كن تلقائيا هنا .. قصة / قصيدة / خاطرة

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    (كل ما كان يأكله ويشربه,لم يكن من أجل ذوقه ولذته,وإنما من أجل ذوق ولذة الدودة الوحيدة.
    وفي أحد الأيام,بينما كنا نتبادل الحديث في مقهى صغير,في مونبارناس,فاجأني بهذا الاعتراف كل ما في حياتي الآن,لا أعيشه من أجل نفسي,وإنما من أجل هذا الكائن الذي أحمله في داخلي,والذي لم أعد سوى مجرد عبد له)
    يوسا
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:36.
    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      في كتاب ( رسائل إلى روائي شاب ) اثنتا عشرة رسالة بعثها الروائي البيروي ماريو بارغاس يوسا إلى كاتب شاب، لا نتعرف على اسمه، ولا نقرأ نصوص رسائله التي اكتفى المؤلف بالإشارة إليها في بضعة مواقف، وردَّ عليها برسائل جوابية. وفي هذه الرسائل الأخيرة ضمّن يوسا رؤيته إلى العمل الروائي، وخلاصة تجربته في كتابة أعمال كبيرة تنتمي إلى هذا الجنس الأدبي. وليس مهماً إن كانت هناك حقاً تساؤلات يطرحها روائي شاب، يعيش في عالمنا، يطلب من خلالها النصح من الروائي المجرب. أو أن الأخير يفترض مثل هذا الروائي الذي تشغله تلك الأسئلة.. المهم هو سيل الأفكار والاستبصارات النقدية الذي يجري تحت قلم الكاتب، حيث يكشف لنا عن جوانب من مصادره الثقافية ومرجعياته، وخبراته، فضلاً عن تقويمه لنماذج عديدة من الفن الروائي العالمي. ومن ثم الكيفية التي يستطيع بها أي شخص أن يغامر في دنيا الكتابة والأدب؛ أن ينتج روايات، على وجه التحديد.
      ليس ثمة وصفات جاهزة يمكنها أن تعين شخصاً ما في أن يكون روائياً، أو شاعراً، أو موسيقياً، أو رساماً أو مخرجاً مسرحياً، الخ. وأولئك الذين يشتغلون في أي من الحقول الفنية المذكورة أعلاه، أو غيرها، يفهمون هذه الحقيقة. فلا بد من توفر جملة من المزايا الذاتية، تكاد أن تكون طبيعية في تكوين الإنسان ودخيلته، ويتم صقلها وتعزيزها فيما بعد. تلعب دور المناخ الملائم، أو الأرض الصالحة التي تحتاج إلى الرعاية، والبدء بتنمية القدرات ومن ثم بالإنتاج الفني وتطويره.
      باستطاعة الروائي الشاب الذي يبحث عن نقطة شروع صائبة وعن مسار جيد، سالك، الاستفادة من تجارب الروائيين المحترفين. فالأخيرون يمكنهم تقديم نصائح ناجعة ومثمرة بهذا الخصوص، ووصايا تختزل صعوبات جمة وتُجنّب من اختار الكتابة الروائية طريقةً في الحياة كثراً من المشاكل والخطوات المتعثرة فيما بعد. ومن يجد من يقدّم له النصح والمشورة في وقت مبكر من حياته الإبداعية يعد محظوظاً لأنه سيختصر الوقت والجهد الذي سيستثمرهما في تطوير وتحسين لغته وتقنياته وأسلوبه.
      هناك دوماً ما يفلت، بهذا الصدد، من الإمساك به وتحديده، أي من التشخيص.. الموهبة، في سبيل المثال. ولكن ما معنى أن يكون امرؤ ما موهوباً.. معظم الكتّاب المعاصرين أنكروا وجود ما كان يُعرف في السابق بالكائن الخفي الملهم ( شيطان الشعر مثلاً ) الذي يهمس في أذن الكاتب ويملي عليه ما يكتبه، غير أنهم اعترفوا بوجود هذا الشيء الذي اسمه؛ الموهبة.. ذلك الاستعداد الفطري في جوانية المرء/ المبدع، وميله القوي والحازم إلى تكريس حياته من أجل الكتابة، من غير التفكير بتحقيق مكاسب من أي نوع.
      يلجأ الكاتب، لتوضيح مقاصده وآرائه، إلى كنايات، تبدو للوهلة الأولى، غريبة، لكنها تعيننا في فهم ما يرمي إليه.. يطلق عنوان ( قطع مكافئ للدودة الوحيدة ) على رسالته الأولى، حيث يشبّه الميل إلى الإبداع والكتابة بمن تعيش في أحشائه دودة وحيدة تأكل كل ما يتناوله. وعلى الروائي أن يعيش ليكتب وليس العكس، فالميل الأدبي كما يقول؛ "ليس تزجية للوقت، وليس رياضة، ولا لعبة راقية تمارس في أوقات الفراغ. إنه انكباب حصري وإقصائي لما عداه. وشأن له أولوية لا يمكن أن يقدم عليه أي شيء آخر، وعبودية مختارة بحرية، تجعل من ضحاياها ( من ضحاياها المحظوظين ) عبيداً".
      وإذ ينطلق الروائي وهو يكتب عمله من تجربته الحياتية، مشيداً عالمه المتخيل على أسس الواقع، يأتي يوسا بمثل ( الكاتوبليباس ) الذي هو حسب وصفه؛ "مخلوق مستحيل، يلتهم نفسه بنفسه، بادئاً بقدميه. وبمعنى أقل مادية بكل تأكيد، يقوم الروائي كذلك، بالنبش في تجربته الحياتية الخاصة، بحثاً عن دعائم ومرتكزات لكي يبتكر قصصاً". والكاتب لا يمتلك حرية واسعة جداً في اختياره لموضوعاته، فهذه الموضوعات هي التي تفرض نفسها عليه.. إنها رحيق تجاربه وخبراته التي يبدأ بها لكنها لا تحدد عنده نقطة الوصول، فالروائي مسؤول عن كيفية معالجته فنياً للموضوعات التي هيمنت على ذهنه، ووجّهته للكتابة عنها. إنه ينصاع لمتطلبات عمله، تحت وطأة تلك الرابطة الحميمة التي تجمعه مع صور ومشاهد وحالات بعينها من هذا العالم، فيكتب قصصه المتخيلة. والطريقة التي يجسدها بها هي ما تجعل من هذه القصص "أصيلة أو مبتذلة، عميقة أو سطحية، معقدة أو بسيطة، وهي التي تمنح الشخصيات الكثافة، والغموض والاحتمالية؛ أو تحولها إلى كاريكاتيرات بلا حياة، إلى دمى يحركها مدبـِّر العرائس".
      ليست الرواية في نهاية المطاف سوى كذبة أو خدعة بمعنى ما.. إنها لا تنقل الواقع بحذافيره، بل تخلق، بوساطة اللغة، واقعاً آخر مكافئاً، أو موازياً؛ له استقلاليته وخصائصه الفريدة. ومن هنا تكون مهمة الروائي إقناعنا بأن ما يرويه هو الحقيقة، وإن لم يكن كذلك. وحتى حين يمضي بالسرد المتخيل إلى أفق الفانتازيا عليه أن يموه بطريقته في التعاطي مع اللغة والأسلوب السرديين إلى درجة اندماجنا مع عالمه المخلوق كما لو كنا، كقراء، نعيشه، أو كأننا صرنا جزءاً منه؛ فيما "الرواية الرديئة التي تفتقر إلى قوة الإقناع، أو التي تملكها ضعيفة جداً، لا تقنعنا بحقيقة الكذبة التي ترويها لنا. وعندئذ، تظهر لنا تلك الكذبة على حقيقتها، مجرد كذبة، خدعة، بدعة تعسفية وبلا حياة خاصة بها؛ تتحرك بتثاقل وخراقة..". وكان هذا مضمون رسالة بارغاس يوسا الثالثة.
      وفي الرسالة الرابعة تطرق يوسا إلى قضية الأسلوب الذي يجب أن يكون فعالاً ومناسباً لمهمة الروائي التي "هي نفخ وهم بحياة ــ بحقيقة ــ في القصص التي يرويها". ولذا عليه أن يكتب بلغة متماسكة ليتحاشى حدوث فجوة؛ "بين ذلك الذي يرويه، والكلمات التي يرويه بها. هذا الافتراق أو الازدواجية بين لغة القصة والقصة نفسها". فإذن على الروائي أن يبحث، مثلما ينصح يوسا، عن أسلوبه، وأن يجده، في نهاية المطاف.
      أما الراوي ومكانه فهو موضوع الرسالة الخامسة.. الراوي من حيث هو شخصية متخيلة ومختلقة تتحدد علاقته بمكان القصة من خلال الضمير الذي تروى على لسانه باحتمالات ممكنة ثلاثة: أولاً، الراوي الذي يستخدم ضمير الأنا المتكلم، وهنا تكون الرؤية أو وجهة النظر المكانية هي التي "يختلط فيها مكان الراوي مع المكان المروي". وثانياً الراوي كلي المعرفة المتحدث بضمير الغائب ( هو ) وهذا سيشغل "مكاناً مختلفاً ومستقلاً عن المكان الذي يحدث فيه ما يرويه". وثالثاً هناك الراوي الملتبس الذي يروي بضمير المخاطب ( أنت ) وهذا يمكن أن يكون أي من الراويين السابقين. وفي ضمن المخطط هذا نجد متسعاً لتنويعات شتى "مما يسمح لكل كاتب، بعد أن يختار رؤية مكانية محددة، ليروي قصته، بامتلاك هامش واسع من التجديد والتلون، أي من الأصالة والحرية".
      وحين يعرّج على موضوعة الزمن، في رسالته السادسة، يقرر يوسا؛ أن الزمن في الرواية تخيل أيضاً، كما هو شأن الراوي والمكان فيها. يستثمره الروائي من أجل تعزيز قدرته على الإقناع. وثمة قانون مستنبط من عالم الخيال مؤداه "أن زمن الروايات، هو زمن مشيد انطلاقاً من الزمن النفسي ( السيكولوجي )، وليس المتسلسل ( الكورنولوجي )". فتغدو في هذه الحالة وجهة النظر الزمانية "هي العلاقة القائمة، في أي رواية، بين زمن الراوي، وزمن ما يروى". أما الانتقال بين مستويات زمن الراوي والزمن المروي، لإضفاء قوة فنية على العمل الروائي فيفترض أن يكون محسوباً، الهدف منه "أن تقدم دلالة أكبر ــ تكثيف، تعقيد، تصعيد، تنوع، كشف ــ للشخصيات وللقصة"، وليس لغاية استعراضية، أو لإرضاء نزوة، يبدو معها العمل مفتعلاً أو مهلهلاً ومرتبكاً.
      يمضي يوسا في الرسالة السابعة لاستجلاء سر تقني آخر في الكتابة الروائية يسميه ( مستوى الواقع ) فيعرّف رؤية ( أو وجهة نظر ) مستوى الواقع بأنها "العلاقة القائمة بين مستوى، أو طبقة الواقع التي يقف فيها الراوي لكي يروي الرواية من جهة،ومستوى أو طبقة الواقع التي تدور فيها أحداث ما يروى من جهة أخرى". ولأن الواقع يمكن أن يتفرع إلى مستويات لا حصر لها فإنه يشرع الأبواب لما لا حصر له من وجهات النظر حول الواقع الروائي. ولأن الروائي يشتغل في عالم التخييل فإنه يتحرك ضمن عدد محدود من مستويات الواقع و؛ "ربما كان المستويان الأكثر استقلالية ذاتية، وتعارضاً، الذي يمكن تواترهما، هما مستوى عالم ( واقعي ) ومستوى عالم ( فانتازي )".
      وتبقى القدرة على الإقناع في العمل الروائي هي المحور الذي تدور حوله القيم السردية الأساسية والقوانين التي تحكم البناء الفني في السرد. ففي الرسالة الثامنة يتحدث يوسا عن ( النقلات والقفزة النوعية ). والمقصود بالنقلة؛ "كل تبدل تتعرض له أي واحدة من وجهات النظر أو الرؤى" المكانية والزمانية والخاصة بمستوى الواقع. والروائي الجيد هو الذي يستطيع ضبط هذه التبدلات والقفزات ليتجنب الاضطراب والفوضى. والنقلة قد تكون بطيئة أو مفاجئة. وإحداثها يعتمد على مقدرة الروائي وبراعته، فالطريقة التي يستخدمها الراوي في ذلك هي التي "تعمل على تعزيز قدرة الرواية على الإقناع، أو تطيح بها وتدمرها".
      ويستعير فكرة ( العلبة الصينية ) في الرسالة التاسعة، فيوضح للروائي الشاب الكيفية التي يمكن بها أن تتولد من القصة الرئيسة، مجموعات من القصص الأصغر في متوالية تتلاحق وتتداخل نحو ما هو متناه في الصغر. ويكون الاعتماد حينئذ على طاقة المخيلة التي تستفيد من تجارب الحياة الصغرى وتزجها في العمل. وهذا ما يفضي بيوسا، في الرسالة العاشرة إلى التطرق إلى مــا يطلــق عليــــه تسميــة؛ ( المعلومة المخبأة ). ففي السرد الروائي يمكن للراوي أن يخبئ معلومات معينة بصورة مؤقتة، أو إلى ما بعد نهاية الرواية فتكون مضمرة تتحدى فطنة القارئ وذكائه لاكتشافها. وعموماً لا يستطيع الروائي عرض التفاصيل كلها التي تتعلق بقصته "فالقسم المكتوب من أي رواية لا يشكل إلاّ جزءاً، أو مقطعاً، من القصة التي ترويها".
      ويستخدم يوسا صورة الأواني المستطرقة كنايةً عن جمع واقعتين أو أكثر تجريان في أزمنة أو أمكنة أو مستويات واقع مختلفة تشترك في كلية سردية بقرار من الراوي، "بهدف أن يتمكن هذا التجاور أو المزج من إحداث تعديل متبادل، مضيفاً لكل منها دلالة، جواً، رمزاً، الخ... مختلفاً عمّا هو مروي في كل واقعة منها بصورة منفصلة". هذا ما يوضحه في الفصل الحادي عشر. ومن ثم يُضمِّن الفصل الثاني عشر كلمات وداعية يختمها بهذا النصح؛ "إنني أحاول أن أقول لك أن تنسى كل ما قرأته في رسائلي، حول الشكل الروائي، وأن تبدأ، دفعة واحدة، بكتابة الروايات".
      ( رسائل إلى روائي شاب/ الصادر عن دار المدى ــ دمشق 2005.. بترجمة صالح علماني ) كتاب ممتع لكل قارئ، ومفيد لكل من يدخل دنيا الكتابة السردية، أو يخوض في مجال نقد فنون السرد كافة.

      سعد محمد رحيم
      التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:40.
      sigpic

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        عبقرية (ماريو بارغاس يوسا) المذهلة
        محمد الأحمد

        يعتبر الروائي ماريو بارغس يوسا الأكثر دهاء بين اقرانه المولود في (البيرو) عام 1936م، في ولاية (اريكيبا)، والذي حقق حضوراً لافتاً بعد نشر روايته الأولى (المدينة والكلاب 1963) التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة بعد أن فازت بجوائز عدة، وأيضا كاتب مسرحي، مواضيعه تَركز على حقيقة الحياة في (البيرو)، ويَعْكسُ قلقَه للتغيير الاجتماعي، ويناصر المعارك ضدّ الفسادِ. كتب رواية (وقت البطلِ 1967)، وكشف فيها كيفية تجنيد بعض الضباط للعمل في المؤسسات الاستعمارية السرية، للقيام بانقلابات عسكرية لصالح القوى العظمى، وكان يقرّ بان الرؤساء هم أول من يخونون البلد كلما استشرى الفساد الإداري في المرافق الحكومية.. ثم جاءت رواية (حديث في الكاتدرائيةِ 1975) المثيرة للجدل، والتي فضح فيها بعض رجال الدين عندما تكون مصالحهم فوق مصلحة من يناشدون باسمه، فكلما توغل القارئ، ينجذب إليه، ويرغب ببقية كتبه، فكتابه غزير المعلومة، دقيق التحديد، شامل التخصص، حصل (يوسا) في العام 1994م (جائزة سرفانتس للآداب) وهي أهم جائزة تمنح للآداب الناطقة بالاسبانية، وكتب مجموعة روايات مهمة أشهرها رواية (حفلة التيس)، رواية (من قتل بالومينو موليرو)،



        وحظيت روايته (البيت الأخضر) بالنجاح نفسه، ثم تتالت أعماله الروائية ومن أهمها: رواية (بانتاليون والزائرات)، ورواية (حرب نهاية العالم)، ورواية (قصة مايتا)، ورواية (امتداح الخالة)، ورواية (دفاتر دون ريغوبيرتو)، كما كتب عدداً من الدراسات النقدية منها (ماركيز: قصة محطم الآلــهــة) و(المجــون الأبــدي: فلوبير ومدام بوفاري)، وسواها من الدراسات المهمة التي جلبت له الشهرة الواســعة ومنحته مكانة رفيعة في عالم الإبداع والنقد. وله أيضا مجموعة من المسرحيات التي لم تقل شهرة عن بقية انجازاته، مثل؛ مسرحية (العمّة جوليا وكاتب النصوص، 1982)، ومسرحية (الزوّار 1988)، و كتابه الأخير (يوميات من العراق) وهو رحلة قام بها مع ابنته المصورة الصحافية (مورجانا) استمرت اثني عشر يوماً فقط، قام بها إلى العراق، بدأت في 25 حزيران وانتهت في السادس من تموز 2003م، ورغم أن هذه اليوميات التي جمعها (يوسا) وصدرت في الأسبانية أواخر العام الماضي، لاقت اهتمام العديد من وسائل الإعلام العالمية.
        ولكن الكتاب الأكثر شهرة من بين كتبه هو (رسائل إلى روائي شاب)، والذي يعد اليوم من أهم كتب النقد الأدبي، وقد افترض فيه بان كاتبا شابا يريد النصيحة، يراسله ويرد عليه (يوسا) بشكل رسائل مليئة بالتشويق، وزاخرة حتى يصبح الشاب كاتبا ناجحا في المستقبل، فكان عليه أن يتعلم جيدا، من اكبر أساتذة عصره، وأكثرهم معرفة وتواضعا، وتأكيداَ بأن (من يدخل الأدب، بحماسة من يعتنق دينا، ويكون مستعدا لأن يكرس لهذا الميل، وقته وطاقته وجهده، هو وحده من سيكون في وضع يمكنه من أن يصير كاتبا حقا، وأن يكتب عملا يعيش بعده)، فلا عجب من شخص، بحضوره، وبما أنجز من روايات لن تنسى، يمضي بتواضع العارف مهيمنا على قارئه، لا يتركه إلا بعد أن أعطاه أمثلة حياتية، في غاية التبسيط، لأجل أن يفحم قارئه، ويجعله مستوعبا الدرس البليغ، وهو أهم ما تمتلك الرواية من أسرار، ويحوي كشفا كبيرا على روايات بديعة لا يمكن لأي قارئ إلا وان تعرف على مبدعيها، فالكتاب يدخل في مفاصل الإعمال الروائية العظمية، تلك الروايات العظمية التي وصلت إلى مختلف اللغات بلا استثناء، وكتاب (يوسا) يحوي فصولا نقدية في غاية العبقرية، وبالغة الثراء، (أن الكاتب الذي يخدم أي حقيقة أخرى، غير التي يجب اكتشافها، هو كاتب غير ناجح)، كأنه وجد للكتاب الذين يريدون معرفة مستوى ما أنجزوه بين الراويات التي تملا الرفوف. فبوبَّ تلك الرسائل بأهم ما يهم به الروائي تجاه قارئه. امتدت تلك النصائح إلى اثنتي عشرة رسالة، يغلب عليها العطاء المتواصل في الأدب الروائي وغوامضه، وكأنه يرشده معوضا عليه ما فقده الروائي في الرحلة المضنية، حيث لم يجد الروائي من يرشده، وقد بقي لوحده سنينا مضنيا في القراءة والدرس ليكتشف كل تلك الاضاءات وحده. يقول (يوسا) في كتابه (رسائل إلى روائي شاب): (إن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه للوقاية من التعاسة)، فظل (يوسا) يكتب عن الرواية باختلاف بين عما كتبه كل النقاد. على شكل رسائل، مختلقا فيها الأسئلة المتتابعة، وملتقطا الزوايا الخفية في روايات أكثرها وصلتنا الى العربية بأيدي مترجمين محترفين، وأخرى ربما لا نعرفها. (النصيحة التي تصيره كاتبا، محاولا التأكيد في الأساس، على شرط وجود –الميل- الأدبي لدى الروائي الشاب طالب النصيحة، وهو ميل أقل أبهة وغيبية عما يقدمه التفسير في أيامنا، كما انه استعداد فطري ذو أصول غامضة يدفع إلى الانخراط فيه، وكتابة القصص أملا في تحقيق الذات والانسجام مع النفس، وتقديم الأفضل، دون الإحساس بتبديد الحياة، إن منشأ الاستعداد المبكر لاختلاق كائنات وحكايات، والذي يشكل نقطة الانطلاق في ميل الكاتب، هو التمرد ورفض الحياة كما هي، والتمرد عليها، واستبدالها بما تصطنعه المخيلة والرغبة)، فالمعروف بان (يوسا) كان احد ساسة بلده، خلف نظام (مانويل) كرئيس لبلده (1948-1958م) ولكنه خسر كرسي الرئاسة في بلاده (1973م)، وكسب جمهورا غفيرا من القراء في كل أنحاء العالم، وكان من أهم الرسائل التي تناولها ما يلي: (قطع مكافئ للدودة الوحيدة، الكاتوبليباس)، (القدرة على الإقناع)، (الأسلوب)، (الراوي- المكان)، (الزمن- مستوى الواقع)، (النقلات والقفزات النوعية)، (العلبة الصينية)، (المعلومة المخبأة)، (الأواني المستطرقة- على سبيل الوداع). (يسأل القارئ يوسا في الخوف من أن ينذر الكاتب نفسه لخدمة الحقائق المعروفة فيكتبها وهي مكشوفة أمامه) يُرسل بعقل منفتح ما يؤرقه ككاتب له تجربة فذة في الكتابة تحمل سجالا، مُنيرا زوايا الرواية الخفية، ليختار أمثلة، من روايات لا تخلو مكتبة بيت منها، في روايات نعرفها وأخرى لا نعرفها، وهي بلغت اثنتي عشرة رسالة تحت عناوين مختلفة تدور بكلها حول الشكل الروائي بهيئته التي تبقى خالدة في الذهن، متمنيا على قارئه في الرسالة الأخيرة نسيان كل ما قرأه في رسائله إليه، والبدء، دفعة واحدة، بكتابة رواية ويجرب بها ما يريد تجربته، كون كل عقل خلاق يعرض تجربته، لأجل أن يضيء الطريق المظلم وسط أحراش الكتابة الشائكة. كتاب (يوسا) يحمل أفكارا تفتق الإبداع إلى منتهاه، لأنه يسير بثقة العارف الواثق في الطريق الحق، مستكشفا، و متحسسا طريقه بجهد ليكشف بعض الجوانب المجهولة للرواية المهمة، أفكاره سلسة، أسلوبه فريد، صاغها كأدب رسائل، فأدرج باقتداره الخارطة الإبداعية لوطنه والبشرية جمعاء، القارئ يسأل، و (يوسا) يقرا أفكاره فيجيب عن السؤال تلو السؤال، وكلما توغل الكاتب القدير في إثبات براهينه، يثبت لنا صورة (يوسا) الشجاعة والمؤثرة والمفيدة، المثيرة للجدل، عن صنعة الرواية في متاهاتها المستعصية الضبط. فكلما دققنا في الرسائل باهتمام اكبر، تكون الإجابة مستحيلة، فالرواية فن مفتوح التجارب، صار اليوم يحوي العلوم المليئة بالدرس الخصيب، و تكون الرواية معطية معلومات متواصلة في المكان الذي تركز الضوء فيه، فالرواية الحق غير محجوبة الحقيقة، مؤكدة، وثابتة المفاهيم، (قابلة للتأكيد سوى في بعض السلوكيات الشكلانية الكتابية التي يكاد يجمع عليها الكتّاب، وتسمح بإزالة كل الأوهام المسبقة في كتابة ذات أسس واضحة). أتمّ مؤكدا في معظم فصوله؛ على الإحاطة بملامح الأسلوب، (علينا استبعاد فكرة السلامة اللغوية. فليس مهما في شيء، أن يكون الأسلوب سليماً أو غير سليم، وإنما المهم هو أن يكون فعالا، ومناسبا لمهمته، وهي نفخ وهم بحياة، بالحقيقة، في القصص التي يرويها. هو تعريف يقارب في حضوره، قطف لحظة شعرية أكثر منها روائية)، وكذلك (بدلا من البحث عن الرواية المختفية في وراء ما، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل). وبتواضع المقتدر لم يضرب مثلا تطبيقيا (يوسا) واحد من النماذج التي كتبها، فمثل شخصية النحيل عازف الكيتار القتيل، (بالومينو موليرو)، كانت مرسومة بدقة سردية مدهشة، وصارت حية اكتست لحما ودما من خلال حركة شخصيات أخرى في الرواية كـ(ليتوما) مرافق (الملازم سيلفا) الذي عشق (دونيا ادرينا) وتحديه لها، لكشف جريمة قتل قامت بها (الأسماك الكبيرة- المتحكمة بمصير البلد) بحق الكولونيل (مندريا)، وابنته (اليسا)، لقد استدرج قارئه إلى نتائج جهنمية، لتبقى أسئلة الكاتب غير قلقة، وغير مرتابة. كلها تشير بثقة إلى الفعل ونتائجه، و تحمل قارئها رغبة بالتواصل؛ تلك الاضاءات من (يوسا) فرضها ميل علاقة الكاتب ومهنته، بكل كيانه، وما يفعله.
        التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:39.
        sigpic

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          حين تعتصر الضحكة روحك ؛
          فأنت فى حاجة ماسة
          لتأمل لون أناملك !!
          التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:42.
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            حين لا تجد متسعا فى عينيها ؛
            تأكد أنك فى حاجة
            لكشط ما تناثر منك
            أو استرجاعه ولو بسن حاد !
            التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:43.
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              ما رأيك فى لعبة الظل و الصندوق
              و كيف لك أن تحرك الصندوق و الظل
              دون أن توخزك اللعبة ؟!
              التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:44.
              sigpic

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                إن كان الأمر كذلك
                و كما ترين - أيتها النبيلة -
                ما حاجتنا للشعر إذن
                و لعبة الكلمات السخيفة !
                التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:46.
                sigpic

                تعليق

                • فايزشناني
                  عضو الملتقى
                  • 29-09-2010
                  • 4795


                  سألت قلبي : هل تترجّل
                  قال : دعني أفكر
                  فأنا الأصغر
                  قلت : يكفي لهواً
                  القادم أخطر
                  قال : اذهب أنت
                  ولا تتأخر
                  قلت العب غيرها
                  فغيرك كان أشطر
                  هيهات منا الهزيمة
                  قررنا ألا نخاف
                  تعيش وتسلم يا وطني​

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    الإنسان يكون عدوا لشىء لا يعرفه
                    لماذا دائما أعشق مالا أعرف
                    أهو جنون الكتابة
                    أم جموح الدم ؟!
                    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:47.
                    sigpic

                    تعليق

                    • بسمة الصيادي
                      مشرفة ملتقى القصة
                      • 09-02-2010
                      • 3185

                      كالجسر ممزق بين ضفتين
                      يشتهي شهدا يجري من تحته
                      ولا يطاله ...... !
                      في انتظار ..هدية من السماء!!

                      تعليق

                      • ربيع عقب الباب
                        مستشار أدبي
                        طائر النورس
                        • 29-07-2008
                        • 25792

                        المحزن و القاتل
                        أنني مازلت أنتظر رحلة إلى مكان ما
                        تهيأت لها كثيرا
                        أعددت لها النجوم
                        حددت لها المواقيت أكثر من ملايين المرات
                        يبدو أنها سوف تكون خاتمة مدهشة !
                        التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 06-08-2011, 15:48.
                        sigpic

                        تعليق

                        • بسمة الصيادي
                          مشرفة ملتقى القصة
                          • 09-02-2010
                          • 3185

                          أجحفت بحق هذا المكان أمس
                          أضفت الكثير من الملح
                          غيّرت النكهة!!
                          في انتظار ..هدية من السماء!!

                          تعليق

                          • بسمة الصيادي
                            مشرفة ملتقى القصة
                            • 09-02-2010
                            • 3185

                            ثقوبا سوداء تتربص بالحلم الذي بسطناه
                            على امتداد الكون .. من أين أتت؟!
                            في انتظار ..هدية من السماء!!

                            تعليق

                            • بسمة الصيادي
                              مشرفة ملتقى القصة
                              • 09-02-2010
                              • 3185

                              أما أنا وقد امتلأت بكل أسباب الرحيل
                              فلستُ لي
                              لستُ لي
                              (محمود درويش)
                              في انتظار ..هدية من السماء!!

                              تعليق

                              • ربيع عقب الباب
                                مستشار أدبي
                                طائر النورس
                                • 29-07-2008
                                • 25792

                                تصورت فى لحظة طيش
                                أنها فى حضرة القمر
                                أعدت طقوسا خرافية
                                تحولت إلى نهر يغفو على جنبه الأيمن
                                وحين كان يخوض فى ألوانه أجهش مختنقا
                                بينما يعلو صوت تهشم زجاج فى صدره !!
                                sigpic

                                تعليق

                                يعمل...
                                X