ضائعٌ بين أقرانه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    ضائعٌ بين أقرانه

    رشيد مصباح (فوزي)
    **
    مداوروش في:
    ٣ صفر ١٤٤٣ هـ
    الموافق لـ
    10 سبتمبر 2021
    ***
    بناء أمّة يبدأ من لحظة إقرار الزّواج، ثمّ الإنجاب، وتحمّل مسئولية كلّ ذلك؛ "تبنى الجبال من حصى" هكذا يقول المثل.
    قبل أن نصير أمّة واحدة كنا قبائل متناحرة و مستضعفة تتعرّض لحملات الغزو الخارجي، ثم جاء الإسلام فردّ عنّا كيد الغزاة. ولم يكن ذلك كافيا فقد تعرّضت الأمّة الواحدة لزعزعة استقرارها الدّاخلي، ولغزوٍ صليبي بغيض؛ سمّيناه سذاجة: "الاستعمار"، ولم يكن سوى المدمّر المخرّب، والغاشم الذي مارس علينا أنواع العنف والقهر والاستبداد، وحاول بما أوتي من مكر ودهاء طمس هويّتنا ومسخنا واقتلاعنا من جذورنا؛ كما فعل بالهنود الأمريكيين الحمر السكّان الأصليين.
    لكن الشعب الذي نشأ وترعرع في كنف العزّة و الإسلام لم يرض بمحاولات المسخ هذه، ورفع راية التحدّي: "إما النصر أو الاستشهاد"، وقرر أن يرمي بهذا الاحتلال الصليبي الهمجي الغاشم وإلى الأبد في مزبلة التاريخ.
    - لم نكن نحن جيل الاستقلال نعرف شيئا عن هذا الاحتلال البغيض، سوى ما سمعناه من آبائنا وأجدادنا: عن المراكز الإدارية التي كان يتمّ فيها التنكيل بأبناء الوطن الأحرار بعد الاعتقال. ومن بين هذه المراكز المشهورة التي كان يتردّد ذكرها على الألسنة مركز "فان دي جو" الخطير ومركز "برج الحصن".
    كنا نتابع بشغف تلك القصص عن رجال يتعرّضون لأشدّ أنواع التعذيب؛ منهم من تتحرّش بهم الكلاب و تنهش جلودهم ولحومهم وعظامهم، ومنهم من يخضعون للتعذيب بالكهرباء، ومنهم من يتمّ ارغامهم على القعود على قارورات الزّجاج حتّى تلج في أمعائهم … فنتسلّى بها في مجالس السّمر، ولم نكن ندرك ونحن صغار في سن الحداثة حجم المعاناة وأنّه "غيض من فيض"، إلاّ حين كبرنا وقرأنا عن الاحتلال البغيض.
    ــــــــــــــــ
    كنا حين يطلع النهار وأحيانا قبل طلوع الشمس نطلق العنان لأنفسنا، يأخذنا الشوق والجموح إلى حيث مربّعات اللّهو واللّعب في الخارج، تجمعنا كرة؛ نصنعها من بقايا أقمشة وجوارب قديمة تتقاذفها، وتفرّقنا لعبة اسمها "الغمّايضة". وهكذا، حتى يأتي وقت الحاجة فنعود إلى البيت مسرعين.
    وفي أماسي نهاية الأسابيع نذهب إلى مقهى معروف توجد به شاشة قديمة من نوع الأبيض والأسود لا يوجد غيرها في تلك الأيام، نشاهد بعض المسلسلات والأفلام الأجنبية، كأفلام الويسترن والأفلام الهندية وغيرها... ثم نعود في آخر المساء لنعرّج على "الغانيا" لمشاهدة ألعاب اليانصيب ونحن صغار لم يكن يسمح لنا سوى بالمشاهدة والمراقبة من بعيد.
    - فتحتُ عينيّ في هذا الجو المشحون باللّهو واللّعب مع أبناء العمومة الذين يكبرونني ببعض السّنوات، نلتقي أوقات الفراغ ثم نختلف فيذهبون هم إلى المدرسة، بينما أُرغم على الذّهاب إلى "الجامع" أو الكُتّاب الموجود بإحدى قاعات المسجد الوحيد آنذاك. وكان "الطّالب" (سي أحمد) وهو معلّم القرآن يجلس كل صباح جنب النّافذة يحتسي فنجان القهوة الممزوج بعروق الشّيح بيدٍ وعينه على "القدادشة" الذين ترتفع أصواتهم فلا يُفهم منهم شيء، وفي يده الأخرى عصا زيتون يهشّ بها مرّة على "قدّاش" أخذته غفوة، ومرّة على ذبابة لسعته. أمّا في المساء فيأتيه إناء لبنٍ سائغٍ من عند أحد الجيران محفوف بزُبدة صفراء تسيل اللّعاب.
    أفقتُ من اللّهو واللّعب، فوجدتني أرقدُ في "الساناتوريوم" بمدينة(سوق أهراس) المجاورة لقريتنا، والسّبب في ذلك "إكزيما" أصابتني في ساقي اليسرى لم ينفع معها ما كانتْ تضعه أمّي فوقها من مَراهِم وبعض الأعشاب، وكم سهرتْ اللّيالي الطّوال وهي تحاول أن تسكن آلامي، لكن كل ذلك لم ينفع معي. فاظطرّ الوالد المسكين أن يأخذني إلى هذا المستشفى الذي يقع في إحدى ضواحي المدينة وهو عبارة عن بناية قديمة تعود إلى عهد الاحتلال، وكان رجل يسمّى (حمّة) من معارف أبي قد وُكِّل بي باعتباره من القرية. وكان هناك أولاد يرقدون بذات المستشفى ألعب معهم وأحيانا أُخاصمهم، وذات يوم تخاصمتُ مع أحدهم فقلتُ له: "زَعَّكْ" بتشديد الفتحة على العين. وكان هؤلاء "البلْدية" كما يسمّونهم، وهم المتبجّحون من أبناء البلْدة الذين يعتبرون أنفسهم من الطبقة الرّاقية وينعتون غيرهم من أبناء القرى والرّيف بـ"الشّعراوية"المتخلّفين. لذلك حين سمعوا عبارة "زعّكْ" تلك استغربوا وارتفعتْ أصواتهم بالضّحك وأخذوا يردّدونها من باب التهكّم و السّخرية. وهم لا يقولون لمن يريدون قطع صلتهم به "زَعّكْ" بل "فاشي"، على الرّغم من أنّ "فاشي" كلمة أجنبية.
    ومن تلك اللّحظة وهم ينظرون إليّ بازدراء حتى غادرتُ المستشفى، والحمد لله أنّني تلفّظتُ بتلك الكلمة وهي من الدّارجة العاميّة، وقد كنتُ قبل رحيلنا إلى مدينة(عنّابة) بسنتين على ما أظنّ لا أتكلّم سوى "الشّاويّة". أقمنا في تلك المدينة الساحلية ما يربو عن سنة، وكان عمري لايزيد عن ثلاث أو أربع سنوات حين فررتُ من بيتنا بالعمارة وتهتُ في شوارعها الضيّقة والعريضة ولم أفق إلاّ وأنا جالس في مقهى اشرب قازوزة مع أبي ورجال الدّرك، الذين لستُ أدري كيف عثروا عليّ، من حولي. كثّر الله خيرهم وخير مدينة (عنّابة) التي تعلّمتُ فيها اللّهجة العاميّة على حساب"الشّاويّة" وإلاّ لكاد يكون الأمر مع هؤلاء "البلْدية" أكثر شناعة.
    يتبع …/…

    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 10-09-2021, 14:37.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • الهويمل أبو فهد
    مستشار أدبي
    • 22-07-2011
    • 1475

    #2
    يبدو أن هذه نظرة استرجاعية تؤثث لما كانت عليه الحال قبل مرحلة "رسالة من السجن".
    سأنتظر ما يتبع.
    استراق النظر والتحديق في سيرة الآخرين الذاتية مغرية.

    تعليق

    • بسباس عبدالرزاق
      أديب وكاتب
      • 01-09-2012
      • 2008

      #3
      مثلما أشار الأستاذ الهويمل
      يبدو أننا أمام سرد لسيرة ذاتية أو ما شابه

      ملاحظتي الأولى أن النص بدأ عندي من:
      كنا حين يطلع النهار وأحيانا قبل طلوع الشمس نطلق العنان لأنفسنا،

      من هنا أصبح للحديث أثر في النفس والتحام بيننا وبين البطل
      ما قبله كان تقريريا ومباشرا وتستطيع بثه بين السطور فيما هو قادم بسهولة وبصورة أكثر شاعرية لحشد التعاطف

      أما ما تلاه فقد كان حميميا وجميلا ومغريا بالمتابعة
      أكتب صديقي فوزي وثق أننا سنتتبع حرفك
      ولحين اكتمال الصورة أنا بانتظار البقية

      تقديري ومحبتي أستاذي
      السؤال مصباح عنيد
      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

      تعليق

      • مصباح فوزي رشيد
        يكتب
        • 08-06-2015
        • 1272

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة الهويمل أبو فهد مشاهدة المشاركة
        يبدو أن هذه نظرة استرجاعية تؤثث لما كانت عليه الحال قبل مرحلة "رسالة من السجن".
        سأنتظر ما يتبع.
        استراق النظر والتحديق في سيرة الآخرين الذاتية مغرية.
        بالفعل هي "نظرة استرجاعية"، وأنا أحاول إيجاد الطّريق إلى ذلك.
        [استراق النظر والتحديق في سيرة الآخرين الذاتية] سُررتُ بهذا وأنا جدّ سعيد أشكر لك هذا الحضور المفيد.
        لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

        تعليق

        • مصباح فوزي رشيد
          يكتب
          • 08-06-2015
          • 1272

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
          مثلما أشار الأستاذ الهويمل
          يبدو أننا أمام سرد لسيرة ذاتية أو ما شابه

          ملاحظتي الأولى أن النص بدأ عندي من:
          كنا حين يطلع النهار وأحيانا قبل طلوع الشمس نطلق العنان لأنفسنا،

          من هنا أصبح للحديث أثر في النفس والتحام بيننا وبين البطل
          ما قبله كان تقريريا ومباشرا وتستطيع بثه بين السطور فيما هو قادم بسهولة وبصورة أكثر شاعرية لحشد التعاطف

          أما ما تلاه فقد كان حميميا وجميلا ومغريا بالمتابعة
          أكتب صديقي فوزي وثق أننا سنتتبع حرفك
          ولحين اكتمال الصورة أنا بانتظار البقية

          تقديري ومحبتي أستاذي
          لقد قمتُ بتقطيع النّص فكانت تلك كلمة مقتضبة لقصة قد تطول فتغدو رواية.
          لا تدري كم أنا فخور وسعيد بهذا الاهتمام الكريم وهذه المشاعر النّبيلة. وأودّ أن أشكرك جزيل الشّكر على حضورك البهي أخي وأستاذي الأريب المحترم [عبدالرزاق] وأرجو أن أكون عند حسن الظنّ بي.
          لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

          تعليق

          • مصباح فوزي رشيد
            يكتب
            • 08-06-2015
            • 1272

            #6
            بتُّ أكثر حذر من ذي قبل؛ وقرّرتُ عدم العودة لأولئك"البلْدية" الذين سخروا منّي ومن لهجتي. بدأتُ أشعر بالنّقص تجاههم نتيجة هذا الاختلاف الواضح، ليس في الكلام فقط، بل في المكر والدّهاء، والاستهزاء بالآخرين. لم تعجبهم ألفاظي، لساني الشّاوي "الشّعراوي" لا يشبه ألسنتهم الأعجمية المتمدّنة. سلوكي الثّقيل لا يتلاءم مع شطارتهم.
            بقيتُ وحيدا أُترقّب لعلّني أعثر على نزيل جديد، أمضي معه تجربة جديدة. أتجوّل بين الأسرّة وليس هناك سوى هميس رجال لايكترثون لحالي، أو تنازُع شيوخ أنهكهم المرض. وجدتُ سلوتي في عمّي(مسعود)؛ رئيس المصلحة، صاحب الشّاربين الأسودين المبرومين، سريع الكلام، خفيف الحركة، الرّشيق، النّشط، كثير السّخط على من حوله من المرضى والعمّال. يأتي كلّ صباح في الموعد المحدّد، كأنّما يشير إلى ضبط الوقت، لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلاّ وقد أجرى عليها مسحا ببصره الثّاقب. عمي( مسعود) شخص فريد من نوعه. لكن في ناصيته الخير فلا يلبث أن يأتي العامل بعده يجرّ عربة ينقل فيها "قازال" إناء الحليب الكبير وحزمة الخبز. وعلى كلّ من يرغب في تناول فطوره أن يلزم مكانه. كنتُ سبّاقا إلى سريري قبل وصول صاحب العربة، لأكون جاهزا كالعادة. كنتُ قبل مجيئي إلى المستشفى أعبّ الحليب عبَّ قبل أن أخرج مسرعا أطلب اللّهو في الخارج. لكن في هذا المكان بالذّات ليس هناك مجال للعبّ ولا للهو واللّعب؛ كل شيء هنا بمقدار، وكل شيء هنا يخضع لنظام. لك الحقّ في مقدار من الخبز والحليب، فليس بمقدورك الحصول على المزيد. ولك الحقّ أيضا في مساحة محدودة، فليس بإمكانك تجاوزها. لكن حين كانت العلاقة حسنة مع أقراني "البلْدية" كنتُ أتجوّل برفقتهم داخل وخارج البناية الكبيرة، وأتسلّل أحيانا معهم إلى أفنيتها الفسيحة دون أن يعترض سبيلنا أحد من العمّال والمراقبين.
            وما هي إلاّ لحظات حتى يحين موعد العلاج، ويقتحم الممرّض الصّالة الكبيرة بعربته المسطّحة ومن فوقها أصناف الأدوية والحقن على اختلاف ألوانها وأحجامها، فيهرع كل واحد منّا إلى سريره كبير وصغير. كنتُ أتألّم مرّتين؛ من الانتظار، وعند رؤيتي له وهو يشحن حقنة، تفوق كل أحجام الحقن التي فوق الطّاولة، بماء البحر؟، ويبعجني بها(في البطن). ثم يعود في المساء، قبل أن تهدأ الحركة ويعمّ السكون.
            مكثتُ في المستشفى شهرا كاملا تقريبا، ثم جاء أبي ذات صباح يطلب منّي الاستعداد للخروج قبل أن يتوجّه إلى بعض المرضى فيودّعهم متمنيّا لهم الشّفاء العاجل، وكم فرحتُ بهذا الخبر، وتبعتُ والدي مسرعا، أستشفّ ما في الخارج، أتلهّف لرؤية والدتي وليس لي من غيرها سوى أختٌ رضيعة أقبّلها على جبينها.
            في طريقنا إلى البلْدة، كنتُ أحاول تارة تقليد مشية أبي الذي "كأنّما أُنشِط من عِقال"، وتارة أنظر في وجهه المتهلّل، وقد خيّم الصّمتُ لفترة وكرهتُ ذلك، وكنا قد انتصفنا الطريق المعبّد المؤدّي إلى وسط المدينة، بعد قطعنا مئات الأمتار منه.
            فتنبّه لي، وارتأى له أن يبادرني إلى الحديث، فقال لي بصوت متموّج يخفي من ورائه مشاعر جيّاشة والابتسامة لا تكاد تفارق مُحيّاه: " هل تستطيع الرجوع وحدك لو طلبتُ منك ذلك؟".
            يقصد أن أعود إلى المستشفى عبر نفس الطّريق دون مساعدة رفيق ؟
            فأجبتُه دون تردّد؛ إجابة الواثق من نفسه الذي كبُر وبلغ سن الرّشد ولم يعد في حاجة إلى مساعدة من أحد: "أسهل مايكون يا أبي".
            فيردّ بابتسامة عريضة تحمل في طيّاتها كثيرا من الإعجاب والرّضا.
            عدتُ إلى البيت فرحا مسرورا، كل شيء على حاله لم يتغيّر؛ البيت العتيق، غرفة النوم حيث يوجد المذياع معلّق بأحد جدرانها، المطبخ الصغير، غرفة جدّتي المسكينة التي تعاني من الرّعاش، أرضية الفناء الحدباء تتوسّطها دالية العنب . ثم هذا الذي يسمّونه "الكوري"، بمعنى الاسطبل ولم يُربض به ذو ظلف أو ضرع، ليس فيه سوى حصير حلفاء قديم أو مكان زاوية لقضاء الحاجة. أما خارجه فسكّة القطار التي نضع عليها الأشياء المعدنية الصلبة فنحصل على شفرات وأسلاك حادّة، و حين يمرّ القطار نرميه بالحجارة فيتوقّف أحيانا لتقييم الخسائر. وهناك على عشرات الأمتار الملعب البلدي الوحيد في القرية هو الآخر يأخذ نصيبه من الحجارة فتصيب بعض اللاّعبين وتتوقّف المقابلة. في النهاية لم يتغيّر شيء، وبقي كل شيء على حاله، كما تركته قبل ذهابي إلى المستشفى.
            وانصرفت إلى اللهو من جديد، ولم أشعر بالصّيف قد مرّ مرور الكرام، وجاء موسم الخريف، موسم الجد والنّشاط، وثمّة أمر جلل كنتُ أتحيّنه، وقد بلغتُ من العمر الستّ سنوات. وها أنا أنظر إلى البدلة الجديدة التي انتظرتها أياما بلياليها لا أنام ولا يغمض لي جفن حتى أحضّنها كما يحضّن الطّائر بيضه.
            وأرتديتُ المئزر الأسودَ فوق البذلة الجديدة، وأردفتُها بحذاء برّاق، والتحقتُ بالمدرسة. لا أتذكّر كيف ولا متى ولا مع من وصلتُ إلى المدرسة، غير أنّني حين سمعتُ أسمي وأنا في السّاحة سارعتُ إلى المعلّم، واصطففتُ أمام الفصل مع بقية التلاميذ.
            وكان المعلّم ( سي الطيّب) -رحمه الله- فنّانًا بما تحمل الكلمة من معنى، يعشق كل أنواع الفن بما في ذلك الرّسم، وكم تفاجأتُ حين ولجتُ إلى القسم بتلك اللّوحات الجدارية المميّزة التي ازدانتْ بها جدرانه الأربعة.
            انشغلتُ بالواجبات المدرسية عن اللّهو واللّعب في الخارج. لكن بقي هناك إشكال في اللّغة العربية التي وجدتُ صعوبة في التأقلم معها، سيّما وأن بعض الألفاظ "الشّاوية" التي حسبتني قد تخلّيتُ عنها بمجرّد احتكاكي بأقراني "البلْدية" بقيتْ عالقة بلساني. وكانتُ والدتي -طيّب الله ثراها- تشجّعني على المثابرة وتشاركني في تهجئة الكلمات. وجاء اليوم الذي طلبتْ منّي أن أُعرّف لها بعض الصور، وحين وصلتُ إلى صورة الهلال وبدلا أن أسميّه باسمه خانني لساني "الشّاوي" أو "الشّعراوي" وتلكّأ ثم انطلق ليقول: "يورٌ"، وهو اسم الهلال بالشّاوية. وعلى الرّغم من ذلك فقد كانت نتائجي في السنة الأولى ابتدائية طيّبة، وكنتُ أحصل على المراتب الأولى. ولم أشعر بالأيام وهي تمرّ عليّ كسحابة صيف ثم تأتي العطلة الأولى فالثانية، وجاء الصيف ومعه العطلة الأخيرة، وحلّ موسم اللّهو والافراح، وتخلّصتُ من المئزر الأسود ومن كل الواجبات المدرسية وكذلك المحفظة وما فيها من كتب وكرّاسات، واختليتُ بكرة الجوارب والقماشات القديمة، لكن لن أستطيع أن ألعب الغمّايضة مع أبناء العم هذه المرّة، لأن أبناء العمّ قد رحلوا وعادوا إلى ديارهم بالبادية.

            يتبع …/

            التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 13-09-2021, 05:47.
            لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

            تعليق

            • الهويمل أبو فهد
              مستشار أدبي
              • 22-07-2011
              • 1475

              #7
              شهر في المستشفى وثلاثة سنوات دراسية وبداية مشاكل أسرية
              دون تفاصيل، لابد أنك أحق بالبخل من بخلاء الجاحظ. العودة
              إلى تلك المرحلة من الحياة لابد أنها كانت جياشة بالعواطف
              والتصرفات الطفولية البريئة والمواقف تجاه الأتراب ايجابا وسلبا.
              ما لم يقتض مخططك للقصة وفصولها مثل هذا الإيجاز، أظن أن
              عليك أن تعيد النظر في هذا الفصل وتزيد فيه بعض البهارات.
              تحياتي

              تعليق

              • سائد ريان
                رئيس ملتقى فرعي
                • 01-09-2010
                • 1883

                #8
                أتابع بشغف
                يراعة مطواعة جميلة
                بوركت و صاحبها
                تحاياي والثناء

                تعليق

                • مصباح فوزي رشيد
                  يكتب
                  • 08-06-2015
                  • 1272

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة الهويمل أبو فهد مشاهدة المشاركة
                  شهر في المستشفى وثلاثة سنوات دراسية وبداية مشاكل أسرية
                  دون تفاصيل، لابد أنك أحق بالبخل من بخلاء الجاحظ. العودة
                  إلى تلك المرحلة من الحياة لابد أنها كانت جياشة بالعواطف
                  والتصرفات الطفولية البريئة والمواقف تجاه الأتراب ايجابا وسلبا.
                  ما لم يقتض مخططك للقصة وفصولها مثل هذا الإيجاز، أظن أن
                  عليك أن تعيد النظر في هذا الفصل وتزيد فيه بعض البهارات.
                  تحياتي
                  أهلا وسهلا بك أستاذنا من جديد
                  شبّهتني بالجاحظ وهذا شرف عظيم، ثم طلبت منّي أن أكون أكثر سخاء و"فاقد الشيء لايعطيه"؛ فمن أين لأمثالي أن يلمّوا بكل صغيرة وكبيرة؟ ثم لا أُخفي عليك رغبتي الملحّة في الكتابة، حتى وأنا أعاني من مضاعفات "كورونا" سلّمك الله وعافاك، بعد شهر من المعانات.
                  لكن حضورك المستمر يبعث في نفسي كثيرا من الأمل.
                  شكرا لك أستاذي على هذه المؤازرة،
                  ودمت بصحّة وعافية.
                  لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                  تعليق

                  • مصباح فوزي رشيد
                    يكتب
                    • 08-06-2015
                    • 1272

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة سائد ريان مشاهدة المشاركة
                    أتابع بشغف
                    يراعة مطواعة جميلة
                    بوركت و صاحبها
                    تحاياي والثناء
                    تشرّفتُ بهذا الاهتمام.
                    مرورك الكريم أسعدني
                    شكرا على العبارات الجميلة.
                    محبّتي واحترامي لأستاذنا الكريم.
                    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                    تعليق

                    • الهويمل أبو فهد
                      مستشار أدبي
                      • 22-07-2011
                      • 1475

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة مصباح فوزي رشيد مشاهدة المشاركة
                      أهلا وسهلا بك أستاذنا من جديد
                      وأنا أعاني من مضاعفات "كورونا" سلّمك الله وعافاك، بعد شهر من المعانات.

                      ودمت بصحّة وعافية.
                      سلامتك أستاذ مصباح والحمد لله على تجاوزك مراحل المرض
                      دعاؤنا لك بالشفاء التام وجعله الله طهورا وأجر

                      تعليق

                      • بسباس عبدالرزاق
                        أديب وكاتب
                        • 01-09-2012
                        • 2008

                        #12
                        نسأل الله لك الشفاء أخي فوزي
                        بالمناسبة أنا أيضا جذوري شاوية وقد تعرب لسان أجدادي من مدة
                        المهم
                        الجزء الثاني وكما أشار الأستاذ الهويمل أبو فهد، خفتت فيه الشاعرية واللغة لم تكن متوهجة كما تخيلنا، ولكن هذه تعد تجربة، وبما أننا نكتب وننشر هنا لاستطلاع الرأي فحتما نحن نفعل ذلك استعدادا للتعديل والمراجعة، وكم حدث أن حذفت جملا وكلمات، وأحيانا فقرات، حتى وإن كانت جميلة

                        لذا أنصحك أن تعود للنص وأن تغوص جيدا وتملأ الثغرات الزمنية، فقد أحسسنا بثقل في التنقل بين الأزمنة، من المشفى للمدرسة للتدرج في سنوات التعليم، فراغات لابد من ملئها، بروحك ولعبك وحتى طيشك الطفولي، كل القراء يستمتعون بطيش الأطفال

                        إقرأ الجزء الاول واتله بما كتبت اليوم وستدرك الخلل، فالفكرة في رأسك، والرؤية عندك والقصة معك

                        سؤال: أهي رواية تنوي كتابتها؟
                        إن كانت كذلك، فأمامك الوقت لتبث فيها الحياة

                        وأدعو الله لك بالشفاء
                        محبتي وتقديري
                        السؤال مصباح عنيد
                        لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                        تعليق

                        • مصباح فوزي رشيد
                          يكتب
                          • 08-06-2015
                          • 1272

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
                          نسأل الله لك الشفاء أخي فوزي
                          بالمناسبة أنا أيضا جذوري شاوية وقد تعرب لسان أجدادي من مدة
                          المهم
                          الجزء الثاني وكما أشار الأستاذ الهويمل أبو فهد، خفتت فيه الشاعرية واللغة لم تكن متوهجة كما تخيلنا، ولكن هذه تعد تجربة، وبما أننا نكتب وننشر هنا لاستطلاع الرأي فحتما نحن نفعل ذلك استعدادا للتعديل والمراجعة، وكم حدث أن حذفت جملا وكلمات، وأحيانا فقرات، حتى وإن كانت جميلة

                          لذا أنصحك أن تعود للنص وأن تغوص جيدا وتملأ الثغرات الزمنية، فقد أحسسنا بثقل في التنقل بين الأزمنة، من المشفى للمدرسة للتدرج في سنوات التعليم، فراغات لابد من ملئها، بروحك ولعبك وحتى طيشك الطفولي، كل القراء يستمتعون بطيش الأطفال

                          إقرأ الجزء الاول واتله بما كتبت اليوم وستدرك الخلل، فالفكرة في رأسك، والرؤية عندك والقصة معك

                          سؤال: أهي رواية تنوي كتابتها؟
                          إن كانت كذلك، فأمامك الوقت لتبث فيها الحياة

                          وأدعو الله لك بالشفاء
                          محبتي وتقديري
                          شكرا لك أستاذنا على الدّعاء وعلى الارشادات القيّمة. بالفعل أتطلّع إلى كتابة رواية من السّيرة الذّاتية، الواقعيّة. لكن "ليس كلّ ما يتمنّاه المرء يدركه" على ما يبدو. فالأمر يتطلّب مني الجهد والتأنّي وأنا كما سبق لي وقلتُ أُعاني من مضاعفات المرض- سلّمكم الله وعافاكم جميعا من البلاء والأسقام-. أكون قد استعجلتُ الأمور كثيرا لشغفي الشديد بالكتابة فأنا لم استطع قهر النّفس الجيّاشة.
                          شكرا لك مرّة ثانية على المشاعر النّبيلة وعلى النّصائح القيّمة، وسأعود إلى النصّ ثانية وثالثة مادام في العمر بقية.
                          تقبّل منّي أخي "الشّاوي" أجمل التحايا وأخلصها.
                          التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 11-09-2021, 16:34.
                          لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                          تعليق

                          • مصباح فوزي رشيد
                            يكتب
                            • 08-06-2015
                            • 1272

                            #14
                            (3)
                            وفي أحد الأيام عاد أبي إلى البيت ومعه آلة تصوير، وأمرني بارتداء البدلة الجديدة، ونزع رابطة العنق من رقبته وعقدها في عنقي، وطلب منّي اللّحاق به. فتبعته إلى ما وراء سكّة القطار، إلى حيث حقول القمح والشعير المترامية أمام البيت. وبينما أنا أُحاول جاهدا التخلّص من أكواز القمح الفارعة التي كادت تغطّيني بالكامل، استدار أبي، وبحركة تكاد تكون مدروسة ضغط على الزر. فعل ذلك مرّة واحدة ولم يكرّرها ثم عدنا إلى البيت. كم كانت تلك الصورة جميلة جسّدتُ فيها كل معاني الجمال والبراءة، وكم كان أسفي شديدا وأنا أقوم بتمزيقها إلى قطع حين كبرتُ وصرت شابّا يافعا وتغلّب عليّ الجنون والنّزق.
                            عدتُ إلى البيت، ووجدتُ أمّي في الانتظار وهي مسرورة جدّا بهذا الحدث. أمي التي من عادتها متابعة بعض البرامج التي كانت تُبثّ عبر المذياع المعلّق الصّغير، وخاصّة برنامج البيت السّعيد الذي كانت تقدّمه آنذاك مذيعة اسمها (سامية)، وكانت تحرص عليه أشدّ الحرص، وذلك بعد التخلّص من مهام البيت. وذات مرّة سمعتْها تتكلّم في برنامجها اليومي عن "السبانخ"؟، ولم نكن نعرف شيئا عن هذه النبتة في تلك الأيّام. فطلبتْ منّي أن أذهب إلى العم (أحمد)؛ بقّال كنا نقترض منه الخضر والفواكه، ورجل على أبواب الشيخوخة عُرف -رحمة الله عليه- بدعابته ومُزاحه، وخرجتُ من البيت مسرعا يدفعني الفضول لمعرفة السرّ في هذه النبتة الغريبة العجيبة، لكن حين وصلتُ إلى الرّجل خانني الكلام، وتعقّد لساني. وكان عمّي(أحمد) من أطيب النّاس وأذكاهم فتفطّن لحالي، وقال لي مازحا:
                            - جئت وحدك وإلاّ جابوك؟

                            ويقصد بكلمة "جابوك" ساقيّ التي حملتني إليه.
                            ثم سألني عن سبب حضوري فقلتُ له كما طلبتْ منّي والدتي. فلم يستطع الرّجل أن يتمالك نفسه من الضّحك، حتى انتابني الغضب وشعرتُ بالخجل وهممتُ بالانصراف. عندها ناولني حبّة فاكهة وسألني:
                            - من قال لك ذلك؟
                            - أمّي.
                            - هذه كلمة "شاوية" لا تكرّرها أمام الآخرين فيسخروا منك ومن أمّك.
                            وعاد إلى الضّحك من جديد.

                            يتبع …/…

                            التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 13-09-2021, 09:25.
                            لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                            تعليق

                            • سلمى الجابر
                              عضو الملتقى
                              • 28-09-2013
                              • 859

                              #15
                              جميل هذا السرد
                              أتابعكم استاذ مصباح رشيد فوزي

                              تعليق

                              يعمل...
                              X