوء التربية كذلك؛ وقديما قيل: "إذا تجاوز الأمر عن حده انقلب إلى ضده"، وهذا صحيح تماما فيما نحن بصدد مناقشته هنا؛ كما أن للنشأة في بِيئَة اجتماعية متغطرسة الأثرَ الكبير في غرس التكبر في نفس الطفل؛ فكيف عندما يربى الطفل على الكبر ابتداءً؟

          2- رؤية النفس: بسبب سوء التربية المتحدث عنها بإيجاز أعلاه ينغرس في الطفل الذي سيصير رجلا (أو الطفلة التي ستصير امرأة كذلك) مرضُ الكبر ورؤية النفس وكأن هذا الشخص فريد دهره، ووحيد عصره، وجوهرة عقد أمثاله، وهو تاج أقرانه، لا لتميز بأخلاق حميدة عالية ولا لتمكنه من علوم ليست في غيره، وإنما لنزعة كامنة في نفسه ورثها من أهله أو غريزة غرسها الناس من حوله فيه بالإطراء المبالغ فيه أو بالمدح القاصم للظهر حتى ينبت فيه الغرور المهلك، وحينها يقال: "إنسان مغرور" يرى نفسه سرة العالم، أو هكذا يخيل إليه من غروره فيصير يتكبر على خلق الله كأنه ليس منهم.

          3- الإطراء المبالغ فيه: قد يكون في الشخص، لا محالة، خصال حميدة ومناقب جميلة تحمد له لكن حديثنا عن المبالغة في إطراء الناس بما فيهم أو بما ليس فيهم، وهذا خطير في نفسه على القائل وعلى المقول فيه في الوقت نفسه لأنه كذب محض وافتراء صرف، فإن كان الإطراء بالحق خطرا على الشخص المنعوت فكيف إن كان الإطراء مكذوبا أو من أجل تزيين حال الذي قيل فيه في عيون الناس لمخادعتهم؟ فهذا ضرب من الغش غير مقبول؛ جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فمدح رجلا آخر، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "
          ويْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ مِرَارًا، ثُمَّ قالَ: مَن كانَ مِنكُم مَادِحًا أخَاهُ لا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ أحْسِبُ فُلَانًا، واللَّهُ حَسِيبُهُ، ولَا أُزَكِّي علَى اللَّهِ أحَدًا أحْسِبُهُ كَذَا وكَذَا، إنْ كانَ يَعْلَمُ ذلكَ منه"، رواه الإمام البخاري في صحيحه عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.


          (هذا وللحديث بقية إن شاء الله تعالى إن كان في العمر بقية)

          البُلَيْدة، صبيحة يوم الخميس 08 من شهر الله المحرم 1442 الموافق 27/08/2020.
          sigpic
          (رسم نور الدين محساس)
          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

          "القلم المعاند"
          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

          تعليق

          • حسين ليشوري
            طويلب علم، مستشار أدبي.
            • 06-12-2008
            • 8016

            #65
            تورم الأنا سبب في تضخم النفس المرضي (نسأل الله العافية).

            نواصل حديثنا عن "النَُّفَِيخة"، بفتح النون على وزن "فَعِيلة"، أو بضمها للتصغير على وزن "فُعَيْلة"، إلى أن نستكمل الفكرة للوصول إلى الغرض المنشود بإذن الله تعالى.

            كنت عام 2014 قد استحدثت، وأنا في خضم نقاش حاد، وحاد جدا، مع بعض المناوئين لي وقتها في موضوع أختنا
            سمر عيد، ذكرها الله بخير، والمعنون بـ"نحو حوار هادفٍ و هادئ، أي الجنسين الأصدق في الحب: الرجل أم المرأة؟"، تسمية "تورم الأنا" لوصف ما يعاني منه كثير من الناس، وهو وصف دقيق لم أقدره وقتها حق قدره لنعت سبب الغرور في النفس البشرية، ثم وبعد بضع سنوات قدر الله لي أن أهداني بعض الناس مجموعة كتب، بالعربية والفرنسية، فكان من بينها كتاب صغير بالفرنسية قديم النشر من سلسلة "ماذا أعرف؟" (Que sais-je) الشهيرة، طبع عام 1955، من تأليف "غي بالماد" (GUY PALMADE) بعنوان "علم الطباع" أو، بالفرنسية "La caractérologie"، وهي تسمية قديمة لعلم "الشخصية" (la personnalité) في علم النفس الحديث، وكم كانت فرحتي كبيرة لما وجدت المؤلف يصف بعض الأمراض النفسية، "البارانويا"، أو "التعاظم"، في بعض المهن بقوله: "paranoïaque: dilatation du moi ; se donner de l'importance ; inflation psychique"؛ ما ترجمته تقريبا: "نوع المتعاظم: انتفاخ الأنا؛ تعاطي الأهمية؛ تضخم نفسي"(ص 115)؛ فالحمد لله على ما يسره لي من إثبات الاجتهاد، الحمد لله.

            إذن، إن الشخص المصاب بالكبر والغرور ورؤية النفس وتعظيمها وتضخيمها يعاني حتما من "تورم الأنا" الخبيث، وأنا أثبت هذه التسمية، والأورام عموما، خبيثُها وحميدُها، يجب استئصالها كلية، أو أكثرها، حتى لا تؤذي صاحبها فتقضي عليه إن آجلا أو عاجلا كما هو معلوم في علم الجراحة؛ والسؤال الذي يفرض نفسه علينا الآن وهنا هو: كيف نستأصل هذا الورم الخبيث من نفوسنا ومن نفوس الآخرين إن سمحوا لنا باستئصاله؟

            الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا عودة إلى السيرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة السلام، نستقي منها الحل، أو الحلول، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، وللتوسع لفهم وجهة نظري هنا أقترح مراجعة موضوعي: "
            جراحة الأفكار بين المُدارسة و المُمارسة (مقدمة في التغيير السلمي)"، قراءة ممتعة إن شاء الله تعالى.
            sigpic
            (رسم نور الدين محساس)
            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

            "القلم المعاند"
            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

            تعليق

            • حسين ليشوري
              طويلب علم، مستشار أدبي.
              • 06-12-2008
              • 8016

              #66
              "القرآن وبناء الإنسان"، مشروع أمة في كتاب

              {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرعد: 11)
              {ذَ‌لِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ؛ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال: 53)
              {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ؛ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التوبة: 115)
              {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا، اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا؛ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الأعراف: 164)
              {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذ‌لِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ؛ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ؛ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة: 78 و79)؛
              قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "والَّذي نَفسي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ ثمَّ تَدعونَهُ فلا يَستجيبُ لَكُم" (صحيح الإمام الترمذي عن حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه)


              "القرآنُ وبناءُ الإنسانِ"

              بين يدي الموضوع (تمهيد):

              الحمد لله أن هدانا إلى الإسلام وجعلنا من أمّة خيرِ الأنام، محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام والحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.
              "القرآنُ وبناءُ الإنسان" مشروعٌ طموحٌ ينظر في عقلية المسلم المعاصر ويسعى إلى إعادة صياغتها وتشكيلها وتجديدها حسب توجيهات القرآن الكريم الذي شرَّف هذا الإنسان وأعاد له قيمته الإنسانية بعدما ضاعت منه دهورا فسقط في البهيمية الشهوانية فجاء الإسلام بالوحيين، القرآن وسيرة النبي مُحمَّد، صلى الله عليه وسلم، فأخرجه من ظلمات الجاهلية الجهلاء إلى نور الإسلام الوهّاج فأعاد إليه بشريتَه وإنسانيتَه وآدميتَه وقيمتَه في الوجود وأشعره بدوره في الحياة فصار مثل نبيه، صلى الله عليه وسلم، الرحمة المهداة إلى البشرية جمعاء وليس إلى المسلمين وحدهم بل إلى غيرهم من البشر وإلى سائر مخلوقات الله تعالى كلها فوجدت فيه الرحمة والخير والسلام والأمان والإسلام؛ إنه القرآن وهدي خير الأنام محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، هما الوحيان وعليهما تتأسس حياة المسلم كلها في نفسه ومع غيره ومع ربه عزَّ وجلَّ وحولهما يدور كما تدور الأرض على محورها؛ فالحمد لله أن هدانا إلى الإسلام، وجعلنا من أمة خير الأنام، محمد عليه الصلاة والسلام، الحمد لله؛ و"المسلم المعاصر"، إلا من رحم الله، قد ارتد إلى الجاهلية الجهلاء التي أخرجه الإسلام منها وهو يزعم أنه "مسلم"، متبع للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وهذه من أغرب المفارقات وأعجبها وأتْعَبِها لقلب المؤمن الغيور على دينه وعلى أمته وعلى قومهمتأ.
              القرآن الكريم كتاب هداية إلى البشرية كلها وليس إلى المسلمين وحدهم فقط: { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء: 9)، و{الر، كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم: 1)، و{هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 138)، وغيرها من الآيات البيِّنات الكريمات التي تتحدث عن القرآن وتصفه وتحدد دوره في حياة المسلم، المؤمن الموحد؛ وجاء القرآن الكريم لينظم حياة المسلم في أبعادها الثلاثة: 1) مع الله تعالى، و2) مع الناس كلهم مسلميهم وغيرهم، و3) مع نفسه التي يُعَبِّدُها للّه تعالى ولا يرضى أن تكون عبدا لغير الله تعالى؛ فمسئولية المسلم ثلاثية الأبعاد وليست ذات بُعْد واحد أو بُعدين فحسب، ولذا يطمح مشروع "القرآن وبناء الإنسان" إلى إشعار المسلم عموما والمسلم الملتزم بدينه خصوصا بالأبعاد الثلاثة المذكورة فيعيده إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له؛ وإلى تحمل مسئوليته تجاه نفسه فيُعبِّدها إلى الله بما يرضي الله تعالى وبما أمره به من العبادة، كل العبادة؛ وإلى تحمل مسئوليته تجاه الآخرين، أيًّا كانوا: مسلمين أو غير مسلمين؛ فحياة المسلم لا تخصه وحده بل هو مسئول مسئولية كاملة عن نفسه أولا ثم عن غيره ممن هم في دائرة تلك المسئولية في أبعادها الثلاثة؛ والسؤال الذي يفرض نفسه علينا الآن هو: هل يستشعر مسلم اليوم، المسلم المعاصر، هذه المسئولية ثلاثية الأبعاد أم تراه غافلا عنها؟ يقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"، فهل فقه المسلمون هذا الحديث على وجهه الصحيح أم تراهم يُقْصِرونه في زاوية ضيقة من الفهم ويحصرونه فيها وهو الفقه في العبادات وحدها فقط؟ أم يجب عليهم أن يعمموا الفقه في شئونهم كلها: العبادات والمعاملات وفقه الحياة؟ أي كيف يحيون مسلمين حقيقةً وليس ادعاءً.
              و"السُّنَّة النبوية"، على صاحبها الصلاة والسلام، هي التّطبيق العملي الصّحيح والصّارم والصّادق والصَّامد والصَّابر (الصَّادات الخمس) للقرآن الكريم حيث وُصف خُلُق النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه القرآن؛ سُئِلت أمُّ المؤمنين عائشة، رضي الله عنها عن خُلُق النبي، صلى الله عليه وسلم فقالت: "القرآنُ"؛ (الحديث يرويه الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، في مسنده بتخريج الشيخ شعيب الأرناءُوط، رحمه الله، عن جبير بن حميد، رضي الله عنه، عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، والحديث صحيح)؛ وكما أن القرآن الكريم وحي من الله تعالى فكذلك السنة النبوية الشريفة لقوله، صلى الله عليه وسلم: "ألا إني أُوتيتُ القرآنَ ومثلُه معه، ألا يُوشِكُ رجلٌ شبعانٌ على أريكتِه يقول: عليكم بهذا القرآنِ، فما وجدتم فيه من حلالٍ فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرامٍ فحرِّموهُ، وإنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ كما حرَّمَ اللهُ، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السباعِ، ولا لُقَطَةُ معاهدٍ إلا أن يستغنيَ عنها صاحبُها..." (الراوي : المقدام بن معدي كرب، المحدث: الألباني؛ المصدر الحديث حجة بنفسه، الصفحة أو الرقم: 28، خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح)؛ والسُّنة الصحيحة هي المصدر الثاني بعد القرآن الكريم في حياة المسلم منها يستمد توجيهاتِه وتعاليمَه في حياته كلها يدور معها حيث تدور لأنها المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك كما جاء في النص: " قدْ تركتُكم على البيضاءِ ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها بعدي إلَّا هالِكٌ، ومَنْ يَعِشْ منكم فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعلَيْكُم بما عرَفْتُم مِنْ سُنَّتِي، وسنةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديينَ، عضُّوا عليها بالنواجِذِ، وعليكم بالطاعَةِ وإِنْ عبدًا حبشِيًّا، فإِنَّما المؤمِنُ كالجمَلِ الأَنِفِ، حيثُمَا انقيدَ انقادَ" (الراوي: العرباض بن سارية، رضي الله عنه؛ المحدث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع، خلاصة حكم المحدث: صحيح)، وقوله، صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِينَ الهادِينَ عَضُّوا عليها بالنواجِذِ" (العرباض بن سارية، رضي الله عنه، إرشاد الفحول، الشوكاني)؛ والحديث الآخر: "جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: دُلَّنِي علَى عَمَلٍ أعْمَلُهُ يُدْنِينِي مِنَ الجَنَّةِ، ويُباعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتي الزَّكاةَ، وتَصِلُ ذا رَحِمِكَ؛ فَلَمَّا أدْبَرَ، قالَ رَسولُ اللَّهَ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إنْ تَمَسَّكَ بما أُمِرَ به دَخَلَ الجَنَّةَ؛ وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي شيبَةَ: إنْ تَمَسَّكَ بهِ" (صحيح الإمام مسلم، رحمه الله، عن أبي أيوب الأنصاري، رضي الله عنه).

              والسؤال الكبير والخطير الذي يفرض نفسه علينا اليوم والذي يجب علينا أن نعرضه بشجاعة وأن ندرسه بدقة وأن نجيب عنه بصراحة هو: هل يعيش المسلم وفق ما أمره الله تعالى به أن يكون على المحجة البيضاء وأن يستمسك بالعروة الوثقى التي أُمِر بالاستمساك بها وأن يَعَضَّ عليها بالنواجذ؟ فإن كانت الإجابة بالنفي= لا ! يأتي السؤال الثاني الكبير والخطير والضروري وهو: كيف نعيد المسلم إلى الحياة الإسلامية الطَّيِّبة كما اختارها الله له وكما يجب عليه أن يحياها بكل ثقة وطمأنينة وأمان وسلام؟ هذا ما سيحاول مشروع "القرآن وبناء الإنسان" الإجابةَ عنه ويطمحُ إلى وضع الخطط والمناهج والأساليب الفعّالة و الوسائل الناجعة لتحقيقه في الميدان وفي حياة المسلم الملتزم بإذن الله تعالى؛ وهو مشروع يدخل مباشرة في ما أسميه "التنمية البشرية الإسلامية" التي تسعى إلى إعادة المروءة إلى المسلم بعدما خرمها عن جهل، وعن علم أحيانا، بسلوكه المنافي لتعاليم الدين الحنيف الذي يدعي أنه ينتمي إليه وهو لا يستشعر خطورة ما هو عليه من بُعْد عن الإسلام ومن هَتْك لقيمه ومبادئه وتوجيهاته وتعاليمه، والأخطر من هذا كله أنه لا يدري أن غير المسلمين يقوِّمون الإسلام من خلال سلوكه كفرد مسلم يمثل دينه فيصير "المسلم" (!) سببا في نفور الناس من الإسلام وهو يحاول دعوتهم إليه (؟!!!).

              المشروع مُوَجَّه إلى المسلم الملتزم بدينه الذي رضي قولا وفعلا وحالا بالله ربًّا وبالإسلام دينا وبمحمد، صلى الله عليه وسلم، نبيًّا ورسولا وبالقرآن الكريم حَكَما ودليلا خصوصا وليس إلى "المسلم" الخامل الكسول الذي رضي بالدُّونية عن سائر الناس ووجد ضالته في الجاهلية المعاصرة يستمتع بملذاتها ويلعنها (!)؛ موجه إلى المسلم العملي الذي تمثَّل قولَ الله تعالى {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ؛ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104) فأخذ بالأسباب وتهيأ لتوفير شروطها ولا يقفز عليها إلى الآية 110 في السورة نفسها: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...} قبل أن تتحقق فيه شروطُ الآية 104 آنفة الذكر؛ ويتحقق بالآية الأخرى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً؛ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 122).

              هذا، وللحديث بقية، إن شاء الله تعالى، إن كان في العمر بقية.

              وحُرِّرَ بالبليدة يوم الأحد 6 جوان/حزيران 2021 الموافق 25 شوال 1442.
              (هذه المشاركة منسوخة من موضوعي:"القرآن وبناء الإنسان"، مشروع أمة في كتاب)

              sigpic
              (رسم نور الدين محساس)
              (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

              "القلم المعاند"
              (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
              "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
              و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

              تعليق

              • حسين ليشوري
                طويلب علم، مستشار أدبي.
                • 06-12-2008
                • 8016

                #67
                الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على الهادي إلى الخيرات، محمد بن عبد الله، المبعوث رحمة للعالمين.
                ثم أما بعد:
                1- يجدر بي أن أنبِّه بأن موضوعي هنا مرتبط ارتباطا عضويا بموضوعي القديم:
                "جراحة الأفكار بين المدارسة والممارسة (مقدمة في التغيير السلمي)" والذي نشرته في ملتقانا العامر هذا عام 2009 كأنه، الموضوعَ الجديدَ، ثباتٌ على الفكرة القديمة بضرورة التغيير ابتداءً من الفرد المسلم الملتزم، فالأفكار القيمة الراسخة قد تختفي من "سطح" التفكير إلى أعماقه لعوامل كثيرة كبيرة وصغيرة وخطيرة فتلبث فترة كامنةً ثم تعلو السطح وتطفو فوقه لتذكِّر صاحبها بأن التجديد ضروري للفكر فـ "من لا يتجدد يتبدد" كما يقال؛ وتجدر الإشارة إلى أن همي القديم والراسخ أن على المسلم الملتزم أن يوجه خطابه إلى المسلمين وليس إلى غيرهم ممن تجب دعوتهم إلى الإسلام، فالمسلمون أحق بالدعوة إلى الإسلام من غيرهم وهم في هذا الشأن أصعب في الدعوة من غيرهم لسبب بسيط جدا وهو أنهم "أُقْنِعوا" بأنهم خير أمة أخرجت للناس على ما فيهم من الشرك والكفر والفسوق والعصيان، نسأل الله السلامة والعافية، فاقتنعوا، وهذه إحدى العقبات الكأداء في الدعوة إلى الإسلام، والله المستعان.

                2- كتبت مرة عام 1984 في بعض دفاتري عن جاهلية العرب وجاهلية غيرهم: "أن جاهلية العرب [العرب الذين بُعث فيهم النبي، صلى الله عليه وسلم] جاهلية بسيطة أما جاهلية غيرهم فهي جاهلية مركبة" اهـ بمعناه العام، أما اليوم فأقول ومن غير تردد أو تلعثم، أن جاهلية عرب اليوم جاهلية مركبة ومعقدة لأنها جمعت جاهليات الأمم الأخرى قديمها وحديثها فصارت جاهلية معقدة خلافا للجاهلية الأولى البسيطة، مع التنبيه أن لفظ "الجاهلية" المتداول في كتابات الإسلاميين المحدثين والمعاصرين ليس من اختراع سيد قطب، رحمه الله، ولا من وضعه، بل هو من توظيف الشيخ أبي الحسن الندوي الهندي، رحمه الله، في كتابه "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" وليس من اختراعه كذلك، فالتوظيف لا يقتضي الاختراع فهو، لفظَ "الجاهلية"، توصيف لحال ارتد إليه العرب ليس غير، ولذا وجب التنبيه، والله أعلم، فلا عجب، إذن، إن سقط العرب، عرب اليوم، في مقت الله تعالى كما سقط أسلافهم فيه كما جاء في الحديث الصحيح: "(...) وإِنَّ اللهَ نظر إلى أهْلِ الْأَرْضِ، فمقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وعَجَمَهُمْ، إِلَّا بقَايَا من أهْلِ الْكِتَابِ" (https://dorar.net/hadith/sharh/16721) فعرب اليوم يأتون من المنكرات والموبقات ما يأنف عنه عرب الجاهلية الأولى لو رأوه، نسأل الله السلامة والعافية.

                3- النظرة الموضوعية والتحليل المحايد لما يجري في الأمة "الإسلامية" (!) يجبرنا على قول ما نكره من صفات "المسلمين" الذين لم يبق من الإسلام فيهم إلا الاسم، إلا من رحم الله وقليل ما هم، فلا عجب إن صار الإسلام غريبا كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء، جعلنا الله منهم، اللهم آمين، إن الطبيب الذي يعاف المريض ويخشى من مصارحته بمرضه ويتردد في وصف العلاج الفعال وإن كان البتر أو الجراحة الكبيرة لطبيب فاشل لا يصلح للتطبيب حتى وإن حمل أعلى الشهادات وحاز أفخر الألقاب ونال أغلى الرواتب.

                هذا ما أحببت تسجيله قبل مواصلة الحديث في مشروع "القرآن وبناء الإنسان" أو "التنمية البشرية الإسلامية"، والله الموفق إلى الخير.
                (هذه المشاركة منسوخة من موضوعي:"القرآن وبناء الإنسان"، مشروع أمة في كتاب)

                sigpic
                (رسم نور الدين محساس)
                (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                "القلم المعاند"
                (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                تعليق

                • حسين ليشوري
                  طويلب علم، مستشار أدبي.
                  • 06-12-2008
                  • 8016

                  #68
                  المسلمون أولى بالدعوة إلى الإسلام وأحق، ودعوتهم إليه أصعب وأشق.

                  الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
                  ثم أما بعد:
                  سؤالان منهجيان: 1- لماذا صار "المسلمون" أحق بالدعوة إلى الإسلام من غيرهم من الناس؟ و2- لماذا صارت دعوة المسلمين إلى الإسلام أصعب وأخطر وأهلك من دعوة غيرهم؟ هذان السؤالان ضروريان وحيويان ومهمان يجب عرضهما ومعالجتهما بدقة وموضوعية وصراحة ووضوح قبل أي حديث في موضوع الدعوة إلى الإسلام.
                  يتوهم كثير من الدعاة إلى الإسلام أنهم "انتهوا" من مشكلة دعوة المسلمين إلى الإسلام لأن المسلم قد حصل ما يكفيه من الإسلام ليصير مسلما فدعوته من قبيل "تحصيل الحاصل وتكميل الكامل" وهذا وهم كبير وغرور خطير يجب التّنبّه إليهما والتحذير منهما قبل التوسع في الحديث وقبل الاسترسال فيه.
                  أن تكون مسلما بالنطق بالشهادتين وبالقيام بما فرضه عليك الإسلام من العبادات العملية لتبقى في دائرة الإسلام فتُجْرى عليك أحكامه شيء وأن تكون ضمن دائرة الإيمان الأصغر من دائرة الإسلام والأضيق شيء آخر، وأن تكون في دائرة الإحسان الأصغر والأضيق من دائرة الإيمان وبالتالي من دائرة الإسلام فشيء ثالث حتما:{
                  قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا، إن الله غفور رحيم}(الحجرات: 14)، والمسلم ليس مطالبا بالتفتيش عن إيمان الناس أو عن إحسانهم لأنهما من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله وحده، والمسلمون ليسوا مطالبين بالشق على صدور العالمين لمعرفة ما تنطوي عليه قلوبهم، لا !
                  حديثنا عن الإسلام وما يخالفه ويناقضه من تصرفات المسلمين، الدائرة الأكبر والأوسع، وليس عن الدائرتين الأخرايين الضيقة والأضيق منها: دائرة الإيمان فدائرة الإحسان، والمسلمون اليوم يأتون من نواقض الإسلام ومُهَدِّماته ما يخرجهم من دائرته وإن ظنوا أنهم "مسلمون"، بل منهم من ينقض إيمانه ويسفده ويبطله وهو يحسب نفسه مسلما مؤمنا محسنا، نسأل الله السلامة والعافية؛ والسؤال الذي يرفض نفسه علينا اليوم هو: "هل نحن مسلمون"؟ فالإجابة، إن اكتفينا بالأقوال والادعاءات و"الزُّعُومات": نعم ! أما إن تعمقنا في التحليل والتعليل وفي الدراسة الموضوعية، فالإجابة الحتمية: لا، طبعا ! لأن الإسلام ليس أقوالا فحسب بل هو، إضافة إلى هذا، أفعال المسلمين وأحوالهم التي لا تنبئ عن الإسلام قط.
                  فإن اتفقنا على هذا، يمكننا الاسترسال في الحديث على قاعدة ثابتة متينة قوية وإلا سندور في حلقة مفرغة لن نخرج منها أبدا.
                  لقد سقط "المسلمون" في المستنقع الذي سقطت فيه الملل السالفة عنهم، مستنقع الغرور بزعمهم: {
                  وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير}(المائدة: 18) حتى وإن لم يعلنوا ذلك صراحة ولم يقولوه جهرة بل "قالوه" بأفعالهم وأحوالهم، وغرهم بالله الغرور فظنوا، من جهلهم ومن ظلمهم وغيِّهم، أنهم {خير أمة أخرجت للناس} قبل أن تتحقق فيهم شروطها بل هم يسعون إلى إبطال شروطها وإلى تعطيلها ويعملون جاهدين لمناقضة تلك الشروط بل يجتهدون في معاقبة من يدعو إلى شروطها فضلا عن القيام بها، والله المستعان.
                  وبناءً عليه، صارت دعوة المسلمين إلى الإسلام أصعب وأخطر وأهلك من دعوة غير المسلمين إليه، والدليل ؟
                  "الواقع أصدق إنباءً من الكتب = في حده الحدُّ بين الجد واللعب"
                  وختاما،"
                  بَدَأَ الإسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كما بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" (صحيح الإمام مسلم، رحمه الله، عن أبي هريرة، رضي الله عنه)، جعلنا الله من الغرباء في زمن الأدعياء، اللهم آمين، فالمسلمون، إذن، أولى بالدعوة إلى الإسلام وأحق، ودعوتهم إليه أصعب وأشق.
                  والله المستعان وعليه، سبحانه، التكلان.

                  البُلَيْدَة، صبيحة يوم السبت 18 ديسمبر 2021 الموافق 14 جمادى الأولى 1443.
                  (هذه المشاركة منسوخة من موضوعي:"القرآن وبناء الإنسان"، مشروع أمة في كتاب)
                  sigpic
                  (رسم نور الدين محساس)
                  (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                  "القلم المعاند"
                  (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                  "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                  و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                  تعليق

                  يعمل...
                  X