الروائي محمد جبريل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #31
    كتابات الرواد. .. المجهولة

    بقلم: محمد جبريل
    ................

    أثار الصديق الناقد نبيل فرج في جريدة "القاهرة" قضية المقالات التي لا يعني أصحابها من الأدباء الكبار -في حياتهم- بتجميعها في كتب. فلا تجد -بعد الرحيل- من يعني بعملية الجمع يقتصر مراجعوها علي الدارسين. علي الرغم من أهميتها في التعبير عن فترات تاريخية. أو قضايا فكرية وإبداعية.
    أذكر أني وجدت في إشرافي علي كتب دوري فرصة لتجميع الكثير من المقالات التي أهمل أصحابها من كبار المفكرين والأدباء ضمها في كتاب جمعت ذكريات فتحي رضوان مع جمال عبدالناصر التي نشرها في مجلة خليجية. وحين استأذنت رضوان في إصدارها في كتاب بالاسم الذي اختاره لها وهو "72 شهرا مع عبدالناصر". صارحني الرجل أنه قد نسي هذه المقالات تماما. وأحدثت الذكريات -عند صدورها- ردود أفعال لافتة. وأصدر كتاب الهلال طبعة ثانية. أضفت إليها مقالة عن علاقة عبدالناصر بعمه خليل لم أكن فطنت إلي وجودها بين أوراقي.
    الشيء نفسه حدث مع عبدالفتاح أبوالفضل نائب رئيس المخابرات الأسبق. من بين آلاف الأوراق التي وضعها أمامي. اخترت مادة كتابه "كنت نائبا لرئيس المخابرات" وعهدت إلي الأديب الراحل الداخلي طه بإعادة صياغة بعض خطب الجمعة التي ألقاها -شفاهة بالعامية- الإمام الشعراوي. وضمنتها كتابا بعنوان "هذا هو الإسلام".
    اتصلت بأحمد بهاء الدين أطلب مقالاته في مجلة "المستقبل" الباريسية. رحب بالفكرة. لكنه فضل أن ينشر المقالات بواسطة ناشره.
    وطلب يوسف إدريس أن اتصل به قبل أسبوعين من مكالمتنا الهاتفية. حتي ينتهي من إعداد كتاب -تنقصه بعض اللمسات- عن علاقته بثورة يوليو وبتحمسه المعروف روي لي إدريس -عبر الهاتف- ما تتضمنه فصول الكتاب الذي انتهي -كما قال- من وضعه وحين اتصلت به فاجأني بأنه نسي الأمر تماما وأدركت أنه لم يكن قد ألف الكتاب. وأنه اكتفي بالرواية الشفهية دليلي أنه لم يصدر للرجل -حتي الآن- ما يشي بهذا الكتاب!
    زرت عبدالرحمن الشرقاوي في "الأهرام" أبدي تحمسه للفكرة. ووعد أن يضع في يدي ما صدر له من مقالات. لتصنيفها وإصدارها في أكثر من كتاب كان يعاني مرضا ألزمه مد قدمه -معتذرًا- علي كرسي مقابل واتصل بي الشرقاوي ذات مساء. يبلغني أنه يعد نفسه إلي الخارج. ووحددنا موعدًا يسلمني فيه -عقب العودة- مقالاته المنشورة في الصحف لكن الشرقاوي عاد إلي مصر دون أن تزايله تأثيرات المرض. ثم ماتت الفكرة بموت الشرقاوي.
    ظني أن الاجتهادات الببليوجرافية يجب ألا تقتصر جدواها علي الدارسين. فلابد من إصدارها في كتب ولعلي أجد في مقالات المازني -له مقالات كثيرة لم تصدر في كتب- والزيات وشكري وأحمد عباس صالح ونعمان عاشور وغيرهم. كنوزًا ثقافية. من المهم أن تطالع القاريء في تعدد مستوياته الثقافية.
    أعرف أن هيئاتنا الثقافية التابعة للدولة تعاني في اختيار ما تدير به مطابعها ومن المؤكد أن هذه الكتابات الريادية تمثل ملمحًا مهمًا في وجه ثقافتنا المعاصرة.
    ...................................
    *المساء ـ في 24/11/2007م.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #32
      مجلة ثقافية جديدة

      بقلم: محمد جبريل
      ...............

      أياً تكن التسمية ستطلق علي المجلة الثقافية الجديدة التي أعلن الدكتور أحمد نوار رئيس هيئة قصور الثقافة عن قرب صدورها. فإنها تلبي احتياجا حقيقيا للساحة الثقافية.
      كانت "الكاتب المصري" هي المجلة التي قدم من خلاله طه حسين عشرات الأعمال الجادة. ما بين مؤلفة ومترجمة. وكانت "عالم الكتاب" هي المجلة التي تواصل صدورها أعواماً. وأسهمت في ملاحقة إصدارات المطابع. بما شكل "فاترينة" متجددة أمام الدارسين ومحبي القراءة. أما "الكاتب" فهي المجلة التنويرية المهمة التي تعاقب علي رئاسة تحريرها عدد من أبرز المثقفين المصريين: أحمد حمروش وأحمد عباس صالح وصلاح عبد الصبور. وحاولت أسرة تحريرها مقاومة القرار المتعسف بإغلاقها. لكن حجب الدعم المادي عجَّل بالنهاية القاسية.
      المجلة المشروع اختير لها اسم من الأسماء الثلاثة التي أشرت إليها. وعلي الرغم مما يثيره كل اسم من دلالات مهمة. فان مجرد إصدار مجلة ثقافية جديدة هو حدث يستحق الاحتفاء.
      كانت بعض القيادات السابقة لهيئة الكتاب مولعة بالإلغاء. لم يكن التطوير واردا إنما الحل الأسهل هو إغلاق الباب الذي قد تأتي منه الريح. وغابت عن حياتنا مجلات يصعب تعويضها. أذكرك بمجلة يحيي حقي. وفكر زكي نجيب المعاصر. وقاهرة إبراهيم حمادة وغالي شكري. وعالم كتاب سعد الهجرسي. ومجلات أخري مثلت نوافذ لكتابات الأدباء والشعراء والمفكرين.
      وبصراحة. فإن أزمة النشر الحادة التي بلغت حد تقاضي ناشرين مبتزين حق الطباعة من الكتاب بدلا من أن يتقاضي الكتاب مقابلا لما يكتبون.. هذه الأزمة لن تمثل الكتب حلها الوحيد. فالكتاب في الأغلب يؤلفه كاتب واحد أما المجلة فإنها تستوعب الكثير من الكتابات في العدد الواحد. والأمر بالطبع لا يقتصر علي أزمة النشر. لكنه يتجاوزها بحيث تصبح هذه المجلات ملتقيات تطرح فيها الإبداعات الحديثة. والدراسات التي تعني بالتأصيل. وتقديم وجهات النظر الموضوعية وتحريك الراكد بعامة. وفي الموازاة. إعادة المعارك الفكرية إلي مسارها الصحيح.. القديم. بعيدا عن المتاجرة والابتزاز والشللية ومحاولات فرض الوصاية.
      اسم المجلة يجب ألا يستوقفنا. المهم أن تبدأ خطوات إصدارها. لتلبي احتياجا فعليا للثقافة والمثقفين.
      هامش:
      تقول الكاتبة الإيرانية الراحلة فروغ فزخزاد: أؤمن بأني شاعرة في كل الأوقات. أن يكون المرء شاعرا يعني أن يكون إنسانا. أعرف بعض الشعراء الذين لا تمت تصرفاتهم اليومية إلي قصائدهم بصلة. بمعني آخر. هم فقط شعراء يكتبون الشعر. بعدئذ ينتهي الأمر. ويتحولون إلي أشخاص جشعين. منغمسين في اللذات قامعين قصيري البصيرة. يائسين وغيورين لا يمكنني أن أصدق قصائدهم أنا أقدر وقائع الحياة. وعندما أجد هؤلاء السادة يصرخون ويصيحون في قصائدهم ومقالاتهم ينتابني القرف. وأشك في نزاهتهم. أقول لنفسي: ربما يصيحون لصحن من الأرز فقط!
      ....................................
      *المساء ـ في 1/12/2007م.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #33
        الواقعي والمتخيل فى رواية «كوب شاي بالحليب»

        بقلم: شوقي بدر يوسف
        ....................

        مدخل :
        تفصل بين الواقعى والمتخيل شعرة رفيعة ، غير مرئية ، لكنها محسوسة ، تصل الواقع بهواجس الذات وتوجهاتها ، وتفرض حقيقة الفعل الواقعى ورد الفعل التخييلى المصاحب له فى تعامل الإنسان مع ذاته ، ومع ما يدور حوله من ممارسات ، قد تكون هذه الممارسات غرائبية بالنسبة له ، وقد تكون غير مألوفة فى واقعه الذاتى ، إلا إنها تمثل مرحلة الوعى ، ومنطقة الإدراك ، وبؤرة التمييز بين ما هو حقيقى ، وبين ما يدور فى منطقة الهواجس من موضوعات يتمثلها المرء ، ويرسم لها حدود الاسترجاع ، والاجترار فى واقعه الآنى .
        ولا شك أن القدرة التخييلية لاسترجاع الواقعى تجرنا فى بعض الأحيان إلى الإحساس بهذا الواقعى الذى ولى ، ومضى ، وكأنه حقيقة نراها الآن ، ونشعر بها ماثلة فى أذهاننا ، بينما هى فى الحقيقة منطقة موجودة فى اللاوعى تبدو وكأنها ذات قدرة على التشكل والتلون والظهور مرة أخرى بمظهر مغاير لما كان يدور فى المخيلة ، وأن محاولة استعادتها مرة أخرى ، ومعاودة استرجاع أحداثها التى مرت عليها سنوات طويلة ، تجعل التلاحم بين الواقعى والمتخيل مؤسساً لواقع جديد ، هو لا شك واقع إبداعى آنى له آليته الخاصة ، قد يختلف عن الواقع الواقعى فى أنه مشحون برؤية فردية أو جماعية خاضعة لقوانين المكان والزمان فى شكلها الذى ينتسب إلى التجربة الروائية فى كثير من الأحيان .
        والروائى اليوم ينطلق فى أعماله بدافع التفاعل مع ما يدور فى عصره ، وبدافع التعامل مع المخيلة فى وظيفتها الإبتكارية فى سرد القضايا الدائرة فى حدود عالمه ، والتى قد تكون مختزلة ومختزنة فى بعض الأحيان فى منطقة اللاوعى ، وتلح فى الظهور من آن لآخر ، بحيث يصبح تشكيل مفردات هذا العالم بكل ما كان يحمله من تاريخ وقضايا وشخوص هو الحالة الآسرة لهاجس الكتابة ، وتكون تجليات هذا التشكيل هى المحور الأساس فى التعبير عن واقعه الذاتى والموضوعى من خلال المتخيل ، وما ينداح عنه من موضوعات تؤرّق الكاتب وتمس جوهر الممكن والمحتمل فى عالمه الخاص .
        ولا شك أن رواية " كوب شاى بالحليب " للكاتب الروائى محمد جبريل تمتح من هذه الإشكالية ، إشكالية الواقعى والمتخيل ، كما أنها تعمل أيضا على استعادة واقع سردى شبه سيرى تتشكل هواجسه من محاولة تجسيد نسيج عام من ضروب الأحداث المعتمدة على نسيج آخر من التاريخ الواقعى ، يمتزج فى العديد من محاوره بالمتخيل السردى ، وما يصحبه من وجهات نظر خاصة تتمشى وتتوافق مع أحداث شبه مضمرة ، تأخذ من الواقع ملامح وجودها من خلال مجموعة من الشخصيات المتباينة فى الطبيعة ، وفى الاتجاهات ، جمعتها الظروف فى مكان له خصوصيته يرمز إلى واقع يمتد فضاؤه ليشمل هذه الذوات القادمة من أماكن لها أبعادها الخاصة ، من سوريا وفلسطين والبحرين والسودان وتونس ومن مصر أيضاً ، الجميع يجمعهم بنسيون قائم فى هذه المنطقة الشعبية من وسط القاهرة ، كما تجمعهم أيضاً طبائع إنسانية محددة ، ولكنهم يختلفون فى أنماط الممارسات ، وما يتحلق حولها من تسييس لرؤيتهم الذاتية تجاه بعض القضايا الماسة لذواتهم ، وبعض الممارسات الطبيعية التى يفرضها عليهم الواقع فى ظروف مثل ظروف معيشتهم داخل البنسيون ، كالأكل والجنس وممارسة الحياة بكافة تعقيداتها كيفما تكون ، لكل منهم سيرته الذاتية الخاصة ، ولكل منهم وضعيته ، وحياته النابعة من سلوكياته .
        وتعد شخصية سمير دسوقى الشخصية المحورية داخل النص والراوى المشارك فى الأحداث ، حيث تمثل شخصيته فى بؤرة الحدث الرئيسى البعد الواقعى النابع والمعتمد على جانب سيرى يفرض نفسه على طبيعة النص ، وهو يحدد منذ البداية ، الواقعى ، السيرى المستمد من تاريخ الشخصية التى هى فى بعدها الرئيس تبدو وكأنها هى شخصية الكاتب بكل ما تحمل من مقدّرات ، وقدرات خاصة ، وبواكير فى ممارساتها الحياتية فى مطلع الشباب ، فمعظم الشخصيات تعيش واقعها المؤقت فى البنسيون فى بدايات الحياة العملية ، بعضهم طلبة من جنسيات مختلفة السودانى والسورى والفلسطينى والتونسى والبحرينى ، وبينهم تاجر من سوريا واثنان من الموظفين المصريين نقلا إلى القاهرة بحكم عملهما ، هذه الشخصيات يجمعهم مناخ الاغتراب فى تيار حياتى له سطوته الخاصة ، ويتفجر دائماً ، ويعكس طبيعة البيئة ، كما تتحلق حولهم " عنابر " وهى امرأة تقوم على خدمتهم داخل البنسيون ولهم فيها مآرب أخرى ، بعكس شخصيات بنسيون " ميرامار " لنجيب محفوظ فقد كانوا فى الجولة الأخيرة من حياتهم ، وكانوا يرزحون تحت واقع من المتناقضات ، والصراعات الدائرة من داخل الذات وخارجها .
        السيرة الروائية :
        فى الحالة الإبداعية للروائى محمد جبريل يصعب وضع حد فاصل بين النص الروائى فى عالمه وبين سيْرنة هذا النص ، إذ أن الحالتين ممتزجتان فى العديد من جوانبهما ، كما أن عنصر الالتباس يكاد يفرض نفسه على هذه الحالة الروائية المطروحة أمامنا بجميع مقوماتها . فنحن فى كتاباته السيرية فى " حكايات من جزيرة فاروس " ، و " الحياة ثانية " ، و " مد الموج " ، ثم فى " كوب شاى بالحليب " نكاد نستبين نصوصاً ملتبسة تتأرجح ما بين السيرة الذاتية والروائية ، ومع ذلك فهى لها ذائقتها الخاصة، لكننا أيضاً نجد واقع السيرة الذاتية كما حددها كل من فيليب لوجون وجورج ماى فى تنظيراتهما حول هذا الفن ، تمتزج فى بنية هذه النصوص ، كما أن أعماله الروائية الأخرى نجد فيها أيضا شخصيته الذاتية قد تكون مضمرة داخل بنية النص ، وأحياناً أخرى تكاد تفصح عن نفسها تماماً . وفى روايته " كوب شاى بالحليب " تظهر فى بنية النص علامات تدل على أن معمار هذا النص يأخذ من النص السيرى ليمتح فى الواقعى الآنى ، ويحدد وقائع رواية سيرية تمتزج فيها أبعاد الواقعى مع هواجس المتخّيل فى رؤية وتجربة ، مضافة إلى هذا العالم المجسد للتاريخ الاجتماعى لشخصيات الكاتب المستعادة فى معظم نصوصه تقريباً ، فالسرد قد جاء فى هذا النص بضمير المتكلم ، والشخصية واضح من تركيبتها الأساسية ، وبواكير ممارساتها داخل النص ، أنها تبحث لنفسها عن مكان فى هذا العالم منذ أن وعت أن عالم الصحافة هو عالمها الخاص ، وهى سمة تكاد تتطابق مع تجربة الكاتب الذاتية تماماً ، كما أن المكان الجديد الذى بدأ يبحث لنفسه عن موضع قدم فيه كان هو الآخر غير المكان الأصيل لعالمه وهو الإسكندرية ، أى أنه قد ترك الإسكندرية ليمهد لنفسه طريقاً إلى المختبر الجديد ، مختبر الصحافة ، وكانت القاهرة هى محط الأنظار بمركزيتها ، ومكانتها الإعلامية الكبيرة . كما أن وجود بعض الأسماء فى عالم الصحافة مثل سعد الدين وهبة ، وأحمد عباس صالح ، ونعمان عاشور ، وطوغان، والذين جاء ذكرهم فى سياق السرد قد أصل أيضاً هذا البعد السيرى ، وحدد من خلاله البعد الرئيس لهذا الجانب ، لارتباط هذه الشخصيات بالذاكرة الجمعية فى عالم الثقافة فى بواكيرها الأولى عند الكاتب . إضافة إلى أن الأحداث السياسية التى صاحبت تواجد الراوى فى القاهرة فى تلك الفترة المرتبطة بالوحدة بين سوريا ومصر هى الفترة نفسها التى بدأ فيها الكاتب حياته العملية ، وهى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى . لذا نجد أن الواقعى التاريخى فى حياة شخصية سمير دسوقى فى رواية " كوب شاى بالحليب " هو نفسه البعد السيرى الذى يرويه الكاتب على لسان الراوى – الذى يمثل الكاتب – وهو هاجسه الخاص وسط هذا الكرنفال السائد فى أرجاء البنسيون الذى أقام فيه بالقاهرة وسط لهجات مختلفة ، وأنماط متباينة من البشر ، ووجهات نظر متعددة تضطرب معها علاقات المعنى والقيمة : " فالجميع يتحدثون فى الفن والأدب والموسيقى والرياضة وأحوال الجو وزحام المواصلات ومباريات كرة القدم ، يخوضون فى مناقشات ودعابات ، يتبادلون قراءة المنفلوطى والحكيم ومحفوظ والسباعى وجوركى والشرقاوى وطه حسين وحقى وتشيخوف ومكاوى وباكثير وقصائد شوقى وحافظ ونازك الملائكة والسياب وكتابات فرويد وسارتر وكولن ولسن ومندور والعقاد وسلامة موسى " . بجانب هذا الزخم الثقافى والمعرفى يبدو الجنس وكأنه وجبة دائمة وميسّرة لسكان البنسيون " : اعتاد الطرقات على باب الشقة يفتحه ويتراجع ، وهو يخفض رأسه ، أو يتجه إلى الفراغ، تدخل المرأة باندفاعة – اندفاعة دائماً – كأنها تلوذ بالبنسيون من مطاردة " .
        ولا شك أن البناء الذى أنتجه الكاتب تتبدى فيه التقنيات الروائية المعروفة ، ويلتقى فيه الواقع بالمتخيل ، والممكن بالمحتمل ، والرصد بالتنبؤ ، والتحليل بالتركيب ، كل هذا يخرج من دائرة البطل الذى يدفعه الحاضر ليسترجع ماضيه ، خاصة بواكير تجربته الأولى فى الحياة العملية بكل ما تحمل ، فى بنية سردية سيرية ولكن من منظور روائى ، وكما قال جابر عصفور عن العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية " العلاقة وثيقة بين كتابة السيرة الذاتية وكتابة الرواية من هذا المنظور ، وسواء كنا نتحدث عن تقنيات السيرة الذاتية الأدبية ، أو عن " رواية السيرة الذاتية " أو " رواية الفنان " أو " رواية الروائى " أو ما شابه ذلك ، فإن تداخل الحدود لافت فى المجال السردى الذى يؤلف بين رغبة الاعتراف والبوح ورغبة السرد والقص، وكلتاهما رغبة ملازمة للأخرى فى دلالتهما على بعض ملامح الإنسان المعاصر الذى استبدل الاسترخاء على أريكة المحلل النفسى بالجلوس على مقعد الاعتراف فى الكنيسة ، وبعض ملامح الروائى المعاصر الذى استبدل الكتابة المباشرة عن ذاته اكتشاف هذه الذات وإعادة بنائها فى علاقات الرواية التى تصل الخيالى بالواقعى، والحقيقى بالمجازى ، عبر تعاقب أزمنتها المتداخلة " ( جابر عصفور : زمن الرواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999 ص 57 ) .
        وهذا هو ما احتفى به محمد جبريل فى روايته " كوب شاى بالحليب "، حين استخدم تفاعلات الواقعى بالمتخيل ، فى إقامة سرد سيرى حمل فيه من رواية السيرة الذاتية ، وتجربة الاعترافات ، ورواية الروائى ، إضافة إلى زخم من الشخوص لها تفاعلها الذاتى والكيميائى ، فالكاتب فى هذا النص يكتب عن الآخرين باستفاضة ملفتة ، ثم نكتشف أنه يكتب عن نفسه ، هو يؤرخ للآخرين ، ويستحضر تاريخاً سياسياً مرت به المنطقة ، وتفاعلت معه ، وعايشه معايشة كاملة ، وشارك فى الحديث عنه ، وفى تسييس وقائعه ، وفى الوقت نفسه نجد أن هواجسه المتخيّلة لها نفس الإشكالية .
        الواقع المسّيس
        لعب الواقع المسيّس دوراً أساسياً داخل النص فى بلورة قضايا وإشكاليات فرضت نفسها على هذا الواقع من خلال تنوع الشخصيات ، حيث يبدو الواقعى المسيّس فى حوار الشخصيات ومناقشاتهم حول ما يدور فى قضايا الساحة من صراعات سياسية وأيديولوجية ، خاصة ما طال منها موضوع الوحدة بين سوريا ومصر ، والحالة الرافضة هناك فى " الإقليم الشمالى " سوريا للقيود الجديدة المستمدة من واقع الحال فى " الإقليم الجنوبى " مصر ، والإفصاح عن أسماء الضباط السوريين الذين بادروا بالانفصال ، والآلية التى نوقشت بها هذه القضية . فالحوار الذى دار بينهم حول العديد من القضايا ، والتى من بينها القضايا السياسية الساخنة ، يضفى على بنية النص بعداً تمهيدياً لما سيسفر عنه الفعل الروائى بعد ذلك . ولعل المواقف الجنسية كانت هى الطرف الآخر من الخيط ، والمكمل للمواقف السياسية الدائرة على الساحة ، والتى تشغل بال سكان البنسيون ، خاصة فى أوقات المساء ، باعتبار أن الجميع طرف فى القضايا المطروحة من بعيد أو قريب . كما كان الجنس وتوابعه فى البنسيون يرمز إلى الطبيعة الإنسانية الباحثة عن المتعة الشبقية ، بجانب البحث عن متعة المناقشة والجدل حول القضايا السياسية الساخنة ، والقضايا التى تشغل بال العامة والخاصة فى ذلك الوقت .
        ومن ثم كانت السياسة والجنس وتوابعهما فى البنسيون يرمزان إلى أنهما وجهان لعملة واحدة داخل هذا المكان ، وأن من يتعاطى السياسة ، ويدلى فيها بدلوه هو الذى يدلى بدلوه أيضاً فى دوامة الجنس ، وضبابيته المسيطرة على واقع المكان الرامز إلى الواقع العام . ولعل تسييس الواقع داخل النص وبلورة المتخيّل فى تأصيل واقع كل شخصية ، قد أعطى النص مواقف متشابكة ومتداخلة .
        فالشخصيات المتحررة من قيود التركيب ، والباحثة فى نفس الوقت عن متعة الحياة ، والمتواجدة فى ساحة البنسيون ، ترمز إلى الرأى العام الذى كان يرزح آنذاك تحت وطأة وأثقال المغيبّات بأنواعها المختلفة ، وقد كان الجنس وجدل السياسة هما أهم أنواع هذه المغيبّات ، والوهم المستبد بالجميع .
        زمن سادوم وعامورة
        يحتل الجنس فى رواية " كوب شاى بالحليب " مساحة تبدو داخل البنسيون وكأنها مساحة الزمن كله ، فهو فى تنويعاته المختلفة يعبر عن واقع هذا الزمن ، ولعل الاهتمام الزائد بالجنس فى الرواية ، وما يمثله من بؤرة دالة تشغل مساحة كبيرة من النص ، يمثلها هذا المجتمع شبه المغلق ، بل إن المكان ذاته وهو يحاصر هذه الأجساد ويحتويها ويجعلها خاضعة للحاجة ، إنما يعبر عن طبيعة الزمن ، إضافة إلى طبيعة المكان ذاته ، وطبيعة المشاعر الحاصلة فيه ، ولعل الرغبات الجامحة أيضاً عند بعض شخصيات الرواية تعطينا دلالة على أن المتعة الشبقية العابرة كانت هى عقدة الجميع داخل هذا المكان ، وأن لكل رغبته الذاتية التى يعوّل عليها فى متعته مع الجنس ، وأن الجسد المباع كان هو الآخر يمثل بعداً تأويليا لمنطق هذا الزمن الحافل بالتهرؤ والزيف والفساد . فجميع النساء اللاتى وطئن أرض البنسيون بما فيهن " عنابر " التى تعمل لخدمة النزلاء ، كن من نسيج هذا الزمن ، بل إنهن من صنعه ، لكل حاجته الخاصة المادية والإشباعية ، فالعقدة الأوديبية عند الراوى دفعت به إلى امرأة تعدت الأربعين ، أعطاها عنوانه وهو يعرف فى عقله الباطن أنها ستحضر إلى البنسيون ، بعد أن كان كثيراً ما يغض الطرف عن رغبته وحاجته الخاصة للجنس ، وسط هذه الحالة العامة التى عايشها بين زملائه من نزلاء البنسيون، وكانت تلك هى المرة الأولى التى مارس فيها الجنس فى هذا المكان ، وإن كانت له محاولات لا تتعدى الملامسة والقبل . وإذا تتبعنا ملامح الأيروسية عند باقى النزلاء فسنجد أن المكان والزمان كليهما كانا يعبران عن هذه الأيروسية دون مغالاة ، بل ودون مبالاة أيضاً ، حتى أن صاحب البنسيون نفسه عندما حضر فى زيارة روتينية لم يعر مظاهر الجنس التى سمع عنها أى شيء ، إنما كان همه فقط أن الحديث عن السياسة من وجهة نظره هو الممنوع داخل البنسيون ، ذلك أن الجميع كانوا يعيشون الجنس من خلال الواقعى والمتخيل فى آن واحد ، بما فيهم " عنابر " المرأة التى تقوم على خدمتهم، هم يمارسون الجنس بواقعيته المعهودة ، لكنهم ينفذونه بمتخيلهم الخاص وطبيعتهم الذاتية ، فجلال ضيف الله يهمل المقدمات فى العلاقة الجنسية ، ويقتحم هذه العلاقة مباشرة ، ولا يشغله ما تريده المرأة ، أو ترفضه ، فهى إناء يفرغ فيه ما يلح عليه ، ثم إنه يترك لها النقود على السرير ويغادر الغرفة قبل مغادرة المرأة لها . كما أن له فلسفته الجنسية الخاصة " كان يشتهى الكاحلين بقوة ، يتطلع إلى لحظة – تبدو قاسية فيرجئها – يلامس فيها المساحة التى أحبها من ساق المرأة ، يتشممها، يلعقها، يدفس قضيبه – إن استطاع – فيها، يستغنى عن اللحظات التى يتحدث فيها ، ويتصورها ، من يعيشون فى البنسيون ، ويترددون عليه " . وقد أتى ذات مساء ببائعة فجل من ميدان باب اللوق ليمارس معها الجنس معللاً ذلك بأن رائحتها أثارته .
        أما الفلسطينى غسان جبر زميله فى الحجرة فقد كان له وجهة نظر خاصة تجاه الجنس تنبع من مخيلة ذاتية ، فهو يتطلع إلى هذه العلاقة من خلال علاقة حسية وذاتية كاملة ، الجنس جزء منها ، والباقى علاقات تتواصل من خلال العاطفى والثقافى معا " كان يتطلع إلى علاقة الحب بين دماغين ، يصعب إهمال العلاقة الحسية ، لكنها تمثل علاقة فى ذاتها ، هى جزء من كل ، يقرأ وتنصت، تقرأ وينصت ، يتناقشان ، يتفقان ، يختلفان ، يشتد الميل فتتلامس الشفاه ، ربما استغرقهما العناق ثم يعودان إلى ما كانا يقرآنه " , ولما كانت أمه هى المرأة الوحيدة التى يعرفها معرفة كاملة ، إضافة إلى واقعه المادى والرومانسى ، فقد كانت التجربة الجنسية المفاجئة له فى البنسيون تكاد تنحصر فى علاقات قليلة من خلال أنه يريد أن تعطيه المرأة نفسها عن اقتناع ، وبمحض إرادتها هى لا برغبته الجنسية هو " يقرفه أنها تعرى أسفل جسدها ، وتنتظر رد الفعل دون أن تنظر فى عينيه " . أما شخصية السودانى جزرة الشفيع فقد كان على النقيض من الجميع فى عشقه للجنس لذاته ، لا يهمه شكل المرأة ولا ملامحها ، يمارس الجنس فى أى وقت ، وفى أى مكان داخل البنسيون ، ولا يشغله حتى وجود من يتابع الحدث ، هى بالنسبة له أمور ثانوية تافهة ، حتى أن سمير دسوقى كان يرى بنفسه ما يفعله جزرة ، وكانت تذهله هذه الجرأة التى كان عليها " أمام النافذة المغلقة المطلة على شارع منصور ، رأى جزرة يتبادل القبلات مع امرأة ، بدت الرغبة الحسية حياته . دافعاً إلى التفكير، وإقامة العلاقات . كان يقدم على فعل الجنس فى أى مكان ، فى الحجرات، فى الصالة ، فى الطرقة بين الحجرات . لم يكن فى حياته ما يفوق الجنس . اهتياج جسده يفاجئه فى لحظات لا يتوقعها ، قد يحركه تصرف أو عبارة ، ينتهز فرصة خلو البيت فترة الصباح ، يمارس الجنس مع عنابر فى حجرات البنسيون . الحجرة التى يقفان أمام بابها . يحرص على اللحظة ، يطيلها ، حتى الحمام كان يغلقه عليه ، ويمارس الحب ، يتفنن فى أوضاع العلاقة ، يحاول إطالة لحظات المتعة، ربما ترك للمرأة اختيار الوضع الذى تفضله . لم يكن يشغله وجود من يتابع الحدث " .
        فى معرض لوحاته وتجسيده الواقعى وهواجس التخيل يبدو الجنس فى رواية " كوب شاى بالحليب " محمّل بالحالتين ، إلا أن الواقعى منه يتحرك تحت قشرة ذاتية ، تختبئ وراءها هواجس المتخيل الدافعة إلى تفاعل الرغبة بهذه الطريقة المفرطة . ولا شك أن للمكان دور فاعل فى إذكاء هذه الحالة حتى إنها تتحول ـ فى بعض الأحيان ـ إلى أسلوب حياة لا يمكن الاستغناء عنه . وهو ما وضح فى ممارسات معظم الشخصيات التى عاشت بطبيعتها الذاتية داخل البنسيون . والبنسيون ـ كمكان ـ يستمد سطوته من الحرية التى يشعر بها النزلاء ، خاصة فى غيبة الوعى والإدراك ، وتعتمل فيه سطوة الجنس لتشمل الجميع حتى ضعفاء الرغبة سرعان ما نجدهم يتحولون إلى النقيض . إلا أن الجانب المعتم من أعماق النفس كثيراً ما يجد بصيصاً من نور ، يتمثل فى محاولة الضمير رأب الصدع الذى يصيب أعماق النفس المظلمة والمعتمة ، يغذيه أحياناً الضغط النفسى وعذاب الضمير . لذا كانت قملة العانة التى أصابت سمير دسوقى فى إحدى ممارسته الجنسية ، والتى ـ ربما ـ أتت بها " مارى "، هى مرحلة التحوّل التى أصابت الجميع داخل البنسيون . ولعل ظهور هذه الحشرة فى نهاية النص ، مع الأخبار التى وردت بحركة الانفصال بين مصر وسوريا ، كان هو الكابوس الفظيع الذى خيم على مناخ الحالة العامة والحالة الخاصة ، وكأنه حشرة كافكا التى تلبسته فى صباح أحد الأيام بطريقة مفاجئة . لقد استحضرها الكاتب ليعبر من خلالها عن المتخيّل المستقر فى البنسيون ، وفى مصر كلها " : استغرقه صمت الليل والقراءة ، انتفض لرؤية حشرة تتحرك فى أعلى الصفحة ، قذف الكتاب دون أن يتدبر رد فعل الصرخة .
        رمق رصات الكتب بنظرة متشككة . هل يحرقها ؟
        أيقظته يد وردى المتقلصة على كتفه ، وهو يغالب الحشرة الهائلة ، استطالت ، تضخمت ، بدت جسما شائهاً له آلاف الأعين والأقدام والأرجل ، يملأ فراغ الحجرة إلى الجدران والسقف ، تهم بابتلاعه " . ملأت الحشرة المتخيل الواقعى عند سمير دسوقى بحيث أصبحت رفيقته فى صحوه وأحلامه ونومه ، أصبحت هى الواقعى فى حياته ، وفى هاجسه المتخيل ، تبدو وكأنها كابوس يختلط بكل شئ حوله ، ووسط هذا الكابوس الكبير فى حياتهم داخل البنسيون . وفى ذروة تعاملهم مع حشرة العانة يسمعون خبر الانقلاب السورى على الوحدة ، ويسمعون أسماء قادة الانفصال النحلاوى والكزبرى وغيرهم . آراء متعددة حول الوحدة وما حدث لها . أخبره الطبيب بأن الحشرة فى حياتهم ما هى إلا وهم ، ووهم كبير . بلغ الوهم عند سمير دسوقى قمته بحشرة العانة ، وبفشل الوحدة بين سوريا ومصر و لم يوقظه من هذا الوهم سوى العودة إلى الإسكندرية مسقط رأسه . ويترك الجميع البنسيون بناء على طلب الحاج كامل مهدى صاحب البنسيون . ويودع كل منهم صاحبه .
        قال الزهراوى لسمير دسوقى وهو يودعه : " سأفتقد دعوتك على كوب الشاى بالحليب "
        بهذا النص الملتبس ما بين الرواية والسيرة والمكدس تكديساً لا حد له بالوقائع والأحداث التفصيلية ، وبهذا الوهم الكبير الذى عاشه الجميع سواء على مستوى الحياة الكبيرة فى مصر وسوريا ، أو على المستوى الخاص داخل البنسيون ، وما واجهه الجميع فى الواقعى والمتخيل ، نجد أن النص يتخذ شكل التعبير التسجيلى والتقرير الشديد الدقة ، فى توقيتاته المحددة وتفاصيل أحداثها الظاهرة والباطنة ، الواقعية والمتوهمة ، لهذا كان هذا المناخ الكابوسى الذى ظللت الجميع خطوطه العريضة من الواقعى فى هذه الشخصيات ، ومن المتخيّل الحلم الجميع فى مصر وسوريا ، ومن بنسيون شارع فهمى أيضاً .

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #34
          براءة الجسد .. ومخاوفه
          قراءة في رواية «كوب شاي بالحليب»
          بقلم: محمد سمير عبد السلام

          في نصه الروائي " كوب شاي بالحليب "يستعيد محمد جبريل حدث الالتحام العضوي بدلالاته البيولوجية، والتاريخية الشخصية، والثقافية، والحلمية، والعبثية. هذا الحدث المجدد من خلال عوامل الوحدة، والتمزق، والعقاب، والفرح معا يشكل صيرورة الشخوص ومصائرهم، ويهدد وجودهم المعين في الزمان والمكان عن طريق تضخم الحالة الجسدية وتفوقها علي الوجود الفردي، فذكري الالتحام بكل مستوياته الدلالية في النص تحافظ علي تجسد الفرد وتتجاوزه من خلال قداسة حالته الجسدية التي تجمع في نسيجها عبث الأداء، وميكانيكيته، وفرح الوعي باكتشاف النزوع الإبداعي لهذا الأداء كظاهرة فريدة مصحوبة بالبراءة، والدهشة.
          ويظل الوعي في حالة اكتشاف متكررة، ومتجددة لأشكال الالتحام، والتفكك وكأنها تتحدي المدرك، وتقاوم إرادته، وعقلانيته التحليلية كمثقف. لقد بدا بنسيون شارع فهمي وكأنه جزء متوهج من الطاقة الكونية، والحلم المضخم بالغرائز في براءتها العنيفة، ومحوها للكينونة المحددة من خلال حدث البدء في التكوين الذي صار حالة جسدية جماعية ثم أسطورية ثقافية حلمية، وبلغ ذروته في حضور النص الروائي من لحظة التفسخ التي تلت انهيار رابطة المثقفين في البنسيون، وكأنه يجدد هذه الطاقة علي مستوي تمثيلي متضاعف يتجاوز دلالاته التاريخية.
          استبدال
          النص يستبدل البنسيون، من خلال تحول الأخير إلي أثر كوني ونصي، وأرضي، فالبنسيون يكتسب التخييل الكامن في الانتشار النصي، وكأنه بداية بريئة في سياق حب البطل سمير دسوقي / الصحفي لشرب الشاي بالحليب، لكنها براءة ليست أحادية تختزل نفسها في سيرة سمير وعلاقاته، إنها براءة الأداء الجسدي الخالص ومخاوفه المتكررة من العقاب والتفسخ وقانون الضرورة المتحول أبدا باتجاه فرح الوعي ببراءة حدث الالتحام.
          يري فرويد أن الحياة بحد ذاتها تجمع بين كونها صراعا وحلا توفيقيا لنزوع الموت نحو تفتيت المادة الحية، ورغبة الإيروس في توحيد العناصر المفتتة مرة أخري ( راجع _ فرويد _ الأنا والهو_ ترجمة محمد عثمان نجاتي _ عن دار الشروق ).
          إن تلاحق وحدات السرد وتضاعفها أمام الوعي في الرواية، يؤكد استعادة تناقضات الحياة، وصخبها في اتجاهي البناء والهدم، والتداخل المستمر بينهما حيث تختلط الرغبة في الخروج عن الضرورة، ومشاعر الذنب، باستعادة التكوين الجسدي خارج الحدود في صفاء كوب الشاي بالحليب، وخصوبة الأرض التي صاحبت أساطير تموز، وأوزوريس معا هكذا تحول التدمير البيولوجي عقب إصابة المجموعة بمرض قمل العانة وانهيار توقعاتهم السياسية، إلي أثر نصي يوحد بينهم مرة أخري، ويحن للحظة الالتحام في تجددها اللاواعي، وأدائها التمثيلي.
          وتتعدد مستويات السرد في رواية كوب شاي بالحليب، فالسارد يشير إلي مشاعر التوحد الجسدي بشكولها المختلفة، كما يلج وعي غسان الشاب الفلسطيني الذي يميل إلي العزلة والتعين الشخصي أكثر من الشخوص الآخرين، ويشير في مستوي سردي آخر لمناقشات المثقفين حول حدث الوحدة بين مصر وسورية وآثاره، وفي هذه المناقشات يعلوالجانب الشخصي، وإرادة الهوية الأكثر تعارضا، واختلافا مع الآخر، أما في المستوي الأول فتعلوحالة التضخم الجسدي علي الكينونة والإرادة، وتتداخل هذه المستويات في دهشة الوعي إزاء انخراط الجسد في الحدث، والأداء معا بصورة تطمح لتطهير الشعور بتفرد الجسد رغم عوامل تدميره، وضروراته القهرية.
          وتكثر لحظات التبئير الداخلي علي شخصية البطل الصحفي سمير دسوقي، ثم تتنوع علي الشخوص الآخرين مثل غسان وحسام خياطي وغيرهما. ولكن الارتكاز علي العوالم الداخلية في عمل محمد جبريل لا يعني المعرفة الموازية لما يعرفه الشخص، إنه يعاين حالة الالتباس الداخلي، وإمكانيات الخروج عن الحدود الشخصية المعرفية، والجسدية، وكأنه يسخر من اكتمال هذا العالم الداخلي، فيرصده في لحظات جزئية، تميل إلي الآخر أوالظواهر الكونية في تجسدها غير المحدد.
          مستويات
          ويلتبس المعني الثقافي لآلية الممارسات الجنسية هنا بين قوانين الضرورة القهرية في وعي النساء، ومحاولة التفوق عليها من خلال الحدث القهري نفسه حين يتحول إلي حالة غريزية تحمل معني الالتئام خارج الفاعل المركزي، أوتاريخ المرأة معا، فقد اعتاد سمير سماع الحكايات المتعلقة بالظروف القاسية من النساء المترددات علي البنسيون، مثل الأبوين المنفصلين، والشاب الغادر الذي يجري بعدما يختطف الثمرة، وعجز الأم عن الإعالة، واختفاء الزوج، أوالضرب، والاستياء من الممارسات الشاذة.
          إننا أمام سياقات، وأبنية آلية تعد الجسد سلفا لهذا الحدث، ولكنها تخفي تداخلها مع الرغبة العنيفة في الوحدة النفسية، والبيولوجية، والخروج الثقافي من حالة القهر، وكأن المرأة تمردت داخل الآلية، وسقطت في قوة ملتبسة تعارض الضرورة من خلالها وهي قوة الالتئام التي تدمر التمرد الشخصي، فيذكر السارد عن جزرة أنه كان يقدم علي الممارسة في أي مكان في الحجرات، والصالة، والطرقة، وكان اهتياج جسده يأتيه في لحظات لا يتوقعها، فيأخذ عنابر / الخادمة في حجرات البنسيون، ويقول له وردي : ماذا تركت للقطط، والكلاب، أما جلال ضيف فيأتي ببائعة فجل، وكرات، ويقول إنه وجد في رائحتها شيئا مثيرا. وقد اكتشف سمير أن ماريا التي ظن أنها أحبته بعد فقده عذريته، هي من نزلاء البنسيون، ويراها مع جزرة.
          إن زوال حدس التعين في الحب عند سمير، يوقع انشقاقا بينه، وبين كوب الشاي بالحليب الذي ارتبط به، ويدخل لعبة الالتئام الجماعية مع مجموعة المثقفين حتي تتضخم قوة الجسد خارج اللذة، والهوية الجماعية، وتقترب من معني الانفصام، أوالموت حين يصاب النزلاء بمرض قمل العانة. تلك التي بدت في أحلام سمير جسما كبيرا شائها له آلاف الأعين، والأفواه، والأرجل ويطير به في الغرفة، أويهم بابتلاعه، أويلتهمه في صمت.
          أخيلة
          مثل هذه الأخيلة تصل ذروة التضخم الجسدي، بالتفكك، والانهيار للمادة الحية، في أخيلة سمير، وزملائه، ومن ثم تزول رابطتهم، ومناقشاتهم السياسية، وكذلك موقعهم التمثيلي المتحول في الوجود، وهوبنسيون شارع فهمي الذي يصير أثرا تاريخيا، ومجازيا في وقت واحد عندما يفتقد عصام الزهاوي دعوة سمير علي كوب الشاي بالحليب. فالكوب يحمل براءة المكان، وعلامات التفسخ، والعقاب، والموت، التاريخ وأخيلة الحشرة، واللذة، تحقيق الذات، والانخراط في قوة الجسد معا.
          وعلي خلاف الجسد، جاءت مناقشات الشخصيات الفكرية، والسياسية حادة، لكنها تختلط أيضا بالغياب، وقوة الانفعال : فجزرة يتميز بالجدية، وينتقد عدم اتحاد مصر والسودان، وعزام يري أن الوحدة كانت وسيلة وليست هدفا للتخلص من مسلسل الانقلابات، وحسام خياطي ضد التقسيمات السياسية مثل اليمين، واليسار، والتخلف، والتقدم، والبعث والقوميين، وعقب نهاية الوحدة رأي حمد رشيد أن السبب اختلاف النظامين، وتحدث عزام عن البترول والمؤامرات، والإعداد ثم تركوا البنسيون، وتفرقوا.
          إن الرغبة في تأويل الحدث تختلط بتأكيد الاختلاف، والانعزال الكلي أحيانا عن الآخر، ولذة انتشار الكلام واختلاطه في لعبة الاختلاف والتداخل التكويني. وقد بدا هذا من خلال اتحاد الشخصيات في المكان، وتعارض أفكارهم، وضيق غسان بمناقشاتهم التي لا تنتهي، وكأنها رغبة ضمنية في وحدة متخيلة، أوتجسد شخصي يناهض القوة الغريزية من خلال الحلم بتسمية واحدة لهذه القوة الأعلي دون الوصول إليها، فجاء المستوي السردي للمناقشات مكملا للأول: تختلط فيه مشاعر التحقق، بالانفعال المتدفق، ورغبة التوحد بحدث التفكك، وأحلام الخصوبة المتعالية، بعقدة الذنب، والموت، ومن ثم الحنين لبراءة تكوين متجدد للجسد بكل مستوياته الدلالية المحتملة.
          .................................
          *أخبار الأدب ـ في 17/2/2008م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #35
            من المحرر

            بقلم: محمد جبريل
            ................

            من الأخبار التي نشرت في العدد الماضي من هذه الصفحة. ندوة لكتاب استشراقي عن الثقافة العربية. ناقشت ما للاستشراق وما عليه. وحاولت التوصل إلي نتائج موضوعية.
            وفي رأيي أن اجتهادات المستشرقين يجب الا تجاوز صفتها كاجتهادات فيما عدا تلك المثقلة بالغرض والبديهي ألا نرفضها. ونستنكرها. ونعدها دون قراءة خطأ وخطيئة. وإنما يجدر بنا أن نضعها في ميزان الاجتهاد. وفي الكفة المقابلة لاجتهاداتنا نحن.
            نناقش ونتفق ونختلف. لكن العملية تظل دائما هي لغة الحوار. ثمة من يري في الاستشراق منهجاً غربياً في رؤية الأشياء. والتعامل معها. باعتبار ان هناك اختلافا جذريا في الوجود والمعرفة بين الشرق والغرب. وثمة تعريف يجد في الاستشراق محاولات لدراسة الشرق. بهدف تحقيق السيطرة عليه لصالح الغرب.. والحق أنه طالما عاني العرب والاسلام من اتهام المستشرقين بانه دين مقطوع الصلة بحضارة العصر. فهو يرفضها مقابلا لعجزه عن اللحاق بها. وثمة مزاعم أن القرآن استمد الكثير من موضوعاته من مصادر يهودية ومسيحية. وثمة من ينظر إلي الاسلام باعتباره دينا يدعو إلي الخوف وعدم الاطمئنان. وبخاصة في ضوء "سماحة" الدين المسيحي! وهي نظرة كما تري تهمل دعوة الاسلام إلي العدل والتكافل والمساواة بين البشر. والعديد من كتب الاستشراق لاتزال حتي الآن كما يقول إدوار سعيد "تنشر الكتب والمقالات باستمرار. عن الاسلام والعرب. وهي لا تختلف إطلاقا عن الجدل الخبيث المعادي للاسلام في القرون الوسطي وعصر النهضة" ويركز بعض المستشرقين علي النماذج السلبية من الأدب العربي. مثل الغزل الجنسي. والاتجاهات المنحرفة في التصوف. وتزييف الوقائع التاريخية. واختلاق السير. والتكسب بالشعر. ومداهنة السلطة إلخ.. ويعتبرون تلك النماذج ممثلة للتراث العربي. والإسلامي بعامة. وتبين الخطورة عن ملامحها. عندما نعلم ان الصورة التي صنعها المستشرقون عن دول العالم الاسلامي كان لها أكبر الأثر علي صانعي القرارات في حكومات الغرب.
            ربما أسرف البعض في نقل الاجتهادات التاريخية للاستشراق. ولكن من الصعب القول ان الاستشراق قد بدل أفكار العرب في التاريخ فضلا عن الفقه والحديث والتفسير الخ. بل ان عاطف العراقي يؤكد أنه "لولا الاستشراق لما عرفنا نحن علومنا. بكافة أنواعها. وبمسلاتها وميادينها كعرب. لقد وجد الاستشراق لو التزمنا بالدقة في التتبع التاريخي منذ أكثر من عشرة قرون من الزمان. ليبقي. وقدم لنا أهله صفحات بيضاء".. المنهج هو الانجاز الأهم ولعله الوحيد للاستشراق في العقلية العربية. لم تعد الدراسات توضع عفو الخاطر. إنما تؤطر داخل قانون علمي صارم هو المنهج. وهو انجاز ذو أهمية قصوي بالفعل.. والحق أن الاكتفاء بالسخرية من نقداتنا للاستشراق. وللفكر الغربي بعامة. مثل الدعوة إلي عدم استعمال التكنولوجيا الغربية. ينطوي علي مغالطة سخيفة. فلا خلاف علي أن العلم والتكنولوجيا في أبعادهما الايجابية يتسمان بالعالمية وعدم المواطنة. لأنهما يتجنسان بجنسية العلم نفسه. ويحصلان علي هويته. ومن حق أي امريء. في أي مكان في العالم. أن يفيد منها. أما إذا تحددت معطيات العلم والتكنولوجيا في الأبعاد السلبية. كالقنابل الجرثومية أو الكيماوية وغيرها مثلاً. فإن الرفض يفرض نفسه كضرورة أخلاقية وحتمية. الأمر نفسه بالنسبة للثقافة التي تحرص علي الإضافة والتطوير ومستقبل الإنسان في إطلاقه. بعكس الثقافة التي تحمل وجهات نظر استعمارية أو مغرضة.
            ولعل أصدق وصف للمستشرقين بعيداً عن المبالغات الكلامية هي أنهم علي حد تعبير ميشال جحا أساتذة وباحثون أكاديميون. تخصصوا في دراسة اللغة العربية. والحضارة العربية. وقضايا العالم العربي الفكرية. والدين الإسلامي. وهم يختلفون بالتأكيد عن أولئك الذين درسوا العربية لهدف تبشيري أو سياسي أو تجسسي أو إعلامي أو ديبلوماسي.
            ................................
            *المساء ـ في 5/1/2008م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #36
              رواية « المدينة المحرمة » لمحمد جبريل
              ...................................

              صدر مؤخراً رواية « المدينة المحرمة » لمحمد جبريل، وهي رواية قصيرة عن أدب المقاومة لمحمد جبريل، عن مجدلاوي للنشر بالأردن، وفيها يتناول رؤيته للعلاقة مع العدو الصهيوني "نكون أم يكونون"، فلا تعايش مع هذا الوباء السرطاني في منطقتنا.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #37
                من المحرر

                بقلم: محمد جبريل
                ...............

                قد لا يكون من حقنا أن نعترض علي اختيار إسرائيل ضيف شرف وحيداً في معرض تورينو للكتاب. وإن كانت المجازر الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية تعطينا الحق في هذا الرفض.. لكننا بالقطع ضد دعوة كل الدول العربية باعتبارها ضيفاً واحداً في هذا المعرض أو ذاك. من منطلق أن الدولة غير العربية تساوي منفردة أقطارنا العربية مجتمعة.
                تكرر الأمر من قبل في معرض فرانكفورت. حيث وجهت الدعوة إلي الدول العربية بأسلوب "الشروة". مقابلاً للاحتفاء بدولة واحدة غير عربية. كل عام. ضيفة شرف للمعرض. بصرف النظر عن قيمتها الحضارية والثقافية. مجرد أنها تعتز بهويتها. وتجيد تقديم نفسها. من خلال وعي مسئول. وتفهم لطبيعة الأوضاع الدولية.
                نحن نهمل المقولة الشهيرة: أنت حيث تضع نفسك. لا تشغلنا الوسائل. ونتقبل كل النتائج. قد يكون الوضع العربي مأزوماً. ويعاني التخلف. لكن المجاوزة تظل أملاً. أو هذا هو ما ينبغي أن نسعي إليه. التخلف ليس قدراً. ولا هو مكتوب علي الجبين. إنه نحن. إرادتنا. واعتزازنا بأنفسنا. وبهويتنا. نعتز بنظرة العالم إلينا ككيان تربطه وشائج وصلات. لكننا نرفض النظرة التي تجد فينا مجرد كم بلا قيمة حقيقية.
                يحزنني علي سبيل المثال ذلك التصور الغريب بأن جائزة نوبل هي التي تمنح الأديب صفة العالمية. فنحن نخوض المعارك المحلية في اتجاهها. ننسي أو نتناسي أن الكثير من الأسماء المهمة في تاريخ الأدب العالمي المعاصر لم تحصل علي الجائزة. وثمة من رفضها لأسباب معلنة!
                المنطق العلمي الذي يجب أن تلتزم به وزارات الثقافة العربية. أن تعد خطتين تكتيكية واستراتيجية. لوضع الأدب العربي في المكانة التي يستحقها. وهو ما يرتكز بداهة إلي تصور عام. تشارك في وضعه وزارات الثقافة العربية. فلا يتباهي قطر ما بأنه تميز عن بقية الأقطار بالحصول علي امتياز منح النسخة العربية من مسابقة أوروبية. كأن الأمر يتصل بامتياز للتنقيب عن البترول!
                لأن الحديث ذو شجون. فسأكتفي بالإشارة إلي المشاركة العربية في المعارض الدولية. وما ينبغي أن تكون عليه. مأساة فرانكفورت يجب ألا تتكرر. المفروض أن تكون المشاركة بحجم الناطقين بالعربية. وبالإبداع العربي في امتداد عصوره إلي التفجر الإبداعي الذي نعيشه الآن.
                أقسي الأمور أن يستكين الأفراد ناهيك عن الدول إلي ما يصعب قبوله. ودعوة إسرائيل ضيف شرف لمعرض تورينو يذكرنا بالدعوات المتوالية لدول صغيرة وكبيرة إلي معرض فرانكفورت. فإذا وجهت إلينا الدعوة نفسها. لم نحاول السؤال. ولا المناقشة. ولا دراسة حقيقة الأوضاع.
                نحن نقبل من منطلق اتحاد الضعفاء وليس من منطق وحدة الأقوياء.
                وإذا كانت الجامعة العربية تعجز عن أداء دور سياسي فعَّال. فإنها تستطيع أن تؤدي دوراً مطلوبا في مجال الثقافة. ولن يتحقق هذا الدور إلا بالأداء الجاد الذي ينسق. ويضع الخطط. ولا يرضي بأي شيء!
                ............................
                *المساء ـ في 26/1/2008م.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #38
                  اليهود بين الأنفوشي والجماليَّة في قصص محمد جبريل

                  بقلم : أحمد فضل شبلول
                  ....................

                  يدعونا محمد جبريل في مجموعته القصصية "حارة اليهود" الصادرة عن مطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة في سبتمبر 1999، إلى التسلح بالوعي واليقظة والحذر، وإلى المقاومة وعدم الاستسلام، فاليهود يتربصون بنا، يتسللون من بين سكوتنا وخلافاتنا، ينتظرون اللحظة الحاسمة للانقضاض على الوطن والتهامه.
                  وفي سبيل ذلك يتوسل الكاتب بوسائل فنية عدة، من أهمها استخدام الرمز الشفيف، مثل السمانة في قصة "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي". وهذه القصة على الرغم من قصرها فإنها تحمل معظم خصائص فن القصة القصيرة عند محمد جبريل، والتي من أهمها: 1 ـ الجملة التلغرافية أو الجملة القصيرة السريعة الموحية. 2 ـ الوصف، وخاصة وصف البيئة السكندرية، واستخدام مفرداتها الحياتية، ومفردات الطبيعة فيها. 3 ـ التساؤل الذي يحمل في طياته الإجابة لمن أراد التأمل في واقعنا العربي. 4 ـ توظيف المعرفة العلمية توظيفا مناسبا لمحتوى القصة.
                  ولنتأمل هاتين الجملتين على سبيل المثال: الصاري المرتفع الخالي من العلم، اكتفت (مجموعات السمان) بحجرة في نقطة الأنفوشي، تدير منها أحوالها.
                  إن الصاري الخالي من العلم يدل دلالة أكيدة على ضياع الهوية. لقد وجدت السمانة أناسا بلا هوية، وبلا زمان محدد أيضا، فوجود العلم فوق سراي رأس التين، ربما كان يسهم في تحديد الفترة الزمنية، وهل هي قبل قيام ثورة 1952 حيث العلم المصري الأخضر يتوسطه الهلال الأبيض أيام الملكية، أم بعد قيام الثورة حيث تغير شكل العلم إلى ثلاثة ألوان: الأحمر والأبيض والأسود.
                  ويبدو أن الزمن لا يشكل أهمية كبرى بالنسبة للسمانة التي جاءت تستطلع المكان، ونفوس البشر، وتختبر عنصر المقاومة لديهم. وقد وجدت السمانة الفرصة مهيأة تماما لاستيطان قومها هذا المكان. فالمباني تآكلت ـ أي لم يعد لديها القدرة على المقاومة، إنها ستنهار مع أول صرخة ريح. والقوارب الصغيرة تناثرت فوق الرمال، دلالة إما على تعطل أصحابها عن العمل، أو انتهائهم من عملهم وانصرافهم إلى لهوهم ومتعهم. والوقت خريف حيث يخلو الشاطئ أو طريق الكورنيش ـ عادة ـ من المارة بعد انقضاء فصل الصيف وعودة المصطافين ـ والمستفيدين من وجودهم ـ إلى سابق أعمالهم، وتصبح المدينة خالية إلا من أهلها.
                  إن المكان السكندري، وهو رمز للمكان المصري بعامة ـ له وجوده الحي الملائم لهذه السمانة الرمز أيضا. فمحمد جبريل يحمل في وعيه هذا المكان ليس باعتباره الإسكندرية التي يحبها ويوظفها في معظم أعماله الإبداعية، ولكن يوظف المكان ـ الرمز ـ هنا باعتباره المكان الذي دلف منه الرومان إلى مصر بعد انتصار أوكتافيوس أغسطس على أنطونيوس وكليوباترا في موقعة أكتيوم البحرية سنة 31 ق.م، فكان احتلال الإسكندرية ثم مصر عام 30 ق.م، وهو المكان الذي دخل منه الفرنسيون في حملتهم على مصر في أول يوليه عام 1798، وهو أيضا المكان الذي دخل منه الإنجليز عام 1882.
                  لم يغب هذا التاريخ عن وعي السمانة، ولا عن وعي الكاتب التاريخي، لذا اختاره ليكون موقع الهجوم القادم لأسراب السمان التي جاءت من أوربا ـ مثلها مثل الغزاة السابقين ـ والتي غطت الشاطئ والشوارع والأزقة وأسطح البيوت، والشقق والدكاكين، حتى الكبائن المغلقة.
                  إن هذا الهجوم والاستيطان سيكون نقطة انطلاق الكاتب إلى قصة أخرى هي "حارة اليهود" التي حملت المجموعة اسمها، حيث نجمة داود المتداخلة في الأبواب والشرفات، مما يدل على دقة التنظيم والانتشار والنظام وحب العمل والكسب التي أشار إليها المؤلف في القصة الأولى. وكأن القصة الثانية التي دارت أحداثها في القاهرة، تأتي مكملة للقصة الأولى، وكأن محمد جعلص بطل القصة الثانية "حارة اليهود" يحقق رغبات الناس ـ في القصة الأولى ـ الذين تبين لهم أن السكوت عن المقاومة طريق إلى الجنون، فمحمد جعلص اكتوى بنار القروض والشيكات المؤجلة وبضائع الأمانة التي أغرقه فيها اليهود، ثم فجأة هطلوا عليه كالسيل دفعة واحدة يطالبون بأموالهم، فأفلسوه في يوم وليلة. لقد انتهز محمد جعلص فرصة ضرب أطفال اليهود لعلي الصغير، وطاح ـ هو ومن معه ـ في سكان حارة اليهود بالشوم والعصي والنبابيت والسكاكين والخناجر. ويأتي سؤال عبد العظيم هريدي في هذه القصة ذا مغزى ودلالة عميقة. فعندما يقول محمد جعلص بعد انتهاء المعركة: "علقة .. لن يعودوا بعدها إلى أذية الناس". يعلق هريدي بقوله: "هل تظن ذلك ؟". إن هذا التعليق أو التساؤل لم يزل في حاجة إلى إجابة، مثله في ذلك التساؤل الذي ورد في القصة الأولى: هل يعد السمان نفسه لإقامة طويلة؟. وهنا تبرز خصيصة من خصائص فن القصة القصيرة عند محمد جبريل تتمثل ـ كما سبق القول ـ في: التساؤل الذي يحمل في طياته الإجابة لمن أراد التأمل في واقعنا العربي.
                  ولعل المدقق في القصتين سيجد موقفا غريبا، أشرنا إليه إشارة سريعة في السطور السابقة، ولكن تؤكده قصة "حارة اليهود" تأكيدا باهرا وهو موقف رجال الشرطة من الأحداث. فمن خلال محتوى رمزي يشير المؤلف في القصة الأولى إلى أن أسراب السمان المهاجرة إلى الإسكندرية اكتفت بحجرة في نقطة الأنفوشي، تدير منها أحوالها. ولم يشر المؤلف إلى أنه كانت هناك مقاومة من أي نوع، من جانب مأمور النقطة أو معاونيه، بل أنها أفرزت ـ من بين أسرابها ـ كل ما تحتاجه من جنود وعلماء وحرفيين وموظفين. وبالتأكيد كل هذا كان يتم تحت أعين رجال الشرطة في المنطقة. أما في القصة الثانية وبعد نجاح أسراب السمان في بناء حياتهم، وانتقال أحداث القص إلى القاهرة، فإن مأمور قسم الجمالية ـ صبحي أفندي منصور ـ لا يستطيع أن يفعل شيئا تجاههم، بل أنه أسرَّ إلى جعلص بأنهم يلقون عليه الوسخ من النوافذ وهو في بدلته الميري. ولنقتطع جزءا من الحوار الذي دار بين محمد جعلص والمأمور عندما ذهب جعلص يشكو للرجل ما حدث بين صغار اليهود وابنه علي:
                  (أذهله صبحي أفندي منصور، مأمور قسم الجمالية، عندما كلمه فيما حدث. أشار الرجل إلى كتفه، وقال في أسى واضح:
                  ـ ماذا تقول في إلقائهم الوسخ من نافذة، على مأمور القسم؟
                  غالب الدهشة: ـ كيف ؟
                  قال المأمور: كنت أختصر الطريق من الموسكي إلى القسم ..
                  (جعلص) في عدم تصديق: ربما لم يعرفوا من أنت؟
                  قال المأمور: والبدلة الميري ؟
                  ـ لعل الوسخ ألقي عفوا أو خطأ ؟
                  ـ والضحكات التالية لما حدث من المطلين في النوافذ والجالسين أمام الدكاكين ؟
                  (جعلص) وهو يضرب جبهته بقبضة يده: هذه مصيبة !
                  دلك المأمور بإصبعيه تحت أنفه: تكررت المصائب كثيرا في الفترة الأخيرة.
                  ـ هل تأذن لي في التصرف؟
                  قال الرجل وهو يعاني: أنا موظف رسمي .. أحتاج إلى التدقيق والإثبات ومراعاة الحساسيات .. أما أنت .. وعلا صوته: تصرف يا جعلص.
                  ترى لو تنبه رجال نقطة الأنفوشي إلى وجود السمانة الأولى، وإلى خلو الصاري المرتفع بسراي رأس التين من العلم، هل كان الأمر يصل في الجمالية إلى ما وصل إليه، وأوردناه منذ قليل.
                  إن فشل مقاومة الحملة الفرنسية في الإسكندرية، أدى إلى دخول نابليون الأزهر بخيوله، وفشل مقاومة الإنجليز في الإسكندرية، أدى إلى احتلال البلاد لمدة 72 عاما. وعدم طرد أول سمانة ألقت نظرتها المتأملة على مباني سراي رأس التين، شر طردة، أدى إلى إفلاس محمد جعلص (رمز المواطنين) ، وإهانة صبحي أفندي منصور مأمور قسم الجمالية (رمز السلطة المصرية) على هذا النحو الذي صوره محمد جبريل ببراعة في قصة "حارة اليهود".
                  وربما يعود السبب في عدم طرد أول سمانة ظهرت في الآفاق وحطت على الصاري المرتفع، إلى ما عرف علميا عن السمان، فهو ـ حسبما جاء بموسوعة الحيوان الإلكترونية / قسم الطيور ـ طائر نادرا ما يراه الناس، وتشبه الأنثى الذكر في الحجم، ويفضل عند الفرار أن يجري وسط المزارع أكثر من الطيران، ويطير لمسافات طويلة جدا أثناء الهجرة، ويعيش في أوربا وآسيا، ويهاجر شتاءً إلى منطقة البحر المتوسط وأفريقيا، ويوجد غالبا في المناطق العشبية والحقول.
                  هنا تبرز خصيصة أخرى من خصائص فن القص عند محمد جبريل، سبق أن ألمحنا إليها، وهي: توظيف المعرفة العلمية توظيفا مناسبا لمحتوى القصة. ومن خلال المعلومات العلمية السابقة عن طائر السمان، نجد أن جبريل يبدأ قصته "حدث استثنائي في أيام الأنفوشي" بقوله: "بعد أن استقرت السمانة فوق الصاري"، وهنا يتحدث عن طائر السمان بأسلوب المؤنث، حيث لا يوجد فرق كبير بين الأنثى والذكر، وخاصة في الحجم، ولأن الصاري مرتفع فلم يبن على وجه اليقين أهو ذكر أم أنثى، وهو من خلال هذا العلو الشاهق لم يتبين منطقة الحنجرة التي تكون في الأنثى وردية اللون، ولعل استخدام الأنثى كمستطلعة في بداية القصة ثم مرشدة، يشير إلى أسلوب من أشهر أساليب اليهود في استخدام أو استعمال الأنثى أو المرأة في تعاملاتهم الحياتية (ومنها الدعارة على سبيل المثال). ثم إن هذه السمانة ألقت نظرة على الحديقة الواسعة برأس التين، وهو ما يتفق علميا مع أماكن وجود السمان في المناطق العشبية والحقول. ثم تفضيله لمنطقة البحر المتوسط في الشتاء، وها نحن الآن ـ أي في زمن القصة ـ في فصل الخريف، والشتاء على الأبواب.
                  لقد نجح محمد جبريل في هاتين القصتين في تضفير الواقعي بالرمزي، وفي الانطلاق من الرمزي إلى الواقعي، أو العكس، وهو كذلك في معظم أعماله الإبداعية بحيث يكسب القصة العربية القصيرة طعما مميزا، ووعيا متجذرا بالذات والموضوع. فتتحول الذات المنفعلة (محمد جعلص على سبيل المثال) إلى موضوع يكسبه دلالة واقعية وتاريخية على مر العصور.
                  أحمد فضل شبلول
                  الإسكندرية 15/6/2000

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #39
                    حوار بين محمد جبريل وفاطمة يوسف العلي

                    النظرة للإبداع يجب أن تتغير لأن مبدعينا ينحدرون للهاوية
                    لم يكن بمقدوري الكتابة إلا عن البحر
                    حتى نجيب محفوظ توزيع رواياته انخفض إلى حد كبير
                    يضطر الكاتب لدفع ما يزيد على القيمة الفعلية لطباعة كتابه

                    (القسم الأول)
                    ............
                    رغم أن الكاتب محمد جبريل متنوع في كتاباته, يوزع قلمه بين الصحافة والتأليف والنقد الأدبي, فإن الشهادة الحقيقية على ما قام به من جهد تكمن في إبداعه الروائي. ولا يعني التركيز على هذا الجانب ترك بقية ملامح الصورة. ولكن هذا الجانب, الذي يعتز به كثيرا,ً يبقى الجانب الأكبر والأكثر حميمية من ذاته. إنه كاتب غزير الإنتاج. فله أكثر من عشرين رواية أشهرها (رباعية بحرى) التي تتألف من أربع روايات متصلة منفصلة هي (أبو العباس) و(ياقوت العرش) و(البوصيري) (وعلي تمراز). وهي الرباعية التي يحلو للنقاد عقد مقارنة بينها وبين رباعية داريل الشهيرة عن الإسكندرية. كما أن إسهام محمد جبريل في القصة القصيرة كبير أيضا فله حوالي عشر مجموعات قصصية, أولها (تلك اللحظة) وآخرها (رسالة السهم الذي لا يخطئ) وله في مجال النقد أكثر من كتاب. وقد نال جائزة الدولة التشجيعية عن كتاب (مصر في عيون كتابها المعاصرين) عام 1975م.
                    ولد محمد جبريل في مدينة الإسكندرية عام 1938, وتقلد أكثر من منصب صحفي مهم في مصر والعالم العربي.
                    وقد أجرى الحوار معه القاصة الكويتية فاطمة يوسف العلي وهي من الأديبات النشيطات على مستوى العمل العام ولها ثمانية كتب تتوزع بين القصة القصيرة والرواية والبحث الأدبي وأشهرها: (وجوه في الزحام) 1971, (وجهها وطن) 1995, و(تاء مربوطة) 2001 وهي مجموعة قصصية صدرت من القاهرة.
                    يبدو البحر شخصية رئيسة في معظم إبداعاتك, وهو أشد ما يكون تجسيداً في روايتك الضخمة (رباعية بحري)... ما تفسير ذلك?
                    - بداية, أنا لم أكتب عن البحر, ولا عن الصلة بين البحر واليابسة, وهو ما يبين في الكثير من إبداعاتي الروائية والقصصية, لم أكتب لطرافة الموضوع, وإنما لأنه لم يكن بمقدوري سوى الكتابة عن البحر. البحر يحضن الإسكندرية من معظم جوانبها, ويحيط بحى بحري من ثلاث جهات, كان هو المكان الذي تطل عليه شرفة بيتنا, ويطل السطح على امتداد آفاقه. كنت أسير على شاطئه, وأتابع التعامل اليومي معه في صيد الصنارة والطراحة والجرافة, وعمليات الشحن في الميناء الغربية, وركوب البحر نفسه في قوارب صغيرة تعبر المسافة من باب واحد إلى باب رقم ستة, أو في لانشات تمضي إلى قرب البوغاز, حتى في الظلام, كنت أستمع إلى البحر, وإن كنت لا أراه. أتذكر قول رامبو: (إنه البحر وقد رحل مع الشمس). البحر ليس موضعاً طارئاً في حياتي. إنه الحياة نفسها. وعلى الرغم من انقضاء عشرات الأعوام على ابتعادي - بصورة عملية - عن الإسكندرية, فإني أفضل - حتى الآن - أن تدور أحداث أعمالي في بحري, لأني أشعر أن الحي تحت تصرفي, أعرف تاريخه وأسواقه وشوارعه ومساجده وبناياته وسلوكيات حياته اليومية, أعرف المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد, حتى مسميات الأشياء واللهجة هي وسيلة التعبير عندي, حتى مستطيلات البازلت التي تتفق فيها مع المدن الساحلية الأخرى.
                    حي بحري بالإسكندرية هو الأرضية لمعظم ما كتبت من إبداعات. وقد أردت في رباعية بحري بأجزائها: أبو العباس - ياقوت العرش - البوصيري - على تمراز, أن أكتب فصولاً مستقلة, تتكامل في تصوير حي بحري الذي أحببته, وامتداده الطبيعي إلى المكس, أو إلى الرمل.
                    صورة الإسكندرية
                    ما أوجه الاتفاق - والاختلاف - بين رباعية الإسكندرية ورباعية بحري?
                    - ليست هذه هي المرة الأولى التي يوجه لي فيها هذا السؤال. وقد صدمني السؤال في البداية, وربما تضايقت منه, ثم ألفته بالمعاودة. أصارحك أني تعمدت ألاّ أقرأ رباعية الإسكندرية حتى لا أقع في شبهة تأثر, قراري بكتابة رباعية بحري يعود إلى مطالع حياتي الأدبية, وبالذات في ضوء الحفاوة النقدية الواضحة, والتي اعتبرت رباعية داريل من أعظم إبداعات القرن العشرين.
                    ثم حاولت - بعد أن صدرت رباعية بحري - أن أفتش عن جوانب الاتفاق والاختلاف, لا كناقد, فقد مللت تأكيد أنه حتى فوزي بجائزة الدولة في النقد لا يلغي تفهّمي لقدراتي النقدية, وأني سأظل دوماً خارج أسوار النقد!
                    رأيي أنه إذا كانت صلة شخصيات ميرامار نجيب محفوظ بالإسكندرية هي صلة هامشية, حيث اختاروا الإقامة في الإسكندرية كمنفى, لا تشغلهم حياة ناسها اليومية, ولا مشكلاتهم, فإنه من الصعب إهمال التأثيرات الأجنبية في حياة الإسكندرية. وعلى سبيل المثال, فإن يوم الأحد في الإسكندرية يختلف عن اليوم نفسه في بقية المدن المصرية. الشوارع خالية نسبياً, والكثير من المتاجر يغلق أبوابه, ذلك لأن التأثيرات الأجنبية التي تحققت من خلال (مواطنة) أعداد هائلة من الجاليات الأوربية لم تندثر من المدينة بصورة كاملة بعد. لكن الصورة التي رسمها داريل في رباعية الإسكندرية - على حد تعبير صلاح عبدالصبور - تنتمي إلى داريل أكثر مما تنتمي إلى الإسكندرية.
                    والحق أنه من الصعب أن أجري شخصيا مقارنة بين ما كتبته وما كتبه مبدعون آخرون, لكن الذي أستطيع تأكيده أن الكتابة عن الإسكندرية - وبحري تحديداً - حلمي القديم, الجميل, الذي يرافق محاولاتي الإبداعية منذ بداياتها. السؤال: لماذا, لم أناقشه - بيني وبين نفسي - على الإطلاق? فقد كانت الكتابة عن حي الطفولة والنشأة والسمات المميزة والبيئة التي تختلف عن مثيلاتها في أحياء الإسكندرية الأخرى, كانت شيئا أشبه بالقدر... لكنني أملك - فيما أقدّر - طرح بعض الآراء التي تناولت رباعية داريل, ثم أترك للقارئ - قارئ أجزاء الرباعية وقارئ هذه المواجهة - أن يتعرف إلى ما ينشده من أوجه الاتفاق والاختلاف.
                    الذاكرة أفضل
                    هل تختلف صورة بحري الذي عبرت عنه في أعمالك عن صورته الحالية?
                    - أصارحك بأن الحزن يلفني عندما أزور الإسكندرية, حي بحري بالذات, هذه الأيام, لقد تغيرت الصورة تماما, فأنا أفضل أن أعتمد على صور الذاكرة.
                    حي الجمالية بعمارته الإسلامية وشوارعه الضيقة وأقبيته ومساجده وزواياه وحرفييه, هو التعبير عن القاهرة المعزية بكل زخمها التاريخي والمعماري والإنساني. ذلك ما يصدق - إلى حد كبير - على حي بحري, وإن انتسب الكثير من أبنائه إلى المهن المتصلة بركوب البحر.
                    أفلح الانفتاح في أن ينفذ - بمظاهره السيئة - إلى الموطن الذي نشأت فيه, وأحببته. بحري الذي عشت فيه يختلف عن ذلك المبنى الخرساني الهائل الذي احتل ميدان أبي العباس, فذوت الروحانية وحميمية البشر. افتقد الحديقة الهائلة أمام سراي رأس التين تتاح خضرتها للجميع, ويتلى فيها القرآن في ليالي رمضان. شاطئ الأنفوشي احتلته الكبائن وورش المراكب, فضاعت فرص أبناء الحي الشعبي في الإفادة من البحر الذي ولدوا على شاطئه.
                    غياب المرأة
                    بعض الآراء تجد في رحيل الأم في سن باكرة سبباً في غياب المرأة عن معظم إبداعاتك... ما رأيك?
                    - أوافقك على أن المرأة كانت غائبة, أو أنها عانت شحوباً في أعمالي الأولى, لكن الملامح تغيرت تماماً في الأعمال التالية. ثمة نادية حمدي في (النظر إلى أسفل) التي تمثل شرياناً رئيساً في جسد الرواية, والزوجة في (اعترافات سيد القرية) تهبنا مواقف إيجابية مناقضة لما كان يمثله الرجل, وأنسية في (رباعية بحري) تحملت ما لا يحتمله بشر في محاولة تخطى ظروفها القاسية. وثمة ياسمين في (الشاطئ الآخر), وعائشة عبد الرحمن القفاص في (قلعة الجبل), وزهرة الصباح في الرواية المسماة بالاسم نفسه, وبهية الحلواني في (بوح الأسرار) وغيرها من الشخصيات التي تقدم المرأة في أبعاد مختلفة. قد تواجه ما يدفعها إلى اتخاذ مواقف سلبية, لكنها واصلت السعي في اتجاه رفض الظروف المعاكسة, والإصرار على تخطيها.كان لغياب أمي عن حياتي في سن باكرة تأثيره بالنسبة لي على المستويين الشخصي والإبداعي, وقد اتسعت مساحة ذلك التأثير - فيما بعد - في مجموع أعمالي, بحيث تبين المرأة - كما أتصور - عن ملامح يصعب إهمالها.
                    ما رأيك في مقولة إننا نحيا زمن الرواية?
                    - مع افتتاننا بالتعبيرات التي تختزل ظاهرة أدبية, فإن أحد النقاد أعلن - ذات يوم - وفاة القصة القصيرة, وأعلن نقاد آخرون أن الزمن ليس زمن الشعر, وأكد البعض أن المستقبل للكتابة الدرامية, وأنها هي رواية المستقبل. ويصدم أسماعنا وأعيننا - بين فترة قصيرة وأخرى - تعبير ينعى وفاة جنس أدبي, أو يؤكد سيادته على بقية الأجناس.
                    وإذا كان تعبير زمن الرواية هو ما تلوكه أفواهنا وأقلامنا في الأعوام الأخيرة, فإن المأزق الذي يواجهه هذا التعبير, وربما أفقده مصداقيته, ما يحرص الناشرون - على تأكيده بأن زمن النشر الروائي انتهى!... بمعنى حفاوة الناشرين بالروايات, والإقدام على نشرها, دخل - منذ سنوات - في دائرة المستحيل.
                    قراء الرواية يتناقصون, مقابلاً لزيادة قراء السياسة والمذكرات والدين والمشكلات العاطفية والحسية, بالإضافة إلى الأزمة التي يعانيها الكتاب الورقي بتأثير الوسائل الطباعية المستحدثة, وأهمها - بالطبع - الكتاب الإلكتروني.ثمة وسيلتان لنشر الأعمال الروائية, أولاهما هيئات وزارة الثقافة: هيئة قصور الثقافة, وهيئة الكتاب, والمجلس الأعلى للثقافة. أما الوسيلة الثانية فهي اللجوء لدور النشر الخاصة التي تحصل من مؤلف الرواية على أكثر مما تتكلفه طباعة العمل, فتضمن الربح مسبقا, بينما يحصل المؤلف على نسخ قليلة... هدايا للأصدقاء!
                    أما الناشرون الذين يعرفون لعملية النشر قدرها واحترامها, فإنهم يرفضون الكتابات الروائية باعتبارها بضاعة كاسدة. وتقتصر اختياراتهم على البضاعة المضمونة الرواج, وبالذات الكتاب الجامعي الذي يمثل - كما نعلم - بضاعة مفروضة من الأساتذة على الطلاب!...
                    الحديث عن زمن الرواية يبدو بلا معنى أو مستغربا أمام إحجام الناشرين عن قبول الأعمال الروائية.
                    وإذا كان الزمن هو بالفعل زمن الرواية, فلماذا لا يزدهر سوق الرواية? لماذا يرفض الناشرون قبولها? ولماذا تتدنى أرقام التوزيع?
                    المثل الأشد غرابة أن نجيب محفوظ بكل ما حققه من مكانة في حياتنا الثقافية, وفي الثقافة العالمية بعامة, هبطت أرقام توزيع رواياته من عشرة آلاف نسخة في العام, إلى ثلاثة آلاف نسخة كل بضعة أعوام.
                    (يتبع)

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #40
                      (القسم الثاني)
                      ....................
                      مَن يعيننا على حل اللغز?!
                      سوق النشر
                      كنت نائباً لرئيس اتحاد كتاب مصر, كيف تنظر إلى مشكلة النشر التي تحولت إلى ظاهرة سلبية لم تفلح في علاجها كل المحاولات سواء على المستويات الإقليمية أو القومية?
                      - المتأمل لأحوال النشر في بلادنا, يستطيع أن يقسم الناشرين إلى ثلاثة أنواع: ناشر يعطى المؤلف مكافأة على ما يكتبه بضع مئات من الجنيهات. وناشر يكتفي بتقديم نسخ قليلة للأديب مقابلا لنشر إبداعه, من قبيل التشجيع, أو المجاملة! أما النوع الثالث فهو يحصّل من المؤلف ما يزيد على تكاليف طباعة كتابه, أي أن الأديب يعطي ولا يأخذ, كل ما يأخذه بضعة آحاد أو عشرات من النسخ!
                      والحق أن المقابل المتواضع الذي يتلقاه بعض الكتاب, والاكتفاء بمجرد النشر لكتّاب آخرين, واضطرار كتاب لدفع ما يزيد على التكاليف الفعلية لطباعة كتبهم, ذلك كله يعكس نظرة دور النشر بعامة إلى مهنة الكتابة, وأن الهدف في كل الأحوال هو مجرد تشجيع الأديب على توثيق إبداعه, وليس تسويقه, فبعض الكتب لا يصدر منها أكثر من مائتي نسخة أو ثلاثمائة على, وبالذات إصدارات دور النشر التي تقوم بعملية احتيال معلنة حين تحصل على ما يتراوح بين ألف وثلاثة آلاف جنيه مقابلاً لطباعة بضع عشرات من النسخ, مجرد توثيق فلا يجد الكتاب سبيله إلى أرفف المكتبات, ولا عند باعة الصحف.
                      إن النظرة إلى قيمة الإبداع يجب أن تتغير. ما يكتبه الأديب في معظم بلاد العالم يدر عليه دخلا يتيح له التفرغ لإبداعه. أما النظرة إلى مبدعينا فهي تتحدد في دائرة الهواية. حتى المقابل الذي ربما تقاضاه لا يصل - بالقطع - إلى قيمة الكتب التي قرأها, ولا الوقت الذي أنفقه, ولا أجر الكمبيوتر, وبالمناسبة, فإن دور النشر تشترط الآن أن يسلم الأديب أصول كتابه مطبوعة على الكمبيوتر!
                      إن تخلفنا - في كل المجالات - سيظل حقيقة يصعب إغفالها, ما لم تحصل الكلمة ومبدعها على المكانة اللائقة, والقيمة المستحقة!
                      ثقافة العناوين
                      في تقديرك, ما أخطر السلبيات التي تعانيها الثقافة العربية?
                      سأحدثك عن ثقافة العناوين, أو السندوتش, أو التيك أواي. سمها ما شئت, لكنها تحولت في حياتنا إلى ما يشبه الظاهرة.
                      ثمة من يجلسون إلى المثقفين, يستمعون إلى آرائهم فيما قرأوا, ويلتقطون عناوين كتب, وأسماء أعلام, وملخصات أفلام ومسرحيات ونظريات فلسفية, ثم ينقلون ذلك كله - أو بعضه - إلى مجالس أخرى. يتحدث أحدهم عن ديستويفسكي بما ينقل إلى محدثيه شعورا أنه قد قرأ كل أعماله, ويتحدث آخر عن المذاهب الفلسفية والفنية بلهجة الدارس الذي أجهد نفسه في المتابعة والمناقشة والتحليل, وتتناثر في كلمات آخرين أسماء أعلام وكتب واتجاهات, بما يعكس ثقافة واسعة.
                      ظني أنه قد ساعد هذه الظاهرة أسلوب الملخصات الذي تصدر من خلاله بعض دور النشر أعمالاً عالمية مهمة. ولعلي أشير إلى سلاسل تقدم عشرة كتب عالمية في كتيب محدود الصفحات, أو تختصر التراث الإنساني بكامله في بضعة مجلدات... والهدف المرجو - أو المعلن - أن تكون مؤشرا للأعمال الأصلية, لكن القارئ يكتفي بما قرأ, ويعتبره غاية المراد من رب العباد, ويتحدث عما قرأ من ملخصات وكأنه قرأ الأعمال الكاملة!
                      وقد أخذت الظاهرة بعداً آخر, غريباً, في اعتبار البعض ما شاهده من أفلام أو مسرحيات مأخوذة من أعمال أدبية, نقلا جيدا عن تلك الأعمال يغني عن قراءتها, ويسمح بالتحدث فيها, توهما أنهم قد عرفوا عنها بما يكفي!.... وكم أذهلني تناول كاتب كبير لرواية أستاذنا نجيب محفوظ (خان الخليلي). ناقش الرجل فنية الرواية, وحلل الأحداث والشخصيات, ثم أنهى ما كتبه بالإشارة إلى أنه لم يقرأ الرواية, وإنما اكتفى بمشاهدة المسرحية المأخوذة منها!
                      وتبلغ الظاهرة حد المأساة عندما يلجأ ناقد إلى تلخيص للعمل الأدبي كتبه ناقد آخر, فيبني عليه مناقشته للعمل, وهو ما نطالعه - مع الأسف - في العديد من الكتب النقدية المعاصرة. يفلح ناقد في إخفاء سطوه على جهد الآخرين, بينما لا يجد ناقد آخر ما يدعو إلى إخفاء ما فعل. ولعل المثل الذي يحضرني, ذلك الكتاب الضخم عن توفيق الحكيم. ناقش مؤلفه - فيما ناقش - رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل, ثم ذكر في الهامش أنه قد اعتمد في كل ما كتب على كتاب علي الراعي (دراسات في الرواية المصرية), أي أنه - ببساطة - لم يقرأ الرواية التي قتلها نقداً!
                      المبدع قائد ثقافي
                      ثمة مؤاخذات على أن الكثير من المبدعين لا يعنون في إبداعاتهم بأخطر قضايا عالمنا العربي, وهي قضية الصراع العربي - الصهيوني, فما رأيك?
                      ـ نظرة بعض المثقفين إلى الأديب أو الشاعر أنه لا يعنى بغير الإبداع. فلا شأن له بقضايا المجتمع ولا السياسة. حتى الرياضة لا يتصورون أنها تعنيه في شيء.إنه يؤثر الحياة في جزيرة صنعها لنفسه, يكتفي فيها بقراءة ما يتصل بإبداعه, أو ينصرف إلى تأملات في فضاء هذا الإبداع, أو ينشغل بالكتابة الإبداعية.. هذا هو عالمه المحدد والمحدود, أشبه بسياج البيت في أيام طه حسين الذي كان الصبي يتصوره نهاية العالم.
                      تلك - بالتأكيد - نظرة خاطئة.. فالأديب له اهتمامات كل المثقفين, فضلاً عن هؤلاء الذين قد لا تعنيهم قضايا الثقافة, وإنما انشغالهم بواقع حياتهم وظروفهم المعيشية. ربما يجاوزونها إلى اهتمامات ثقافية أو ترويحية مثل التردد على المسارح ودور السينما, أو متابعة برامج التلفزيون, أو مجرد الجلوس على المقاهي.
                      يتابع المبدع - على سبيل المثال - مناقشة حول مباراة في كرة القدم. يحاول المشاركة برأي.. لكن الدهشة المستغربة تواجهه: مالك وكرة القدم!
                      الأقسى عندما يبدي المبدع رأيه في بعض قضايا السياسة. تعلو الملاحظة المشفقة: السياسة بحر قد لا تحسن السباحة فيه!
                      والحق أن المبدع هو أشد الناس التصاقاً بقضايا مجتمعه, وقضايا الإنسانية بعامة. إنه يملك من المعرفة والوعي ما يتيح له النظرة الشاملة, الرؤية التي تناقش وتحلل وتتفق وتختلف.أثق أن النضال المقاوم الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد العنصرية الصهيونية هو الشاغل الأهم لكل المبدعين, انطلاقاً من الوعي بالقضية, بواعثها وظروفها وواقعها ونتائجها المحتملة.
                      الصراع العربي - الصهيوني في فلسطين يعني المواجهة بين الحضارة العربية والهمجية الصهيونية, بين إرادة الحياة على هذه الأرض مقابلاً لإرادة الغزو والاحتلال والاستيطان, التعامل مع تطورات الأحداث بمنطق نكون أو يكونون, والقيام بدور المحفز والمحضر, ومحاولة التوصل إلى آراء إيجابية ربما أسهمت في توضيح ما يفيد منه أصحاب القرار. والحق أن المبدع هو أشد الناس التصاقاً بقضايا مجتمعه, وقضايا الإنسانية بعامة. إنه يملك من المعرفة والوعي ما يتيح له النظرة الشاملة, الرؤية التي تناقش وتحلل وتتفق وتختلف.
                      ذلك هو موقف كل المبدعين. المبدع قائد ثقافي في مجتمعه, وهذه القيادة لا تبين في التغزل بالقمر, ولا التغني بقطر الندى. لا قيمة لأي إبداع يغيب عنه الوعي في مواجهة الخطر. والخطر الذي نحياه - كما قلت - لا يقتصر على قطر بذاته, لكنه يشمل كل المنطقة العربية. إنهم يصرون على اجتثاث الوجود العربي من أرض فلسطين, بداية لتحقيق استراتيجية دامية, تمتد إلى بقية الأقطار العربية.
                      إعلام الذات
                      ما ملاحظاتك على الاستراتيجية التي يعمل الإعلام العربي في ضوئها?
                      - تتنقل متابعتي بين أكثر من قناة فضائية عربية. القضية الأهم ما يجري الآن في فلسطين المحتلة, صور تعكس بشاعة الممارسات الصهيونية وإدانات معلنة وبرامج ومناقشات وتحليلات موضوعية ومتحمسة, وإن التقت جميعها في وجوب استعادة الشعب الفلسطيني أرضه وإرادته وحريته, مقابلاً لإدانة جرائم عصابة شارون وشركائه!
                      أنتقل إلى قناة أوربية, نشرتها الإخبارية تقدم فقرات عن أحداث الأرض المحتلة.. لكن الصور والتعليقات تختلف تماماً عن تلك التي أجمعت القنوات العربية على تقديمها, ثمة العشرات من اليهود يشاركون في دفن جندي إسرائيلي قتله الفلسطينيون رداً على الاعتداءات الصهيونية المتكررة.
                      انتظرت بقية الفقرات, ربما تقدم الجانب الآخر من الصورة, وهو الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.. لكن الأيدي الصهيونية بدت واضحة من وراء تتابع الصور والتعليقات.
                      المشكلة - باختصار وبساطة - أننا نتوجه بإعلامنا إلى أنفسنا, إلى نحن. نعرّف أصحاب القضية بعدالة قضيتهم! أما الإعلام الصهيوني فهو ينطلق بالأكاذيب والدعاوى الأسطورية إلى الرأي العام العالمي من خلال سيطرة إعلامية مؤكدة, تشمل الكتاب والصحيفة والفيلم والمسرحية والبرنامج الإذاعي والتلفزيوني. يضع نفسه دوماً في موضع البريء, الجزيرة المسالمة المحاطة بالأعداء.. ولأنه بلا تاريخ حقيقي ولا تراث ولا هوية, فهو يسطو على تاريخ شعب المنطقة وينسبه إلى نفسه. فإن لم يفلح نسب ما عجز عن سرقته إلى غير حضارته, فزعم أنه تراث شرق أوسطي!
                      والأمثلة كثيرة, تطالعنا بها - صباح مساء - وسائل الإعلام الأجنبية, والعربية أحياناً..
                      الرأي العام العالمي بعد مهم في أي قضية دولية, ومخاطبته تحتاج إلى استراتيجية تحسن العرض والمناقشة والتحليل, وتدحض الأكاذيب بالحقائق الموضوعية. لا يكفي شعورنا بأننا على حق وعدونا على باطل. المهم أن نؤكد حقنا - أمام الرأي العالمي - ونعري محاولات العدو.
                      حكومة المافيا الإسرائيلية جعلت قتل الفلسطيني روتيناً يومياً, لكنها تخاطب العالم عن العنف الفلسطيني.. والصورة في الغرب - باعتراف البعثات الدبلوماسية العربية - ليست هي الحقيقة, بل إنها النقيض تماماً.المسألة ليست في مجرد إجادة مخاطبة الرأي العام العالمي, لكن ما يتمخض عن ذلك من تأثيرات إيجابية بالنسبة للحق العربي, وسلبية بالنسبة للأكاذيب الصهيونية. أذكّر بإقدام العشرات من دول العالم - من بينها دول أوربية - على إدانة إسرائيل وقطع العلاقات معها عقب عدوان 1967. لم يفلح الإعلام الصهيوني - رغم هزيمة العرب حينذاك - في تغيير الحقائق.
                      ماذا عن المستقبل?
                      - أتمنى أن أظل أكتب, وأكتب, بينما نظراتي تتجه إلى البحر.

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #41
                        المرأة .. والأدب

                        بقلم: محمد جبريل
                        ...............

                        ثمة تعريف للأدب النسائي بأنه كتابة عن المرأة تكتبها المرأة. وفي تقدير البعض أن ما تكتبه المرأة هو دائماً نسائي. ولا يمكنه إلا أن يكون نسائياً. وفي أحسن حالاته يكون نسائياً علي أكمل وجه. وفي العدد الأول من مجلة "فتاة الشرق" [1906] فرقت لبيبة هاشم بين الرجل الذي يكتب عن المرأة كما يعمل ويفكر. وبين المرأة التي تكتب عن نفسها كما تعتقد وتشعر. وقد دعت لطيفة الزيات النقاد إلي إظهار اهتمام أكبر بالكتابات التي تعبر بها المرأة عن المرأة. واكتشاف خصوصية الأدب النسائي العربي. فالمرأة - في رأيها - تتميز بخصوصية في كل ما تكتبه. وهي خصوصية تضيف جديداً وجميلاً إلي الأدب العربي. عبد الله أبو هيف يحدد محور أدب المرأة بأنه "فقدان الحرية. أو الشوق إليها. الحرية التي تعني تحقيق الذات. والانعتاق من قيود النفس والجسد والمواصفات الاجتماعية. والخلاص من التابو. ولوازم المجتمع القديم".
                        ويذهب عفيف فراج إلي أن الباعث الأهم علي الاهتمام بأدب المرأة. هو رصد وتتبع وعيها لذاتها كحرية مستلبة. وإرادة معطلة الوعي. لكونها قارباً مركوناً علي الشاطيء ينتظر الرجل/ الربان. ولا يسمح له بخوض الماء. ومطاردة التجربة. واستلال المعني. ثم قياس عمق هذا الوعي بشتي تدرجاته. ورصده في تفاعله مع محرضاته وإطلاقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية.
                        وثمة رأي مقابل انه لا يمكن ان نعتبر كل ما تكتبه المرأة أدباً نسائياً لمجرد ان الكاتبة امرأة. الكاتبة المرأة تتخذ الكتابة وسيلة للانضمام إلي التقليد الأدبي ذي المعايير الذكورية المصدر والتوجه. والامتناع عن استخدام السرد أداة للسيرة الذاتية للمرأة بما هي سيرة اضطهاد وعزلة. إنها تحاول التعبير من منطلق الكاتبة الانسان. لا الكاتبة المرأة. بمعني نسف الماهية النسوية. وبالطبع. فإن العامل المرجح هنا هو طبيعة مادة المضمون. أو طريقة المعالجة. وثمة اعتراض علي تسمية الأدب النسائي. من حيث انها تضع المرأة في دائرة الأنوثة. أو تقصرها عليها. وإسقاط الصفة الأعم وهي الانسانية.
                        بالنسبة لي. فإني أتحفظ - أعترف! - علي التسمية لأنها - بالتعميم - ستشمل أدب الرجال. وأدب الشيوخ. وأدب العمال. وأدب الفلاحين. وربما امتدت التسمية لتشمل أدب رواد المقاهي! المرأة حين تكتب عن المرأة. فإنها تكتب عن الرجل ايضاً. الرجل والمرأة وجها العملة. إن جاز التعبير. مشكلات أحد الجنسين تعني مشكلات الجنسين معاً. ومشكلات الجنس الواحد مقابلاً. أو تشابكاً مع. أو في موازاة. مشكلات الجنس الآخر.
                        ذلك هو نبض الكتابات الإبداعية منذ قصة "الأخوين" الفرعونية. والتي تعد أولي القصص في الأدب العالمي. وفي كل الأحوال - أو هذا هو المفروض - فإن مشكلات المرأة - في إطار العمومية - هي جزء من مشكلات الجنس والجماعة والطبقة والوطن. الأدب تعبير عن الانسان. وليس عن الذكورة والأنوثة. ذلك ما تنبض به كتابات إديث وارتن وبنت الشاطئ وبيرل باك وفرجينيا وولف وكاثرين مانسفيلد وسيمون دي بوفوار وآسيا جبار وإيريس مردوخ وأنجيلا كارتر وغيرهن. لقد مارسن الكتابة الإبداعية. عبر وعي بالهوية النسوية يتكافأ مع الوعي بالحداثة الأدبية. ولعلي أشير إلي قول نبيلة إبراهيم: "هنالك إبداعات المرأة تتجاوز المشكلة النسائية إلي كونها إنساناً. يعيش الحياة بأبعادها المختلفة. محتكة بالعالم الذي تعيش فيه. وترصد كل ما في الحياة من مشكلات وقضايا لتعبر عنها".
                        ........................
                        * المساء ـ في 30/4/2005م

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #42
                          .. فالأطياف تُحاورني
                          (إلى الروائي محمد جبريل)

                          شعر: حسين علي محمد
                          ....................

                          منْ أطْلَقَ نهرَ الماءِ
                          على الصحراءِ
                          مقتحماً أقواسَ الظُّلمةِ والأنواءِ ؟
                          منْ رسَمَ النهرَ وسيعاً كالصيفِ
                          بديعاً كالحرْفِ
                          ورفعَ الجنَّةَ فوقَ ضفافِ الطيفِ
                          وخطَّ حكايةَ عشقٍ للغبراءِ ؟
                          منْ دفعَ السمّانةَ للبحْرِ
                          ولوّحَ بالنَّهْرِ
                          فأقبلتِ الأطيارُ تُغني أحلامَ الشعراءِ ؟
                          *
                          هلْ تخشى الأسوارَ
                          وريشتُكَ الخضْراءُ انتفضتْ
                          تقتحِمُ النّارَ ؟
                          أجبني

                          فالأطيافُ تُحاورُني
                          والصحراءُ ردائي

                          ديرب نجم 8/9/1984

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #43
                            الخيـــــــوط
                            (إلى محمد جبريل)

                            شعر: حسين علي محمد
                            ....................

                            (1)
                            كان ترامُ مدينتنا يمشي في الليلِ بطيئاً يتثاقلُ كالسيدةِ الحاملِ، وجباهُ الخلقِ تغوصُ ببحرِ العرقِ اللزجِ، وأجسادُ النسوةِ تلتصقُ، وتختلِطُ روائحُها: رائحةُ الإبِطِ، وكولونيا باريسَ، وعطرُ المرأةِ، وأنا ..
                            ألصقُ صدري في صدرِ امرأةٍ، فتُعنِّفني عينا رجلٍ ممصوصٍ، ويبسمل، ويحوقلُ، وعلى السلمِ رجلٌ يُرقصُ قرْدتَهُ، ويُغني ـ واللحنُ ذبيحٌ في الحلْقِ ـ
                            :"أتعرفُ من نحنُ ؟ لقد كنا في يومٍ ساداتِ العالمِ، كنا في يومٍ من فجرِ البشريةِ نعبرُ هذا البحرَ الأحمرَ، نبني الأهراماتِ ونحمي الأديانَ، نُقيمُ الصلواتِ، وكم أعطينا ! .. من أورثني هذا الفقرَ .. وهذا الذلَّ .. فسالَ دمي .. وبدون ثمنْ!"

                            "في طُرقاتِ الأحجارِ الصلدةِ أمشي
                            وتفيضُ الأرضُ جفافاً
                            جوعاً
                            قهراً
                            خوفاً
                            وتفيضُ الأرضُ وتمنحُ مغتصبيها
                            قمحاً
                            ونبيذاً
                            وجسوماً غضَّهْ
                            وعطوراً باريسيَّهْ
                            ونهوداً من مرمرْ
                            منْ يمسحُ عنِّي قهري؟
                            منْ يمنحني لحظةَ دفءٍ وسعادهْ؟
                            والدميةُ تلهو في صدري، وتُحدِّثني ..
                            عاشتْ عمراً بالطولِ وبالعرضِ،
                            وفاضتْ لحظاتي
                            قهراً
                            خوفاً
                            جُبناً
                            أبعدْتُ الوجْهَ (فهذا وجْهٌ منْ صلصالٍ
                            يختلطُ الشعرُ / الموجُ بصدرِ الرجلِ الأصلعِ
                            يبسمُ منتَشِياً، فتتمتِمُ
                            "وجدوني وقتَ بزوغِ الفجرْ
                            لما مزَّقَ ضوءُ القمرِ الشاحبِ أرديةَ الظُّلمهْ
                            في ذيلِ الشهرِ)، مفاجأةٌ تحتَ الحائطِ
                            (وجدوني حيا أتكلَّمُ،
                            وعروسٌ من صلصالٍ في حضنيَّ)
                            كنا نفترشُ الرملَ، ونضحكُ
                            والعينانِ تروغانْ
                            والوجهُ الأبيضُ مصبوغٌ بالحمرةِ
                            والنهدُ المكسورُ يُحاورُني
                            (من جعلَ الأرضَ الخصبةَ لا تُعطي غيرَ الأطفالِ الجوفْ؟)
                            (2)
                            وَمَضَ البرقُ الليلةَ
                            فابتلَعَ الضوْءُ تُرامَ مدينتِنا الأملسَ
                            وتعرَّى جسدي المنخورُ
                            وكانتْ ساقي المبتورةُ تتدحرجُ قُدَّامي
                            والنسوةُ يجرينَ ويهبطْنَ، ويبسمْنَ
                            وساقي مبتورهْ
                            أرفعُ رأسي للنورِ، وأضحكُ
                            أصنعُ منْ نغمي قُدْساً
                            (كيفَ سألحقُ بالفاتنةِ) وأرقُصُ
                            يتشرنقُ هذا الجمعُ
                            وقُدامي تمثالٌ آخرُ من صلصالٍ
                            ينحسرُ الثوبْ

                            حرسُ الجامعةِ الليلةَ
                            أخرجَ أسلحةً ما كانتْ تخرجُ
                            فتدفَّقَ نهدا "سلوى" باللبنِ
                            وشرِبَ الجمعُ
                            انكبَّ الشرطيُّ على النهدِ المتكلِّمِ
                            أخرسهُ بالسونكيِّ،
                            وظلَّ يُطاردُ "سلوى"
                            برصاصاتٍ في الجِيدِ
                            وسونْكيٍّ في الصَّدْرْ
                            (3)
                            اختفتِ الفرحةُ منْ وجهي
                            بعد ثَوانٍ منحوني ديناراتٍ نفطيَّهْ
                            عُدتُ أُغنِّي للشرطيِّ بصوتٍ يتسربلُ في الفرْحِ اللونيِّ،
                            ويملؤ هذي الحافلةَ المكتنزةَ باللحمِ البشريِّ

                            وكان رصاصٌ أرعنُ ..
                            يقتُلُ هذا الفرحَ المرسومَ على الأوجهِ
                            فتراني أصرخُ في صوتٍ يتلوَّنُ بالوطنيَّةِ:
                            كُفُّوا
                            حتى يستمتعَ كلٌّ منكمْ بِغنائي!!
                            ديرب نجم 9/5/1978م

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #44
                              محمد جبريل وحكايات الفصول الأربعة

                              بقلم: وائل وجدي
                              ..............

                              " ... تكتب ، وتكتب ، وتكتب .... شعور أقرب إلى الراحة ، تطمئن إليه بأنك تعبر عن نفسك . تستدعي الأفكار والذكريات والرؤى والخواطر التي لا رابط بينها إلا استعادة ما مضى من أعوام العمر. تتلاحق الصور . تتلاقى ، وتتعامد ، وتتشابك . تختلط الملامح والسحن والتعبيرات والمشاعر . تعود للمواقف والحكايات العجيبة . يعود الأمل والقلق والخوف . تتخفف مما لا تقدر على تبين ملامحه . توشي الألوان والظلال قطع الفسيفساء في مساحة اللوحة .." (1)
                              هكذا ، ينهي الروائي المبدع / محمد جبريل ، روايته - الجديدة - حكايات الفصول الأربعة ؛ والتي تضاف إلى إنجازه الإبداعي ، وكذلك إلى الإبداع الروائي العربي في آن.
                              وهو - بحق - يأخذ الإبداع بجدية ودأب ؛ وهذا أمر ، يتبينه - بجلاء - المتتبع مسيرته الأدبية.
                              تدهشك - دوماً - أعماله الإبداعية ، بتطورها - الملحوظ - في تقنيات السرد. ويشغف - محمد جبريل - بالإسكندرية ؛ وخاصة : حي بحري ، والذي يدور فيه معظم إبداعه الروائي:
                              "..الحنين إلى المكان عندي ، يتمثل في حنيني إلى ( حي بحري) ، وهو الحي الذي ولدت فيه . وإذا كنت أحيا - الآن - بعيداً عنه ، نتيجة لظروف عملي في القاهرة ؛ فإنه يحيا في داخلي دوماً .. المعتقدات ، والعادات والتقاليد ، وحياة الصيادين ، وأضرحة الأولياء ، والحياة في الميناء ، وصيد العصاري ، وليال رمضان ، والموالد ، والأذكار ، وكل ما يجتذبني إلى ذلك الزمن القديم... أنا من المفتونين بالمكان المصري ، وقد تمنيت أن تتاح لي الفرصة نفسها ، التي أتيحت لشتاينبك ، عندما طاف مع كلبه " تشارلي" كل المدن الأمريكية ، وتعرف إلى حياة الناس في مختلف البيئات ؛ وهو ما انعكس على إبداعه بصورة مؤكدة . وبالطبع ، فإن ( حي بحري ) ؛ هو أشد الأماكن قرباً من وجداني وفني في آن ..."(2)
                              لا تعدو أن تكون - هذه القراءة- سوى وقفات تأمل ، عند بعض الشخصيات ، والأحداث ، التي بثها - الفنان المبدع - بفرشاته ، العبقة بزخم المشاعر والاحساسات - المنداحة ، بشجن شفيف - في السرد الروائي ، المصاغ بحنكة ، وحذق.
                              ورواية : حكايات الفصول الأربعة ؛ هي، سيرة حياة - رفعت القباني - ، والتي اضطر ؛ لكتابتها ، بعد أن حبس في شقته - بالطابق الثاني عشر- لتعطل المصعد:
                              "..تشرد عيناك في تلاقي البنايات والسماء والأفق ..
                              شمس الضحى تصبغ الواجهات والأسطح والمدى . أسراب الطير تلتمع في وهج الأشعة كنثار الفضة . تحط على الأمواج ، تلتقط الأسماك ، ثم تعاود الطيران . الفلوكة الصغيرة تتمايل وهى تجر الطراحة في عومها المتباطيء . أصداء إيقاع الأمواج تنداح على الشاطيء . أصوات الطريق شاحبة من وراء النافذة الزجاجية المغلقة..
                              حين ترامى صوت من الطوابق التحتية : المصعد معطل ، اصطدم كل ما أعددت له نفسك بحائط مسدود. لم تعد تملك التصرف الذي يصلك بالأماكن التي كنت تعد نفسك للذهاب إليها في داخل المدينة ، مقهى التريانون ، مكتبة دار المعارف بالمنشية ، مبنى الغرفة التجارية . تقدم ترجمة تقرير إنشاء منظمة التجارة العالمية...... الصعود إلى الطابق الثاني عشر ، لم يعد متاحاً منذ ذلك المساء الذي ارتميت فيه - بثياب الخروج - على أول كرسي تصادفه في الصالة . خانك الجسد ، وتهيأ للسقوط...."(3)
                              ومن البداية ، يدخلنا - الكاتب - في الحدث ، الذي كبل حرية - الراوي - ، وجعله يمكث في شقته ؛ يتأمل حياته الفائته ، بكل ما فيها ... وينثر بقلمه - بحذق - ما يعانيه من وهن الشيخوخة ، ورؤيته للعجز والموت...
                              " .. لم تعد تجلس إلى مكتبك ، أو تتحرك من موضعك ، إلا بجهد تشعر به وإن حاولت إخفاءه كأنك تداري ما يجب ألا يعرفه الآخرون .."(4)
                              ثم، أخذ يحدد معالم الشقة - ببراعته المعهودة في وصف المكان - : " أدهشك موقعها المطل - في الطابق الثاني عشر - على شبه جزيرة الإسكندرية . البحر من الجهات الثلاث والكورنيش والبيوت والجوامع والساحات والشوارع والأسواق . لما خصت إيناس أمها بالسر الذي أخفته عن الجميع ، طالبت رئيفة بحجرة لإيناس لا يشاركها فيها أحد . شقة شارع فرنسا ذات الحجرات الثلاث لم تكن تسمح بذلك . حجرة لكما - رئيفة وأنت - والثانية ، والثالثة للسفرة ، والصالة للاستقبال ...... لما نظرت - للمرة الأولى - من نافذة الطابق الثاني عشر ، أحسست بدوار ، وما يشبه الميل إلى إلقاء نفسك . أدركت أنك تعاني عقدة الخوف من الطوابق العليا ..
                              اكتفيت - في الأيام التالية - بالنظرة الخاطفة السريعة . ثم ألفت المشاهد دون أن تشعر بالدوار، أو بالميل إلى إلقاء نفسك ، أو تغادر موضعك ..."(5)
                              ويسرد - الراوي - علاقاته المختلفة: بالأصدقاء .. كيفية تعرفه على زوجته، الخلافات في الرأي مع أولاده، والهوة بين الأجيال: رضوخه ؛ لرغبة ابنته إيناس ، الزواج من زميلها ياسر ؛ رغم اعتراضه على ذلك:
                              " - زوجتك ابنتي!
                              قال بهجت عبد المنعم العبارة ، ويدك في يده تحت المنديل الأبيض .
                              - وأنا قبلت .
                              رددت العبارة خلف المأذون المعمم . قدم من دكانه الخشبي الصغير قبالة أبو العباس . الجلسة مختلفة. اختلف المأذون فهو يرتدي البنطلون والقميص. لم تختلف العبارتان : أزوجك ابنتي ، وأنا قبلت. شعرت - وأنت تردد ما قاله المأذون - بطعم المر في شفتيك . اصطدم رفضك بأفق غائم. تحدثت رئيفة عن الخطر الذي تلوح نذره ، وبكت.. كتمت الرفض ، والألم في داخلك . وضعت ما يجري في إطار الفرجة . تشارك بما أذنوا لك به : أزوجك ابنتي ! . تطلب من ما لا توافق على أن يطلبه ، لو أنه هو الذي ردد العبارة الأولى وراء المأذون . إذا كانت إيناس قد لوحت - بإيعاز ياسر - إلى ما لم يدر لك ببال ولا تصورته ، فإن الشاب هو الذي يجب أن يردد العبارة : زوجني ابنتك!. ترد بالموافقة أو الرفض . لكنك عرضت ما ترفضه ، ومنحك ياسر موافقته!"(6)
                              وهجرة ابنه هاني ، وعدم الالتفات إلى نصائحه بعدم السفر ، والبحث عن فرصة عمل أخرى:
                              " قال هاني:
                              - حصلت على شهادة التجنيد مقابل حصولي على بكالوريوس التجارة..
                              ثم في لهجة باترة :
                              - من حقي الآن أن أرحل!
                              كان قد عرف البلد الذي يهاجر إليه ، وأنهى كل أوراقه . الموعد وحده هو ما أبلغنا به . تستطيعون وداعي على باب الشقة ، أو في المطار ..
                              وهو يحاول السيطرة على ارتعاشة صوته:
                              - حتى لا أتعبكما ، يكفي الوداع في الإسكندرية .."(7)
                              ولقد بث في ثنايا الرواية ، لمسات سياسية خاطفة ؛ ولكنها دالة: "ولدت بعد عام واحد من ثورة 1919، وكنت في السابعة حين توفى سعد زغلول . أحدثت تطورات الفترة تأثيراتها في نفسك . الوفد هو الحزب ... ثم تبدلت المشاعر بمعارك الزعامات ، وإلغاء دستور 1923 ، والقمصان الزرقاء ، والقمصان الخضراء ، والقمصان الصفراء ، وتزييف الانتخابات ، وخيانات الأحزاب ، والأزمة الاقتصادية ، وتدخل قصر الدبارة ، والحرب العالمية الثانية ، وحادثة 4 فبراير ، وحرب فلسطين ، ومعارك القناة ، وثورة يوليو ، وعدوان 1956، ونكسة 1967، وحرب الاستنزاف ، وحرب أكتوبر.."(8)
                              نجح الكاتب في التعبير عن خلجات - الراوي - وما تعتمل الشخصية من مشاعر : " زاد إحساسك بالوحدة . غلبك التأثر . تمنيت لو تذهب إلى مكان بعيد ، يخلو من البشر تماماً . تتمدد على رمال الشاطيء . تأثر الأمواج . تغطيك ، تغسلك ، تنحسر . تعود لتغطيك ، وتغسلك إلى ما لانهاية .
                              تضيء النور ، وتعيد تأمل ما حولك : الأثاث الستائر ، المكتبة ، التليفزيون ، النوافذ ، الشرفات . تلاحظ الشقوق الواضحة في السقف والجدران ، والتكوينات التي صنعها تساقط الطلاء.
                              تنظر - بآلية - إلى ساعة الحائط ، تحت إفريز السقف . الحادية عشرة وخمسة عشرة دقيقة . أكثر من ساعة لم تذهب للتبول..
                              تنفخ بتلقائية . تمضي إلى النافذة دون أن تتوقع ما ستطالعه . مجرد حركة لم تتدبرها . تسقط احتمال الخطوة التالية ..
                              كانت حركة الطريق قد هدأت ، وشحبت الأصوات المتصاعدة من أسفل . وكان الظلام قد ابتلع البحر. لا مرئيات سوى نقاط ضوء متناثرة في بلانسات بعيدة . وثمة توالي حركة الموج في مد وجزر متلاحقين ، وغابت أسراب النورس عن سماء الشاطيء."(9)
                              تتميز الرواية ، بالتقنيات السردية المختلفة ؛ فنجد: الكولاج ، القطع ، المونتاج الزمكاني ، المونولوج.. المزج بين الماضي والحاضر . لا يسير السرد على مستوى أفقي أو رأسي ، وإنما ينساب هنا وهناك ؛ ليعطينا رؤى - الراوي - بلغة متفردة : في اختيار المفردة اللغوية ، والتركيب اللغوي للجملة .. اقرأ هذه الفقرة : " يغطس قرص الشمس في البحر، وإن خلف بقايا ضوء شديد الاحمرار. ينطلق سرب من الطير في الأفق ، يواصل طيرانه حتى يتحول إلى نقطة بعيدة ، ما تلبث أن تختفي. ترين على المكان رمادية شفيفة ، تستطيل الظلال . تفترش مساحات من الطريق والبنايات ، ووميض بقايا أشعة الشمس ينعكس على النوافذ الزجاجية المغلقة . وغربان البحر تنعق ،وتصرخ ، وتزعق ، وهى تحوم فوق بلانس اجتاز حاجز الأمواج ، ودخل نصف الدائرة ما بين السلسلة وقايتباى . طوى الرجال الشراع ، وأعدوا المخطاف ."(10)
                              اللغة ، مكثفة ، رقراقة ، شفيفة ، تتواءم مع سيكولوجية الشخصيات ، والعالم المحيط بها؛ والذي برع في نسجها بمهارة وتفوق .. واختياره لأسماء الشخصيات ، كان اختياراً دقيقاً ، وحصيفاً - تأمل معي ؛ هذه الأسماء : رفعت ،رئيفة ، إيناس ، هاني ، مسعد، بدر...
                              ومما لا شك فيه ، أن الروائي المبدع / محمد جبريل ، برواية : حكايات الفصول الأربعة ، يكون قد أنجز عملاً إبداعياً - سامقاً - يضاف إلى المشهد الروائي العربي. وتعد - من ناحية أخرى - نقلة نوعية وكيفية في إبداعاته الروائية ، والمحلقة - دوماً - إلى آفاق جديدة..
                              هوامش:
                              1- محمد جبريل – رواية : حكايات الفصول الأربعة – ص 139، 140- دار البستاني للنشر والتوزيع- 2004.
                              2- مجلة : أنداء – العدد الثاني – 2001 – الهيئة العامة لقصور الثقافة – إقليم شرق الدلتا الثقافي – حوار مع الروائي الكبير / محمد جبريل – ص 5،4.
                              3- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 13، 14.
                              4- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 14.
                              5- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 17،16.
                              6- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 29.
                              7- محمد جبريل – المصدر السابق – ص54.
                              8- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 49،48.
                              9- محمد جبريل – المصدر السابق – ص 101.
                              10- محمد جبريل – المصدر السابق – ص102.

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #45
                                من المحرر

                                بقلم: محمد جبريل
                                ...............

                                الملاحظ ان زيارات المبعوث الأوروبي السنيور خافير سولانا إلي المنطقة العربية لا تأتي عفواً ولا مصادفة. ولا هي لسماع وجهة النظر العربية في ممارسات الكيان الصهيوني التي لم يعد تأثيرها السلبي يقتصر علي فلسطين. لكنه واضح وملموس في العراق ولبنان والسودان وغيرها من الأقطار العربية. أنت في كل أزمة عربية تستطيع ان تتبين بصمات الموساد والمؤامرات الصهيونية.
                                ما يشغل سولانا - في كل جولاته - ان ينقل وجهة النظر الإسرائيلية. فضلاً عن إملاءات حكومة اسرائيل. وعلي العرب - في المقابل - ان يتخلوا عن الارهاب. كأنهم - وليس الكيان الصهيوني - هم الذين تحول القتل علي أيديهم إلي ممارسات يومية. وكأنهم هم الذين يجاهرون بالتصفية الجسدية. وتدمير البيوت. والتهجير. ومصادرة حتي الأموال المودعة في البنوك!
                                لم تنفذ حكومة إسرائيل - منذ زرعت الدولة العبرية في المنطقة - قراراً دولياً واحداً. حتي القرارات الملزمة التي يصدرها مجلس الأمن بما يقارب الإجماع. يتكفل الفيتو الأمريكي بإسقاطها!
                                حتي استبيانات الرأي في الغرب الأوروبي. والتي تتناول تطورات الصراع في المنطقة العربية. تدين تصرفات إسرائيل. وتجد فيها باعثاً للتطورات السلبية التي تحياها المنطقة منذ عام 1947. إلي الآن.
                                أشفق سولانا من هذه العزلة التي تواجهها إسرائيل أمام الرأي العام العالمي. حتي الغربي منه. وجد في الرسوم الكاريكاتورية الهولندية. ثم في التصريحات المستفزة لبابا الفاتيكان. فرصة للحديث - مشفقاً - عن عزلة العالم الإسلامي في مواجهة العالم! أصبح المسلمون - وليس الكيان الصهيوني - في عزلة عن العالم!
                                ناقشت - من قبل - إصرار ساسة الغرب ان يجدوا في بلادهم تعبيراً عن المجتمع الدولي. أما دول العالم الأخري فإن كل ما تملكه ان تصدر - عبر الأمم المتحدة - قرارات غير ملزمة. فهي لا تساوي الحبر الذي سودت به!
                                إذا كان سولانا يتمم برحلاته إلي المنطقة - في أوقات المآزق الصهيونية - أدوار مبعوثي كونداليزا رايس. فإن تصريحه الأخير يكشف نياته تماماً. وحقيقة مساعيه. بحيث يصبح الجلوس إليه علي طاولة حوار. أشبه بمن يجلس إلي الشيطان. ليتلقي العظات!
                                فليحتفظ سولانا بقلقه لنفسه. وليتجه بعظاته إلي قادة إسرائيل. علهم يدركون ان الولايات المتحدة. ودول الغرب التابعة. قد تمثل بعض العالم. لكنها - بالتأكيد - ليست كل العالم. ......................................
                                *المساء ـ في 21/10/2006م.

                                تعليق

                                يعمل...
                                X