لعيونك يا احلى روان
ماذا يكلفك الروحات والدلجا
البر طورا وطورا تركب اللججا
كم من فتى قصرت في الرزق خطوته
ألفيته بسهام الرزق قد فلجا
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتق منها كل ما أرتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
المعنى أن صاحب الصبر جدير بنيل حاجته ومن يدمن قرع الباب لا محالة يدخل
و لج من اللجاجة وهي التمادي في الشر والخصومة والتغضب أن يغضب
اظن انه :
القاضي محمد بن بشير القاضي (المتوفى 198ﻫ)
لما استدعى الأمير الحكم ابن بشير ليوليه القضاء بعد وفاة المصعب، عدل في طريقه إلى صديق له عابد يستشيره في ذلك، وكان ابن بشير في أول الأمير يظن أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها، فجرت بينهما هذه المحاورة:
فقال له صديقه: ما أرى بعث فيك إلا للقضاء، فقد مات قاضي قرطبة.
فقال له ابن بشير: فإذا قبلتها فما ترى؟ فانصح لي وأشر عليَّ.
قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء فاصدقني فيها، كيف حبكم لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الفاره؟
فقال ابن بشير: والله ما أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي.
فقال: هذه واحدة، فكيف حبك للوجوه الحسان، وشبه هذا من الشهوات؟
قال: هذه حالة والله ما استشرفت نفسي إليها قط، ولا خطرت ببالي.
قال: هذه ثانية، فكيف حبك للمدح والثناء، وكراهتك للعزل، وحب الولاية؟
قال: والله ما أبالي في الحق من مدحني أوذمني، وما أسر للولاية، ولا أستوحش للعزل.
فقال له: اقبل القضاء ولا بأس عليك.
ذكر أن ابن بشير ولي القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض إخوانه يعتب عليه في صلابته في الحكومة، ويقول: أخشى عليك العزل؛ فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة؛ فما قضى إلى يسيراً حتى حدثت حادثة أظهر ابن بشير فيها صلابته، فكانت سبباً لعزله، فانصرف لبلده كما تمنى؛ فما لبث إلا يسيراً حتى كتب له ليعود إلى منصبه، فعدل كذلك وهو في طريقه إلى قرطبة إلى صديق له زاهد فاجتمع به، وقال له: قد أرسل إلي الأمير، أظنه يردني على القضاء ثانية، فما ترى؟
فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفِّذ الحق على القريب والبعيد، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل فترك الولاية أفضل لك.
قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالي على من أمررته إذا ظهر لي.
فقال له: لستُ أرى أن تمنع الناس خيرك.
فورد قرطبة وولي القضاء ثانية.
وكان سبب عزله كما قال القاضي عياض: أن يده قصرت عن بعض الخاصة ومنع من الحكم عليهم، فحلف بطلاق زوجته ثلاثاً، وعتق مماليكه، وبصدقة ما يملك على المساكين، إن حكم بين اثنين، فعزل، فلما أراد رده اعتذر إليه بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، فأعتق، وطلق، وتصدق، وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه، ومالاً عوضاً عن ماله، ومماليك عوضاً عن مماليكه، ومع ذلك فقد اشترط على الأمير ثلاثة شروط مضمومة، وقال له: إن التزمتها تقدمت، وإلا فلا أقبل البتة؛ والشروط هي:
1. نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق.
2. وإن ظهر لي من نفسي عجز استعفيتك فاعفني.
3. وأن يكون رزقي من الفيء.
فضمنها له، فقبل.
ماذا يكلفك الروحات والدلجا
البر طورا وطورا تركب اللججا
كم من فتى قصرت في الرزق خطوته
ألفيته بسهام الرزق قد فلجا
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتق منها كل ما أرتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
المعنى أن صاحب الصبر جدير بنيل حاجته ومن يدمن قرع الباب لا محالة يدخل
و لج من اللجاجة وهي التمادي في الشر والخصومة والتغضب أن يغضب
اظن انه :
القاضي محمد بن بشير القاضي (المتوفى 198ﻫ)
لما استدعى الأمير الحكم ابن بشير ليوليه القضاء بعد وفاة المصعب، عدل في طريقه إلى صديق له عابد يستشيره في ذلك، وكان ابن بشير في أول الأمير يظن أنه وجه إليه في الكتابة التي قد تخلى عنها، فجرت بينهما هذه المحاورة:
فقال له صديقه: ما أرى بعث فيك إلا للقضاء، فقد مات قاضي قرطبة.
فقال له ابن بشير: فإذا قبلتها فما ترى؟ فانصح لي وأشر عليَّ.
قال له العابد: أسألك عن ثلاثة أشياء فاصدقني فيها، كيف حبكم لأكل الطيب، ولباس اللين، وركوب الفاره؟
فقال ابن بشير: والله ما أبالي ما رددت به جوعي، وسترت به عورتي، وحملت به رجلي.
فقال: هذه واحدة، فكيف حبك للوجوه الحسان، وشبه هذا من الشهوات؟
قال: هذه حالة والله ما استشرفت نفسي إليها قط، ولا خطرت ببالي.
قال: هذه ثانية، فكيف حبك للمدح والثناء، وكراهتك للعزل، وحب الولاية؟
قال: والله ما أبالي في الحق من مدحني أوذمني، وما أسر للولاية، ولا أستوحش للعزل.
فقال له: اقبل القضاء ولا بأس عليك.
ذكر أن ابن بشير ولي القضاء بقرطبة مرتين، وكان بعض إخوانه يعتب عليه في صلابته في الحكومة، ويقول: أخشى عليك العزل؛ فكان يقول: ليته رأى الشقراء تقطع الطريق إلى ماردة؛ فما قضى إلى يسيراً حتى حدثت حادثة أظهر ابن بشير فيها صلابته، فكانت سبباً لعزله، فانصرف لبلده كما تمنى؛ فما لبث إلا يسيراً حتى كتب له ليعود إلى منصبه، فعدل كذلك وهو في طريقه إلى قرطبة إلى صديق له زاهد فاجتمع به، وقال له: قد أرسل إلي الأمير، أظنه يردني على القضاء ثانية، فما ترى؟
فقال له صديقه: إن كنت تعلم أنك تنفِّذ الحق على القريب والبعيد، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فلست أرى لك أن تحرم الناس خيرك، وإن كنت تخاف أن لا تعدل فترك الولاية أفضل لك.
قال ابن بشير: أما الحق فلست أبالي على من أمررته إذا ظهر لي.
فقال له: لستُ أرى أن تمنع الناس خيرك.
فورد قرطبة وولي القضاء ثانية.
وكان سبب عزله كما قال القاضي عياض: أن يده قصرت عن بعض الخاصة ومنع من الحكم عليهم، فحلف بطلاق زوجته ثلاثاً، وعتق مماليكه، وبصدقة ما يملك على المساكين، إن حكم بين اثنين، فعزل، فلما أراد رده اعتذر إليه بتلك الأيمان، فعزم الأمير عليه، فأعتق، وطلق، وتصدق، وأخرج إليه الأمير جارية من جواريه، ومالاً عوضاً عن ماله، ومماليك عوضاً عن مماليكه، ومع ذلك فقد اشترط على الأمير ثلاثة شروط مضمومة، وقال له: إن التزمتها تقدمت، وإلا فلا أقبل البتة؛ والشروط هي:
1. نفاذ الحكم على كل أحد ما بينك وبين حارس السوق.
2. وإن ظهر لي من نفسي عجز استعفيتك فاعفني.
3. وأن يكون رزقي من الفيء.
فضمنها له، فقبل.
تعليق