أيام جزائرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د.محمد فؤاد منصور
    أديب
    • 12-04-2009
    • 431

    #16
    (9)


    عندما اجتزت الحاجز الزجاجي إلى الساحة الواسعة خارج مطار الجزائر العاصمة ،استقبلتني عاصفة شديدة من الرياح الباردة كادت تعيدني من حيث أتيت، احتميت منها خلف الحاجز الزجاجي الضخم ، وأخذت أرقب الطريق من خلال الزجاج الذى تكاثفت عليه قطرات المطر فأصبحت أرى الساحة بالكاد .
    كان النهار يلملم خيوط الضوء القليلة المتبقية ، على حين بدأ الظلام يزحف ببطء ليلف المكان ، أضواء المصابيح المنبثة عبر الساحة الواسعة لم تفلح في تحسين الرؤية ، فالسماء كانت مكفهرة تنذر بليلة شديدة الأمطار والعواصف تزمجر في الخارج ، ويرتد تأثيرها المخيف إلى داخل كل منا ، ماأقسى الشعور بأنك غريب وأنه ليس ثمة فراش دافئ ينتظر أوبتك أو حبيب قريب يسأل عما حل ّ بك ، لفنا الصمت معاً ، فتجنبنا النظر إلى بعضنا، كل منا بداخله هاتف يؤنبه ، "راحت السكرة وجاءت الفكرة" فماذا أنت فاعل ؟
    قطع صلاح الصمت بملاحظة عابرة أرادها ساخرة لكنها ذبحت كل منا على حدة:
    - بالذمة مش شوية مجانين ، حد يسيب بلده في عز الشتاء ؟!
    عندها تذكرت الدكتور شبكة وسخريته اللاذعة وهو يصرخ في وجهي " حد يسافر سياحة في عز الشتاء .. " هتفت بصوت عال
    - والله معاه حق .
    وظن صلاح أنني أعلق على ملاحظته.
    المطار من الداخل كان يعج بحركة القادمين والمسافرين وكأنما تعمدوا التلاصق والصخب حتى يبعثوا الحرارة في الجو القارس..
    كنت قد اخترت حقيبة ضخمة حتى تتسع لملابسي ولكمية هائلة من المعلبات والأغذية تكفي مؤونة شهر على الأقل ورحت كلما تحركت أجرها خلفي وأنوء بحملها ، وقد تملكني الإعياء ورحت أرتجف وتصطك أسناني لشدة البرد.
    قال صلاح وهو يلملم أطراف جاكيتته التى لم تفلح فى إنقاذه من الارتجاف :
    - هل سنظل واقفين هكذا داخل المطار طوال الليل؟
    قلت وأنا لاأستطيع تجميع الحروف إلى جانب بعضها وكأنما ركّبت في فكيّ جهاز لتسريع الاصطكاك
    - الأفضل أن نبقي هنا حتى الصباح لنبدأ النهار من أوله ..نحن لانعرف حتى الاتجاهات بالخارج ، والطريق تصفر فيه رياح ديسمبر وليس ثمة من نسأله ، لوخرجنا فقد تتجمد أطرافنا من البرودة ، والنهار له عينان.
    - ومن يدريك أنهم هنا يسمحون بالبقاء في المطار طوال الليل؟ من يضمن ألا نجد أنفسنا مضطرين للخروج إلى الطريق وساعتها سيكون وضعنا أسوأ بكثير فلابنايات نحتمي بها ولاوجود لإنسان نسأله .
    برق في ذهني ذلك الحوار الطويل الذي جرى بيني وبين الأستاذ حمّاد الذي كان يعمل بالجزائر منذ سنوات والذي التقيته صحبة أخي أثناء تحضير أوراقي للسفر وتذكرت أنه تحدث عن مقهى للمصريين بوسط العاصمة ، فهتفت وكأنما عثرت على الحل السحري لمشكلتنا .
    لنذهب لوسط المدينة ومن هناك نتصرف.
    لمحت بعض نوافذ لبنوك فتذكرت أننا لانحمل عملات جزائرية بل لم نكن نعلم حتى بأي عملة يتعاملون في هذا البلد ، كنت أحمل مبلغاً على هيئة دولارات أمريكية ولم يكن مامعي مبلغاً مطمئناً فقلت في نفسي وهل سنتصرف بمامعنا من دولارات قد لاتكفي لبضعة أيام؟ سألت صلاح مستنجداً:
    - هل معك نقود جزائرية ؟.
    - معي بعض الدولارات .
    - الحال من بعضه إذن ، من الأفضل أن نبدّل بعضها وإلا واجهتنا المصاعب.
    قررنا استثمار الوقت في الوقوف أمام إحدى نوافذ البنك ، تركنا حقائبنا الثقيلة بجوار المدخل الرئيسي للمطار من الداخل، قال صلاح وكأنما ليلقي بالمسئولية من على عاتقه:
    - من هذه اللحظة ستكون المسؤول عن إعاشتنا..عليك تدبير كل شئ.
    ناولني مائة دولار فصار معي مائتان ، مبلغ لابأس به كبداية، ولابد أن فراسة صلاح قد دلتّه على أن حقيبتي الثقيلة تحوي الكثير من احتياجاتنا خاصة وأنه لم يكن يحمل سوى حقيبة متوسطة الحجم.
    وقفت في الطابور خلف شاب نحيف وضئيل الحجم ، يضع على عينيه نظارات طبية، قدّرت في نفسي أنه لابد أن يكون مصرياً ، فقد اكتشفت للتو أن المصريين متشابهو السحنة كاليابانيين، وقد ساعدت الإضاءة الخافتة في المكان أن يبدو وجهه ممصوصاً كمومياء فرعونية، ملت على أذنه من الخلف وهمست متردداً :
    - مساء الخير ياكابتن.
    استدار وقد تهلل وجهه بالفرح وهتف كمن وجد من ينقذه من ورطة:
    - حضرتك مصري.
    بادلته فرحاً بفرح وأنا أقول
    - أمّال هندي!

    انتظروني

    تعليق

    • د.محمد فؤاد منصور
      أديب
      • 12-04-2009
      • 431

      #17

      (10)


      صرنا ثلاثة.. أنا وصلاح ومدحت عبد العظيم ..كان مدحت مبتهجاً بوجودنا معه منذ أن رآنا نقف في طابور تغيير العملة ، كان يعاني مثلنا من ذلك القلق الممض من مجهول ينتظرنا جميعاً .. لم يكن يعرف أين سيذهب حين يصل إلى أرض الجزائر ، فقد حمل حقيبته ورحل هو الآخر إلى حيث لايدري وكل معلوماته أن أمامه فرصة طيبة للعمل كمدرس للكيمياء فحضر دون أن يشغل تفكيره فيما هو أبعد من الوصول للمطار.. وقفنا بالصالة الداخلية بعد أن بدّلنا بعض الدولارات بالدينار الجزائري على أمل أن يتحسن الجو قبل أن ندخل إلى المدينة التي لانعرفها..
      قال مدحت بعد أن توطدت بيننا صداقة سريعة تفرضها مثل هذه المواقف بين أبناء البلد الواحد :
      - إذا ساء الجو أكثر فلن يكون هناك بدٌ من التحرك للخارج .. فلنتحين الفرصة الآن ..نحن متعبون من رحلة الطيران والمطبات الهوائية التي قلبت أمعاءنا ، لابد من البحث عن فندق نحتمي به حتى الصباح .
      ووسط أصوات الرعد التي تزلزل الأرض وعلى شعاع البرق الخاطف الذي يضئ الكون لأجزاء من الثانية لمحت تجمعاً للناس تحت مظلة كبيرة بالخارج.
      لم يكن مانحس به من برد وقشعريرة تسري بالأبدان يسمح لنا بأن نتوقف طويلاً ..كنا نهتز بحركة بندولية التماساً للدفء فصرنا وكأننا في حلقة ذكر ، تصطك الأسنان ببعضها لدى أدنى محاولة للتحدث..ومع ذلك فقد اقتربت من أحد الواقفين اللائذين بالحاجز الزجاجي وجاهدت حتى قلت:
      - لوسمحت عايزين نوصل لغاية نص البلد ..ناخد أيه من هنا ؟
      كانت الجملة بالكامل بلهجة مصرية دارجة .. ولم أكن قد فطنت بعد إلى أنني بعيد عن مصر وأنه ليس من المفروض أن يعرف كل الناس لهجتي المحلية.. سرعان مااكتشفت ذلك حين حدجني الرجل بنظرة مندهشة وقال متسائلاً :
      - Quoi?
      أدركت أنه لايعرف العربية أو على الأقل لم يتعرف على لهجتي الدارجة ،لكنني حمدت الله أنني استطعت أن أفهم الكلمة الفرنسية التي نطق بها بمايعني أنه يستفسر عماقلت.
      في مثل هذه المواقف لابد من استخدام لغة ثالثة تعتمد على الإشارة باليدين مع تدعيمها بأقل مايمكن من الكلمات..كنت قد أفهمت صلاح أنني أعرف اللغة الفرنسية حين أسرّ لي بمخاوفه من أن أهل هذه البلاد يتحدثون الفرنسية التي لايعرف منها شيئاً، وكان لابد من استئناف الحديث بأي شكل تدعيماً لما ادعيته من قبل ، بعد أن مال مدحت على أذني ليهمس:
      - ده باين عليه فرنساوي.!
      كانت الفرصة سانحة تماماً لأستعرض مهارة لاوجود لها في اللغة الفرنسية وأنا العارف بضآلة بضاعتي منها ،لكنني ردّدت في نفسي مايقال عن " أن الأعور في وسط العميان سلطان" فتوجهت للرجل بثقة بعد أن راجعت بعناية العبارة الوحيدة التي انتويت أن ألقي بها في سرعة بيني وبين نفسي لأبدو عالماً لايشق له غبار فقلت على عجل :
      - Centre de ville
      جاهدت لأنطقها بلهجة سريعة وقاطعة وكأنها جملة كاملة معتمداً على نباهة الرجل من جهة وجهل أصحابي المطبق باللغة من جهة ثانية مماسمح لي بقيادة الركب بعد ذلك ، بعد أن هتف مدحت في فرح طفولي وهو يمنحني اعترافاً بجدارتي حين قال لصلاح :
      - ده باين عليه بيعرف فرنساوي بصحيح.
      راح الرجل ينطق بعبارات سريعة وهو يشير إلى الأمام ، كنت أهز رأسي صعوداً وهبوطاً دون أن أفهم ممايقول سوى أنه يدلنا على موقف الحافلات الذاهبة إلى وسط المدينة.
      وبعد أن استشعرت أنه أنهى شرحه ،هززت رأسي مبتسماً وقلت :
      - merci
      ثم بدأت التحرك وأنا أجر حقيبتي الثقيلة على حين لكزني صلاح وهو يتساءل في شغف مشوب بالإعجاب:
      - هو كان بيقولك أيه؟
      ولم يكن ممكناً بالطبع أن أقول إنني لم أفهم من كلمات الرجل السريعة المتلاحقة أكثر ممافهمه أصحابي من خلال متابعة إشارات يديه فقلت بثقة زائدة متجاهلاً السؤال :
      - بس تعالوا ورايا.


      انتظروني.

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #18
        د. محد فؤاد منصور..
        قلت لهم بثقةٍ زائدةٍ :
        بس تعالوا ورايا...
        ولم تعرف أنك قلتها لكلّ من تابع ماكتبت ..
        بهذه السلاسة العجيبة..التي ملأتْ أعيننا دهشةً ومتعةً ..
        يا أديبنا الكبير ...
        محطّة حلوة صباحيّة كانت مع سطورك الغنيّة بالأحداث:::
        بالصور الملوّنة المتنقلّة، بالتوغّل في عمق المشاعر الإنسانيّة..
        بسلاسةٍ ودون تكلّفٍ ...وبقوّة الواقع المفروض..دون خيارٍ
        كنت مبدعاً كعادتك...
        وصار لنا الحقّ بأن نطالبك بمتابعة لوحاتك الجميلة العابقة بنبض قلمٍ تميّز بالرّوعة..
        فلا تتأخّر..أرجو ذلك..
        مع أحلى أمنياتي....إليك تحيّاتي ...

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • د.محمد فؤاد منصور
          أديب
          • 12-04-2009
          • 431

          #19
          صديقتي المتألقة حيث كانت
          إيمان الدرع
          مرورك بهذه الأيام شرف لي ، وكلماتك وسام أعتز به لأنها تصدر عن مبدعة تعرف قيمة الحرف ..
          فشكراً لك على حضور ملأني بالغبطة ،وشجعني على إكمال مسيرة الأيام .
          مودتي الدائمة .

          تعليق

          • د.محمد فؤاد منصور
            أديب
            • 12-04-2009
            • 431

            #20
            (11)

            استقرت حقيبتي في بطن الحافلة فانزاح عني همّ حملها الثقيل الذي لولا الظروف الصعبة التي كنت أمر بها لتركتها في الطريق غير مأسوف عليها .
            انطلقت بنا الحافلة في سير متئد وسط ظلام دامس وأمطار غزيرة.
            لم يكن بوسعنا رؤية الطريق من موقعنا داخل الحافلة ولم يكن بإمكاننا تقدير الزمن الذي تستغرقه لتصل إلى قلب المدينة ، كانت الحافلة فارغة تقريباً إلا من بضعة أفراد تناثروا على الكراسي الأمامية بينما لجأت وصاحبيّ للمقاعد الخلفية لأتمدد بكامل جسدي فوق أحدها ، كان الصداع والغثيان قد استبدا بي وأضيف إليهما قشعريرة داخلية فكان اهتزاز جسدي بكامله إلى جانب اصكاك فكيّ المتصل فبدوت كمحموم في النزع الأخير.
            نظر صلاح خلفه فوجدني ممدداً على الأريكة الخلفية ، لم أكن قد أخبرته بماحل بي فمال ناحيتي وقال هامساً :
            - لاياحبيبي ، وقت النوم فات ، قوم كده وصحصح شوف هانعمل إيه،أحنا مش جايين علشان ننام هنا ..
            ولم يلبث أن أعقبه مدحت،وكأنما سمع ماهمس به صلاح :
            - صحيح ، هانروح على فين دلوقت ؟.
            لم أكن في حالة تسمح بالرد ،فقد كان الإعياء قد بلغ بي مداه والصداع الذي يمسك برأسي يكاد يفتك به لم يدع لي فرصة لاستئناف الحديث ، فقلت منهياً سيل التساؤلات:
            - لاداعي للقلق ، عندما نصل إلى وسط المدينة يفرجها ربنا.
            لم أكن أعرف في الواقع كيف "سيفرجها ربنا".. هاهي الحافلة تنهب الأرض نهباً كسهم انطلق من قوسه ،وعماقريب سيكون عليّ بوصفي قائد المسيرة أن أحدد إلى أين نتجه .
            أغمضت عينيّ تماماً وحاولت الاسترخاء في مكاني رغم فشل ملابسي الشتوية الثقيلة في رد البرد الذي يتخلل العظام بقسوة ، ساعة كاملة قضيتها مغمض العينين لأتغلب على الدوار والصداع ، ولأقلّب الأمر على كل الوجوه .
            برقت في ذهني صورة الأستاذ حماد الذي التقيته قبل سفري ، حاولت تذكر تلك النصائح الكثيرة التي زودني بها والتي كنت استمع إليها بنصف وعي ، مشكلتنا أننا لانعرف قيمة مايقال لنا إلا حين لاتكون هناك جدوى من محاولة تذكره، نستنفر قوى الذاكرة لنراجع مامر بنا مشهداً بمشهد وكلمة بكلمة لعل وعسى ، ولاشك أنني في تلك اللحظة الفارقة أدركت قيمة تلك النصائح التي زودني بها الأستاذ حماد والتي تاهت في دروب الذاكرة .
            ومثل لحن شجي طرقت أذنيّ كلمة أذكر أنني ضحكت منها طويلاً ورحت بعد مغادرة منزل الأستاذ حماد أحاول تلحينها والنطق بها كما نطقها هو أول مرة .."مقهى الطانطانفيل".. وفي كل مرة أفشل في ذلك كان أخي يمازحني قائلاً :
            - طيب تقدر تقول .. خيط حرير على حيط خليل عشر مرات دون خطأ ، أو قميص نفيسة نشف ،لسه مانشفش..
            ثم يعود ليقول :
            - طيب تقدر تقول مقهى الطانطانفيل كم مرة وبسرعة .
            تذكرت ذلك الحوار وماأعقبه من مزاح ،فبدأت في تجميع خيوط تصلح لنبدأ بها سعينا .
            مقهي الطانطانفيل هو مقهى كبير في وسط العاصمة ،وهو نقطة تجمع المصريين بالجزائر لأنه يقع في نفس البناية التي تضم مقر بعثة الأزهر ، كان هذا أقصى مااستطعت استخلاصه من الذاكرة المرتجفة ، أما اسم الشارع أو رقم البناية فلم تسعفني ذاكرتي بشئ منها.
            أخيراً وصلت الحافلة إلى نهاية رحلتها بوسط المدينة ،وتسلمت حقيبتي اللعينة من جديد ، كانت زوجتي قد أصرت قبل سفري على ملئها بألوان شتى من الأغذية المحفوظة ضغطاً للنفقات وتحسباً لأيام قحط تنتظرني ، فالسفر إلى المجهول كان يخلّف إحساساً خانقاً بالضياع ، ولكم أدهشني أن يكون رفاقي أكثر اطمئناناً مني لذلك المجهول الذي أرعبني وأرعب زوجتي من قبلي ،فأصرّت على أن أحمل كميات من الأغذية وكأنني مقبل على مجاعة.
            عاد السؤال يتكرر هذه المرة بشكل جماعي
            - هانروح على فين ؟
            تجاهل الاثنان أنني مثلهما تماماً ،أشعر بمايشعران به من ضياع ، ولكن العجيب في الأمر أن لحظات الاسترخاء والنعاس التي حظيت بها أثناء سير الحافلةكانت قد أتت بثمارها فشعرت بنوع من الانتعاش واليقظة ساعدا على أن أبدو متماسكاً وأن اشرح لهما سريعاً أنني سأسأل عن مقهي الطانطانفيل وهناك ربما ساعدنا الحظ في العثور على مصريين ، من جديد تركتهما بجوار الحقائب ودخلت إلى أقرب مقهى استفسر منه عن مكان مقهى الطانطانفيل ،ولم ألبث أن عدت وقد عرفت الطريق الذي ينبغي علينا أن نسلكه ، ولابد أن مشهد حملي لحقيبتي بضع خطوات ثم وضعها على الأرض لالتقاط الأنفاس ثم حملها من جديد كان مثيراً لانتباه المارة ، وربما لسخريتهم ، وحين وصل ركبنا إلى الساحة الواسعة التي يقع فيها المقهى توقفت عن السير وطلبت من صلاح ان يذهب هذه المرة ليسأل عن أي مصري يكون موجوداً بالمقهى ، لكنه بدا مرتبكاً وخائفاً وقال وكأنما كلفته بمهمة مستحيلة :
            - انا ماباعرفش فرنساوي.
            وسارع مدحت قبل أن أباغته فقال :
            - ولاأنا
            ومع أن كل مانطقته أمامهما من كلمات فرنسية لم يزد عن كلمتين فقد كانا يحرصان على تغذية غروري بين الحين والآخر ، فيقول أحدهما بلامناسبة :
            - ياسلام .. ده لبلب في الفرنساوي ..
            وكان ذلك يرضيني ويعمّق إحساسي بالمسؤولية عن هذين الضائعين .
            ---------
            انتظروني.

            تعليق

            • إيمان الدرع
              نائب ملتقى القصة
              • 09-02-2010
              • 3576

              #21
              د. محمّد فؤاد منصور ..
              ياصديقي الغالي:
              أرجو أن تصل إلى مقهى الطانطانفيل بخير وسلامة ( غنّيت حروفه حتى أكتبه بشكله الصّحيح )
              أصدقك القول ..أنني أتابع ما تكتبه بحرصٍ شديدٍ واهتمامٍ
              أنت هنا تقحمنا في الجوّ وكأننا نرافقكم في خطواتكم ...
              حتى بتلك اللحظات الفطريّة التي تناوش الغرباء عن المدينة لحظة وصولهم
              وتخيّلت منظر الحقيبة المثقلة بالمواد الغذائيّة وأنت تنوء بها ...لهفي عليك ...ههه
              أخي العزيز:
              سوف ننتظر ...ولكن ليس كثيراً...
              لك أصدق أمنياتي ....وتحياتي ...

              تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

              تعليق

              • د.محمد فؤاد منصور
                أديب
                • 12-04-2009
                • 431

                #22
                عزيزتي إيمان
                مازلت تبثين بقلمك فيّ روح المثابرة لمتابعة اليوميات ، فشكراً لحضورك الذي يثري صفحتي بألق حضورك ومتابعتك ، وتقبلي مني دائماً .. أصدق مودة .

                تعليق

                • د.محمد فؤاد منصور
                  أديب
                  • 12-04-2009
                  • 431

                  #23

                  (12)


                  لاح لنا مقهى الطانطانفيل من على الجانب الآخر للطريق بأضوائه التي تغمر الميدان الفسيح أمامه ، وعلى الرغم من خلو الشوارع من المارة وغلق كل الحوانيت لأبوابها في ذلك الوقت المتأخر نسبياً ، فقد كان بالمقهى بضعة أفراد متناثرين بالداخل والخارج ، ولم يكن هناك بدٌ من أن أدع أصحابي بجوار الحقائب وأن أعبر الميدان وحدي وصولاً إلى المقهى .
                  كان النادل واقفاً بالداخل اتقاءًً للسعات البرد الحادة على الرغم من أن الجو داخل العاصمة كان أفضل كثيراً من ذلك الذي توجسنا منه ونحن في المطار ، أو في الطريق إلى وسط المدينة ، الأمطار كانت قد توقفت تماماً ، والشوارع تلمع فوقها الأضواء فتبدو مغسولة وزاهية وكأنما تحتفل باستقبالنا .
                  بلهجتي المصرية التي لم أفطن إلى التخلص منها قلت للنادل :
                  - مفيش هنا مصريين دلوقت ؟.
                  ولكم دُهشت حين فهم الرجل سؤالي ، ويبدو أن طول خبرته في التعامل مع المصريين من مرتادي المقهي كانت قد زودته بحصيلة لابأس بها من معرفة المصريين ولهجاتهم.
                  تعلّقت عيناي به وهو يجول ببصره في أرجاء المقهي ثم يتوقف ليشير إلى زاوية بالجزء الخارجي المكشوف منه ويقول :
                  - ثمّ
                  وثمّ هذه أي هناك ، وهي عربية خالصة ، ولعلها من الألفاظ العربية الأولى التي سمعتها منذ وصلت إلى أرض الجزائر ، واغتبطت بها أيما اغتباط.
                  صدمتني في البداية لأننا لانستعملها عادة ، ولكن ربما وقع المفاجأة كان سبب اندهاشي ، فلم أكن أتوقع أن أجد جزائرياً ينطق لفظة عربية وبسلاسة وكأنها لهجة دارجة مثلما فعل ذلك النادل البسيط في ذلك المساء البعيد ، هل كانت الدعاية التي بثّها الفرنسيون بأن الجزائر فرنسية قد نالت منا بحيث لم نتصور وجود من ينطق لفظاً عربياً واحداً بهذه البساطة ؟! .. ربما
                  نظرت حيث أشار ، فوجدت شابين يجلسان متقابلين على منضدة بزاوية المكان وللمرة الثانية منذ التقيت مدحت ألحظ أن أحدهما مصري الملامح بينما الآخر كان شاباً نحيفاً ، ضئيل البنية، دقيق الملامح ، ولم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى وجهت لهما سؤالي بسذاجة مفرطة :
                  - أنتم مصريين ؟
                  نهضا معاً ليسلّما عليّ في حرارة ، وماكاد صلاح ومدحت يشاهدان موقف الترحيب من موقعهما على الجانب الآخر حتى أسرعا بالحضور للأشتراك في مراسم التعارف ، تاركين خلفهما الحقائب على جانب الطريق ، وقد أدركا أننا عثرنا أخيراً على ضالتنا ..
                  لم يستغرق التعارف وقتاً طويلاً ، فالشاب المصري أحمد عزت أخبرنا بأنه سبقنا إلى الجزائر بشهر كامل ، وأنه حتى هذه اللحظة لم يوفّق في تدبير عمل مناسب .
                  بداية لم تسعدنا أبداً حين سماعها ، لكن فرحته وتهلل وجهه حين رآنا ، جعلنا نحتفل باللحظة الراهنة معاً ، ونؤجل التفكير في الهموم لموعد لاحق.
                  سارع أحمد عزت فقدّم لنا رفيقه الجزائري حتى قبل أن يعرف من نكون ، ولماذا نحن هنا في هذه الساعة ، ربما الفرحة التي يستشعرها الإنسان حين يلتقي بني وطنه خارج الحدود تنسيه حتى أن يتعرف على أسمائهم !
                  - الأخ بوشموخة .. صديق جزائري من أعز الأصدقاء
                  هكذا قدّم لنا أحمد عزت رفيقه ، ولاأنكر أنني توجست خيفة من ذلك اللقاء غير المنتظر فقد جئت إلى هنا أقود الركب لنلتقي بمصريين لهم دراية بالمكان فإذاني أمام جزائري من اللحظة الأولى ، وعليّ أن أتدبّر أمر الترجمة بين الفرنسية والعربية ، مما سيضعني حتماً في موقف لاأحسد عليه ، كان ذلك أول ماصدمني عند اللقاء ، أما الأمر الثاني فهو ذلك الاسم العجيب الذي قدّم أحمد عزت به رفيقه والذي لم نعتد سماع مثله في بلادنا ، فبدا وكأنه سباب ! ..
                  أصرّ بوشموخة أن نجلس معهما بعض الوقت ، بينما ضغط الوقت كان مزعجاً ، أجسامنا المتعبة كانت تحتاج إلى مأوى بأكثر مماتحتاج إلى مقهى ، والشوارع خالية تقريباً من المارة ممايوحي بأننا في منتصف الليل مع أن الساعة لم تكن قد بلغت التاسعة مساءً بعد ، اعتذرت بوجود الحقائب معنا ، لكنه تشبث بدعوته لنا ، بل وأسرع يعبر الطريق ليأتي بحقائبنا ..
                  استقرت الحقائب بجانبنا بعد أن تعاونا جميعاً على نقلها إلى المقهى ، وأسرع بوشموخة فأمر لنا بأكواب من "التاي" ..
                  في البداية تصورت أنه أخطأ في نطق كلمة "الشاي" أو ربما كانت لديه مشكلة في مخارج الحروف تجبره على النطق بشكل غير سليم ..وقبل أن أفيق من تخيلاتي فوجئت بمدحت يعتذر عن شرب "التاي " لأنه يفضل "الشاي " ، وهو ماجعل أحمد عزت ينفجر ضاحكاً وهو يقول :
                  - بلاش فضايح ، التاي هو الشاي الأخضر ..
                  كانت هذه المعلومة جديدة بالنسبة لي فلم يكن الشاي الأخضر مشروباً شائعاً بيننا كمصريين .
                  ---------
                  انتظروني

                  تعليق

                  • إيمان الدرع
                    نائب ملتقى القصة
                    • 09-02-2010
                    • 3576

                    #24
                    د. محمّد فؤاد منصور ..
                    ومع كوبٍ من / التّاي / استمتعت بحروفك من جديدٍ
                    وكأني أحتسيه في مقهى الطانطافيل ...أرقب الشّوارع الجزائريّة الخاوية مساء...
                    لقد نقلت الصّورة بشكلٍ مدهشٍ ...عبر مشهدٍ متحرّك ...
                    طمّني ماكان من أمر بو شموخة بعد ذلك ...؟؟؟
                    أظنّه شمخ لكم عن حلٍّ ساعدكم قليلاً في تخطّي بداياتكم الصّعبة في بلد غريبٍ عنكم ..وأنتم في مقتبل العمر..
                    حقّاً مازلتُ أتابع وأنتظر ....زميلي الغالي..مع تحيّاتي ..

                    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                    تعليق

                    • د.محمد فؤاد منصور
                      أديب
                      • 12-04-2009
                      • 431

                      #25
                      صديقتي العزيزة إيمان الدرع
                      أنا مدين لك بالكثير ..لأنك القارئة الوحيدة على مايبدو لهذه الأيام .. فكل الشكر لك بحجم حضورك الجميل وتشجيعك الدائم.
                      مودتي القلبية .

                      تعليق

                      • د.محمد فؤاد منصور
                        أديب
                        • 12-04-2009
                        • 431

                        #26

                        (13)



                        بوشموخة كان هبة السماء لنا بعد مالاقيناه من عناء طوال رحلتنا حتى وصلنا للمقهى ، في ذلك الوقت كان طالباً جامعياً يدرس الأدب العربي بجامعة الجزائر ، وكان ممتناً بشدة للمصريين الذين تولّوا تعليمه منذ كان في المرحلة الابتدائية ، ولهذا لم يكن يدع مصرياً يلتقي به إلا ويقدم له يد المساعدة ، كان إحساسه مرهفاً ورقيقاً ، يتحدث العربية الفصحى ولايتحدث بغيرها ، ويستشهد بأبيات الشعر في حديثه ظناً منه أننا أهل اللغة العربية وسدنتها ، فقد كان يحمل مشاعر الطالب القادم من خارج العاصمة ليتلقّى العلم بجامعة الجزائر ، فكانت أحاسيسه فطرية ونقية لم تلوّثها المدينة بشطحاتها وأفكارها ..
                        بالنسبة لنا كان التحدث بالفصحى مشكلة كبرى ، فنحن المصريون لايحسن أغلبنا إلا التحدث بلغتنا الدارجة ، وقد كان ذلك التناقض يخلق أجواء كوميدية لايحسها بوشموخة لأنه يفهم دارجتنا من كثرة مايذاع بها من أغانٍ وأفلام ومع ذلك فقد كان حواره معنا يدور كله بالفصحى.
                        بالنسبة لي لم تكن هناك مشكلة فأنا من عشّاق الفصحى منذ قديم ، ولم يكن من الصعب أن أجاريه سواء في التحدث أو حتى في الاستشهاد بأبيات الشعر بين الحين والحين ، أما أصحابي فقد كانت محاولاتهم البائسة لمجاراة بوشموخة تخلق بيننا أجواء كوميدية فجّة ، ولست أنسى حين تطرّق الحديث إلى اللغة العربية ومكانتها بين أبنائها واعتنائهم بها
                        وقد أفقت من تأملاتي أثناء تناولنا لل"تاي" على صوت بوشموخة وهو يقول :
                        - أكثر مايزعجني أن أصادف من يلحِن في حديثه .
                        عندها مال صلاح على أذن أحمد عزت وسأله هامساً :
                        - يعني أيه يلحن ؟
                        فأجابه أحمد عزت بجدية :
                        - يعني يلحم بالأكسجين بس بالنحوي.
                        كدت أنفجر ضاحكاً لهذه الإجابة الجاهلة والواثقة في آن ، وقد تجلّى فيها تأثر أحمد عزت بدراسته وخبرته الحياتية ، فقد كان حاصلاً على مؤهلٍ صناعي فوق المتوسط ولهذا لم يكن غريباً أن لايفرّق بين اللحن في اللغة ولحام المعادن بالأكسجين.
                        وقد مضى الحديث على نحو ٍ مثير للضحك حين قال صلاح مثلاً :
                        - شوفوا لنا مكاناً ننام فيه .
                        ورد عليه مدحت :
                        - سنذهب بصحبة الأخ أبو شموخة لأي أوتيل .
                        وكنت وبوشموخة نتبادل الابتسام أثناء ذلك الحوار الفكاهي الذي لم يتعمد أصحابه أن يكون كذلك .
                        بعد شرب التاي قال أحمد عزت إن عليه أن يذهب للحمام ، وأن عليه أن يصطحبنا هو وبوشموخة لفندق قريب ، وقد تعاون معنا الاثنان في حمل الحقائب إلى أحد الفنادق القريبة بحي القصبة الشهير الذي يقع خلف مقهى الطانطانفيل مباشرة .
                        لم يستغرق بوشموخة وقتاً طويلاً في مفاوضته لصاحب الفندق ، وقد اكتشفنا أثناء متابعتنا لحواره مع مسؤول الفندق أنه يتحدث لغة أخرى غير تلك التي يتحدث بها إلينا ، ومالبث بعد حوار قصير أن أشار إلينا أن نتبعه وفي يده مفتاح إحدى الغرف ، كانت غرفة كبيرة واسعة تضم ثلاثة أسرّة وحمّاماً خاصاً ، سرعان مااختار كل واحد منا سريراً وضع بجانبه حقيبته ، وكانت النوافذ الصغيرة الضيقة تطل على الميدان الفسيح ،ذات الميدان الذي يقع به مقهى الطانطانفيل ، عاد صلاح إلى الحجرة بعد أن تفقّد الحمام وأشار لأحمد عزت قائلاً :
                        - أنت مش كنت عايز الحمام ؟ ..
                        ولدهشتنا الشديدة انفجر أحمد عزت ضاحكاً واستلقى على أحد الأسرة حتى تنتهي نوبة الضحك التي تملكته ، ثم سرعان ماكست ملامحه جدية مفاجئة وقال في صوت يفيض أسى :
                        - أنت فهمتني غلط .. ليس هذا الحمام هو ماأريد .. أنا ساكن في الحمام ويجب ان أذهب إلى هناك لأبيت .
                        كان تصريحه غير مفهوم بل وغريباً على أسماعنا ، لكننا علمنا فيمابعد أن مامعه من نقود قد أوشك على النفاد وأنه كان مضطراً لمغادرة الفندق ، ليبيت في أحد الحمامات العامة توفيراً لنفقات الفندق وأسعاره العالية نسبياً ، خاصة وأن إقامته بالعاصمة قد قاربت على الشهر دون أن يجد عملاً مناسباً.
                        انتابنا جميعاً دون اتفاق وجوم وحزن كاسح وانقطع خيط الحديث بيننا ، وكأن كل واحد منا يسأل نفسه ،هل سيأتي اليوم الذي نضطر فيه للمبيت في الحمامات العامة ؟ ..هاقد هاجمتنا الهموم قبل أن يمضي يومنا الأول في أرضنا الجديدة وكأننا على موعد مع الهم الدائم ، ومامصير أحمد عزت إلا صورة مبكرة لماينتظرنا من مصير ..
                        قطع بوشموخة حاجز الصمت حين هبّ واقفاً وقال لأحمد عزت :
                        - هيا بنا .. لندعهم يرتاحون حتى الصباح ، وسنحضر إليهم مبكراً لنقرر معاً مايجب علينا عمله .
                        انصرف بوشموخة وأحمد عزت .. وبتنا ليلتنا الأولى ، وبات معنا همّ مقيم .
                        ----------
                        انتظروني.

                        تعليق

                        • إيمان الدرع
                          نائب ملتقى القصة
                          • 09-02-2010
                          • 3576

                          #27
                          وكانت الضحكات ...والمفارقات ..
                          ثمّ جاءت الحقيقة لتصفع كلّ الوجوه بمرارتها ..
                          لقد بانت الغربة متجليّة بقسوتها...
                          مخلّفة أوّل فصلٍ مقلقٍ يضرب بعمقٍ في قلوبٍ ترتعش توجّساً من مشوارٍ طويل في الغربة...
                          معك زميلي الغالي : د.محمد فؤاد أتابع ...ودون توقّف ..تحيّاتي..

                          تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                          تعليق

                          • د.محمد فؤاد منصور
                            أديب
                            • 12-04-2009
                            • 431

                            #28
                            صديقتي الأروع إيمان
                            ممتن لحضورك ومتابعتك وتشجيعك الدائم .. لك الود بحجم السماء.

                            تعليق

                            • د.محمد فؤاد منصور
                              أديب
                              • 12-04-2009
                              • 431

                              #29

                              (14)


                              صحونا صباح اليوم التالي على طرقات عنيفة على باب الحجرة ، كان بوشموخة قد حضر مبكراً بناءً على إلحاحنا عليه أن يكون أول من يوقظنا ، وكنا قد تساقطنا إعياءً و استسلمنا لنوم عميق ، كان علينا أن نبدأ يومنا الأول مبكراً فيذهب مدحت إلى وزارة التعليم وأتوجه ومعي صلاح إلى وزارة الصحة.
                              من حسن الطالع أن الشمس كانت ساطعة ، والجو دافئ بخلاف توقعاتنا ،بينما الأرض كانت ماتزال ندية من آثار الأمطار الغزيرة التي استقبلتنا بها العاصمة في اليوم السابق ، أرضية المقهى الرخامية تلمع بحبات المطر المتبقية ، بدا المشهد حين غادرنا الفندق إلى المقهى كأبهى مايكون ، من بعيد تتراءى لنا صواري السفن العملاقة التي تقف بميناء الجزائر ،ومن خلفها البحر الممتد إلى أفق غير محدود ، إنه المشهد الذي استتر بالظلام فلم نلحظه عند وصولنا وكنا نظن أن الميدان الواسع هو آخر حدود المقهى الشهير .
                              جلسنا على نفس طاولة الأمس خارج المقهى حيث وجدنا أحمد عزت في انتظارنا على نفس المقعد الذي شاهدته عليه لأول مرة وكأنه لم يبرح مكانه.
                              كان مكتئباً وشارداً ببصره ناحية الميناء فلم يلحظ قدومنا إلا حين صاح بوشموخة بالنادل طالباً قهوتنا الصباحية ، قلت له وقد لاحظت أنه يتضاحك حتى لانلحظ مايعانيه :
                              - مالك ؟
                              - لاشئ .. أفكر في السفر إلى وهران اليوم أو غداً على الأكثر،لي ابن عم هناك وسأقيم عنده حتى يفرجها ربنا .
                              قال صلاح ضاحكاً في محاولة لإشاعة جو من البهجة:
                              - ماتصبر شوية ، مش يمكن نحتاج الحمام أحنا كمان وتكون مرشداً لنا .
                              - أنتم أطباء ، يعني من الفئات المطلوبة هنا .
                              ثم في ابتسامة مغموسة بالمرارة
                              - لاأظنكم تصلون لمرحلة المبيت في الحمام .
                              أكمل صلاح بإصرار على إشاعة البهجة وهو يشير إلى مدحت
                              - معانا واحد مدرس ، وده أكيد هايدخل الحمام من أوسع أبوابه.
                              ضحكت رغم القلق الذي انتابني ، ماذا لو نفد مامعي من نقود ؟ هل حقاً سيكون قدري أن أبيت في الحمامات العامة ؟!..
                              مع آخر رشفة من القهوة ، قلت لبوشموخة في نبرة لاتخلو من توتر :
                              - أنت قائد مسيرتنا الآن ، عليك أن تتحمل قدرك وتدلنا على وزارتيّ الصحة والتعليم .
                              - على الرحب والسعة ، ماهي خطتكم؟ .
                              تدخل مدحت متضاحكاً :
                              - عليّ أن أذهب وحدي إلى وزارة التعليم ، أما هذان المحظوظان فسيتوجهان معاً إلى وزارة الصحة .
                              كنت أنظر لمدحت على أنه أشجعنا ،فهو يواجه مصيره وحيداً دون سند ، أما أنا وصلاح فسنواجه مصيرنا المنتظر معاً فضلاً عن أن معي أوراقاً تثبت اتصالي المسبق بالوزارة قبل حضوري للجزائر وهو مايجعل موقفي متميزاً عن صاحبيّ.
                              *
                              بعد انتهائنا من شرب القهوة الصباحية، قادنا بوشموخة ومعه أحمد عزت إلى ساحة الشهداء ، وهي من أكثر الساحات اتساعاً بوسط العاصمة وفي جانب منها تقع محطة رئيسية لحافلات النقل الداخلي .
                              لسبب لم نفهمه احتضننا أحمد عزت واحداً واحداً وهو يدعو لنا بالتوفيق في مسعانا ، وبعد أن أوصلنا مدحت للحافلة التي ستقله لوزارة التعليم وأوصلاني وصلاح إلى حافلة أخرى متجهة إلى وزارة الصحة، اتفقنا أن نلتقي جميعاً عند عودتنا في الطانطانفيل .
                              من جديد صرنا أنا وصلاح دون سند ، ركبنا الحافلة المكدسة بالركاب لأجد نفسي في مواجهة المحصل ، قلت وأنا أمد يدي إليه بثمن التذاكر :
                              - La santé
                              أي الصحة ، هكذا تعلمت أنه في حال اللجوء إلى الفرنسية فإن عليّ أن أستخدم أقل الكلمات إشارة للمعنى الذي أريد حتى لاأتوه في خضم الإجابات المستفيضة والتي قد توقعني في الحيرة إذا أنا لم أدرك معناها ، لكن المحصل وقد لاحظ أنني حين سلمته النقود قد أشرت له بأصابعي بمايعني تذكرتين ، فاجأني بقوله متسائلاً :
                              - زوز ؟.
                              هززت رأسي دون أن أفهم ماذا يعني ، لكنه تجاهل ابتسامتي البلهاء وناولني تذكرتين ثم انصرف بعيداً عنا .
                              قبل أن يصيح المحصل صيحته التي اخرجتني من تأملاتي ، كنت أفكر فيماتعنيه هذه الكلمة العجيبة " زوز " وبأي لغة هي .
                              أحياناً يروق لنا أن نتأمل الأشياء والمعاني التي لم نسمع بها لنصل إلى توافق معها ، وقد قضيت طوال الطريق الملتوي الصاعد في شوارع العاصمة منشغلاً بتأمل هذه الكلمة حتى استقر رأيي أخيراً إلى أنها تعني " زوج" أي اثنين ، فهي من هذا الجانب كلمة عربية بلهجة محلية ، وكم كانت سعادتي بالغة أن استطعت وحدي ودون مساعدة أن أكتشف اللغة العربية الكامنة في قلب الألفاظ الدارجة حتى أعادتني من تأملاتي صيحة المحصل وهو يهتف :
                              - La santé


                              انتظروني.
                              التعديل الأخير تم بواسطة د.محمد فؤاد منصور; الساعة 02-11-2010, 14:35.

                              تعليق

                              • إيمان الدرع
                                نائب ملتقى القصة
                                • 09-02-2010
                                • 3576

                                #30
                                د. محمد فؤاد منصور:
                                أرجو أن تكون المحطّة التي توجّهت إليها / وزارة الصحّة /مفتاح الخير
                                أنت وزميلك في الغربة / زوز/
                                وكم حزنت لظروف / أحمد عزّت / فليس أصعب من الانكسار في أرض بعيدة غريبة
                                كان وصف المكان ، والبحر ، والطّقس ، وبقايا المطر ...رائعاً حقّاً صديقي الغالي ...
                                بحيث تكاملتْ لوحة متجانسة ولا أحلى أمام ناظرنا ..
                                ومع أطيب الأمنيات .....نتابعك ...

                                تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                                تعليق

                                يعمل...
                                X