(9)
عندما اجتزت الحاجز الزجاجي إلى الساحة الواسعة خارج مطار الجزائر العاصمة ،استقبلتني عاصفة شديدة من الرياح الباردة كادت تعيدني من حيث أتيت، احتميت منها خلف الحاجز الزجاجي الضخم ، وأخذت أرقب الطريق من خلال الزجاج الذى تكاثفت عليه قطرات المطر فأصبحت أرى الساحة بالكاد .
كان النهار يلملم خيوط الضوء القليلة المتبقية ، على حين بدأ الظلام يزحف ببطء ليلف المكان ، أضواء المصابيح المنبثة عبر الساحة الواسعة لم تفلح في تحسين الرؤية ، فالسماء كانت مكفهرة تنذر بليلة شديدة الأمطار والعواصف تزمجر في الخارج ، ويرتد تأثيرها المخيف إلى داخل كل منا ، ماأقسى الشعور بأنك غريب وأنه ليس ثمة فراش دافئ ينتظر أوبتك أو حبيب قريب يسأل عما حل ّ بك ، لفنا الصمت معاً ، فتجنبنا النظر إلى بعضنا، كل منا بداخله هاتف يؤنبه ، "راحت السكرة وجاءت الفكرة" فماذا أنت فاعل ؟
قطع صلاح الصمت بملاحظة عابرة أرادها ساخرة لكنها ذبحت كل منا على حدة:
- بالذمة مش شوية مجانين ، حد يسيب بلده في عز الشتاء ؟!
عندها تذكرت الدكتور شبكة وسخريته اللاذعة وهو يصرخ في وجهي " حد يسافر سياحة في عز الشتاء .. " هتفت بصوت عال
- والله معاه حق .
وظن صلاح أنني أعلق على ملاحظته.
المطار من الداخل كان يعج بحركة القادمين والمسافرين وكأنما تعمدوا التلاصق والصخب حتى يبعثوا الحرارة في الجو القارس..
كنت قد اخترت حقيبة ضخمة حتى تتسع لملابسي ولكمية هائلة من المعلبات والأغذية تكفي مؤونة شهر على الأقل ورحت كلما تحركت أجرها خلفي وأنوء بحملها ، وقد تملكني الإعياء ورحت أرتجف وتصطك أسناني لشدة البرد.
قال صلاح وهو يلملم أطراف جاكيتته التى لم تفلح فى إنقاذه من الارتجاف :
- هل سنظل واقفين هكذا داخل المطار طوال الليل؟
قلت وأنا لاأستطيع تجميع الحروف إلى جانب بعضها وكأنما ركّبت في فكيّ جهاز لتسريع الاصطكاك
- الأفضل أن نبقي هنا حتى الصباح لنبدأ النهار من أوله ..نحن لانعرف حتى الاتجاهات بالخارج ، والطريق تصفر فيه رياح ديسمبر وليس ثمة من نسأله ، لوخرجنا فقد تتجمد أطرافنا من البرودة ، والنهار له عينان.
- ومن يدريك أنهم هنا يسمحون بالبقاء في المطار طوال الليل؟ من يضمن ألا نجد أنفسنا مضطرين للخروج إلى الطريق وساعتها سيكون وضعنا أسوأ بكثير فلابنايات نحتمي بها ولاوجود لإنسان نسأله .
برق في ذهني ذلك الحوار الطويل الذي جرى بيني وبين الأستاذ حمّاد الذي كان يعمل بالجزائر منذ سنوات والذي التقيته صحبة أخي أثناء تحضير أوراقي للسفر وتذكرت أنه تحدث عن مقهى للمصريين بوسط العاصمة ، فهتفت وكأنما عثرت على الحل السحري لمشكلتنا .
لنذهب لوسط المدينة ومن هناك نتصرف.
لمحت بعض نوافذ لبنوك فتذكرت أننا لانحمل عملات جزائرية بل لم نكن نعلم حتى بأي عملة يتعاملون في هذا البلد ، كنت أحمل مبلغاً على هيئة دولارات أمريكية ولم يكن مامعي مبلغاً مطمئناً فقلت في نفسي وهل سنتصرف بمامعنا من دولارات قد لاتكفي لبضعة أيام؟ سألت صلاح مستنجداً:
- هل معك نقود جزائرية ؟.
- معي بعض الدولارات .
- الحال من بعضه إذن ، من الأفضل أن نبدّل بعضها وإلا واجهتنا المصاعب.
قررنا استثمار الوقت في الوقوف أمام إحدى نوافذ البنك ، تركنا حقائبنا الثقيلة بجوار المدخل الرئيسي للمطار من الداخل، قال صلاح وكأنما ليلقي بالمسئولية من على عاتقه:
- من هذه اللحظة ستكون المسؤول عن إعاشتنا..عليك تدبير كل شئ.
ناولني مائة دولار فصار معي مائتان ، مبلغ لابأس به كبداية، ولابد أن فراسة صلاح قد دلتّه على أن حقيبتي الثقيلة تحوي الكثير من احتياجاتنا خاصة وأنه لم يكن يحمل سوى حقيبة متوسطة الحجم.
وقفت في الطابور خلف شاب نحيف وضئيل الحجم ، يضع على عينيه نظارات طبية، قدّرت في نفسي أنه لابد أن يكون مصرياً ، فقد اكتشفت للتو أن المصريين متشابهو السحنة كاليابانيين، وقد ساعدت الإضاءة الخافتة في المكان أن يبدو وجهه ممصوصاً كمومياء فرعونية، ملت على أذنه من الخلف وهمست متردداً :
- مساء الخير ياكابتن.
استدار وقد تهلل وجهه بالفرح وهتف كمن وجد من ينقذه من ورطة:
- حضرتك مصري.
بادلته فرحاً بفرح وأنا أقول
- أمّال هندي!
انتظروني
تعليق