أيام جزائرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.محمد فؤاد منصور
    أديب
    • 12-04-2009
    • 431

    أيام جزائرية

    أيام جزائرية..

    هي ليست قصة ولارواية ولامذكرات ولاخواطر ولاأي لون من ألوان الأدب المتعارف عليه ،بل هي مزيج من كل ذلك..الحقيقة أنني أكره التصنيفات في الكتابة ، ربما لأن الكتابة تكون وليدة الإحساس والشعور ، والكاتب الحقيقى في اعتقادى لايكتب لأن المطابع تلاحقه ، ولا لأن الناشر يستحثه ، إنه يكتب مايحس وقت يحس ، فيخرج العمل كما يحلو له أن يخرج ، شعراً أو نثراً ، وفي أى صورة يمكنها أن تحمل الإحساس إلى القارئ طازجاً ومدهشاً ، فتتحقق للكاتب والقارئ معاً متعة لاتدانيها متعة بين صدق الإحساس وروعة التلقي والدهشة.
    بهذا المفهوم ومن هذا المنطلق أقدم أيامي الجزائرية للقارئ لاباعتبارها عملاً روائياً ولاسجلاً منظماً ليومياتي وإنما هي محاولة للإبحار داخل النفس ، والغوص في أعماقها بعد أن اقترب قطار العمر من محطة الوصول النهائية، أقف بعد رحلة العمر الطويلة فوق تل من الذكريات والأحداث وأمد بصري إلى أبعد مايمكن أن تصل إليه القدرة على الرؤية ، لأتساءل ..
    لماذا حدث ماحدث ؟ ولماذا لم يحدث مالم يحدث ؟
    كيف تشعبت الطرق وتعددت المسالك ، وحين خدعتنا أنفسنا فصورت لنا أننا كنا أصحاب قرار نختار مانشاء ، وندقق فيما نريد فنقربه ، وفيما لانريد فنبعده ، إذا الرحلة قدر مقدور وحتمية لافكاك منها ولامهرب .
    من هنا تأتي ضرورة المراجعة ، برغم أن المراجعة لاتفيد ولكنها فرصة للتأمل واستعراض كل شئ ، فرصة لتذكر الضحكات المجلجلة والصرخات المدوية ، بل والأنين المكتوم ، ومن يدري لعلي أقدم دون أن أدري شهادتي على عصر أكل منا البراءة والصدق وقذف بنا إلى التصنع والزلفى..إنها زفرات قلب وومضات تاريخ…
    انتظروني…

  • د.محمد فؤاد منصور
    أديب
    • 12-04-2009
    • 431

    #2
    1- الجزائر (كلاكيت أول مرة )
    ————————–

    لاأذكر متى سمعت عن الجزائر لأول مرة..ربما من تلك القصة التي كانت مقررة علينا في المرحلة الإعدادية وكان اسمها ( زهرة من الجزائر ) ، ربما كانت هذه الرواية ومثيلاتها ممايمكن تسميته بالأدب القومي ،كانت تغذي فينا روح الانتماء لأمتنا العربية أيام المد القومي الناصري من ناحية ، ومن ناحية اخرى كانت هي البدايات الأولى للتعرف على عالم الرواية حين يلمس فينا تلك الروح الفتية ويغذي انتماءنا لأمتنا العربية ، رواية أخرى مشابهة درسناها عن ثورة اليمن وكان اسمها "بطولات في أرض السدود" ورواية ثالثة بدأ كتابتها الزعيم جمال عبد الناصر وكان اسمها "في سبيل الحرية " وكانت أحداثها تدور في منطقة رشيد شمال الدلتا حول حملة فريزر الأنجليزية على مصر ، والانتصار التاريخي لشعب رشيد ودحره للحملة الأنجليزية عن طريق المقاومة الشعبية وحدها دون اللجوء لحرب نظامية، كانت " رواية زهرة من الجزائر" تتحدث عن مظاهر القهر والملاحقة والتفتيش التي يتعرض لها شعب الجزائر على أيدي القوات الفرنسية وأحوال الأسر الجزائرية وهي تعاني من أجل التواصل مع بعضها البعض وكيف كان الفرنسيون يلاحقونهم من بيت إلى بيت ..القصة بالقياس إلى أعمارنا وقتذاك كانت من قصص المغامرات ولأنها كانت قصة مدرسية مقررة فربما تصورت في ذلك السن الصغير أن الجزائر هي مجموعة من الجزر ، ولكنني لم أكن أعلم أين تقع بالتحديد ولا صلتنا بها على وجه الخصوص ..إنها قصة مقررة للقراءة وغاية مانريده منها أن نلم بأحداثها حتى نحصل على درجة أو درجتين هي كل حظها من أسئلة إمتحان مادة اللغة العربية..لذلك لم نهتم بأن نعرف موقعها على الخريطة تحديداً وسط الكم الهائل من الأسماء التي كانت تتردد على مسامعنا وقتذاك مثل الكونغو برازافيل والكونغو كينشاسا دون أن نعي ماهي برازافيل ولاماهية كينشاسا ..أهي أسماء نحفظها والسلام ، لكن الجزائر فرضت نفسها على اهتماماتنا حين شاهدنا على الحوائط أفيشات لفيلم جميلة بوحريد المجاهدة الجزائرية التي عذبتها فرنسا في سجونها .
    أصبحت الجزائر مرتبطة في وعينا الطفولي بجميلة ، فكانت تبرز في الذهن عن طريق التداعي الحر بمجرد نطق اسم جميلة بوحريد ،ومنذ ذلك التاريخ كانت صورة الجزائر تتحدد أمام أعيننا كلما مر يوم جديد ، سمعنا عن طائرة الزعماء التاريخيين المخطوفة ، وسمعنا عن حرب تحرير الجزائر وعن بطولات المجاهدين في الجبال.
    لذلك لم يكن عجيباً أن نفرح بشدة حين سمعنا أنباء استقلال الجزائر عن فرنسا وأنها قد عادت إلى حظيرة العروبة والإسلام بعد أن تغربت لأكثر من مائة وثلاثين عاماً.
    أذكر أنني في ذلك الزمن البعيد قد شاهدت فيلماً سينمائياً قيل إنه باللهجة الجزائرية وقد جلست أمامه اتابع المناظر والشوارع الضيقة والممرات المدرجة دون أن أفهم ممايقال شيئا ، بالكاد كان يمكن استخلاص كلمة أو كلمتين من بين ثنايا الكلمات المبهمة واللغة غير المفهومة ، ومع ذلك فقد كان انبهارنا بالجزائر ومايجري على أرضها من بطولات يفوق كل وصف.
    وسرعان ماجرفنا تيار الأحداث والأيام فلم نعد نسمع عن الجزائر شيئاً ، ثم سرعان مابهرنا أحمد بن بيللا الزعيم الجديد لمرحلة مابعد الأستقلال حين ظهوره فى مؤتمر القمة العربية الأول ببزته العسكرية التى كانت عبارة عن "أوفرول" الميدان، كان شاباً ممتلئاً نضارة وحيوية وكان أحد الزعماء الذين اختطفت فرنسا طائرتهم ، هو ورابح بيطاط وحسين آية أحمد وبوضياف ..كانت هذه الأسماء تغذى خيالنا العطشان لأخبار البطولة وكنا ننظر لأحمد بن بيللا كماننظر لجمال عبد الناصر وقتها فهو البطل التاريخي المغوار الذي دوّخ فرنسا وأقضّ مضجعها مع رفاقه أبطال ثورة التحرير ..كانت هذه هي بداية التعرف على الجزائر ..الحلم والواقع…

    انتظروني.

    تعليق

    • الشربيني المهندس
      أديب وكاتب
      • 22-01-2009
      • 436

      #3
      استاذنا الدكتور وتحية خاصة لمزيج الابداع
      بالصدفة كتبت مداخلة لمقال الاستاذ يوسف القعيد والتساؤل عن اسباب ما حدث.. هل هو تراجع لدور مصر أم ما انكسار حلم أم ماذا ..؟
      مثلك اتسائل عن مصر الأخري ..؟
      لكننا نراوغ كمرواغة البلبل والعصفور في القفص
      وننسي ما يحدث في مصر الآن ..؟
      ونهتف فينك يا محني ديل العصفورة ..؟
      تحياتي لك بين البكاء المستحيل والبيات الشتوي
      وهذا مزيج راودني فطرحته ردا مع تحياتي
      التعديل الأخير تم بواسطة الشربيني المهندس; الساعة 29-11-2009, 10:08.

      تعليق

      • د.محمد فؤاد منصور
        أديب
        • 12-04-2009
        • 431

        #4
        [frame="12 98"]أخي الحبيب وابن مدينتي المحترم الشربيني المهندس
        أسعدني أن تكون أول العابرين على أيامي الجزائرية والتي أعتبرها شهاد على عصر جميل ، ليته يعود .. وليتنا بقينا كمانحن لم تنتهك براءتنا ، ولم نضطر لمراجعة ثوابتنا التي تسبب الصغار في خلخلتها ..
        أنتظرك دائماً على الرحب والسعة فوجودك يعني الكثير ..
        مودة لاتنتهي.
        [/frame]

        تعليق

        • د.محمد فؤاد منصور
          أديب
          • 12-04-2009
          • 431

          #5

          (2)

          كنت مستلقياً على الفراش بحجرتي باستراحة الأطباء بالمستشفى حين جاء من يبلغني بوجود زوار لي بصالون السكن..كان الوقت ظهراً ولم يكن من المعتاد أن يزورني أحد منذ نقلت إلى ذلك المستشفى الكبير ،الذي يبعد عن مدينتي بنحو مائة كيلومتر ، لم أكن قد اختلطت بعد بأهل تلك المنطقة بسبب الإقامة الدائمة بمستشفى الجامعة كما كان يحلو لهم تسميتها ،;كنا نحن شباب الأطباء نقضي فترات الراحة القليلة بعد ساعات العمل الطويلة في حالة استرخاء تام انتظاراً لاستدعاء قد يقلق راحتنا في أي وقت ، خرجت مندهشاً لأجد شاباً وسيماً في مثل عمري صحبة محمد حسن معاون الوحدة الريفية التي كنت أعمل بها قبل التحاقي بالمستشفى العام.
          انتفض محمد حسن واقفاً حين لمحني ثم سارع بتقديم الشاب لي.
          - الدكتور فخري.
          رحبت بهما وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، وعرفت أن الدكتور فخري هو الطبيب الذي أوفد ليحل محلي بالوحدة الريفية.
          لم أكن متحمساً تماماً للزيارة في وقت راحتي الذي كانت تقطعه عادة استدعاءات متلاحقة لمناظرة مرضى الاستقبال، لكن مقتضيات الضيافة أجبرتني على أن أرحب بهما بحرارة ومع مظاهر التساؤل عن سبب الزيارة التي لابد أن تكون قد قد غزت ملامحي ،سارع الدكتور فخري ليؤكد أنه حرص على مقابلتي بعد أن سمع من أهل القرية التي نقل إليها عن الصفات الحسنة التي اتمتع بها وعن الخدمات التي كنت أقدمها لهم .
          مضى الحديث متراخياً تحفه لحظات من الصمت التام الذى يقطعه محمد حسن بإلقاء النكات التى سبق أن سمعتها منه عشرات المرات ، لكن ماجذب انتباهي تماماً وجعلني أصغي بكل جوارحي هو حديث الدكتور فخري عن عقد العمل الذى ضاع بسبب الروتين والتعقيدات الإدارية ، كان حلم جيلنا كله هو السفر إلى الخارج بأى ثمن، وكانت تلك مشكلة كبرى في الواقع حيث معظم الدول العربية التي تحيط بنا حديثة الأستقلال وتحتاج جهودنا للمشاركة في جهود التنمية ، وكان ذلك يجري بانتظام وفي إطار خطط الدولة في مساعدة الدول العربية بما لايؤثر على احتياجتنا الداخلية، كان الحلم يبدو بعيد المنال بالنسبة للأطباء بالذات ، السفر للعمل كان محظوراً على الأطباء بإعتبارهم من الفئات المطلوبة فى المجتمع ولذلك كان الحصول على عقد عمل والنجاح فى السفر ضرباً من المستحيل ..
          هكذا شدّ انتباهي حديث الدكتور فخري عن عقد العمل فرحت أمطره بالأسئلة حتى أعرف كيف حصل على ذلك العقد وعن الصعوبات التى منعته من السفر ، مازالت ملامحه المتغضنة بالحسرة والأسى ماثلة في ذاكرتي وهو يهز رأسه أسفاً على العقد الذى ضاع ، كانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن ولاية مستغانم بالجزائر وهي الولاية التى تقرر أن يعمل بها الدكتور فخري ، لكنهم أمهلوه شهراً واحداً ليلتحق بالعمل ، وانتهى الشهر دون أن تنتهي التعقيدات التي صادفت محاولاته للسفر حتى انقضى الشهر وانقضت معه آماله وأحلامه.
          بمجرد انصراف محمد حسن والدكتور فخري انصرفت عني الرغبة في الاسترخاء والراحة وشرعت في التفكير في الأمر بجدية ، لاأنكر أن الشكوك كانت قد ساورتني لبعض الوقت في مدى صدق رواية الدكتور فخري عن سهولة حصوله على عقد عمل بالجزائر دون أن يكلفه الأمر أكثر من خطاب يبعث به إلى وزارة الصحة ،لكنني سرعان ماطردت تلك الشكوك وقلت فى نفسي لمَ لاأجرب حظي في أول خطوة فإن نجحت وجاءت مطابقة لروايته فهذا يعني أن بقية الخطوات لها نفس النصيب من المصداقية.
          انتظروني..

          تعليق

          • د.محمد فؤاد منصور
            أديب
            • 12-04-2009
            • 431

            #6
            (3)

            طوال الفترة التي أعقبت انصراف الدكتور فخري صحبة محمد حسن ظل الحديث الذي دار بيننا يطاردني وكأنما مجيئهما قد أيقظ أحلامي وآمالي ، كنت أتوق للسفر والفرار من الجو الخانق الذي يحيط بي بأي شكل فالمستقبل شديد الغموض والحياة الأقتصادية حولي تنحدر من سئ إلى أسوأ وسط وعود لايتم الوفاء بها بإصلاح الحال وجلب الرخاء ، المرتب يضيع نصفه في التنقل بين الأسكندرية ودمنهور حيث مقر عملي، كانت حرب أكتوبر قد انتهت وبدأت المشاكل المؤجلة تطل برأسها.
            قررت أن أخوض التجربة التي لن تكلفني شيئاً أعددت رسالة عادية وجهتها لوزارة الصحة العمومية بالجزائر وبعد أسابيع قليلة تلقيت مظروفاً أصفر ينبئني بالموافقة على تعييني بالنظر لماجاء بطلبي من حديث عن شهادتي وعملي ، صدق الدكتور فخري إذن في حديثه معي ،الآن يطلبون نسخاً من أوراقي وبعد أسابيع قليلة يكون بين يدي عقد عمل حقيقي بمرتب وامتيازات لابأس بها ، فلماذا لاأخوض المغامرة إلى نهايتها..لكن مهلاً سيتحدد لي مهلة لاستلام العمل وربما وصلت للحائط المسدود من التعقيدات وهو ماعانى منه فخري من قبل وضاعت بسببه الفرصة السانحة ..عليّ إذن أن أكون أكثرحنكة ، وأن أستفيد من تجربته الفاشلة.
            قلت لنفسي لابد من التحايل على الأمر ولأبدأ بالخطوة الأولى دون إبطاء ، جهزت الأوراق المطلوبة ، كتبت طلباً للإدارة للموافقة على استخراج جواز سفر " باسبور" ومرت هذه الخطوة بسلام ثم بدأت أولى الخطوات الجادة بأن تقدمت بطلب للموافقة على أجازة مدتها أسبوعين وذلك لقضائها بالخارج..كنت أعرف أن هذه الخطوة هي العقبة الكئود في المشوار كله ..وضعت الطلب عند سكرتارية المدير وانصرفت على أن أعود في وقت لاحق ،في اليوم التالي ابلغتنى السكرتيرة أن مدير المستشفى رفض طلبي ، وكان ذلك متوقعاً ، فقد كانت التعليمات تقضي بعدم الموافقة على سفر أي طبيب خارج البلاد ، لعنت اليوم الذي امتهنت فيه هذه المهنة المقيدة للحرية وقررت أن أواجه المدير بطلبي شخصياً ووجهاً لوجه..
            جلست بغرفتي طويلاً أقلب الأمر على كافة الوجوه وأستعرض في خيالي كيف يمكن أن يدور الحوار بيننا والأسئلة المتوقعة وإجاباتها.
            كنا في شهر نوفمبر والخريف يستعد للرحيل النهائي مفسحاً الطريق لرياح باردة وعاتية تهب بين الحين والآخر، والأشجار العالية المحيطة بمبنى المستشفى تعزف سيمفونيتها العالية بفعل اصطدام الرياح القوية ، حين وجدت نفسي فى الممر المؤدي إلى غرفة المدير وجهاً لوجه أمام الدكتور "شبكة" مدير المستشفى ، لم يعد هناك مجال للتراجع ، حتى الأسئلة التي سهرت على تمثلها وإعداد إجاباتها طارت من رأسي في تلك اللحظة ، ووجدتني أقابله ويدي ممدودة بطلب الأجازة وقلت بلا تدبر
            - حضرتك مش موافق على أجازتي ليه؟
            أدار وجهه وتشاغل بالحديث مع مرافقه وقال :
            - مفيش سبب للأجازة يعني لاحج ولاعمرة.
            - هذه أجازة سياحية سأقضيها فى أوروبا.
            ترددت ضحكته العالية في جنبات الطرقة لدى نطقي بجملتي الأخيرة وكأنما ألقيت على مسامعه نكتة من النوع الممتاز ..شعرت بالحرج لبرهة ولم أفهم سبب ضحكته العالية وأنا أحاول تغطية كذبي بمزيد من الأكاذيب
            - وماذا يمنع ؟ هل السياحة في أوروبا حرام ؟.
            بان على وجهه الضيق وبدا كمن اكتشف كاذباً من العيار الثقيل فقال في ضيق:
            _ يابني لاحرام ولاحلال أنت اتجننت ، عايز تفهمني إنك رايح أوروبا سياحة وفي عز الشتاء.
            أسقط في يدي ولم أتبين حجم كذبتي حتى نطق بعبارته الأخيرة ، لم يخطر ببالي أن فصل الشتاء الذى بدأ يلقي بظله على كل شئ يفضح أكاذيبي فقلت بلا تدبر ممعناً في الكذب:
            - وماذا أفعل ولدي دعوة لزيارة عم زوجتي في إيطاليا .هل أنا المسئول عن توجيه دعوة لزيارة إيطاليا فى عز الشتاء؟
            لبرهة خشيت أن يطالبني بأن أظهر مايثبت أن هناك دعوة بالفعل لتلك الزيارة الوهمية ،لكنه قال فى هدوء استعداداً لإنهاء المناقشة
            - يابني ربنا عرفوه بالعقل ..لاأحد يسافر للنزهة في أوروبا في موسم الثلوج والأمطار ، حاول من فضلك أن تحترم عقل من تخاطبه.
            ثم أضاف كمن ينهي المناقشة
            - وأنا لن أوافق مطلقاً على أجازة لقضائها في الخارج بأي صورة وفي أي فصل.
            اندفعت كمن يتشبث بآخر بارقة للأمل وقلت
            - هل لديك مانع إذا طلبت الأجازة من مكتب وكيل الوزارة؟
            أشاح بيده وهو يدلف مسرعاً إلى مكتبه وقال في ضيق
            - اعمل اللى تعمله.
            انتظروني.

            تعليق

            • د.محمد فؤاد منصور
              أديب
              • 12-04-2009
              • 431

              #7
              (4)

              كاد الحوار الذي دار بيني وبين الدكتور شبكة يثنيني عما انتويت ، البيروقراطية التي تعودنا عليها تؤكد استحالة أن يمر تصرف دون موافقة المدير المباشر ، وإذا كان الدكتور شبكة أعلنني صراحة برفضه لسفري فهذا يعني أن المحاولة محكوم عليها بالفشل ،عدت إلى غرفتي بالمستشفى مشحوناً بالغضب ، من حسن الحظ أن الخطاب لم يحدد مهلة لإرسال الرد بصور الأوراق والشهادات وإلا ضاعت الفرصة للأبد ..قلت لنفسي المحاولة الأخيرة ستكون في مكتب وكيل الوزارة الدكتور مردان وهو رجل سئ الطباع يتجنبه معظم الأطباء لسلاطة لسانه وتطاوله الدائم وعدم احترامه لأحد ، أوشكت على التراجع ونسف فكرة السفر من جذورها ، لكن هاجساً داخلياً سيطر على مشاعري ..
              لم لاتحاول ؟ لاداعى لمقابلته أو التحدث معه مباشرة ، يكفي أن تترك طلباً عند السكرتيرة ثم المرور لاحقاً لمعرفة النتيجة ، لاداعي للمواجهة حتى لاتنال نصيبك من سلاطة اللسان وسوء الأدب.
              تذكرت سخرية الدكتور شبكة من سفري للسياحة في عز الشتاء، وكيف وقفت أدعم موقفي بالمزيد من الأكاذيب ، قلت في نفسي والله معاه حق ..يالي من أحمق قليل التجارب ، كذبة بسيطة كانت كفيلة بفتح الأبواب المغلقة ومع ذلك لم أتقنها !
              في الطلب الجديد تجنبت حكاية السياحة وإيطاليا وهذه الخزعبلات ..فهذا الرجل لايعرف الهزار ولن يمررها بسلاسة كما فعل الدكتور شبكة ، ربما ظن أنني أسخر منه أو استهين بعقليته فينالني من رذاذ شتائمه نصيب، نسبة النجاح لم تكن تتعدى خمسة في المائة فليكن إذن طلباً عادياً حتى أقنع نفسي بأنني لم أترك باباً لم أطرقه وبعدها سأنسى الموضوع برمته.
              كتبت الطلب وتركته لدى السكرتيرة وانصرفت على عجل خشية أن يطلبني لمقابلته .

              في كل صباح ولمدة أسبوع كامل وأنا أتوجس شراً من ردة الفعل على طلب الأجازة ، أتسقط الأخبار لدى مكتب المدير ، أغازل السكرتيرة بكلمات الإطراء لعلها تلمح لأخبار أتت من مكتب وكيل الوزارة ،وكل يوم يمضي يزيدني قناعة بأن طلبي قد رفض وانتهى الأمر وأن الدكتور مردان رأى أنه لايستحق عناء الرد .
              ولم يكد ينقضي الأسبوع حتى أسرعت إلى مكتب وكيل الوزارة ، أعددت أكثر من سيناريو للسؤال عن مصير الطلب الذى لم أكتب فيه سوى رغبتي في الحصول على أجازة إعتيادية لمدة أسبوعين لقضائها فى الخارج ودون ان أوضح أين؟ كنت قد استوعبت درس الدكتور شبكة جيداً، أخذت أتسكع فى الممر أما م مكتب السكرتيرة دون أن أدخل إليه، لم تكن الخطوة القادمة قد تبلورت في تفكيري بعد ، فآثرت أن اتمشى لعل الله يفتح عليّ بالتصرف المناسب والذي لايوقعني في الحرج كما حدث في المرة الأولى..
              لمحتني السكرتيرة وأنا أتسكع أمام الباب المفتوح فصاحت بصوت عال
              - أنت فين يادكتور؟ .. صار لك أسبوع ولم تمر لأخذ الطلب.
              أخذ الطلب ؟.. ماذا تعني هذه العبارة ؟ !
              الرفض أم القبول أم لاشئ منهما؟
              دخلت إلى المكتب وأنا أقدم رجلاً وأؤخر أخرى ، بينما راحت هي تفتش فيما أمامها من أوراق حتى عثرت على الطلب وناولتني إياه ، جرت عيناي مسرعة على التأشيرة الحمراء التي تذيله . دارت بي الأرض ولم أشعر بما حولي للحظات حتى استحثني صوت السكرتيرة الذي بدا لي وقتها أجمل صوت في الدنيا
              - لماذا تقف هكذا ..الحق وقتك واذهب إلى المحافظة لتحصل على الورقة الصفراء..
              كان الطلب مذيلاً بموافقة وكيل الوزارة ..لكن ماذا عن الورقة الصفراء ؟ ماهي ؟ ومالزومها؟ ومادخل المحافظ بالموضوع ؟ عشرات الأسئلة حاصرتني ، لم أتمالك نفسي فقبضت على يد السكرتيرة بكلتا يديّ وأنا أشكرها بحرارة وامتنان وكأنها هي التي وافقت..تضاحكت لتشاركني فرحتي وهمست
              - ياللا ..طيران على مكتب المحافظ ..الورقة الصفراء تصدر من هناك.
              انتظروني

              تعليق

              • د.محمد فؤاد منصور
                أديب
                • 12-04-2009
                • 431

                #8
                (5)

                تطلب الأمر عدة مشاوير لمبنى المحافظة الواقع في أقصى أطراف المدينة ، في كل مرة كنت أصل إلى هناك مقطوع الأنفاس لأجد الجواب هو هو لايتغير ، المحافظ في اجتماع ، ولم اكن أفهم الحكمة في أن تخرج الورقة الصفراء اللعينة من مكتب المحافظ شخصياً ، نحن في مصر مغرمون بالتعقيدات في كل شئ ، ولمن لايعرف فإن الورقة الصفراء كانت تمثل التصريح الرسمي بالموافقة على سفر الموظف خارج البلاد وبدونها لايمكن السماح للموظف بمغادرة المطار، بل إن من الممكن إعادته من المطار دون سفر إن لم يبرزها لضابط الجوازات ، إنها أهم من جواز السفر ، وإجراءاتها في غاية التعقيد بالرغم من أن استخراجها في حد ذاته عملاً روتينياً بحتاً ، طالما وافق علي السفر وكيل الوزارة المختص ، في تلك الأيام كان تواجد المصريين خارج بلادهم من الأمور العجيبة فهم لايسافرون إلا إذا كانت هناك ضرورة حكومية تحتم السفر أو ضمن أحد الوفود الرسمية ، حتى السفر بحجة السياحة كان كذبة مكشوفة تصل إلى مرتبة النكتة المضحكة ، إذا علمنا أن ماكان يسمح بحمله كعملة صعبة عند مغادرة البلاد لايكفي لشرب فنجان من القهوة بأحقر مقهى أوروبي ، مفهوم الحرية الفردية كان غائباً تماماً عن المواطن العادي ، فهو لايتنفس ليل نهار سوى القهر والأكاذيب ، في الوقت الذي تزرع فيه أجهزة الإعلام الرسمية الإحساس بالعزة والكرامة وتروج لمفاهيم الحرية والعدالة والمساواة ، ولكنها كانت على مايبدو من ذلك النوع من المساواة التي تحدث عنها جورج أوريل في روايته الشهيرة مزرعة الحيوانات من أن بعض الحيوانات أكثر مساواة من البعض الآخر ! ..
                كنت أنظر إلى الورقة الصفراء بإكبار شديد فهي الصك الذى سينقلني إلى خارج الحدود ، إلى حيث أتنفس هواءً نقياً خالياً من الأكاذيب والدجل وبدونها سأظل حبيس الجدران.
                بعد أكثر من عشرة مشاوير سلمني أحد موظفي سكرتارية المحافظ تلك الورقة اللعينة وقد ملأت الابتسامة وجهه وقال :
                مبروك الآن تستطيع أن تغادر على بركة الله ..
                كان حدثاً مهماً أن يتمكن موظف من الحصول على الورقة الصفراء دون أن يكون ضمن أحد الوفود الرسمية ، لم أصدق نفسي أول الأمر، فقد ظننت أن الحصول عليها دونه خرط القتاد ولهذا وزيادة في إبقاء الأمر على درجة عالية من التكتم والسرية، قررت ألا أعلن عن حيازتي لها لأي مخلوق فقد تصورت أن مكتب المحافظ من الممكن أن يلاحقني ويستردها أو يلغي فاعليتها ، فبدأت تحركاتي منذ تلك اللحظة تركز على السفر بأسرع مايمكن وقبل أن يكتشف أحد وجهتي الحقيقية ، وقد تبين لي في مابعد أنني كنت مبالغاً في أحاسيسي وأنني كنت أسير الحقبة الناصرية التي حولت البلاد إلى سجن كبير بحيث يصبح مجرد السفر للمواطن حلماً بعيد المنال.
                عند هذه النقطة كنت في حيرة من أمري ، هل استأنف الحركة كما رسمها لى الدكتور فخري؟ أم أرسل الأوراق المطلوبة إلى الجزائر وانتظر وصول العقد مطمئناً إلى أن شيئاً لايحول بيني وبين السفر ؟ ..من الواضح أن الخطوات تمضى مطابقة لحديثه فماذا ينبغي علي أن أفعل ؟ أأسافر مباشرة وليكن مايكون؟ أم أن خطوة كهذه ستكون غير محسوبة العواقب باعتبارها قفزة في الهواء ؟ لم يطل بي التفكير فقد قررت السفر وانتهى الأمر فلأسارع قبل أن يجد مايمنعني من السفر .
                يقول الصوفيون إن علامة الإذن التيسير ، وباعتباري إنساناً قدرياً تماماً فقد تصورت أن السفر إلى بلاد أخرى يحتاج إلى تأشيرة دخول من سفارة أي بلد نتوجه إليه ولذلك فقد قدرت في نفسي أنه لابد من زيارة لسفارة الجزائر بالقاهرة للحصول على التأشيرة وأيضاً لتحسس مدى نجاح الخطوات التي أنا بصدد اتخاذها ، هنا تأتي المفارقة القدرية التي لم أتوقعها والتي لم تكن تخطر لي على بال ،فقد استقبلني موظف الاستقبال بالسفارة الجزائرية مندهشاً وعلى وجهه ابتسامة عريضة ، ربما لاكتشافه إنساناً بسيطاً لحد السذاجة ، قلت له :
                - أريد الحصول على تأشيرة للجزائر .
                - ليس بين مصر والجزائر تأشيرات دخول .
                كلمة ورد غطاها كما نقول في مصر ، أو هو التيسير الذي هو علامة الإذن .
                أما استقبال الملحق الثقافي الجزائري فقد كان تيسيراً آخر أو إذناً آخر بأن أتخلص من مخاوفي وأن أنطلق إلى حيث أراد الله لي.
                وفي شركة الطيران الجزائرية حجزت للسفر..وكنت حين تناولت تذكرة السفر الحمراء من موظفة الخطوط الجزائرية كأنما أتسلم صك حريتي ، الآن معي جواز السفر والورقة الصفراء وهاهي بطاقة السفر ، ولم يتبق إلا انتظار أسبوعين حتى يحين موعد الطائرة التى ستقلني إلى الجزائر..المحطة الأولى لحريتي .. أمسكت ببطاقة السفر في يد والباسبور في اليد الأخرى وانطلقت للخروج من المكتب وكأننى أخشى أن "يرجعوا فى كلامهم" وينتزعوا مني البطاقة ..كنت أركز انتباهي كله في الثروة التى أحملها ، الباسبور وبطاقة السفر..
                عند باب الخروج الزجاجى ..كدت اصطدم به ..هتف بي مرحباً :
                - مش معقول ..الدكتور محمد.!
                كأنما نزلت علي صاعقة مفاجئة.. كان الدكتور صلاح العبد ..زميلي بمستشفى دمنهور..

                انتظروني

                تعليق

                • عائده محمد نادر
                  عضو الملتقى
                  • 18-10-2008
                  • 12843

                  #9
                  الرائع القدير
                  د. محمد فؤاد منصور
                  هذه رائعة من الروائع
                  شهادة قلت هي
                  كلا إنها رواية رائعة وسلسة
                  أسلوب شفاف بالسرد يأخذ القاريء دون أن يشعر
                  لست أجاملك صدقني
                  تمتعت كثيرا وأنا أقرأ لك
                  لك أسلوب رهيب في التعامل مع الحدث يتغلغل مع الروح رويدا رويدا
                  لم أجد كلمة فائضة ليست في محلها
                  لاهفوات
                  ولاتهدل
                  وانسيابية تخلب الألباب
                  تفتح باب القلب على مصراعيه وتتربع فيه

                  رائعة زميلي وأكثر
                  سأتابعك دوما
                  تحياتي ومودتي لك سيدي الكريم
                  الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                  تعليق

                  • د.محمد فؤاد منصور
                    أديب
                    • 12-04-2009
                    • 431

                    #10
                    [frame="12 98"]عزيزتي عائدة محمد نادر
                    شرف لي أن تتعطر أيامي بحضورك ومتابعتك وأن تسمو لتعانق ذائقتك الراقية .. شهادتك بحق العمل وسام أعتز به ماحييت ..
                    مودة لاتنقضي.
                    [/frame]
                    التعديل الأخير تم بواسطة د.محمد فؤاد منصور; الساعة 18-12-2009, 05:31.

                    تعليق

                    • د.محمد فؤاد منصور
                      أديب
                      • 12-04-2009
                      • 431

                      #11

                      (6)

                      لم أكن أعرف صلاح معرفة جيدة حتى لحظة اصطدامي به وأنا أعبر الباب الزجاجي لشركةالطيران الجزائرية بشارع قصر النيل..كنت لحظتها ممسكاً بجواز سفري و بطاقة السفر الحمراء، شعرت بحرج شديد كسارق ضُبط متلبساً ، زملاء العمل يعرفون أنني سأذهب إلى أوربا في زيارة سريعة بدعوة خاصة وسأعود بعد انتهاء أجازتي ، وقد أحطت هذه الأكذوبة بمايلزمها من توابل تجعلها تبدو كالحقائق المؤكدة ، كان صلاح أحد أطباء الإمتياز بالمستشفى الذى أعمل به ، وهو مستشفى دمنهور التعليمي وكانت علاقتي به لاتتعدى إلقاء التحية عند الدخول أو الخروج من سكن الأطباء ، كان شاباً فى مثل عمري تقريباً بالرغم من أنه كان أحدث مني تخرجاً وكان عزوفاً عن مجالسة أطباء دفعته لأنه تخرج في طب الأزهر وهؤلاء تكون أعمارهم فى العادة أكبر من بقية زملائهم،ولذلك لم يكن يحلو له الحديث إلا معنا نحن الأطباء النواب الذين نكبرهم سناً ومركزاً ، كان صلاح قد أنهى فترة الامتياز منذ فترة وصار يتردد على المستشفى لمجرد الزيارة بين الحين والحين وكنا قد علمنا منه أنه لم يتسلم عمله الذى عين به بمحافظة البحر الأحمر وهي إحدى المحافظات النائية ..كان وضعه الوظيفي غريباً بعض الشئ فهو قد أنهى سنة الامتياز ولم يشأ أن يتسلم عمله كطبيب مكلف ، وعندما وقعت عيني عليه بالقاهرة رحت أمطره بأسئلتي عن أحواله وماإذا كان مايزال متشبثاً بموقفه من عدم استلام العمل..لكنه بدل أن يرد عليّ مباشرة قال:
                      - تعال في البداية نبحث عن مكان نجلس فيه وسأحكي لك حكايتي مع التعيين.
                      ثم فاجأني بسؤاله الذي توقعته منذ التقيته والذي حاولت أن أتهرب من الإجابة عليه
                      - وأنت ماذا تفعل في القاهرة ؟ ..وماشأن هذه البطاقة التي تحملها؟
                      طرأت في ذهني لحظتها فكرة أن صلاح يمكن أن يفسد سرية تحركاتي وأنه قد ينقل إلى المستشفى عزمي على السفر للعمل فى الجزائر وبالتالي يتسبب فى إلغاء أجازتي أو حتى وقف فاعلية الورقة الصفراء .. كنت حساساً تجاه كل مايمكنه أن يوقف مسيرتي وكأنها القدر المقدور ، لم يكن هناك مفر من أن أشرح له الموضوع بالكامل مع رجاء أن يبقى الأمر سراً بيننا لايعرفه حتى أقرب المقربين إليه في المستشفى.
                      شرحت له كل شئ وحكى لي من جانبه أنه لم يتسلم العمل حتى الآن لأنه يفكر بدوره في السفر ، وأن تسلمه للعمل سيخضعه لنفس التعقيدات الإدارية التي عانيت منها ، وأن جواز سفره لم تدون فيه المهنة كطبيب وبالتالي سيمكنه التحرك للسفر دون أن يكون مطلوباً منه موافقات عديدة، وقال لي إنه كان يبحث عن طائرة تذهب به إلى ليبيا مرافقاً لأسرة شقيق له يعمل هناك مع محاولة الإلتحاق بعمل في ليبيا التى يقال إن فرصة عمل الأطباء بها ممتازة.ولكن المشكلة بالنسبة له كانت فى عدم وجود طيران مباشر بين مصر وليبيا في ذلك الوقت نتيجة قطع العلاقات بين البلدين عقب مواجهة مسلحة بينهما.
                      من جانبي قصصت عليه رغبتي في السفر للجزائر وأنني بالفعل قمت بالاتصالات اللازمة وحجزت للسفر بعد أسبوعين..برقت عينا صلاح وهو يستمع لحكايتي وقال ضاحكاً :
                      - هل تعلم أن أخي الأكبر يعمل هناك ضمن بعثة الأزهر ، أي أن بمقدوري أن أسافر إلى ليبيا أو الجزائر ..أصبح لي في كل بلد شقيق ، وهاأنا أبحث عن عمل هنا دون فائدة ..
                      أوشكت أن أنصحه باتمام إجراءات التعيين ، قبل أن أفطن إلى أنني بهذه النصيحة سأوصله إلى موقف مشابه لموقفي ،فالتزمت الصمت بينما سرح هو بعيداً قبل أن يستأنف حديثه بحماس أشد:
                      - يعني هناك فرصة للعمل في الجزائر ؟ هل يمكن أن أسافر معك فى حال فشلت محاولتي للسفر إلى ليبيا؟
                      - ولكنني شخصياً راسلت الوزارة هناك وبدأت أول خطوة بالفعل أما أنت فلم تقم بخطوة مماثلة.
                      - لايهم ..طالما وافقوا على تعيينك بمجرد إرسال خطاب فما المانع من تعييني أنا أيضاً ؟ ..هذا يعني أنهم في حاجة لأطباء بالفعل.
                      - ألاتكون هذه مخاطرة أن تسافر دون أي إجراء ؟
                      - ولامخاطرة ولايحزنون ..اسمع ..إذا لم أستطع السفر إلى ليبيا فستجدنى بمطار القاهرة لأسافر معك على نفس الطائرة يوم الرابع من ديسمبر.
                      على هذا التعاهد افترقنا أنا وصلاح العبد .
                      انتظروني..

                      تعليق

                      • عائده محمد نادر
                        عضو الملتقى
                        • 18-10-2008
                        • 12843

                        #12
                        وعلى هذا الأساس سأبقى أنتظر
                        نعم زميلي أكمل العمل بروية وسلاسة
                        وستجدني لك بالمرصاد ..هاهاهاها
                        حلوه المرصاد.. صح
                        حقيقة سأنتظر تسلسل روايتك وأرجو أن لايزعجك لو بدرت مني ملاحظة هنا أو هناك لأني أحب أن أناقش الأعمال والنصوص
                        تحياتي لك
                        على بركة الله
                        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                        تعليق

                        • د.محمد فؤاد منصور
                          أديب
                          • 12-04-2009
                          • 431

                          #13
                          [frame="12 98"]عزيزتي عائدة ..
                          مرحباً بك مجدداً وبحضورك الذي ينثر الألق ، وأهلاً بك وبملاحظاتك ، وثقي أنني لايمكن أن أنزعج ، فوجودك ومتابعتك يحملان لي الفرح ، وكيف يجتمع الفرح والانزعاج؟ .. مودتي الدائمة .
                          [/frame]

                          تعليق

                          • د.محمد فؤاد منصور
                            أديب
                            • 12-04-2009
                            • 431

                            #14
                            (7)

                            كان يوماً مشهوداً لايغيب عن الذاكرة كأنما نُقش في قرنية العين ..إنها المرة الأولى التي أغادر فيها بلادي كلها إلى ماوراء الحدود ، السفر بالداخل والتنقل للعمل بين محافظات مختلفة كان يجب أن يكون تدريباً كافياً يحصنني من المشاعر الغامضة التي انتابتني وأنا أتهيأ لمغادرة مصر كلها إلى مستقبل مجهول وبلاد مجهولة ، ومع ذلك فقد فقد كنت أسير قلق داخلي يدفعني لتصنع الابتسام والبهجة على حين كان يكمن بداخلي حزن شفيف لاأدري مأتاه ، ربما كان بسبب رؤيتي لذلك الموكب الطويل الذى كان يضم والدي ووالدتي وأخوتي الزاحفين خلفي ليشيعوني حياً إلى المجهول وسط أنهار من الدموع والنحيب المكتوم .
                            لم يكن سفر المصري ليعمل خارج الوطن من الأمور المعتادة عند الناس ، ربما بسبب تلك التعقيدات الإدارية التي كانت تحيط بمحاولات السفر ، أو لعلها الرغبة في أن يبقى الإنسان ضمن أسرته ، ملتصقاً بها في غدوه ورواحه ، إنه إفراز المجتمع الزراعي وميراث الفلاح المصري الذي لايمكنه الابتعاد عن أرضه او أهله أو حتى بهائمه ، لذلك كان السفر إلى ذلك الوقت حدثاً جللاً قد لاتدرك تاثيره أجيال تربت فيمابعد على التنقل والترحال إلى الأصقاع البعيدة ، ولذلك أيضاً ظل ذلك اليوم البعيد منقوشاً على جدار القلب ليلقي بظله الثقيل على قسمات الروح ، هو يوم يستحيل على النسيان و كيف أنسى صورة والدي وقد كسا الحزن ملامحه وأخذ يقلّب كفيه ، ويخاطب نفسه وكأنه يلومها على تفريط لم يقم به أبدأً.
                            - ومالزوم السفر ؟ وأنت هنا بين أهلك وناسك ومحبيك؟
                            لم يكن ينتظر إجابة ولكن شبهة التقصير التي شملته دفعته ليطرح أسئلة لاإجابة لها ، لم يكن أحد من المودعين وقتها يستطيع أن يربط مغادرتي لمصر بالظروف الأقتصادية والسياسية التى تمر بها البلاد ، حتى أنا نفسي لم تكن تظهر لي تلك الخيوط الدقيقة بين ظروفي الضاغطة وأحوال البلد المتردية.
                            كانت الحرب قد انتهت ، وكنا قد خرجنا من فلك السوفييت إلى الارتباط بالغرب وأعلن السادات وقتها أنه بصدد إصلاح الأقتصاد وان الرخاء قادم لامحالة بل حدد تاريخه بسنة 1980 وبدأت سياسة الانفتاح الأقتصادي والتي لم تزد بالنسبة لنا عن ملاحظة أن السوق قد غمرته سلع كمالية وتافهة كلعب الأطفال أو أنواع الحلوى والملابس المستوردة ، وهو ماكان يسهم بدوره في تغذية طموحات الناس وتطلعاتهم إلى عيش أفضل وحياة حرموا منها طويلاً في ظل معاناة لم تكن تبين لها نهاية ، حتى وضعت الحرب أوزارها ،وفى ظل قدرة شرائية لاتستطيع مواجهة ذلك الطوفان من غزو السلع ، كنت ومعظم أبناء جيلي نتضاحك قائلين :
                            - حسناً ..إلى أن يجئ الرخاء نكون قد سافرنا عدة سنوات ثم نعود لننعم بالرخاء.
                            ثم ننطلق عابثين .
                            شئ بداخلنا كان يتعامل مع السادات ووعوده المعسولة على أنها مجموعة من النكات ، وأنه ممثل مسرحي يتقن دوره ويغذي أحلامنا المشروعة بأكاذيب لاتنتهي عن رخاء مزعوم وحياة رغيدة.
                            في تلك اللحظة الفاصلة بين حياتين ،تذكرت زوجتي التي خلفتّها تعاني أوجاع الحمل الأول وكيف منعتها من حضور هذه المراسم الحزينة خوفاً عليها وعلى جنينها من مشقة السفر بين الأسكندرية والقاهرة.
                            هكذا طافت بي الذكريات المؤلمة وأنا أمسك بذراع أمي وأوصيها بأبي خيراً وأحاول عبثاً إقناعها بأن البكاء لامعنى له فأنا ذاهب بكامل إرادتي وقد أجريت الاتصالات اللازمة فلامعنى للخوف من المجهول.
                            ووسط ارتفاع صوت البكاء والنحيب الذي أوشك أن يكون عويلاً والذي اشترك فيه كل المودعين ،احتضنتهم واحداً واحداً ..وضمنى أبي ضمة مازلت استشعر دفئها حتى هذه اللحظة وهمس في أسى:
                            - ياترى مين يعيش .. سننتظر خطاباً يطمئننا بمجرد الوصول وسنظل في قلق دائم ، ولن ننام حتى يصل خطابك.
                            كان لديه إحساس طاغ ٍ بأننا قد لانتقابل ثانية..
                            من جانبي أردت أن أنهي هذه اللحظات الدامعة القاتلة وأن أعبر الحاجز وأنا ألوّح بيدي للواقفين وراءه بينما أجر حقيبتي الضخمة إلى داخل الصالة الرئيسية لمطار القاهرة وأن أذوب وسط الجموع.
                            استبدت بي حالة من الأسى والشجن ، آويت إلى ركن بعيد وأطلقت سراح دموعي التى جاهدت حتى أحبسها كي لايراها أبي فيزيد من لوم نفسه ولاأمي فيعلو إيقاع نحيبها..ولم أكد أخلو إلى نفسي بصالة الترانزيت حتى سمعت من يهتف بي.
                            - أنا هنا منذ الصباح ..خلاص فشل موضوع السفر إلى ليبيا وسأسافر معك.
                            كان صلاح العبد يقف أمامى منتصباً بجسده النحيف وقامته الطويلة..
                            انتظروني.

                            تعليق

                            • د.محمد فؤاد منصور
                              أديب
                              • 12-04-2009
                              • 431

                              #15
                              (8)


                              الانطباعات الأولى تدوم..، هكذا حدثت نفسي حين قابلتني فتاة جزائرية جميلة على سلم الطائرة بابتسامة عريضة، وطلبت مني أن أتقدم للأمام ، كانت الطائرة تحمل ركاباً قادمين من السعودية ، وكان نزولها بمطار القاهرة للتزود ربما بالمؤن وبالركاب أمثالنا ،فتقدمت يتبعني صلاح ،ثم جلسنا بثقة على أول مقعدين متجاورين ظهرا لنا ، ولم نكد نستقر في مقعدينا حتى أتت فتاة ثانية أجمل من الأولى وبابتسامة رائعة أشعرتنا بنوع من الراحة طلبت منا أن نتوجه معها للأمام ، وهو الأمام الذي لم يكن ظاهراً لنا ، وسرعان مااكتشفنا أنها أخذتنا إلى الدرجة الأولى مع أن بطاقات السفر التي بحوزتنا كانت للدرجة السياحية ، وحين فوجئت بفخامة المقاعد وماتوفره من راحة للركاب، لكزت صلاح في جنبه وقلت له مازحاً وقد زال التوتر والقلق على أثر حفاوة المقابلة:
                              - أخطأت الفتاة على مايبدو ، ألا ينبغي أن نلفت نظرها إلى أننا من ركاب الدرجة الاقتصادية .
                              قال بجدية :
                              - نحن لم نطلب هي التي أتت بنا إلى هنا .
                              كان التوتر قد زال عني نهائياً وتفتحت شهيتي للمزاح فقلت له :
                              - أخشى أن يطالبونا بفرق السعر بين الدرجتين ..
                              انتقلت إليه عدوى المزاح فقال ضاحكاً :
                              - ساعتها سأطلب النزول في أول محطة .!
                              كنا قد بلغنا حالة من الإعياء التام نتيجة مامر بنا من توترات وقلق خلال الأيام التي سبقت السفر ، وظل ذلك القلق ملازماً لنا حتى ونحن نصعد إلى سلم الطائرة ، كان هناك خوف من أن يحدث في اللحظة الأخيرة مايسبب إلغاء سفرنا أو إعادتنا من حيث أتينا ، لم نكن نصدق أننا نجلس في طائرة جزائرية وأننا نلقى حفاوة لانظير لها وتنساب إلى آذاننا موسيقى الراي الخافتة التي ساعدت في إنهاء حالة الترقب والقلق ، وسرعان ماانزلقنا بعد تحليق الطائرة إلى نوم هادئ في مقاعدنا الوثيرة ،لم نفق منه إلا على ارتجاج شديد يهز الطائرة هزاً عنيفاً ، استبد بنا القلق من جديد وشعرنا أننا لامحالة هالكين ، لولا أن تداركتنا المضيفات الحسناوات ،بالطمأنة فشرحن لنا أن الأمر تحت السيطرة وأن سوء الأحوال الجوية وسرعة الرياح العالية في هذا الوقت من السنة هو الذي يتسبب في هذه المطبات التي نشعر معها أن أرواحنا ستزهق حتماً ..
                              شعرت بدوار شديد وصداع يفتك برأسي ، حاولت النوم من جديد لكن اهتزاز الطائرة كان أشد من أن يسمح لنا بأن نغمض أعيننا ، أكثر من ساعتين ونحن في حالة من الهلع لايمكن وصفها بكلمات ، وحين لمحنا مباني العاصمة الجزائرية البيضاء من فوق السحب الكثيفة بدأنا نستعيد شيئاً من رباطة الجأش ، ثم تنفسنا الصعداء حين أعلننا قائد الطائرة أننا شرعنا في الهبوط إلى مطار الجزائر .

                              انتظروني

                              تعليق

                              يعمل...
                              X