أيام جزائرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #61
    لما قرأت : "مدينة آفلو بالأغواط" إنتابتني قشعريرة غير متوقعة !
    مع أنني لم أزرها في حياتي لكنني أعلم أنها كانت منفى الشيخ محمد البشيرالإبراهيمي،
    رحمه الله تعالى، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أيام الاستدمار الفرنسي.
    مدينة "آفلو" مرة وحدة ؟!!! حيث البرد القارس الذي يجمد العظام !!!
    كان الله في عونك يا دكتور !!!

    مدينة آفلو تحت الثلج !!!

    المكان نفسه في الربيع أو الصيف !
    (مقرالبلدية)

    مدينة آفلو(بعض الشوارع).
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • د.محمد فؤاد منصور
      أديب
      • 12-04-2009
      • 431

      #62
      صديقتي الأغلى إيمان
      لكم انا سعيد بمتابعتك وقراءتك لسطوري المتواضعة ، ولكم أنا سعيد بمشاركات أخي العزيز حسين ليشوري بهذه الصور الرائعة لأماكن أحببناها وعشنا فيها صدر شبابنا ،لقد صارت الأيام هنا موثقة بالصوت والصورة وهذا يسعدني أيما سعادة .. لن أطيل عليك فقد قاربناعلى نهاية الجزء الأول من الأيام .. والله المستعان
      تقبلي شكري من عمق القلب .
      مودتي الدائمة .

      تعليق

      • د.محمد فؤاد منصور
        أديب
        • 12-04-2009
        • 431

        #63
        أخي العزيز حسين ليشوري
        لاأعرف كيف أجد كلمات تليق بك لتعبر عن مدى اعتزازي بك صديقاً وأخاً قريباً من القلب .. كيف أجد كلمات شكر وكل كلمات الشكر تبقى أقل من حقك علي ..
        الصور جميلة جداً وصورة آفلو الأخيرة تمهيد رائع للأحداث القادمة و كأنك تقرأ أفكاري .. شكراً لك على كل ماقدمته لي وللأيام .. وأتمنى أن - أجد إن كان في الإمكان ذلك - صورة شاملة لمستشفى آفلو وانا أعرف صعوبة تحقيق ذلك الطلب ، لكن من يدري إنها امنية أغراني بها تواصلك الرائع وستكون تمهيداً رائعاً لأحداث الجزء الثاني من الأيام .. شكراً أخي الحبيب ألف شكر.

        تعليق

        • حسين ليشوري
          طويلب علم، مستشار أدبي.
          • 06-12-2008
          • 8016

          #64
          المشاركة الأصلية بواسطة د.محمد فؤاد منصور مشاهدة المشاركة
          أخي العزيز حسين ليشوري
          لاأعرف كيف أجد كلمات تليق بك لتعبر عن مدى اعتزازي بك صديقاً وأخاً قريباً من القلب .. كيف أجد كلمات شكر وكل كلمات الشكر تبقى أقل من حقك علي ..
          الصور جميلة جداً وصورة آفلو الأخيرة تمهيد رائع للأحداث القادمة و كأنك تقرأ أفكاري .. شكراً لك على كل ماقدمته لي وللأيام .. وأتمنى أن - أجد إن كان في الإمكان ذلك - صورة شاملة لمستشفى آفلو وانا أعرف صعوبة تحقيق ذلك الطلب ، لكن من يدري إنها امنية أغراني بها تواصلك الرائع وستكون تمهيداً رائعاً لأحداث الجزء الثاني من الأيام .. شكراً أخي الحبيب ألف شكر.
          أخي الفاضل الدكتور محمد فؤاد منصور : تحية تليق بمقامك الكريم في قلوبنا.
          لا تشكرني، أخي، فأنا الذي يجب عليه شكرك لأنك تسيح بنا في ربوع بلدي الغالي.
          لم أجد صورا لمستشفى آفلو إلا هذه وهي لا تفي بالغرض، لأنها أخذت لتعبر عن موقف ما.

          جانب من مستشفى آفلو،
          و لا يُظر إلا جهة المدخنة حيث تحرق بعض النفايات.
          تحيتي و تقديري و امتناني.
          أخوك : حُسين.

          sigpic
          (رسم نور الدين محساس)
          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

          "القلم المعاند"
          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

          تعليق

          • د.محمد فؤاد منصور
            أديب
            • 12-04-2009
            • 431

            #65
            أخي العزيز حسين ليشوري
            أشكرك من جديد على سرعة الاستجابة وعلى الصورة التي تظهر جانباً من مستشفى آفلو لكنها تخفي الطابق الأول منها وهوغير ظاهر بالصورة ، وهي تظهر المستشفى الذي يقع في أقصي أطراف المدينة وخلفها التلال التي يخترقها طريق أسفلتي ثعباني يخترق التلال والجبال حتى يصل إلى مدينة تيارت (تاهرت معقل الحركة الإباضية ، أقدم المذاهب الإسلامية والدولة الرستمية ولها في التاريخ الإسلامي بشمال إفريقيا شأن أي شأن منذ القرن الثاني الهجري وهذا حديث آخر )..
            شكراً لك مجدداً .. وشكراً على متابعة رحلة الأيام.

            تعليق

            • د.محمد فؤاد منصور
              أديب
              • 12-04-2009
              • 431

              #66

              (20)

              أمام الخريطة العملاقة بمحطة الحافلات وقفنا نتفرج على مواقع الولايات والدوائر الجزائرية المختلفة ، بدت لنا الجزائر شديدة الاتساع بالمقارنة ببلدان شمال إفريقيا ، جال بصرنا بين بوعريرج ناحية الشرق حيث ذهب مدحت عبد العظيم ووهران في الغرب الجزائري حيث رحل أحمد عزت ، وهانحن بدورنا نتأهب للرحيل جهة الجنوب على أطراف الصحراء ، ماأعجب تصاريف القدر وهو يلعب بنا كيف يشاء.
              أحد المصريين الواقفين في انتظار الحجز بدا لنا مخضرماً و عارفاً بالجزائر لطول إقامته بها ، نظر إلى الخريطة ملياً ثم قال :
              - آفلو جهة الجنوب .. ستكون شديدة الحرارة إنها توازي على الخريطة محافظة قنا في صعيد مصر .
              قنا..!!!!
              الجحيم المصري ومنفى الموظفين في الجنوب حيث يتم إيداعهم غالباً كعقاب حين يراد نسيانهم لسنوات جزاء جرم جسيم ، ياللحظ العاثر !.
              بعض الناس يتطوع للإدلاء بمعلومات في غير موضعها ، وصاحبنا لم تكن له أي دراية بالجزائر ومناطقها المختلفة رغم طول إقامته بها كما ادّعى ،ولم تكن معلوماته عن آفلو والأغواط في تلك اللحظة تزيد عما لاحظناه بأنفسنا من خلال وقوفنا أمام الخريطة العملاقة ومع ذلك فقد راح ينصحنا بضرورة التخفيف من ملابسنا الشتوية الثقيلة لأننا مقبلون على العيش في منطقة شديدة الحرارة .
              في المساء حملنا حقائبنا وودعنا العاصمة ،وأوصلنا بوشموخة حتى مقاعدنا بالحافلة ، ولاأنسى كيف كان وداعنا لبوشموخة حميمياً عاصفاً يجيش بمشاعر صادقة من الحب والامتنان لأول شخص قابلناه وعرفناه عن قرب بالجزائر ،كان بوشموخة نموذجاً طيباً للبذل والإيثار وقد شاركنا آمالنا العريضة كماتقاسم معنا مخاوفنا منذ وطئت أقدامنا وسط العاصمة ،ولأيام عديدة ظل رفيقاً لنا في كل خطواتنا حتى انطلقت بنا الحافلة المتجهة إلى الأغواط في ليلة هي الأطول في حياتنا جميعاً .
              *
              حين خرجنا من العاصمة كان النهار ينسحب ببطء ليفسح الطريق للظلام القادم ، ولم نكد نخرج من المناطق المأهولة حتى بدأ الظلام يزحف على الكون ويحجب عنا رؤية الطريق الطويل الذي بدا لنا موحشاً وكئيباً من خلف ستائر الحافلة ، فلا أثر ولو لبصيص من الضوء غير مايبدو أمام الحافلة من أجزاء الطريق الذي تضيئه مصابيحها ، لم نتبادل الحديث إلا لماماً فقد أصابنا معاً نوع من الاكتئاب منذ سمعنا ذلك المصري يتحدث عما ينتظرنا من مصاعب وأخطار في مكاننا الجديد ، وقد حمدت الله كثيراً أنني لم آخذ بنصيحته ولم أتخفف من ملابسي الثقيلة وقد بدأ البرد الشديد يتسلل إلى عظامي رغم أن أبواب الحافلة ونوافذها كانت محكمة الغلق.
              أكثر من عشر ساعات والحافلة تنهب بنا الأرض وسط ظلام دامس وكأننا نتحرك في جوف كائن خرافي عملاق فلا أثر لحياة خارج الحافلة ولاداخلها فقد غط الركاب من حولنا في نوم عميق لم نحظ بمثله رغم مانحسه من إعياء ، كان القلق والخوف من المجهول يسيطران على كل خلجاتنا ومشاعرنا وماتزال كلمات المصري الذي قابلناه في محطة الحافلات عن العمل بالصحراء أو بالقرب منها ونصيحته لنا بأن ننتبه جيداً حيث تعج هذه الأماكن بثعابين وعقارب وزواحف شتى لم نسمع بها من قبل تطن في آذاننا وتحرمنا من الانضمام إلى سيمفونية العزف الجماعي لركاب الحافلة من غطيط وزفير وتثاؤب يصل إلينا ، ليثير دهشتنا من أن هناك من لايبالي بالمخاوف وينعم بنوم هادئ عميق رغم ذلك.
              أخيراً وصلت الحافلة إلى الأغواط وهبطنا منها لتستقبلنا موجة شديدة من الهواء المثلج لم تفلح معها كل محاولاتنا للتدثر بملابسنا الثقيلة أو لرفع ياقة الجاكيت اتقاءً لبرودتها القاسية.
              كان علينا أن ننتظر أكثر من ساعة حتى تأتي حافلة أخرى تحملنا إلى آفلو ،ولم يكن ممكناً أن نبقى في مثل ذلك الجو البارد وإلا تجمدت أطرافنا ، وسط الظلام الدامس حولنا لاحظنا لجوء بقية الركاب إلى مقهى صغير مغلق الأبواب على جانب الطريق ،ولم يكن أمامنا سوى أن نحذو حذوهم لتستقبلنا داخل المقهى موجة أخرى دافئة صنعتها انفاس أولئك المتدثرون بأغطية تخفي كل معالم اجسامهم تقريباً من زملائنا الركاب فقد أعدوا للأمر عدته والتحف كل منهم رداءً صوفياً ثقيلاً وسابغاً يسمونه " قشابية" بدت ملابسنا الثقيلة إلى جواره وكأنها أثواب صيفية .
              بثت أكواب ال"تاي" الأخضر بعض الدفء فينا قبل أن تنطلق بنا الحافلة الثانية المتجهة إلى آفلو .
              هذه المرة كان شعاع الفجر يبزغ تدريجياً ليضيئ لنا الطريق الصاعد المتعرج إلى آفلو تحيط به وديان وتلال شديدة الاتساع ، وكلما قطعت الحافلة شوطاً شعرنا ببرودة أطرافنا تزداد شدة حتى أوشكت أطرافنا على التجمد ، ولم يفلح في رد تلك البرودة دعك أو نفخ ، شجعنا اللغط المتصاعد وأحاديث الركاب معاً بصوت عالٍ على أن نقف داخل الحافلة ونحرك أجسامنا وسيقاننا لاستجلاب بعض الدفء دون جدوى . كان البرد أشد من أن تقاومه حركات عضلية أو أنفاس صادرة من الجوف ، ولم نكن وحدنا في الواقع من يعاني قسوة ذلك الطقس البارد فقد كان هناك من الركاب من يفعل مثلما نفعل من حك الأيدي ببعضها أو النفخ فيها بصوت عال دون جدوى ، خطر في بالي لحظتها ذلك المصري ونصائحه الخائبة التي لو أخذنا بها لهلكنا حتماً .. علت أصوات الركاب حولنا واشتبكوا في احاديث وقهقهات عالية لعلها تجلب بعض الدفء ، وصاح صوت ضاحك من بين المقاعد بعبارة بدت لي غريبة حينها ، لكنني حفظتها فيمابعد عن ظهر قلب .
              - آفلو فليتو ، واللي خدمتو كليتو ، ماؤها دم وريحها سم واللي يكذبني يسكن ثم .
              ولم يكن بوسعنا أن نكذّب القائل فقد كنا في طريقنا لنسكن ثمّ كما قضى بذلك المثل السائر و لعلها الحكمة الجزائرية الأولى التي تلقيناها آنذاك ..
              ------------
              انتظروني.

              تعليق

              • إيمان الدرع
                نائب ملتقى القصة
                • 09-02-2010
                • 3576

                #67
                كانتْ الرّحلة الأصعب ...الرّحلة الحاسمة التي ابتدأ بها مشوار غربتكم العمليّ ..
                لم أستغرب كثيراً شدّة البرودة ...فقد نوّه عن الأمر مبشّراً الأخ الغالي : حسين ليشوري...
                ولكن الملفت للنظر، هذه الالتقاطات الراّئعة للبرودة، والصّقيع ،وانعكاساتها على الأشخاص ..
                وردود أفعالهم ...في الحافلة ، والمقهى ....
                لقد نقلت الجوّ بريشة فنّان لم تفته حتى التّفاصيل الصّغيرة ...
                أحييّك من الأعماق على هذا النّفس القصصيّ الرّائع ...
                مع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...د. محمد فؤاد منصور
                أيها الصّديق الذي أحترم ...والأخ الذي أعزّ ...

                تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                تعليق

                • د.محمد فؤاد منصور
                  أديب
                  • 12-04-2009
                  • 431

                  #68
                  عزيزتي وصديقتي وأختي الرائعة إيمان
                  أشكرك على حضورك الدائم وتشجيعك المستمر ،وأضم صوتي لصوتك في شكر أخي حسين ليشوري لتقريبه الصورة الذهنية للأحداث من خلال هذه الصور الرائعة ، وسأستهل بدوري الفصل الأخير من الأيام بمشهد عام لمدينة آفلو يظهر فيها المستشفى كمبنى عال في طرف المدينة .
                  أكرر شكري لحضورك البهي.
                  وتقبلي عميق مودتي.

                  تعليق

                  • د.محمد فؤاد منصور
                    أديب
                    • 12-04-2009
                    • 431

                    #69
                    [imgr]http://www13.0zz0.com/2010/11/30/19/651262002.jpg[/imgr]



                    (21)

                    أخيراً قذفتنا الحافلة خارجها ، إلى أحد شوارع آفلو حيث الصمت والسكون والثلوج ، الشارع يمتد من الجهتين ونحن في منتصفه تماماً ، أينما درنا بأبصارنا اصطدمت بمساحات شاسعة من اللون الأبيض ، ندف الثلج تتهادى هابطة من السماء حولنا لتغطي السيارات والمنازل والشجر في مشهد يستحيل على النسيان.
                    لم ندر إلى أين نتجه قبل أن نهلك ،فقد علق الثلج بملابسنا وغطى رؤوسنا حتى بدا لي صلاح وكأنما شاب قبل الأوان ، الساعة تجاوزت السادسة صباحاً ببضع دقائق والجو الضبابي المشبع بالماء والثلج يزيد في وحشتنا وإحساسنا بالضياع.
                    أمسك صلاح بذراعي وهو يرتجف بينما خرجت الكلمات من فيه مضطربة ومجزأة ..
                    - شكلنا هانموت هنا ونندفن في الثلج قبل ما نوصل للمستشفى.
                    اكتشفت أننا أخذنا نتقافز في أماكننا دون قصد جلباً للدفء دون جدوى ، حمل كل منا حقيبته فوق رأسه ليتقي بها الثلج الهابط في كثافة ، ومضينا في طريقنا دون هدف حتى لمحنا شبحاً مغطى بالكامل بعباءة صوفية ثقيلة لاتظهر غير فتحة للعين وأخرى للفم، كان يحث الخطى في الاتجاه المعاكس ، بالكاد استطعنا أن نستوقفه لنطرح كلمة واحدة اتقاءً لمجاهل اللغة.
                    - المستشفى.
                    أشار في عجلة إلى الطريق الممتد أمامنا وقال
                    - ثمّ.. نيشان
                    ثم انطلق يغذ السير قبل أن نستفهم عما يعني بنيشان.
                    قال صلاح لما وقفت حائراً
                    - بيقولك نيشان .. يعني تنشن وتمشي على طول.
                    شوارع آفلو الخالية كانت تبدو أقل اتساعاً من شوارع الجزائر العاصمة ، بل إنها تقل كثيراً عن الشارع الرئيسي الذي شاهدناه بالأغواط ، بدت لنا المدينة ببيوتها ذات الطابق الواحد صغيرة جداً رغم الشوارع التي تحفها الأشجار والمرصوفة بشكل جيد ومن ثم لم تخطر ببالنا إمكانية أن نتوه في هذه البقعة الصغيرة النائية من الأرض رغم ذلك الإحساس الضاغط بالكآبة والضياع ، إحساس خلقه وجودنا في مدينة تبدو وكأنما قد خلت من ساكنيها.
                    كنا نسير في ذات الاتجاه الذي سارت فيه الحافلة ، وبدا الجو الضبابي الذي يخفي كل شئ يشعرنا أننا نسير إلى خارج المدينة لاإلى قلبها وعزز ذلك الإحساس ضآلة البيوت التي صرنا نمر بها وتباعدها عن بعضها.
                    توقفت لاهثاً لألتقط أنفاسي المنهكة قبل أن أستأنف السير من جديد ، غمغم صلاح :
                    - تورطنا ياصاحبي ولله الأمر ..
                    لم أكن في حالة نفسية تسمح لي باستقبال ذلك اللون من الحوار اليائس ، فقد كان مابي من إحساس بالضياع يكفيني ويفيض ، ولأول مرة منذ غادرنا القاهرة أرد بعصبية وحدة على ملاحظات صلاح اليائسة :
                    - أرجوك ياصلاح بلاش الكلام ده .. خلينا نشوف أ حنا رايحين فين .
                    - نشوف ؟!! .. هانشوف أيه ؟.. أحنا شايفين تحت رجلينا ؟!
                    صرخت قهراً وكمداً :
                    - صلاح .
                    - ياراجل بلاصلاح بلافلاح .. لازم نرجع العاصمة ونشوف حل مع مخيلفة.. أحنا مش جايين عشان نموت هنا .
                    لم أرد فقد بدا اننا معاً نعاني من نفس الأحاسيس واستمرار الحوار على هذه الوتيرة العصبية كان يمكن أن ينقلب إلى شجار وخصام دون أن يكون لأحدنا يد فيه .
                    مضيت في طريقي ، بينما وقف صلاح مكانه حاملاً حقيبته هو الآخر ، كان جلياً أنه يفكر في التمرد أو في العودة من حيث أتى ، لكنه تسمّر في مكانه وأخذ ينظر ناحيتي وأنا أغيب في الضباب .
                    عند منعطف الطريق لاحظت هيكلاً لمبني ضخم من عدة طوابق لاتبين له ملامح .
                    كان صلاح مايزال واقفاً مكانه وأنا أبتعد حاملاً حقيبتي فوق رأسي أتقي بها ندف الثلج التي تملأ الأجواء ، صرخت كما صرخ أرشميدس من قبل :
                    - أهي المستشفى ياصلاح .
                    حسمت صرختي المدوية تردده فانطلق يعدو ناحيتي والحقيبة تتقافز فوق رأسه .
                    وقفنا أمام الباب الحديدي المغلق نقرعه بأيدينا لتشق أصداء الخبطات السكون من حولنا ، من خلف الباب جاءنا صوت يغالب النعاس :
                    - أشكون
                    - افتح
                    عاد يردد بصوت أكثر قوة :
                    - أشكون
                    هتف صلاح بصوت بلغ به الإعياء كل مبلغ فبدا متوسلاً
                    - أطباء
                    أسرع الحارس يعالج المزلاج الحديدي وخرج إلينا متدثراً بعباءة تغطي كل جسده فبدا كما لو كان تابوتاً متحركاً ، نظر إلينا من خلال ثقب صغير بعباءته وقال كالساخط :
                    - حكيم .
                    هززت رأسي موافقاً ، كانت هيئتنا تثير الشفقة وتبعث على الرثاء ، فخفف الرجل من لهجته المزمجرة وأفسح الطريق وأشار بيده إلى غرفته المجاورة للباب وقال :
                    - تفضل ياحكيم
                    كان لفظ "حكيم" يبعث في نفسي ارتياحاً خاصاً ،فقد كان الناس في بلادي يستخدمونه لمخاطبة الطبيب قبل أن تعصف بنا رياح التغريب والعولمة، وكان يحمل قدراً هائلاً من التقدير لحامله ، تفاءلت خيراً فقد كانت لهجة الرجل أكثر وضوحاً بل وأقرب إلى العربية الفصحى ، حين توسطنا غرفته الواسعة الدافئة ، تمنيت أن ألقي بجسدي المنهك على الفراش الوثير ، وتعجبت كيف توفر الدولة لمثل ذلك الحارس البسيط كل وسائل الراحة بمافيها التكييف المركزي الذي كان ينفث الدفء في أرجاء المكان..
                    تصور صلاح من مظهر الغرفة واتساعها أن الرجل ربما كان المدير المناوب للمستشفى وليس مجرد حارس بسيط فقال :
                    - حضرتك مسؤول هنا ؟
                    - أنا العسّاس .
                    هز صلاح رأسه ولزم الصمت ، تعجبت بدوري حين سمعت ذلك اللفظ العتيق يجري بيسر على لسان الحارس وكنت أظنه من الألفاظ العربية المنقرضة .
                    اتجه العسّاس إلى التليفون وأجرى اتصالاً سريعاً ثم وضع سماعة الهاتف وقال
                    - أبلغت المقتصد .. وسيأتي حالاً
                    "المقتصد" .. لفظ عربي آخر نسمعه للمرة الأولى في هذا المكان النائي ، ساهم في إحساسنا بالارتياح وتبديد مابنفوسنا من وحشة .
                    لم تمض دقائق حتى كان المقتصد أمامنا متدثراً بعباءته الثقيلة ، رحّب بنا على عجل ثم اصطحبنا إلى مبنى من عدة طوابق وقال في عجلة وكأنما ليحتفظ ببقايا النوم تحت الجفون :
                    - سأترككم ترتاحون بعض الوقت قبل مقابلة السيد المدير .. مرحباً بكم .
                    في الطابق الثاني فتح شقة واسعة مؤثثة بشكل جيد ، وأسرّة وثيرة وقال قبل ان يغادرنا .
                    - عليكم بالنوم الآن .. أعرف أن الرحلة من العاصمة إلى هنا في هذه الأجواء كانت قاسية .. سأحضر بعد أربع أو خمس ساعات ..
                    انصرف الرجل مسرعاً ، وتركنا ، استلقينا بملابسنا على الأسرّة الدافئة ، كنا من الإعياء في غاية ، فلم نعرف كم مضى من الوقت ونحن نائمان ، تمنينا لحظتها ألا نغادر تلك الأسرّة أبداً ..
                    *
                    مضت الساعات الخمس كطرفة عين ، وتململت في فراشي على صوت قرع خفيف على الباب الخارجي ، كان صلاح مايزال يغط في نومه حين قمت مترنحاً لأجد العسّاس واقفاً بالباب بقامته الطويلة وابتسامته الودودة ، قال مدارياً ماأحس به من حرج حين وجدني شبه نائم :
                    - راكم مازلتم نايمين ؟!.. سي لخضر راه يحوّس عليكم .
                    فهمت أنّ سي لخضر هو المقتصد ، وأنّ يحوّس ربما تعني يفتش أو يبحث فقلت له وانا أتمطى مستمتعاً بماسرى في جسدي من راحة ودفء ..
                    - حالاً خمس دقائق ونكون جاهزين ..
                    ولم تمض خمس دقائق حتى كنا نتجه صحبة سي لخضر إلى مطبخ المستشفى حيث أُعد لنا إفطاراً شهياً ، تركنا سي لخضر ولم ينس أن يبلغنا بأن "سي بختي" مدير المستشفى ينتظرنا بمكتبه بعد الإفطار ..
                    هكذا استشعرنا أن رحلة المعاناة قد بلغت محطتها النهائية ، وأن القادم يحمل لنا خيراً كثيراً ، رأينا الحفاوة في عيون كل من قابلنا في ردهات المستشفى أو في المسافة بين السكن والمطبخ .. كان جلياً أن وصول أطباء مصريين إلى المستشفى قد صار خبراً رئيسياً انتقل إلى كل العاملين بالمستشفى وأن مقابلتنا لسي بختي ستكون البداية الحقيقية لأيامنا الجزائرية ..ويالها من أيام ! ..
                    ----------------------------

                    نهاية الجزء الأول

                    انتظروني في الجزء الثاني من الأيام قريباً ...

                    تعليق

                    • إيمان الدرع
                      نائب ملتقى القصة
                      • 09-02-2010
                      • 3576

                      #70
                      وصلتم سالمين بعون الله ...
                      ولفحتكم ثلوج آفلو ...وكاد اليأس يحبط خطواتكم ...
                      ولكنّ انهمارات دافئة واكبتكم عند وصولكم المشفى
                      استقبال العسّاس ببشاشة ... اتّصاله بالمقتصد ..استعشاركم الدفء ...أسرّتكم المريحة ...
                      والصّباح الجميل الذي أشعركم بالأمان والمكانة ...برفقة المقتصد سي لخضر
                      كلّها أمور تمهّد لمرحلة جديدة قادمة ...
                      ستأتي بأحداث لابدّ إلاّ أن تكون غنيّة بمضمونها كما سلف ..
                      ومعك نتابع في الجزء الثّاني من الأيام ... بعون الله
                      صديقي وأخي الوفيّ : د. محمد فؤاد منصور ..
                      مع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...
                      بالنسبة للصّورة المرفقة:
                      كان الله بعونكم فقد أحسست بالصّقيع يجتاحني بمجرّد النظر إلى الصّورة ...
                      فكيف بالمقيم في جنباتها ...؟؟؟!!
                      صار عندي فضول لأعرف كيف تعايشتم مع هذه الاجواء الجليديّة ...؟؟؟!!!!

                      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                      تعليق

                      • د.محمد فؤاد منصور
                        أديب
                        • 12-04-2009
                        • 431

                        #71
                        صديقتي الأغلى إيمان
                        أنا مدين لك بالشكر على مامنحتني من وقتك الثمين لمتابعة أحداث الجزء الأول من الأيام ،بل إن ديني لك مضاعفاً أن كنت الوحيدة تقريباً التي بثت في روحي الحماس لاستكمال هذه الأيام .
                        في الجزء الثاني ستكون هناك معايشة أكثر للمجتمع الجزائري كما عرفناه في سبعينات القرن الماضي ، أرجو الله أن أتمكن من انجازه ليكون بين يديك كتاباً مطبوعاً ،لأن القراءة من خلال شاشة الحاسوب مجهدة لرواد الملتقى ..
                        أعتذر عما سببته لك من إزعاج ، وأشكرك على مامنحتني من سعادة ..
                        مودتي القلبية.

                        تعليق

                        • إيمان الدرع
                          نائب ملتقى القصة
                          • 09-02-2010
                          • 3576

                          #72
                          المشاركة الأصلية بواسطة د.محمد فؤاد منصور مشاهدة المشاركة
                          صديقتي الأغلى إيمان
                          أنا مدين لك بالشكر على مامنحتني من وقتك الثمين لمتابعة أحداث الجزء الأول من الأيام ،بل إن ديني لك مضاعفاً أن كنت الوحيدة تقريباً التي بثت في روحي الحماس لاستكمال هذه الأيام .
                          في الجزء الثاني ستكون هناك معايشة أكثر للمجتمع الجزائري كما عرفناه في سبعينات القرن الماضي ، أرجو الله أن أتمكن من انجازه ليكون بين يديك كتاباً مطبوعاً ،لأن القراءة من خلال شاشة الحاسوب مجهدة لرواد الملتقى ..
                          أعتذر عما سببته لك من إزعاج ، وأشكرك على مامنحتني من سعادة ..
                          مودتي القلبية.
                          الأخ ، والزّميل ، والصّديق الأوفى ...د. محمّد فؤاد منصور..
                          لم أقم إلاّ بالجّزء اليسير لما تستحقّه أيّامك الرّائعة من الاهتمام ...
                          كنت أتابعها بشغفٍ ، وانتظارٍ ، ولهفةٍ ...
                          لأنها كتبت بمهارة فائقة ...صياغة ومعنى ..
                          ورسماً للوحات كانت تتحرّك برشاقةٍ أمام ناظري..
                          وكأنني أعيش الحدث عن قربٍ ...
                          الدّهشة كانت تشدّني دائماً لأسلوبك الرّائع في السّرد والمصداقيّة ...
                          وأعتبر نفسي ...أنا التي كسبتُ كثيراً من متابعتي لهذه الأيّام ..وكنت محظوظةً
                          وتعلّمت منك الكثير ...وانبثقت عندي أفكار أحاكي بها نصوصك في مواضيع أخرى ..
                          وأنا متأكّدة ...أن لو أتيحت الظّروف لزملائي هنا لمتابعة ماكتبتَ ...لما فاتتهم السّويعات وليست الأيّام ..لجمال سطورك ..
                          حزنت جدّاً ...كنت أمنّي النّفس بالمتابعة ..للجزء الثّاني ...
                          ولكنّك ارتأيتَ ذلك .... وأنا أحترم رغبتك ...
                          فقط أرجو ألاّ يطول انتظاري للنّسخة المطبوعة ...وعد منك ...
                          حتى ذلك الحين ...أتمنّى لك التّوفيق ...والسّعادة ...تحيّاتي ...

                          تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                          تعليق

                          • بسباس عبدالرزاق
                            أديب وكاتب
                            • 01-09-2012
                            • 2008

                            #73
                            د. محمد فؤاد منصور


                            حقيقة أيام جميلة تابعتها باهتمام و لكنني ولجت الصفحة متأخرا

                            أتعرف عندما قال لكما مخيلفة آفلو أنا ارتجفت ثم قلت آفلو أفضل من البيض

                            سأبحث عن كتابك بإذن الله

                            و ذلك لأعرف عن وطني كيف كان في السبعينات بعيون مصرية

                            ولدت في نهاية السبعينات و الكثير قد تغير

                            إذن كنت تبحث عن عش الطيور هههه


                            ممتع حقا

                            تقديري و احتراماتي
                            السؤال مصباح عنيد
                            لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                            تعليق

                            • د.محمد فؤاد منصور
                              أديب
                              • 12-04-2009
                              • 431

                              #74
                              أخي الكريم الأستاذ بسباس عبد الرزاق
                              سعدت كل السعادة بمرورك الكريم الذي بعث هذا النص القديم من مرقده في الصفحات الخلفية ، أكثر مايسعدني أن يمر قاريء على سطوري أما أن يمر كاتب صاحب فكر ورؤية فذلك مايرفع معنوياتي إلى السماوات العالية ، كل الشكر والتقدير على مرورك وتعليقك وكل الحب للجزائر العظيمة أهلها وأرضها وسماؤها شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً فهي بلاد تستحق كل الحب والإعزاز والتقدير وهي ساكنة في القلب منذ غادرتها في أوائل الثمانينات حتى اليوم .. تقبل كل التقدير وفيض مودة .

                              تعليق

                              • عبدالرحيم التدلاوي
                                أديب وكاتب
                                • 18-09-2010
                                • 8473

                                #75
                                سأعود كل مرة وجدت متنفسا زمنيا لأتابع يومياتك البليغة.
                                بالمناسبة، أنا بصدد قراءة رواية، أحلام مستغانمي..
                                شكرا لك على الامتاع.
                                مودتي

                                تعليق

                                يعمل...
                                X