أيام جزائرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.محمد فؤاد منصور
    أديب
    • 12-04-2009
    • 431

    #46
    أخي العزيز ركاد حسن خليل
    أشكرك على مرورك وتعليقك الذي أسعدني لتميزه بالوفاء الذي هو شيمة عربية أصيلة ،وبالفعل فإن الجزائر التي أريد لها أن تكون مغيبة عن واقعها العربي الإسلامي كانت بعد الاستقلال في الخندق الأمامي للدفاع عن العروبة والإسلام وهو ماكنا ومازلنا نفخر به إلى اليوم .
    شكراً للمرور والتعليق ..
    وتقبل أرق امنياتي.

    تعليق

    • د.محمد فؤاد منصور
      أديب
      • 12-04-2009
      • 431

      #47
      الأخت العزيزة سعاد سعيود
      تشرفت أيامي بحضورك ، وسعدت بتعليقك الذي لامس كبد الحقيقة على الأقل مايخص مشاعري ناحية الجزائر وكل مايتعلق بها ،من الطبيعي أن يختلف الناس حول القيادات التاريخية وتقييمها ،ونحن في المشرق العربي كنا نحسب أبطال الجزائر هم فقط الزعماء الخمسة الذين اختطفت فرنسا طائرتهم ، ولم نكن نعلم أنه بين الجبال والوهاد هناك من لونت دماؤهم ذراها واستشهدوا بعد أن سجلوا بدمائهم أروع البطولات ،وأمجد الأيام. تحية لك ولكل أهلنا في الجزائر.
      ومودة قلبية.

      تعليق

      • د.محمد فؤاد منصور
        أديب
        • 12-04-2009
        • 431

        #48
        أخي العزيز حسين ليشوري
        مرة ثانية أشكرك على مداخلتك الراقية ،بالفعل أعرف ذلك الزقاق الضيق الذي يفصل المقهى عن المسرح الوطني فشكراً لك على التوضيح المفيد وعلى الحضور والمتابعة .. وتقبل تمنياتي الطيبة .

        تعليق

        • د.محمد فؤاد منصور
          أديب
          • 12-04-2009
          • 431

          #49

          (17)

          ونحن نقف في انتظار الحافلة التي ستقل مدحت إلى مقر عمله الجديد ، توزعتنا مشاعر متباينة بين الحزن والفرح ، فهاهو مدحت يصل إلى مبتغاه قبلنا وبأسرع مماتوقعنا ،بل إننا ظننّا لبعض الوقت أنه لابد سيصبح نزيلاً بالحمامات العامة بينما سيظل مصيرنا معلقاً حتى الأسبوع القادم .
          .. مدحت من ناحيته أصر على أن يقضي معنا يومين قبل الرحيل بعد أن اطمأن إلى أن خطاب التعيين قد صار بحوزته ، وأننا قد لانلتقي ثانية على الأقل في المدى القريب .
          خلال يومين من تجوالنا بالعاصمة لم يكن مدحت يكف عن إلقاء نكاته ، كان فرحه طاغياً بينما كان قلقنا عارماً
          وكان يحلو له أن يدرّب لسانه بصوت عالٍ على نطق اسم المدينة التي ستصبح مقر إقامته " برج بو عريرج" .. يتعثر حيناً ويتلجلج حيناً لكنه كان ينتهي دائماً بأن يطلق ضحكة صافية صادرة من القلب ويقول :
          - مش قادرين يشوفولي بلد أسهل من كده .
          وكنا ومعنا بوشموخة لانكاد نفترق فقد كان بمثابة دليلنا العارف بدروب العاصمة وأحيائها وحواريها ، وقصصها التي كانت تعيدني إلى رواية زهرة من الجزائر ، كنت أتمثل تلك المشاهد في أماكنها الطبيعية بحي القصبة بدروبه الضيقة ودرجاته الصاعدة والهابطة والمفضية إلى بعضها بعضاً..
          من جديد داهمنا الشعور بالفقد ونحن نودّع مدحت الذي لاحظ الكدر في وجوهنا فراح يداعبنا بقوله :
          - صار لي عنوان هنا .. إذا تعثرت خطاكما أو طال أمد الانتظار فعليكما بثانوية برج بو عريرج .
          كان شعوراً طيباً أراد به مدحت أن يسرّي عنا ثم التفت إليّ وأضاف :
          - إنه حق "العيش والملح" ، ومابيننا لم يكن فقط "عيش وملح" .. إنه تونة وسلمون وسردين وجبنة ديمكس .
          كان يشير إلى مخزوني من المواد الغذائية الذي أوشك على النفاذ خلال الأيام الأولى من إقامتنا بالعاصمة، فلم نكن نشتري غير الخبز فقط ، أما بقية الطعام فقد كانت تتكفل به حقيبتي وماحملته معي من أغذية محفوظة.
          هكذا ذهب مدحت كما ذهب أحمد عزت من قبل ، وعدنا نحن الثلاثة بعد تحرك الحافلة إلى موقعنا المفضل بالطانطانفيل .
          صرنا نصحو في الصباح فننطلق إلى المقهى حيث يجلس بوشموخة وكأنه أحد معالمه ، نتدارس الشعر والشعراء ويدهشني بوشموخة بوفرة قراءاته وسعة معارفه وقدرته الفائقة على تطويع الفصحى للتعبير عن ذاته ، شئ واحد لم يستطع بوشموخة أن يفسّره لي ، هو خلو العاصمة من شارع يحمل اسم المناضلة الأشهر في تاريخ الجزائر "جميلة بو حيرد" ، تلك التي حفظنا اسمها في طفولتنا عن ظهر قلب وكانت تتمثل لمخيلتنا كرمز لنضال شعب الجزائر وكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي البغيض ، لم يستطع أن يفسر لنا لماذا أسقطت الجزائر اسم جميلة من حساباتها فلم يعد يذكرها أحد رغم أن نضالها وتاريخها الناصع وتفانيها في حب بلادها وهي شابة صغيرة كان يلهب حماس أبناء الشرق جميعاً .. هل تأكل الثورة أبناءها حقاً ؟! .. أم أن زواجها من محاميها الفرنسي كان نقطة سوداء غطّت على تاريخها النضالي بأكمله ؟ ،على حين بقيت في المقدمة أسماء لم نكن سمع بها من قبل ، كديدوش مراد والعربي بن مهيدي وعميروش وحسيبة بن بو علي .. أبطال ثورة التحرير الكبرى لم يحظ أكثرهم حظاً سوى بشارع يحمل اسمه ، أما جميلة فقد أُسدل على تاريخها ستار النسيان !!.. هل حقاً أن الثورات يخطط لها الدهاة ، وينفذها الشجعان بينما يربحها الجبناء ؟! .. ربما
          *
          مضت الأيام التالية بطيئة وكئيبة في آن ، نفد مخزوننا من المواد الغذائية في اليوم الخامس فقد كان المجهود الذي نبذله في التجول بأرجاء العاصمة سيراً على الأقدام يستهلك كل مخزوننا من الطاقة فنعوّضه بالتهام مخزون الغذاء .
          النقود التي بحوزتنا أوشكت هي الأخرى على النفاذ بعد دفع حساب الفندق ، ومصاريف المقهى والخبز ، وحين لمحت الحقيبة فارغة صباح اليوم الخامس ، جلست أنظر إليها واجماً حتى لاحظ صلاح ذلك الوجوم والقلق فقال :
          - مالك ؟
          - ربنا يستر ، لو طالت إقامتنا بالعاصمة خمسة أيام اخرى فلن نجد حتى الحمّام لنبيت فيه .
          - ياراجل فال الله ولافالك .. هيا بنا إلى وزارة الصحة لنتعجل الإجراءات .
          - ولكن السيد مخيلفة طلب أن نمر بعد أسبوع .
          - ياعم هو فاكر أحنا كنا عنده إمتى .
          استقرّ عزمنا على مقابلة السيد مخيلفة من جديد فمن يدري ؟ ، إذا كانت الإجراءات قد انتهت بالنسبة لمدحت في نفس يوم تقديمه للطلب فماالذي يمنع أن تنتهي بالنسبة لنا بعد أربعة أو خمسة أيام ؟ .
          *
          موقف طريف تعرضت له لدى وصولنا إلى وزارة الصحة للمرة الثانية ، فقد كانت صالة الاستقبال مكتظة بالوافدين وقد أبلغنا موظف الاستقبال برغبتنا في مقابلة السيد مخيلفة ووقفنا خارج الغرفة في أول الممر انتظاراً لاستدعاء السيد مخيلفة لنا ، بعد مرور عدة دقائق وبينما انشغلت أنا وصلاح في حديث عن توفيق أوضاعنا إذا ماأرسلنا للعمل بجهتين مختلفتين ، قطع حديثنا صوت موظف الاستقبال وهو ينظر ناحيتي وينادي :
          - تفضل سي محمد .
          غمرتني السعادة ونظرت ناحية صلاح في تفاخر ، فهاهو الموظف يناديني باسمي دون سابق معرفة ولابد أنه قد حفظه منذ أول زيارة أتينا فيها إلى ديوان الوزارة ، وقد اكتشفت فيمابعد أن عبارة " سي محمد" هي النداء الطبيعي لأي شخص نجهل اسمه ، وهي لاتزيد عن ندائنا المعتاد " ياأستاذ " أو " ياكابتن".. أو " ياحاج " أو أياً من هذه النداءات العامة التي لاتخص شخصاً بذاته .
          استقبلنا مخيلفة هاشاً باشاً ومندهشاً في ذات الوقت
          - ألم اطلب أن تمرا بعد أسبوع ؟!
          وبارتباك شديد قلت:
          - نعم .. لقد ظننا .. في الواقع .. لقد تصورنا أن الإجراءات يمكن أن تنتهي قبل ذلك ..
          كأنما شعر الرجل بمانعانيه فابتسم ابتسامة حانية وقال في ود :
          - لاداعي للقلق ، سننتهي من تجهيز خطابات التعيين بعد يومين كما وعدتكما .
          ----------
          انتظروني

          تعليق

          • حسين ليشوري
            طويلب علم، مستشار أدبي.
            • 06-12-2008
            • 8016

            #50
            المشاركة الأصلية بواسطة د.محمد فؤاد منصور مشاهدة المشاركة
            أخي العزيز حسين ليشوري


            مرة ثانية أشكرك على مداخلتك الراقية ،بالفعل أعرف ذلك الزقاق الضيق الذي يفصل المقهى عن المسرح الوطني فشكراً لك على التوضيح المفيد وعلى الحضور والمتابعة .. وتقبل تمنياتي الطيبة .

            أخي الفاضل الدكتور محمد : تحية طيبة من البُليدة الوريدة.
            كنت عصر هذا اليوم جالسا في مقهى "الطانطافيل" TANTONVILLE، وهذه هي الكتابة الصحيحة له بالفرنسية وليس كما كتبتُها أول مرة، وطلبت "تايا" لذكراك و ترشفته على نخبك، و أنا جالس هناك مرّ شريط تحاورنا في ذهني و حاولت تخيل المكان الذي كنتم، أنت و رفاقك، تجلسون فيه !
            وهذه بعض الصور عن المقهى الشهير بمقهى الفنانين و الجزائر تحت المطر كما اكتشفتَها أول مرة:




            و هذه مدينة الجزائر تحت المطر كما عرفتَها و الشارع المقابل للمقهى وتلاحظ في يمين الصورة الشارع الصاعد المؤدي إلى شارع العربي بن مهيدي من حيث جاء مدحت:

            تحيتي و تقديري.
            sigpic
            (رسم نور الدين محساس)
            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

            "القلم المعاند"
            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

            تعليق

            • د.محمد فؤاد منصور
              أديب
              • 12-04-2009
              • 431

              #51
              أخي العزيز حسين ليشوري
              أشكرك غاية الشكر على هديتك الرائعة ، هذه المجموعة من الصور لمقهى الطانطنفيل أعادتني ثلاثين سنة أوأزيد قليلاً إلى مكان ضمنا شباباً صغير السن ذهب في رحلة البحث عن الذات .. طاولتنا المفضلة هي التي تقع في أقصى يسار الصورة الأولى.. ومازلت أحاول تذكر شارع ديدوش مراد وموقعه بالضبط ،أظن أن طريق العربي بن مهيدي الصاعد في الصورة كان يصب به وكان به فرع للأروقة الجزائرية هذا إذا لم تخني الذاكرة ..
              لك الشكر على حضورك المميز ومساهماتك الرائعة ..
              مودتي القلبية.

              تعليق

              • إيمان الدرع
                نائب ملتقى القصة
                • 09-02-2010
                • 3576

                #52
                هيّا..... سي محمّد أكمل ....
                فلقد تتابعت الأحداث بشكلٍ مُلْفتٍ ...ولاحتْ خيوط القلق بعد استنفاذ الاحتياطيّ من المؤونة والأموال ..
                سنتابع ...ولن نغادر حتى تُستكمل الأيّام بعون الله...
                عجِبْتُ مثلك لتغييب اسم المناضلة جميلة بو حيرد عن الظّهور كعلمٍ مميّزٍ يخفق في تاريخ الجزائر..
                فأنا كنتُ أعتبرها ومنذ طفولتي رمزاً قويّاً للنضال ..هكذا رسخ في ذاكرتي ...
                خصوصاً بعد مشاهدة الفيلم الذي يحكي عن بطولاتها...
                أحيل الاستفسار للأستاذ القدير حسين ليشوري ...
                هل فعلاً زواجها من محاميها الفرنسيّ كان السبب المباشر للأمر ...؟؟حيث اعتبرتها الأمّ غلطةً لابنتها لاتُغتفر ...؟؟؟
                كما وأشكره جزيل الشّكر على إحاطتنا بمعلوماتٍ
                تاريخيّة وجغرافيّة قيّمة ....أغنتْ هذه الصّفحات بكلّ ماهو مفيد ..
                لكما تحيّاتي ...أنتما / الزوز/ وبصحّة وسعادة دائماً يارب ...

                تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                تعليق

                • د.محمد فؤاد منصور
                  أديب
                  • 12-04-2009
                  • 431

                  #53
                  صديقتي الرائعة إيمان الدرع
                  أجدد شكري لهذا النشاط وتلك الحيوية التي تبثينها في الأيام من خلال تواجدك ومتابعتك ..وقد أجابني صديقي القاص الجزائري الرائع الأستاذ خليف محفوظ - وهو بالمناسبة من البليدة بلد صديقنا الأستاذ حسين ليشوري - عن السؤال ذاته بخصوص إغفال اسم المناضلة جميلة بوحريد التي آثرت الابتعاد عن الأضواء بعد الاستقلال ..وجاء في إجابته أن الجزائر لاتطلق أسماء الشوارع على الأحياء من المناضلين ماداموا أحياء !! وأن هؤلاء يطلق عليهم أصحاب الحقوق ولهم امتيازات كثيرة تضمن لهم العيش الكريم وهذا يفسر خلو شوارع العاصمة من شارع باسم جميلة .
                  وبيني وبينك فإن عادة إهمال الأحياء من أصحاب الأيادي البيضاء في أي وطن عربي هي عادة عربية سيئة إذ نحن لانحتفي بغير الراحلين من رجالنا البارزين بينما نهملهم ماداموا أحياء ، إن التقديرالمعنوي لاينوب عنه أبداً التقدير المادي بالغاً مابلغ وتلك آفة عربية أصيلة ..
                  ملاحظة ثانية لي هي أن المشاهير من أبطال حرب التحرير الجزائرية ليسوا هم من اشتهروا عندنا ، فنحن لم يصلنا إلا سيرة من كل له تواجد إعلامي أو شكلي على نحو ما ، أو احتكاك بالسلطات الفرنسية الرسمية،أما أولئك الأبطال الذين دوّخوا العدو وأذاقوه الويلات على رؤوس الجبال فقد أدوا رسالتهم كاملة ودفعوا حياتهم ثمناً للحرية والاستقلال دون أن تصلنا أخبارهم ، وهي آفة عربية كما ذكرت لم نسلم منها جميعاً حيث يقوم رئيس الدولة عندنا بتكريم راقصة أجادت آداء رقصة جديدة أولاعب مغمور سجل هدفاً من موضع تسلل بينما لايحفل بطبيب كرمته دولة اخرى وتشرد في الصحاري والجبال ليرفع اسم بلاده عالياً .. تلك إذن قسمة ضيزي ، لم نسلم منها جميعاً ولله الأمر من قبل ومن بعد ..
                  مودتي القلبية.

                  تعليق

                  • د.محمد فؤاد منصور
                    أديب
                    • 12-04-2009
                    • 431

                    #54

                    (18)

                    ضبطته وهو يقف أمام نافذة زجاجية لأحد المطاعم الكبرى بشارع ديدوش مراد ، كان ينظر في نهم إلى الدجاج المحمّر وهو يدور داخل الماكينة ، بينما الدخان المتصاعد يملأ خياشيمه فينسيه المكان والزمان حتى إنه لم يشعر باقترابي منه وكنت قد استبطأت عودته بالخبز الذي ذهب يشتريه لغدائنا ، خشيت أن يكون قد ضل طريقه إلى الفندق رغم أننا كنا قد قضينا أيام الأسبوع جميعاً ومنذ وصولنا في دراسة شوارع العاصمة وأزقتها، لكن قلقي عليه دفعني لكي أبحث عنه في الشوارع المحيطة بالفندق ، انتبه من شروده حين بادرته:
                    - انت واقف هنا وأنا مستني رجوعك بالعيش .
                    قال في كمد :
                    - يعني مستني الوليمة ياخي .. أحنا بطننا نشفت من أكل المعلبات والجبنة .. عايزين نيجي ناكل هنا مرة من نفسنا .
                    لمحت بداية تمرد صلاح على أوضاعنا المعيشية التي كانت تقترب من الهاوية ولم يكن يعرف أن مابقي معي من نقود تخصنا معاً تكفي بالكاد لسداد حساب الفندق ، وأن مصيرنا صار معلقاً بوعد السيد مخيلفة ، ولو فكّر في إرجاء ملفنا لأسبوع آخر فسنجد أنفسنا في عرض الطريق ولن يكون معنا ماندفعه لأقل الفنادق شأناً ، بل ولا حتى للحمامات العامة .
                    قلت له مدارياً رغبتي التي لاتقل عن رغبته في الدخول إلى ذلك المكان الذي غشيتنا روائحه المنبعثة :
                    - اعقل ياصلاح .. بلاش جنان وخليك واقعي .. وأعدك أن نأتي إلى هنا إذا استلمنا العمل وصدق وعد السيد مخيلفة .
                    قال وهو يتشبث بموقفه مقاوماً ذراعي التي بدأت تجذبه بعيداً عن النافذة الزجاجية :
                    - مرة واحدة نأكل فيها وجبة ساخنة ودسمة لن تتسبب في فقرنا .
                    قلت في حدة وأنا أقاوم الضعف بإظهار الغضب
                    - وجبة مثل هذه ستقذف بنا إلى الحمام غداً أو بعد غد على الأكثر ، لا وجبة ولانصف قبل أن نعرف راسنا من رجلينا..
                    مشى معي وأخذ يردد وهو ينظر إلى الأعلى :
                    - يرضيك يارب البهدلة دي .. وجبة ساخنة علشان خاطر حبيبك النبي.
                    أحياناً كان يدهمني سؤال لا أعرف له إجابة ، أيمكن ان تكون أبواب السماء - في بعض الأحيان - مفتوحة بالفعل لمطالب ساذجة من ذلك النوع الذي كان يردده صلاح على سبيل المزاح ؟! .. ماحدث وقتها كان أغرب من أن يُصدق ، فبعد أقل من عشر دقائق ، لمحت مجموعة من المصريين تقف أمام المقهى ، لم نكن قد رأينا أحداً منهم من قبل فقد كانوا عائدين للتو من رحلة طافوا خلالها الغرب الجزائري والمغرب كما أسرّ لنا بوشموخة وهو يعبر عن سعادته نيابة عنا لعثورنا على مصريين آخرين غير أحمد عزت الذي شدّ الرحال إلى وهران ومدحت عبد العظيم الذي غادرنا إلى برج بو عريرج ، وقد جذب انتباهي أحدهم ، كان وجهه مألوفاً لي وخيل إلي أنني أعرفه أو أنني التقيته من قبل ، وحين اقترب منّا وسلّم عليّ بحرارة أدركت أنه هو الآخر يعرفني ، ابتدرته قائلاً :
                    - حضرتك من اسكندرية ؟
                    - ومن محرم بك ..
                    ياللصدف السعيدة ، نفس المدينة ونفس الحي ، لم يدعني لأفكاري فقال مازحاً :
                    - سعد عبد العزيز .. أظن أننا التقينا من قبل عند محمود سعيد ..هل نسيت ؟
                    اللعنة على الذاكرة التي تعصف بالفرص !.. محمود سعيد من أقرب أصدقائي وهو زميل دراسة من أيام الثانوي ،وقد حاولت أن أدفعه لمصاحبتي في هذه المغامرة لكنه تردد وحاول أن يثنيني عن عزمي ، كنا نتجول كثيراً في شوارع الأسكندرية ونقطع مسافات طويلة نتحدث في السياسة والرياضة دون أن يصيبنا التعب ، وكثيراً ماضقت ذرعاً بكثرة أصدقائه المنبثين في كل أرجاء المدينة وكنا نلتقيهم في أثناء تسكعنا فيعرفني عليهم وهو يعلم أنني أضيق بقطع تيار أحاديثنا أمام سيل الترحيب والحفاوة التي يبديها لكل من يقابله ، كان يقول عن أصدقائه ، هؤلاء هم الرصيد الحقيقي أمام غدر الزمن ، هاهي كراماته قد بدأت تهل علينا حين بدأ الزمن يفتك بنا وينظر إلينا شذراً .
                    أسرعت باتهام الذاكرة العليلة وتوجيه اللوم لصعوبات البداية فقلت في خجل:
                    - تعرف قلق القادمين الجدد والصعوبات التي تقابلهم ، إنها تنسيهم أسماءهم أحياناً .
                    كيف أحس سعد بمافي كلماتي من معاناة رغم جهادي في أن تبدو مرحة وتلقائية ؟ .. رحّب بي وبصلاح وكأننا أصدقاء قدامى رغم تعارفنا السطحي بالأسكندرية ، والتفت إلى المجموعة التي حضرت معه وقال وهو يشير إلينا :
                    - لابد أن أرحب بأصدقائي القادمين حديثاً من الأسكندرية ، أشم فيهم رائحة كورنيش الأسكندرية وهواء بحري وشوارع الرصافة ومحرم بك وبوالينو وعرفان .. سأراكم لاحقاً عند محطة الحافلات .
                    *
                    قال دون مقدمات :
                    - ياللا بينا .. لازم ناكل مع بعض عيش وملح .
                    لكنه لم يكن عيشاً وملحاً فقط وإنما حظينا مع سعد وعلى نفقته بأول وجبة ساخنة ودسمة منذ مايقرب من أسبوع كامل وكانت في ذات المطعم الفاخر الذي غادرناه مقهورين منذ قليل ، كانت حفاوته بنا تعكس أشواقه لأهله وبلاده التي تركها منذ عامين وكان ذلك مفهوماً لي على نحو ما ، وقد أصر سعد على أن نصحبه إلى محطة الحافلات التي سينطلق منها إلى مقر عمله بعد الغذاء مباشرة وقد فهمت مغزى إصراره ذاك حين أشار إلى المحطة قائلاً وكأنه أب يوصي أولاده :
                    - إذا تأزمت الأمور معكما فماعليكما إلا الحضور إلى هنا وركوب الحافلة الذاهبة إلى سور الغزلان ، إنها المدينة التي أعمل بها ، وهناك ستنتهي مشاكلكما إلى أن يأتي الفرج .
                    ثم همس في أذني :
                    - احتفظ بدولاراتك ولاتفرط بها ..
                    ثم دس في يدي ورقة مالية كبيرة بالعملة الجزائرية واستأنف :
                    - هذا هو كل ماأحمله الآن من نقود احتفظ بها لسفركما إلى سور الغزلان..
                    انطلقت الحافلة الذاهبة إلى سور الغزلان وبها سعد عبد العزيز صاحب أول وجبة ساخنة لنا في الجزائر .. وانطلقنا نحن متخمين إلى الطانطانفيل .
                    --------------
                    انتظروني.

                    تعليق

                    • إيمان الدرع
                      نائب ملتقى القصة
                      • 09-02-2010
                      • 3576

                      #55
                      كم أعتزّ بصداقتك أخي محمّد ...
                      إنّها لشرفٌ عظيمٌ لي ..
                      أشكرك على توضيحك السّابق عن استفساري في مداخلتي السّابقة ...
                      وأشكرك أكثر ...على هذه المحطّات الجميلة التي تأخذنا إليها عبر ممرّات العمر ..بكلّ سلاسةٍ ..
                      أحببتُ فيها هذه المصداقيّة في السّرد...
                      تتحدّث بشفافيّة ودون مكابرةٍ عن لحظاتٍ يواريها البعض في مسيرتهم، لضعفٍ شديدٍ بهم على المستوى الإنسانيّ..
                      كلمة حقّ لا بدّ من قولها ...خاصة بعدما بدأت خيوط الأحداث تتصاعد وتتفرّع ..وتشدّنا أكثر وأكثر..
                      فرحتُ لكم بتلك المصادفة العجيبة التي رسمها لكم القدر في لقاء سعد ..
                      وتسلّلتُ خِلسة إلى المطعم الكبير ، أشمّ رائحة الشواء، و أسمع همهمات إخوة لي هناك يأكلون وجبةً دسمةً ساخنةً بعد طول حرمان..
                      كم هي جميلة فرحة لقاء أبناء البلد الواحد ، لمدينةٍ واحدةٍ ، لحيٍّ واحدٍ ، لصديقٍ مشتركٍ جميل الصّفات ..!!!!!!!
                      هل ياترى لسعد من دورٍ في أيّامكم هناك ...؟؟؟ أعتقد ذلك ...فإنسانٍ مثله لا بدّ أن يحفر عميقاً في مجريات الأمور..
                      لن أتعجّل ...بل سأنتظر ...
                      تحيّاتي لك سي محمّد ...
                      وكلّ عامٍ وأنت بخيرٍ ....

                      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                      تعليق

                      • حسين ليشوري
                        طويلب علم، مستشار أدبي.
                        • 06-12-2008
                        • 8016

                        #56
                        المشاركة الأصلية بواسطة د.محمد فؤاد منصور مشاهدة المشاركة
                        ...
                        ملاحظة ثانية لي هي أن المشاهير من أبطال حرب التحرير الجزائرية ليسوا هم من اشتهروا عندنا ، فنحن لم يصلنا إلا سيرة من كان له تواجد إعلامي أو شكلي على نحو ما ، أو احتكاك بالسلطات الفرنسية الرسمية، أما أولئك الأبطال الذين دوّخوا العدو وأذاقوه الويلات على رؤوس الجبال فقد أدوا رسالتهم كاملة ودفعوا حياتهم ثمناً للحرية والاستقلال دون أن تصلنا أخبارهم ، وهي آفة عربية كما ذكرت لم نسلم منها جميعاً حيث يقوم رئيس الدولة عندنا بتكريم راقصة أجادت آداء رقصة جديدة أولاعب مغمور سجل هدفاً من موضع تسلل بينما لا يحفل بطبيب كرمته دولة اخرى وتشرد في الصحاري والجبال ليرفع اسم بلاده عالياً .. تلك إذن قسمة ضيزي ، لم نسلم منها جميعاً ولله الأمر من قبل ومن بعد ...

                        أخي الفاضل الدكتور محمد فؤاد منصور: تحية طيبة من البُليدة الوُريدة.
                        قبل أي حديث أهنئك بمناسبة عيد الأضحى المبارك و كل سنة و أسرتك الكريمة وكل من تحب بألف خير، وأعاده الله علينا جميعا باليمن و البركات و العافية في كل شيء، اللهم آمين يا رب العاليمن، ومعذر عن التأخر في تهنئتك بسبب عطب في حاسوبي الهرم مثلي.
                        أما بعد : أخي الكريم،
                        1ـ إن الفقرة التي اخترتها من ردك على أختنا إيمان الدرع جعلتني، صدِّقني، أبكي بحرقة على مأساتنا نحن العرب، إنه اللؤم و نكران الجميل و التجاهل لمن يجب علينا كتابة أسمائهم ليس على الجدران و لا في الكتب بل على شغاف قلوبنا و صفحات أرواحنا !
                        2ـ أما عن "الزعماء" المشهورين في الإعلام و عند "الأشقاء" العرب و غير العرب فأكثرهم عملاء و متعاونون مع العدو القديم و الجديد و سيكشف التاريخ إن عاجلا فآجلا خيانتهم و تواطؤهم و كذبهم على الأغرار السذج ممن لا يعرف التاريخ، أما الذين يعرفونه عن كثب و ليس عن كتب فلن يخدعهم خادع أيا كان و مهما ادعى ومهما برر أو دمر من أدلة أو زيف من آثار، و الأيام بيننا !!!
                        3ـ و أما عن شارع الشهيد "ديدوش مراد"، رحمه الله، فهو الشارع الذي ينطلق من ساحة "موريس أودان" بعد الجامعة المركزية، (والتي تسمى اليوم باسم الرئيس الراحل بن يوسف بن خدة، رئيس الحكومة المؤقة أيام حرب التحرير، و المغضوب عليه في عهدي بن بلة و هواري بومدين، وما سميت الجامعة باسمه إلا بعدما توفي، رحمه الله تعالى)، وهو الشارع الطويل الممتد و المتعرج الصاعد إلى ما بعد الكنيسة "القلب المقدس" Sacré Coeur الكبيرة. وأما شارع العربي بن مهيدي فهو الشارع الذي توجد فيه ساحة الأمير عبد القادر و الموصل إلى البريد المركزي و فيه محلات "الأروقة الجزائرية" كما قلت و هو بعيد شيئا ما عن شارع ديدوش مراد !
                        لم أقرأ بعد الحلقة 18 من "أيامك الجزائرية" لأنني سارعت إلى التعليق قبل قراءتها لما حز في نفسي من مرارة ما ذكرته آنفا.
                        أخي الفاضل : تقبل أخلص تحياتي و أصدق تمنياتي لك بالتوفيق.
                        أخوك حُسين.

                        شارع ديدوش مراد، و في العمق نرى بناية البريد المركزي.
                        ونرى على اليسار الجامعة المركزية و مكتبة ديوان المطبوعات الجامعية
                        (مكتبة أودان سابقا).

                        أعالي شارع ديدوش مراد (شارع ميشلي rue Michelet سابقا).

                        أعالي شارع ديدوش مراد، (أسفلَ كنيسة "القلب المقدس" sacré Coeur).
                        sigpic
                        (رسم نور الدين محساس)
                        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                        "القلم المعاند"
                        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                        تعليق

                        • د.محمد فؤاد منصور
                          أديب
                          • 12-04-2009
                          • 431

                          #57
                          صديقتي الأغلى إيمان الدرع
                          والله إن كلماتك هنا أوسمة أعتز بها أيما اعتزاز ،هذه المتابعة منك تزيل كل مايعترضني من صعاب في سبيل إخراج هذاالعمل ليكون بين يديك وأيدي الأصدقاء هنا ، وأعتذرمنك إن كانت حالة الحداد التي مررت بها قد أبعدتني عن الأيام بعض الأيام ، لكنني هنا من جديد لأستأنف تلك الذكريات الرائعة من بلد المليون ونصف المليون شهيد ..في الجزائر الحبيبة كانت لنا أيام .. شكراً ياصديقتي الرائعة
                          ومودة تليق.

                          تعليق

                          • د.محمد فؤاد منصور
                            أديب
                            • 12-04-2009
                            • 431

                            #58
                            أخي العزيز حسين ليشوري
                            أشكرك من كل قلبي على إدراجك لهذه الصور الرائعة لمنطقة أحداث الأيام الجزائرية ، سعدت جداً بالصور الأخيرة لشارع ديدوش مراد وأرجعتني لذكريات عزيزة كنا نجوب فيهاهذه المنطقة الواقعة بين شارعي ديدوش مراد والعربي بن مهيدي والبريد المركزي صعوداً وهبوطاً عدة مرات يومياً حتى ينال منا التعب وتكل الأقدام فننطلق إلى ركننا بالمقهى أو غرفتنا بالفندق ..
                            أكرر شكري أخي العزيز وسعيد بوجودك ومتابعتك ..
                            مودتي القلبية.

                            تعليق

                            • د.محمد فؤاد منصور
                              أديب
                              • 12-04-2009
                              • 431

                              #59
                              (19)

                              كان صباحاً لاينسى ، شمس الشتاء الدافئة تكسو المدينة ،وتنعكس أشعتها على الأرض اللامعة فتشع دفئاً وبهجة ، ونحن نصعد إلى العربة التي ستقلنا إلى وزارة الصحة ، وجدتني هذه المرة أمد يدي للمحصل قبل أن يصل إلى موقفي بالباص صائحاً :
                              - زوز
                              كانت سعادتي بالغة حين لم يفطن المحصل إلى أنني لست من أهل البلاد ، وكأن هذه الحروف الثلاثة وحدها كانت كافية لإقناعه بأننا جزائريون أباً عن جد ، كنت قد تعودت على مراقبة بوشموخة وهو يتحدث إلى معارفه الذين يمرون بالمقهى وأحاول أن أتعرف من خلالهم على اللهجة الجزائرية التي يتحدثون بها ، وعبثاً حاولت أن أدفعه ليتحدث بها إلينا لكنه كان حريصاً طوال الوقت على أن يحاورنا بالفصحى محتجاً بقوله :
                              - أنتم أهل الفصحى ولاتصلح معكم اللهجات الدارجة ..
                              ومع ذلك فقد كان بإمكاني التقاط الكثير من العبارات التي ظننت أنها ستساعدني حتماً فيما سنواجهه بعد ذلك من مواقف ترفع عنا الحرج ، وكنا قد صادفنا بعضاً منه في تلك الحوارات السريالية التي جرت بيننا وبين عاملات الغرف بالفندق ، ولاأنسى تلك العاملة التي حضرت إلينا ونحن نهم بمغادرة الغرفة ذات صباح وتقول :
                              - ماكانش قش بالشمبرة.
                              لحظتها ظننت أنني فهمت العبارة ، نحن نعرف القش الذي تبني به الطيور أعشاشها ، ولابد أن الشمبرة هي التعريب الجزائري لكلمة chambre الفرنسية أي الغرفة ، هكذا تعودت من خلال معايشة بوشموخة ورفاقه أن أقوم بالترجمة الفورية لعبارات مغرقة في المحلية ، عدت أفتح الغرفة وأحملق في سقفها بحثاً عن الطيور التي قد تكون بنت أعشاشها في غرفتنا ثم أجيبها بثقة :
                              - مفيش قش .. أصلاً مفيش طيور بالغرفة .
                              تعجبت المرأة لهذا الرد الذي بدا لها غريباً ، وأدركت بذكائها الفطري أنني لم أفهم سؤالها فأمسكت بردائها تهزه وتقول :
                              - قش .. قش .. ماكانش قش.
                              تطلّب الأمر مجهوداً منها ومني لأفهم أن القش هنا تعني الملابس أو الحاجيات التي تخصنا وقد تكون في حاجة لغسيل ،وأنها إنما جاءت تعرض المساعدة ، هكذا بدأت انتبه لضرورة معرفة اللهجة الدارجة تمام المعرفة حتى لاأبدو أمام من أقابلهم شخصاً غريب الأطوار .
                              وهكذا توجهت لموظف الاستقبال بوزارة الصحة وبادرته بلامناسبة :
                              - ويشراك .. لاباس.
                              غمغم الرجل متعجباً :
                              - لاباس.
                              كنت كمن يريد أن يثبت له أننا استكملنا الأدوات التي تعيننا على العيش في الجزائر دون صعوبات فهم اللهجة الدارجة التي بدت لنا في أغلبها تحريفاً لكلمات فرنسية بقصد دمجها في لغة أهل البلاد ، تلك كانت دائماً إحدى حيل الشعوب العريقة لمقاومة الاستعمار والتعايش معه ، فلاهي تتعامل معها بشكل أكاديمي ولاهي تتجاهلها تماماً ،إنما تلجأ لتشويهها وإلباسها ثوباً عربياً رغم أنفها ،لقد اكتشف مستعمر الأرض ، أن لغته قد استعمرتها لغة أهل البلاد وطوّعتها لنحوها وصرفها .
                              *
                              استقبلنا السيد مخيلفة هذه المرة مرحباً وكأننا أصدقاء قدامى ، كنت ومعي صلاح من القلق في غاية ،فماسينطق به الرجل سيحدد بشكل ما ماينتظرنا من مصير مجهول ، ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً فقد أشفق الرجل على مابدا له من توترنا وقلقنا فقال بود حقيقي :
                              - لقد حرصنا على أن تكونا معاً وألا نفرق بينكما .
                              جملة افتتاحية أشاعت الفرح في نفوسنا فقد كنا نهيئ أنفسنا لنعمل في مكانين متباعدين ،وكان ذلك الشعور يضايقنا ولكننا كنا نتعامل معه كحقيقة لامهرب منها ، عاد مخيلفة يقول وهو ينهض من مكانه متجهاً لباب الغرفة :
                              - ستذهبان معاً إلى آفلو بولاية الأغواط ..
                              قال ذلك ثم غادر الغرفة وتركنا في حيرة تحاصرنا عشرات الأسئلة يقذف بها إلى أدمغتنا فضول مثير لنعرف أين ستحط رحالنا وماهية خطوتنا القادمة ، لم نكن نعرف لاآفلو ، ولاالأغواط ، ولم يكن يهمنا في تلك اللحظة أن نعرف إلى أين سنذهب ، فالأهم عندنا أن نذهب إلى مكان ما يبدد ذلك الإحساس بالضياع الذي لازمنا منذ وصولنا إلى مطار الجزائر ، وعند غريب الديار تستوي كل البلدان حتى لو كانت في واق الواق .
                              سرعان ماعاد مخيلفة وبيده مظروفان ، ناول كل واحد منا مظروفه وقال باسماً :
                              - تمنياتي لكما بالتوفيق ، ستذهبان إلى محطة الحافلات وهناك يمكنكما حجز أماكنكما إلى آفلو ،ستكون رحلة طويلة نوعاً ما ، ولكنكما شباب ، والشباب لايقف أمامه شئ .
                              كان حديثه خليطاً من اللهجة الدارجة واللغة الفرنسية ، ومع ذلك كان بإمكاني فهم كل كلمة نطق بها ، وهو كان محقاً فيماقاله عن الشباب وقدرته ،فبعد أن صافحناه شاكرين وخرجنا نتقافز إلى الطريق العام ،فاجأني صلاح بقوله :
                              - مش المفروض دلوقت إننا موظفين عند الدولة الجزائرية .
                              - مؤكد
                              - يبقى انتقالنا إلى مقر عملنا لازم يكون على نفقة الدولة .. مش كده واللا أيه ؟
                              رغم أنه كان يمزح تعبيراً عن فرحه بالوظيفة إلا أنه لفت نظري لحقيقة مهمة ، ومن يدري فقد يكون قد طرح حلاً مهماً لمشكلة نقص السيولة المالية التي بدأنا نعاني منها والتي تهدد حساب الفندق ذاته الذي ربما يكون قد تجاوز مابقي بحوزتنا من نقود ..
                              كانت فرصة سانحة لنثبت لمخيلفة عملياً أن الشباب لايقف أمامه شئ ، فقد عدنا نطرق باب غرفته من جديد ، وقد فغر فاه دهشة وانا أقول على استحياء :
                              - ألا يمكن أن نحصل على قيمة تذاكر السفر إلى آفلو ؟ .. أخشى ألا يكفي مامعنا من نقود للذهاب بنا إلى هناك .
                              ابتسم الرجل من جديد ، وأصطحبنا إلى أحد المكاتب الجانبية ،وقال لأحد الموظفين :
                              - أعطهم استمارات سفر بالحافلة إلى آفلو ..
                              ثم عاد إلى مكتبه وتركنا لنتسلم استمارات السفر المجانية ، وقد وجدتني أهتف عندها دون وعي محيياً صاحب الفكرة التي بدت لي غير ممكنة التحقيق .
                              - ينصر دينك ياصلاح ..
                              ------------
                              انتظروني.

                              تعليق

                              • إيمان الدرع
                                نائب ملتقى القصة
                                • 09-02-2010
                                • 3576

                                #60
                                ينصر دينك ياسي محمّد ...
                                كم كانت رائعة هذه اللّقطات التي خزّنتها في ذاكرتك ...؟؟؟؟!!!
                                جسّدتها وكأنها تحدث للتوّ أمام ناظرنا ...
                                ما شاء الله كم أنت رائع في استحضار اللّحظة بكلّ مشاعرها، وصراعها، ودلالاتها القويّة ..
                                جعل الله /آفلو بولاية الأغواط/ فاتحة خير يارب ..
                                ماكانش قشّ بالشمبرة ....؟؟؟!!!أصلاً ستلمّ القشّ وتودعه في حقيبة السّفر ..
                                ويشراك فوراً للمحطّة... لتلحق موعد السّفر ...لاباس ... هيّا إذن ؟؟؟!!!
                                سننتظرك هناك بعون الله أخي الغالي محمّد ...لا تتأخّر ..
                                دُمتَ بعون الله وحفظه ...والحمد لله على إشراقتك من جديد ...
                                لا أراك الله مكروهاً أبداً .....تحيّاتي ، وأمنياتي الخيّرة ..

                                تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                                تعليق

                                يعمل...
                                X