الروائي محمد جبريل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #46
    حوار مع روائي الإسكندرية محمد جبريل

    حاوره: د. احمد زياد محبك - سورية
    ...............................

    محمد جبريل روائي وقاص إسكندراني, عاشق للإسكندرية, منها يستمد معظم مواد رواياته, وعنها يكتب, كأنه نذر لها قلمه وحياته. هي في رواياته بريئة شفافة جميلة, أبطالها فيها يتحركون, وعبق بحرها ينتشر في كل الأنحاء. وهو كاتب صحفي, يشرف على القسم الأدبي في جريدة المساء, وله فيها زاوية يحررها كل يوم. وهو أخ كبير يلتقي مساء كل خميس مع ثلة من الأدباء الشباب في ركن جميل من مبنى نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروة في قلب القاهرة, يستمع إليهم ويرعاهم ويشجعهم, وفي بيته العامر يستقبل الصحب والأصدقاء. وهو في كل آن وفي كل مكان سمح وكريم وطيب وبريء, يمزح كطفل, ويتكلم عن خبرة وثقافة وسعة اطلاع, ويتحدث بذكاء وبحس نقدي حصيف, تحس وأنت معه أنك أمام إنسان تعرفه منذ ألف عام, وأنه يعرفك ويحبك.
    كنت التقيت الروائي محمد جبريل في ندوة عن الرواية عقدت في طرابلس بليبيا قبل ستة أعوام, ولم يكن لقاء عابراً, وأول قدومي إلى القاهرة صيف عام 2002 اتصلت به فأسرع إلى زيارتي في شقتي المستأجرة بالقاهرة هو وزوجته الأديبة الناقدة السيدة زينب العسال.
    وفي صيف القاهرة الجميل كان هذا اللقاء...
    * في السؤال الأول صدمة وإدهاش, وسيتقبله مني الأستاذ محمد جبريل بحب, والسؤال: أنت متهم بغزارة الإنتاج, فهل هذا صحيح, وما معنى الغزارة عندك? وكيف تحققت? وهل فيها تنوع في المواقف والرؤى والأساليب والأنواع?
    - الغريب أن الذين يوجهون هذا الاتهام هم من أبناء جيلي. وجه الغرابة أن ما أصدرته المطابع لهم يفوق - من حيث الكم - كل ما أصدرته لي. والحق أني اعتبر القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي, بصرف النظر عن غزارته أم قلته. فقد صدر للصديق صنع الله إبراهيم من الروايات - على سبيل المثال - ما لا يجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. بينما صدر لأستاذنا نجيب محفوظ ما يزيد على الأربعين رواية.. لكن إبداع كل من صنع الله ومحفوظ يلتقي في القيمة الفنية المؤكدة. ولا أريد أن اضرب أمثلة أخرى حتى لا اتهم بالمجاملة أو بالتجني, وان سهل علينا التعرف على عشرات الأمثلة.
    إن محاسبة أي مبدع يجب أن تتجه لقيمة ما يكتبه وليس لكم ما يكتبه. وأصارحك بأن ما يشغلني من إبداعات أتوق لكتابتها يفوق كل ما صدر لي حتى الآن, فضلاً عن أن جهاز الحاسوب عندي - وليواصل أصحاب الاتهام عجبهم! - يضم تسع روايات أنهيتها وتنتظر الموعد المناسب لنشرها, إلى جانب الكثير من القصص القصيرة والمقالات التي يسميها البعض نقداً, واسميها قراءة إيجابية.
    وبالنسبة لبقية السؤال فإني أكتفي بالإشارة إلى بعض ملامح مشروعي الإبداعي مثل عفوية الكتابة الإبداعية, ووجوب أن يعبر مجموع المبدع عن رؤية شاملة, أو فلسفة حياتية, تتضمن مواقفه في المجتمع والسياسة والميتافيزيقا وعلم الجمال, وكل ما يستند إلى موهبة الأديب, وثقافته وخبراته وتجاربه.
    ولعله يجدر بي أن أشير إلى عامل مهم, لا يفطن إليه رواد مقاهي وسط البلد وهواة الثرثرة ودعاة قتل الوقت, في حين أن الوقت هو الذي يقتلنا...
    إني أؤمن بجدوى النظام. انه يكفل مضاعفة الوقت, وإنجاز ما يصعب إنجازه في الفوضى والتكاسل, وإرجاء ما ينبغي التوفر على إتمامه.
    *أنت صحفي, عملت في الصحافة طوال عمرك, وقد أخذت منك ثماني سنوات ونصف من التفرغ لها في عُمان, حيث أشرفت على صحيفة «الوطن», فكيف وفقت بين الصحافة والإبداع? وما أثر الصحافة في كتابتك وحياتك?
    - سئل ارسكين كالدويل: هل العمل في الصحافة يساعد أو يعوق كتابة القصة القصيرة?... أجاب: لا أعرف شخصاً واحداً اضرّ به التمرين على الكتابة من أي نوع. إن الصحافة, فضلاً على أنها تفيد في التمرين الدائب على الكتابة, فإنها تساعد أيضاً على تكوين عادة الكتابة كل يوم. إن انتظار الوحي عذر قلّما تجده لدى المؤلفين الذين تمرسوا بالصحافة. وحتى الآن, فإن جارثيا ماركيث يحرص على العمل في الصحافة, ذلك لأن الصحافة - في تقديره - تحميه, وتحرسه, وتجعله متصلاً بالعالم الحقيقي. كانت الخبرات الصحفية - باعتراف ماركيث - وراء العديد من أعماله الروائية, مثل قصة غريق, حكاية موت معلن, نبأ اختطاف. بل إن رائعته «خريف البطريرك» استلهمها من تغطيته لوقائع محاكمة شعبية لجنرال أمريكي لاتيني اتهم في جرائم حرب...
    لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة, باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية, وان احصل منها على مورد يتيح لي تلبية احتياجات العيش, فلا أنشغل بأعمال أخرى تنتسب إلى الكتابة, لكنها قد تصرفني عن القراءة والكتابة, وأن ألزم نفسي بنظام - مثلي فيه أستاذنا نجيب محفوظ - يحرص على الجهد والوقت. وأخيراً, أن يكون لي بيت زوجية, فلا تواجه مشاعري العاطفية ولا الحسية ما يمكن أن اسميه بالتسيب.
    أذكر أني مارست في العمل الصحفي جميع أنواع الكتابة, كتبت الخبر والتحقيق والمقال والدراسة. أهب كل نوع ما يحتاجه من مفردات لغوية وصياغة وتقنية, باعتبار القارئ الذي أتجه إليه في ما أكتب. وبالتأكيد, فإن كاتب التحقيق الصحفي يختلف عن كاتب المقال الأدبي, واللغة القصصية تختلف عن لغة الصحافة. يسرت لي الصحافة سبل اقتناء الكتب التي تعجز مواردي عن شرائها جميعاً. فأنا اكتب في صفحة أدبية. في هذه الصفحة باب للكتب, فأنا اكتب عن كل كتاب يهديه صاحبه - أو ناشره - للجريدة, ثم أحتفظ به لنفسي, وأتاحت لي الصحافة مجالات ربما لم اكن أستطيع أن اقترب منها في الوظيفة العادية. سافرت إلى مدن وقرى داخل مصر وخارجها, والتقيت بشخصيات تمتد من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى قمته, وبثقافات متباينة, وان لم يتح لي عملي في الصحافة امتيازاً من أي نوع. كانت جيرتي للشيخ بيصار شيخ الأزهر الأسبق, ولوزير سابق لا اذكر اسمه, مبعث اعتزازي بأني أجاور ناساً مهمين في غياب أصدقاء من السلطة. وحتى لا أبدو في موضع سيئ الحظ, فإني اعترف بحرصي على الوقوف في الطابور, فضلاً عن عدم ميلي إلى مصادقة السلطة, حتى لو تمثلت في اكتفائي باجترار صداقات أتيح لطرفها المقابل بلوغ مراكز متفوقة في السلطة. وكان عملي الصحفي, الحياة في الصحافة, الأحداث والشخصيات التي تعرفت - بواسطتها - إليها, وراء العديد من أعمالي الروائية, بداية من الأسوار - روايتي الأولى - وانتهاء بأحدث ما كتبت شمس مسقط الباردة, مروراً بالنظر إلى أسفل، وبوح الأسرار، والخليج ... وغيرها. بل إن الصحفي هو الشخصية الرئيسة في هذه الأعمال.
    ولكن من المهم أن أشير إلى أن الصحافة قد ترضى بالكاتب قاصاً أو روائياً أو شاعراً في بعض الأحيان, لكنها تريده صحفياً في كل الأحيان. إنها تريده كاتب مقال أو تحقيق أو خبر الخ.. مما يتفق وطبيعة العمل الصحفي الذي يعد الأدب - في تقدير القيادات الصحفية - جزءاً هامشياً فيه. أُصارحك بأني نشرت روايتي "قلعة الجبل" في الجريدة التي أعمل بها. نقلت المسودات على الآلة الكاتبة, وصورتها, ونشرتها في جريدتي, فلم أتقاض في ذلك كله مليماً واحداً, في حين أن الزميل الذي يسبق الآخرين بخبر في بضعة اسطر, يتقاضى مكافأة تبلغ عشرات الجنيهات!.. وهذا كله يعد انعكاساً واضحاً, ومفزعاً, للنظرة إلى العمل الأدبي, وقيمته ضمن مواد العمل الصحفي.
    الفن - الرواية والقصة على وجه التحديد - عالمي الذي أوثره بكل الود. أتمنى أن اخلص لهما - تجربة وقراءة ومحاولات للإبداع - دون أن تشغلني اهتمامات مغايرة. لكن الإبداع في بلادنا لا يؤكل عيشاً. ربما أتاحت رواية وحيدة في الغرب لكاتبها أن يقضي بقية حياته "مستوراً", أن يسافر ويعايش ويتأمل ويقرأ ويخلو إلى قلمه وأوراقه دون خشية من الغد, وما يضمره من احتمالات, لكن المقابل المحدد والمحدود الذي يتقاضاه المبدع في بلادنا ثمنا لعمله الأدبي يجعل التفرغ فنياً أمنية مستحيلة!!.. من هنا كان اختياري - الأدق: لجوئي - إلى الصحافة, فهي الأقرب إلى قدرات الأديب واهتماماته, وهمومه أيضاً.
    ولعلي اذكر قول المازني لأحد الأدباء الذين عابوا عليه وفرة كتاباته: "ستقول إن المازني كان بالأمس خيراً منه اليوم, وانه ترك زمرة الأدباء, وانضم إلى زمرة الصحفيين, وانه يكتب في كل مكان, ويكتب في كل شيء, حتى اصبح تاجر مقالات, تهمّه ملاحقة السوق اكثر مما تهمّه جودة البضاعة.. أليس كذلك? ولكن لا تنس أن الأديب في بلدكم جبر على أن يسلك هذا السبيل ليكسب عيشه وعيش أولاده, وليستطيع أن يحيا حياة كريمة تشعره بأنه إنسان".
    لذلك منيت النفس وأنا ارحب - متحسراً - بالسفر إلى سلطنة عُمان للإشراف على إصدار جريدة أسبوعية - تحولت إلى يومية فيما بعد - بأن أدّخر في الغربة ما يعينني على الإخلاص للفن وحده, لكن الأمنية ظلت في إطارها, لا تجاوزه. وكان لا بد أن اكتب في موضوعات تقترب من الفن أو تبعد عنه. وحتى لا افقد ذاتي في سراديب مجهولة النهاية, فقد فضلت أن تكون محاولاتي أقرب إلى ما يشغلني في الفن, وفي الحياة عموماً. وبصوت هامس ما أمكن فإن مصر - الموطن واللحظة والماضي والمستقبل - هي الشخصية الأهم في كل محاولاتي الإبداعية. ذلك ما احرص عليه, وما لاحظه حتى القارئ العادي. تعمدت أن تكون مصر: تاريخها, وطبيعتها, وناسها, ومعاناتها, وطموحاتها, نبض كتاباتي جميعاً. ما اتصل منها بالصحافة, وما لم يتصل, ما اقترب من الأدب وما لم يقترب. وكانت حصيلة ذلك كله - كما تعرف - عشرات الدراسات والمقالات التي تتناول شؤوناً وشجوناً مصرية بدءاً من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" مروراً بـ"مصر من يريدها بسوء" و"قراءة في شخصيات مصرية" و"مصر المكان" إلخ... وانتهاء بما قد يسعفني العمر بإنجازه.
    * أنت مثقف واسع الاطلاع, تشهد على ذلك مؤلفاتك النقدية, فقد كتبت عن مصر في قصص كتابها المعاصرين, ونلت عن هذا المؤلف جائزة الدولة التشجيعية عام 1975 كما وضعت كتاباً عن نجيب محفوظ, فما دافعك إلى الكتابة النقدية? وما جدواها بالنسبة إليك وأنت الكاتب الروائي? وما أثرها في إبداعك الروائي?
    - ثمة حقيقة يجب أن نتفق عليها, هي أن النقد الذي يقيس الزوايا والأبعاد, ثم يصدر أحكاماً, ويدلل عليها, ليس محتوى كتاباتي التي تختلف عن إبداعاتي في الرواية والقصة القصيرة ولا غايتها. أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها في أثناء حرثها للأرض. إن الآراء التي أتوصل إليها, هي من قبيل الاجتهادات الشخصية التي ربما كانت أخطاء محضة.
    القراءة حرفتي وهوايتي. وأنا اعتمد في قراءتي للكتاب أن أثبت أهم المعلومات التي يشتمل عليها, وآرائي في موضوعاته, وأضيف إليها حصيلة مناقشات مع صاحب الكتاب نفسه, سواء في موضوع الكتاب, أم في موضوعات يطرحها النقاش, ويتكون من ذلك بطاقات تكفي لإعداد كتاب, أقبل على تأليفه بروح المبدع وليس الناقد. ومنذ سنوات بعيدة, تحدد عالمي في جدران مكتبي. افرغ للقراءة بامتداد ساعات الصحو, والكتابة الإبداعية يصعب - إن لم يكن من المستحيل - أن تكون نبض عمل أيام متتالية. إنها تهد الحيل, تجعلك في لحظات الإبداع, وربما قبلها أو بعدها, كأنك لست أنت, كأنك أثقلت بما لا تقوى على حمله.
    * ما رؤيتك للرواية? وما مشروعك الروائي? هل ثمة تصور لديك عن العالم? أو فلسفة ما تدافع عنها أو تدعو إليها? وما صلة ذلك بحياتك الشخصية?
    - ما يغيب عن معظم إبداعنا العربي, وأتصور أنه لا بد أن يكون بعداً أساسياً في أي عمل روائي أو قصصي, هو فلسفة الحياة. والفلسفة التي أعنيها هي الرؤية الشاملة وليست الميتافيزيقيا وحدها. الميتافيزيقا بعد مهم, لكنها جزء من أبعاد الحياة الإنسانية جميعاً. تقول سيمون دي بوفوار "إن الرواية الفلسفية إذا ما قرئت بشرف, وكتبت بشرف, أتت بكشف للوجود لا يمكن لأي نمط آخر في التعبير أن يكون معادلاً له. إنها هي وحدها التي تنجح في إحياء ذلك المصير الذي هو مصيرنا والمدون في الزمن والأبدية في آن واحد, بكل ما فيه من وحدة حية وتناقض جوهري" ومع ذلك فإن الرواية التي أعنيها هي التي تعبر عن فلسفة الحياة, وليست الفلسفة بالمعنى الميتافيزيقي.
    إن الأدب غير الفلسفة, لكنه - في الوقت نفسه - تصور للعالم, يرتكز إلى درجة من الوعي وإن صدر عن العقل والخيال والعاطفة والحواس.. طريقة الفيلسوف هي التنظير والتحليل والإقناع والصدور عن العقل, والاتجاه كذلك إلى العقل. أما طريقة الأديب فهي العاطفة والخيال والحواس, والصدور عن ذلك كله إلى المقابل في الآخرين من خلال أدوات يمتلكها الأديب, وتتعدد مسمياتها, كالتكنيك والتنامي الدرامي والحوار واللغة الموحية وإثارة الخيال, إلخ...
    والحق انه ما من إبداع حقيقي يمكن أن يخلو - بدرجة ما - من فلسفة ما, وإن عاد الأمر - في الدرجة الأولى - إلى مدى قدرة المبدع في بث الحياة عبر شرايين الفكرة الفلسفية المجردة. وكما يقول شكسبير فليس المهم هو الأشياء, المهم وجهة نظرنا عن الأشياء. وأذكر بقول تين في كتابة الأشهر "تاريخ الأدب الإنجليزي": «إن وراء كل أدب فلسفة».
    وطبيعي أن نظرة الكاتب إلى الهموم التي تشغله, موقفه الكامل منها, يصعب أن تعبر عنه قصة واحدة أو قصتان, لكننا نستطيع أن نجد بانورامية نظرة الفنان في مجموع أعماله, وفي كتاباته وحواراته التي تناقش تلك الأعمال. أعمال كاتب ما يجب أن تشكل وحدة عضوية ترتبط جزئياتها بأكثر من وشيجة, لأن رؤية الفنان لقضايا الإنسان الأساسية تبين عن ملامحها في ثنايا أعماله. التجربة الإبداعية - على تنوعها - تخضع لوجهة نظر شاملة, لفلسفة حياة تحاول التكامل, وإن استخدمت في كل عمل ما يناسبه من تقنية, والقارئ المتأمل يستطيع أن يتعرف إلى المبدع, في مجموع ما كتب.
    إن الأدب هو الأسبق دائماً في النظرة, في محاولة استشراف آفاق المستقبل. إنه يسبق في ذلك حتى العلم نفسه. وكما يقول كافكا: "فإن رسالة الكاتب هي أن يحول كل ما هو معزول ومحكوم عليه بالموت إلى حياة لا نهائية. ان يحول ما هو مجرد مصادفة إلى ما هو متفق مع القانون العام. إن رسالة الكاتب نبوية". كانت القيمة الأهم لإبداعات تولستوي هي الترديد المستمر للأفكار العامة, للنظرة الشاملة, لفلسفة الحياة, في مجموع تلك الأعمال. وكان ذلك هو الذي أعطى أعمال تولستوي - كما يقول ادينكوف - تكاملاً وتماسكاً داخلياً. وكما يقول تولستوي, فإن الكاتب الذي لا يمتلك نظرة واضحة, محددة وجديدة للعالم, ويعتقد أن ذلك بلا ضرورة, لن يستطيع تقديم عمل فني حقيقي. أما همنجواي فقد تمحورت رؤيته الحياتية في أن العالم قادر على تحطيم أي إنسان, لكن كثيرين يستعيدون قواهم, وينهضون. والإنسان - في فلسفة كامي الحياتية - يكتشف عبثية الحياة, لا معقوليتها, وليس بوسعه إلا أن يتحدى كل شيء في هذا العالم. وباختصار, فإنه لكي يحيا الإنسان يجب عليه أن يبقي على شعور العبث في داخله كي يستمد منه طاقة التحدي اللازمة. والأمثلة كثيرة.
    * للإسكندرية مكانة في نفسك وفي رواياتك, فما سر هذا العشق للمكان والإنسان في الإسكندرية? ما رأيك بالإسكندرية نفسها ماضياً وحاضراً? هل هي لديك ماض أو حاضر أو مستقبل.
    - حي بحري بالإسكندرية - السيالة والانفوشي ورأس التين - هو الموطن الذي شهد طفولتي ونشأتي, وهو المكان الذي تمنيت أن اكتب عنه, بكل ما يشتمل عليه من تمايز في خصائص الحياة وسلوكياتها.
    إن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في الإسكندرية لا تختلف كثيراً عن صورة الحياة في الأحياء الشعبية في القاهرة والمدن المصرية الأخرى .. لكن السمة الأهم لصورة الحياة في بحري هي الصلة بين اليابسة والبحر.. البحر بكل ما يمثله من حكايات البحر والصيادين والنوات والسفر إلى الموانئ القريبة والبعيدة.. واليابسة بكل ما تمثله من اعتماد على الحياة في البحر, بداية من حلقة السمك, وتواصلاً مع غلبة الروحانية, والإيمان ببركات الأولياء, والحياة من رزق البحر سواء ببيع السمك, أو العمل على السفن الصغيرة والبواخر الضخمة.
    على اليابسة مجتمع بحر بكل ما تعنيه الكلمة. ثمة صيادون وعمال في الميناء وبحارة وموظفون وشركات للملاحة والتصدير والاستيراد.
    حي بحري هو اصل الإسكندرية. هو راقودة, وفاروس, والمساحة من الأرض التي تشكلت منها - قبل التاريخ المكتوب - مدينة الإسكندرية الحالية.
    وإذا كان الاسكندر المقدوني قد أطلق اسمه على المدينة القديمة, فإن ذلك لا يعني غياب الحياة عن المدينة قبل أن يصل إليها, ويأمر مهندسه دينوقراطيس بالقول: أريد أن ابني عاصمة ملكي هنا! أراد أن يبني عاصمة ملكه في موقع مدينة كانت قائمة بالفعل, وإن أتاح لها التخطيط أن تتسع, وتتطور, وتصبح عاصمة العالم القديم.
    أزور بحري بين كل فترة قصيرة وأخرى: المرسي أبو العباس وياقوت العرش والبوصيري وحلقة السمك وورش المراكب ومرسى الميناء الشرقية وقلعة قايتباي والميادين والشوارع والأزقة التي تصنع جواً يفيض بالروحانية, من خلال الجوامع الكثيرة, ومظاهر الحياة الدينية بعامة.. ويفيض كذلك بالحس الشعبي الذي ظل على تماسكه, وعلى معتقداته وتقاليده, وبالذات في العقود التي دانت فيها المدينة لسطوة الأجانب, فتحولت إلى مدينة كوزموبوليتية بمئات الألوف من الأجانب, بينما افتقد العنصر الوطني انتماءه إلى مدينته.
    * لك موقعك المتميز في خريطة الرواية العربية, وأنت تعرفه من غير شك, فما رؤيتك للواقع الروائي في مصر وفي الوطن العربي? وما تصورك لمستقبل الرواية? وكيف يمكن أن تتجه وإلى أين يمكن أن تسير? ولا سيما في ضوء الروايات الجديدة كالرواية التاريخية ورواية الحداثة وما بعد الحداثة?
    -أشكرك على رأيك في شخصي الضعيف, ورأيي أن الرواية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي. ولا أكون مغالياً لو قلت إن المكانة التي تحتلها الآن رواية أمريكا اللاتينية تستحقها الرواية العربية كذلك. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس. وحين نال نجيب محفوظ جائزة نوبل فهو لم يكن - كما ادعت مستشرقة إسبانية - واحة في صحراء مجدبة, إنما هو مبدع كبير ضمن حركة إبداعية خصبة ومثمرة, متصلة الحلقات والأجيال, تجد بدايتها في قصة الأخوين الفرعونية - أول قصة في التاريخ - تتواصل مع عشرات المعطيات في التراث العربي, وحتى زمننا الحالي الذي يطلق عليه البعض تسمية زمن الرواية. وظني أن هذا الازدهار الذي تحياه الرواية سيظل صورة المستقبل. دليلي أن الرواية هي الجنس الأوفر حظاً في إبداعات الأجيال الحالية المختلفة. وقد طالعتنا - في الأعوام الأخيرة - أعمال روائية كتبها شعراء ونقاد وفنانون تشكيليون.
    أكرر: إن إبداعنا الحديث يتوازى في القيمة مع إبداعات أمريكا اللاتينية, وهي الإبداعات التي تحتل الآن موضع الصدارة في الأدب العالمي. المشكلة ليست في القيمة, لكنها في الثقة بالذات, وفي الاستراتيجية التي تحرص على تصدير - ومعذرة لرداءة التعبير - الأفضل والأصلح, وليس إبداع التربيطات والمجاملات والشللية.
    * لقد حققت الرواية العربية حضوراً واضحاً, في معظم أقطار الوطن العربي, وقدمت تقنيات فنية متطورة, كما واكبت تطور الواقع العربي, فهل يمكن أن تصل الرواية العربية إلى مستوى العالمية? وأين يمكن أن تضع الرواية العربية في خريطة الرواية العالمية?
    - بالمناسبة: متى, وكيف, يكون للإنتاج الثقافي العربي موقعه المتميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي? للأسف, نحن نقصر الإبداع العالمي على ما تنتجه أوروبا والولايات المتحدة. والصورة الحقيقية تختلف عن ذلك تماماً. إن الإبداع العالمي في أعلى مستوياته نتابعه في إبداعات أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, وفي شرقنا العربي.. لكننا - كما أشرت - ندين بأحادية النظرة. ما يأتي من الغرب وحده هو الذي يسر القلب. وقد استطاعت أمريكا اللاتينية أن تتخلص من طغيان المنتج الثقافي الأمريكي, ليس في الرواية والقصة القصيرة فحسب, وإنما في السينما والمسرح والفن التشكيلي وغيرها من الأجناس الأدبية.
    البعض يؤثر الاتكال على منجزات الثقافة الغربية باعتبارها التعبير الصحيح عن الثقافة العالمية بعامة. في إهمال - عفوي أو متعمد - لثقافات أكثر تفوقاً, وأكثر تعبيراً عن الهم الإنساني في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا, فضلاً عن ثقافة المنطقة العربية بل ما يميزها من خصائص, وهي تؤثر في الثقافات الأخرى وتتأثر بها, ليشكل مجموع الثقافات ما يمكن تسميته بالثقافة العالمية. واعتبار الثقافة الغربية هي الثقافة العالمية خطأ معيب, نملك تصويبه بالترجمة عن آداب العالم دون لغة وسيطة, والتعرف على فنون العالم وفكره وإبداعاته, فلا يقتصر ذلك على لغة بالذات, ولا مناطق في العالم بعينها. وفي المقابل, فإن منتجنا الثقافي يجب أن يتجه إلى كل العالم باعتباره تعبيراً عن ثقافة مميزة, هي جزء من الثقافة العالمية ككل.
    الثقة بالذات, والإبداع الذي يصدر عن الذات والذي يستند إلى التراث, ويفيد من تيارات العصر, هو تجربتنا المطلوبة, الوحيدة.
    وان يكون للإنتاج الثقافي العربي موقع متميز على خريطة الإنتاج الثقافي العالمي, فهذا هو ما يطمح إليه كل المبدعين والمثقفين العرب. وهو طموح ينطلق من مشروعية مؤكدة.
    والحق أن موضع الإبداعات العربية على خريطة الثقافة العالمية لا يجاوز بالنسبة للمبدعين العرب - حتى الآن - الطموح أو الأمنية. أما الموضع الفعلي, المكانة التي يستحقها بالفعل, فذلك ما يخضع لاعتبارات عديدة, في مقدمتها الاعتبارات السياسية, بحيث يمكن القول - ببساطة - أن الخريطة الإبداعية العالمية تحتاج إلى مراجعة شديدة, تحرص على التأمل والمناقشة, ومحاولة التوصل إلى الصورة الصادقة.
    * الرواية العربية هي بشكل ما تعبير عن الواقع العربي, وهو واقع مؤلم, يعاني من إحباطات كبيرة وكثيرة, ومن توقعات إجهاض حضاري ومعرفي, فما رؤيتك للواقع العربي وللمستقبل العربي, وأنت من مثقفي العصر وشاهد عليه? هل تحلم مثلاً بكتابة رواية تعبر عن هذه الرؤية المستقبلية?
    - من الأعمال التي أتممت كتابتها رواية عن أعوام الوحدة بين مصر وسورية من خلال بنسيون يسكن فيه طلبة من أقطار عربية مختلفة. لقد حاولت فيها أن أُعبِّـر عن رؤيتي لأحوال امتنا العربية, من خلال رؤية لا تنظر إلى الكوب نصف الممتلئ, ولا الكوب نصف الفارغ, إنما هي رؤية تستند إلى معايشة حقيقية ومتابعة. والمقولة التي ربما تعبر عنها هذه الرواية أن مشكلة الوطن العربي هي عدم المشاركة السياسية من مواطنيه, ومثقفيه بخاصة, مما يفضي إلى غياب الانتماء والمثل الأعلى والمشاركة, وغلبة الإحساس الفردي أو الإحساس القبلي الذي لا يطمئن إلى القومية, وتحول الديمقراطية إلى أمنية نتحدث عن تطلعنا إليها, لكن الطريق الحقيقية إليها مسدودة بالعديد من العوائق, وجميعها من صنع الحكام, ولا أزيد حتى لا يدفع السائل ثمن صراحتي.
    إن مشاركة المواطن في صياغة واقع وطنه ومستقبله, سيبدل الصورة تماماً, بحيث يصبح المواطن مواطناً وليس رعية!
    * ما رأيك في المعوقات التي يواجهها الكتاب العربي, ووسائل انتقاله بين أقطار الوطن العربي المختلفة?
    - المعوقات كثيرة, أهمها غياب الديمقراطية والحرية وغيرها من الأبعاد التي تعد ضرورة للإبداع. ثم الخلط بين الثقافة والإعلام, وربما الإعلان, والنظرة المتدنية إلى الكلمة قياساً إلى الوسائل الأدائية الأخرى. ولعلي أشير إلى اللا مقابل الذي يتقاضاه المثقف المتحدث في وسائل الإعلام, يتقاضى هو هذا المقابل. فضلاً عن وجوب تحرير قوانين النشر والاستيراد والتصدير من كل المعوقات التي تواجهها صناعة الثقافة, بينما يتقاضى معلق كرة القدم في مباراة واحدة بضعة آلاف من الجنيهات. كذلك فإن النظرة إلى الكتّاب يجب أن تتبدل تماماً, بحيث تنعكس تلك النظرة على قوانين النشر والتصدير, فلا يدفع المبدع مقابلاً لنشر كتبه, بدلاً من أن يتقاضى ثمن الكتاب.
    * للمرأة مكانة متميزة في رواياتك, وفي حياتك, ونخص بالذكر الزوجة الوفية السيدة زينب العسال, وهي أديبة وناقدة وباحثة, لها حضورها في الساحة الأدبية, فما دور السيدة زينب العسال في حياتك وفي أدبك? وما دورك أيضاً في أدبها وحياتها?
    - لزينب العسال في حياتي أدوار متعددة, فهي صديقة وزوجة وناقدة لأعمالي قبل أن ادفع بها إلى المطبعة, ولأنها أخذت نفسها بصرامة من حيث الدراسة والممارسة, فنالت العديد من الدبلومات, كما حصلت على درجة الماجستير, وتعد الآن رسالة الدكتوراه, ونشرت العديد من الدراسات في الصحف والدوريات. لذلك كله فإني لم أعد أتابع زينب في المؤتمرات والندوات التي تشارك فيها. غاب قلق الأعوام الأولى, وتحريضي لها على أن تصبح واحدة من أهم ناقداتنا, فذلك ما حدث بالفعل.
    إن دوري في حياة زينب العسال الآن يقتصر على قراءة ما تكتبه, وإبداء الملاحظات التي لا ألح في أن تعمل بها, فمن المهم أن تكون لها وجهة نظر, وأن تعبر عنها, وأن تحتمل - في الوقت نفسه - نتائج ما تكتب!
    * في نهاية هذا الحوار أود أن أسألك: وماذا تقول للشباب? جل المستقبل وحاملي الأمانة, والأمل?
    - ماذا أقول للشباب? أترك لك الرد على هذا السؤال, فقد رأيت ندوتي الأسبوعية في مقر نقابة الصحفيين, وشاركت فيها, ولك فيها رأي.
    (يسعدني أن أقدم شهادتي في ندوتك, فقد رأيتك ترعى الأدباء الشباب وتشجعهم وتصغي إليهم باهتمام كبير, وتترك لهم حرية التعبير والنقد, ضمن معايير الاحترام والتهذيب والتقدير, ورأيت لديهم حساً نقدياً متطوراً فهم يدركون مسؤولية الأديب عن التجديد ومواكبة العصر في التقنية والبناء وفي الهموم والمشكلات, ويرفضون الاجترار والتقليد, وأنت تشجعهم وتؤديهم, ولا تصادر آراءهم, ولمست لديهم عطاء إبداعياً يرقى في كثير من الحالات إلى مستوى رفيع جدير بالاهتمام, ومما لا شك فيه أن أسماء لامعة لأدباء سوف تظهر من خلال ندوتك, إن لم يكن بعضها قد ظهر فعلاً وحقق حضوره الأدبي المتميز, ولا شك في أنك تقول للشباب أهلاً بكم وأنا معكم والمستقبل لكم, ولكنك أذهلتني, فقد حولتني في النهاية من سائل إلى مجيب, ومن محاور إلى متحدث).
    عناوين فرعية
    القيمة الفنية والموضوعية هي المقياس الوحيد للعمل الإبداعي بصرف النظر عن غزارته أو قلته
    لقد تبلورت خططي القريبة في ضرورة أن أظل في عملي بالصحافة باعتبارها المهنة الأقرب إلى الكتابة الأدبية
    أنا لا اتخذ موقف الناقد الذي وصفه تشيكوف بأنه أشبه بذباب الخيل الذي يعرقلها أثناء حرثها للأرض
    الرواية العربية تشهد الآن ازدهاراً ملحوظاً على مستوى العالم العربي.. إنها إبداع متفوق بكل المقاييس .

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #47
      محمد جبريل: إننا نحن المثقفين من يصنع الطاغية فهو لا ينشأ من فراغ
      الكاتب المصري لـ«الشرق الأوسط»: حياتنا الثقافية تحكمها المصالح والشللية، ولا يهمني أن أصنف في فلك جيل ما

      القاهرة: محمد أبو زيد
      ...................

      تشكل الاسكندرية هاجسا رئيسيا في جميع أعمال الكاتب المصري محمد جبريل بشوارعها وناسها وعاداتها.
      وفي هذا الحوار يتحدث الروائي محمد جبريل عن هذه المدينة، وعن علاقته بنجيب محفوظ التي يؤكدها فيما ينفيها الآخرون وعن جيل الستينيات الذي ينتمي اليه فيما يستبعده البعض من هذا الجيل، وعن 42 عملا ادبيا له تتنوع بين القصة والرواية والنقد والسيرة الذاتية أهمها «رباعية بجري، الحياة ثانية، زمان الوصل، الشاطئ الآخر، ما ذكره رواة الأخيارعن سيرة الحاكم بأمر الله هل قاضي البهار ينزل البحر، حارة اليهود، الخليج، زوينة» وغير ذلك:
      * تبدو الاسكندرية هي الهاجس الرئيسي في كتاباتك فهل كتبت عنها بحكم المولد، أم لدافع آخر؟
      ـ بعيدا عن أى مصطلحات أو أي تعبيرات أدبية وبلاغية فأنا أكتب عن الاسكندرية لأني أجد نفسي أكتب عن الأسكندرية، أنا تركت الاسكندرية من أكثر من أربعين عاما، وأتردد عليها في زيارات متقاربة ومتباعدة وأشعر في كل الأحوال بأني حين أفارقها لا تفارقني، انها تسكنني، وهذا هو التعبير الدقيق من دون أدنى مبالغة، ثمة احداث لرواياتي تدور بعيدا عن الاسكندرية لكن الاسكندرية تخضعني لمشيئتها لمكانها، فيتحول المكان من دون أن أدري الى الاسكندرية.
      * كتب الكثيرون من المصريين عن الاسكندرية مثل ادوار الخراط، وابراهيم عبدالمجيد، سعيد سالم وجمال القصاص، وكان لكل واحد منهم منطقة تخصه، باعتقادك ما هي المنطقة التي تخصك بعيدا عن هؤلاء؟
      ـ منطقة بحري لأنها منطقة الطفولة والنشأة، وان كان ثمة مغايرة ولا أقول تميزا فهي اني كتبت عن ارتباط اليابسة بالبحر، فشخصيات اعمالي الابداعية من الصيادين وباعة السمك; وعمال الميناء والعاملين بالتصدير والاستيراد وجنود السياحل وكل ما له علاقة بالبحر وكل من يتعاملون مع البحر ويقيمون في اليابسة.
      * لكن هناك آخرين كتبوا عن هذا أيضا ؟
      ـ ربما، ولكن المسألة ليست أساسية بالنسبة لهم مثلي، فانعكاس البحر على اليابسة وانعكاس اليابسة على البحر يبدو واضحا لدي لسبب بسيط هو اني نشأت في هذه البيئة التي تربط الاثنين، فبمجرد ان أصعد على سطح بيتنا أشاهد البحر من ثلاث جهات تشكل قوسا مع المينا الشرقية، والانفوشي والمينا الغربية، بالاضافة الى طبيعة الحياة نفسها مثل حلقة السمك وكل ما يتعلق بالبحر، وبازعاجاته والنوات وغيرها فضلا عن خاصية أخرى لا يمكنني أن أغفلها وهي الجو الروحي الذي يمثله تعدد المساجد والزوايا والحياة الدينية في الحياة.
      * يبدو الهاجس السياسي واعتماد الخلفية السياسية في جميع اعمالك واضحا.. لماذا؟
      ـ لأني مهموم سياسيا.
      * وهل معنى هذا أن تكتب سياسة في الابداع؟
      ـ أنا لا أكتب في السياسة ولا ألحظ هذا، وانما أكتبه بعفوية وهناك مجموعة عوامل ساعدت على هذا، منها انني تعلمت القراءة من الصحف وبالضرورة في الصحف سياسة، وهذا اثر علي فيما بعد، ثم عملي بالصحافة لاحقاً. وقد أتيح لي على فترات متقاربة ومتباعدة أن أصادق واتعرف على أصحاب اهتمامات سياسية يمثلون كل التيارات الدينية وقنواتي المفضلة في التلفزيون هي قنوات الاخبار، وقد سأل سقراط أحد الأشخاص ماذا تفعل، فقال أعيش، فقال سقراط، والبهائم تعيش، وأنا لا أريد أن أعيش كالبهائم، أريد أن يكون لي موقف، ولو لم استطع التعبير عنه من خلال عمل ابداعي أكتبه كمقال في الصحف.
      * يتهمك البعض بأنك لم تزل تكتب الرواية الواقعية الكلاسيكية ولم تتجه الى استخدام تقنيات الكتابة الحديثة مثلما فعل باقي جيلك، ما ردك؟
      ـ من الصعب ان أقول هذا، وكل عمل أكتبه يختلف عن الأعمال التي سبقته وأنا من المؤمنين ان العمل يكتب نفسه، ولا ألوي ذراعه، وعادة أبدأ العمل الابداعي من دون ملامح واضحة، ومؤكدة وهو يكتب ملامحه أثناء تخلق الكتابة، حتى التكنيك يتخلف منذ البداية، فأنا لا أصطنع شكلا.
      * لك روايات عن الاسكندرية وروايات تاريخية، ورويات صوفية، وفرعونية وسياسية، أقصد انك تكتب في كل اتجاه، من دون خط محدد، ما رأيك؟
      ـ يحركني عاملان أثناء الكتابة: الحنين الى المكان، والحنين الى الزمان. الحنين الى المكان بشكل حي بحري بالاسكندرية بالأساس، فمعظم قصصي التي تتناول هموما انية تدور في حي بحري، ولكن احيانا لأني سافرت أماكن كثيرة يحركني الحنين عن أماكن خارجية من خلال عمل ابداعي فأكتبه. والعامل الثاني هو الحنين الى الزمان. عندما أحب ان أكتب عن فترة ما، أظل اقرأ فيها حتى أتوحد معها، ثم أكتب عنها لأني مؤمن انه لا بد للكاتب المعاصر من أن يصل نفسه بالتراث ولا يتصور ان الحداثة هي اجتثاث للتراث من أصوله.
      * هذا يجعلني أسأل، هل تكتب رواياتك التاريخية نتيجة لقراءتك التاريخية؟
      ـ الأساس الفكرة طبعا. عندما أشعر بأن شخصية ما تستفزني، أبدأ القراءة عنها، وعندما أبدأ الكتابة أكون قد مشيت في شوارع الفترة التي أكتب عنها، بين بناياتها، وأتحدث بلغتها، واستخدام مفردات معيشتها، بالاضافة الى أني أحاول في التكنيك أن استخدم المفرده بصياغة حديثة وأحاول أن أقيد من اسلوب السيرة والطرفة والنادرة وكل ما ينتمي الى التراث.
      *إلام ترد الهاجس الصوفي وانتشار الأولياء والمتصوفة في رواياتك؟
      ـ أكتب عن الصوفية لأن الحياة التي عشتها في الإسكندرية فرضت علي ذلك: الأولياء، والطرق الصوفية، والمساجد والمعتقدات الشعبية، فهذا البعد موجود في الحياة السكندرية، ومن المهم جدا أن أعبر عنه، وهو شكل من أشكال الواقعية السحرية كما يسمونها في اميركا اللاتينتية، وأنا أحب قراءة أدب اميركا اللاتينية، وما أكتبه قد يتفق معه، لكنه غير مصنف فالكتابة عن الصوفية، وخصائصها كالمشي على الماء والطيران واللجوء الى الأولياء الذين ماتوا منذ سنين يمكن أن يصنف على انه واقعية سحرية.
      * رغم انك تنتمي الى جيل الستينيات، الا أن اسمك غير مطروح بقوة مع اسماء هذا الجيل، هل ترى انك مستبعد؟
      ـ لست مشغولا بهذا الأمر ولم يصدر قرار جمهوري ولا أمر سماوي يحدد أسماء هذا الجيل. هم الذين اعتبروا انفسهم يشكلون هذا الجيل وهم الذين يوجه اليهم هذا السؤال. أنا أكثر كتاب الستينيات توزيعا، وأغزر الكتابات النقدية كتبت عني، وأكثر الرسائل الجامعية كانت عني. وأحد الاصدقاء راجع ما كتب عني، ذكر لي أن ما كتب عني أكثر ما كتب عن نجيب محفوظ حين كان في سني. وأنا لم أحرض أحدا على أن يدرسني أو يكتب عني، وأزعم انني متحقق على مستوى القارىء العادي، والاكاديمي والنقدي، وأما أن البعض يحاول التغييب أو التجاهل أو التعامل بمنطق الشللية فهذا لا يعنيني.
      * يصدر لك كل عام كتابان الى أربعة، ألا ترى أن هذا كثير في ظل اتهامك بغزارة الانتاج؟
      ـ المسألة هي اني قد أكتب رواية واحدة رديئة، وعشرة روايات جيدة، ويجب ان يعامل الأدب بالكيف وليس بالكم، ويجب قبل أن تحكم على أعمالي أن تناقشها، بالاضافة الى أن غيري من أبناء جيلي من يفوقني كما، ومشكلتي ان أعمالي ظهرت في أوقات متقاربة، لأن هناك تسع سنوات قضيتها خارج مصر، كتبت فيها ولم أنشر الا بعد عودتي، فضلا عن مقاطعتي للحياة الاجتماعية، رغم اني صحافي ولكني لا أمارس الحياة الصحافية بمعناها الحقيقي حتى ولو خرجت فاني آخذ في حقيبتي ما يقرأ، أندهش ممن يتكلم عن الغزارة وهو يقضي وقته في »الجريون« أو »زهرة البستان« أو فيما يسمى بالمستودع من الصباح حتى آخر الليل وأسأله، متى تقرأ ومتى تكتب!
      * صدرت روايتك »الحاكم بأمر الله« في الوقت الذي سقط فيه نظام صدام حسين في العراق، وربط البعض بينهما ما رأيك؟
      ـ الترابط في موعد النشر فقط، وأرفض الربط لأنني عندما أكتب عن شخصية معاصرة وأحاكيها، أتناولها كما يشاهدها هذا العصر. لست مؤرخا ولا عالم اجتماع، وأنما أحاول الابداع، وهو يشترط البعد الانساني الذي يعطي له الاستمرار والديمومة.
      * قدمت تيمة الحاكم الظالم بنفس تفاصيلها في أكثر من عمل لك مثل »إمام آخر الزمان« و»سيرة الامام الحاكم بأمر الله« و»اعترافات سيد القرية« والعديد من قصصك القصيرة.
      ـ أحاول أن تكون لي فلسفة حياة. هذه الفلسفة تتبدي في اعمالي كتنويعات على ألحان محددة منها على سبيل المثال:الانسان المطارد، والصراع العربي الاسرائيلي، وما لا استطيع التعبير عنه في اعمال الأدبية، أعبر عنه في مقالاتي الصحافية، وأنا أرى أننا نحن المثقفين من يصنع الطاغية، فالطاغية لا ينشأ من فراغ، المثقفون هم الذين يقومون بتأليه الحكام والباسهم هالات البطولة والزعامة، وفي رأيي أن الطاغية لا ينتهي بالصورة التي بدأ عليها، ولكن من يفيدون منه يحرصون على أن يصبح طاغية، وما أريد أن أصل اليه، أنني قد أكرر نفسي، ولكن الأمر بالنسبة لي فلسفة حياة، فضلا عن اختلاف التناول واللغة، والتكنيك من عمل لآخر.
      * كتب سالم بنحميش أوخرون عن الحاكم بأمر الله، وكتبت أيضا. فيما أختلفت عنهم. وما رأيك في المقارنة التي اقامها أحد النقاد العرب بينك وبين بنحميش في هذا الصدد؟
      ـ لم أقرأ الآخرين، وعرفت بعد أن انهيت روايتي أن سالم بنحميش حصل على جائزة عن هذه الرواية، وعندما قرأتها وجدت انها تأخذ خطا مغايرا، أنا أكتب عن فلسفة حياة. والمضحك ان هذا الناقد الذي أشرت اليه أقام موازنة بين بنحميش وبيني، وقال ان رواية بنحميش أفضل وأكثر فنية لأن عناونيها أكثر شاعرية، وبهذا المنطق يمكنني اعتبار محمد حسنين هيكل أفضل كاتب أدبي لأن عناوينه أكثر شاعرية مثل خريف الغضب وغيره، وهذا منطق يطفح سذاجة.
      * علاقتك بنجيب محفوظ تؤكدها وينفيها الآخرون، أين الحقيقة؟
      ـ أصدرت كتاب »نجيب محفوظ. صداقة جيلين« أوضحت فيه هذه العلاقة وفي عز صحة نجيب الجسدية، وقرأه، ولم يعترض على كلمة واحدة مما جاء فيه، بل أنني أشرت في مقدمته أنني كنت واسطة التعارف بينه وبين من يدعون أبوة نجيب محفوظ الآن. ومع كل احترامي لمحفوظ، فقيمة الأديب بما يكتبه، وليس بمحاولة الاتكاء على شخصيات أو كتابات أخرى، مهما كانت قيمتها. اوجه هذا الكلام للذين يقحمون أنفسهم عليه في الوقت الذي يحتاج فيه الراحة، والاستجمام ويطرحون مسائل غريبة مثل الأبوة والوراثة، مع أن الأدب لا يورث. لقد كنت لصيقا بمحفوظ حتى سافرت الى الخارج، وذكرت كل هذا في كتابي وأنا أكبر من مثل هذه الصغائر وأنا أعتز بما أكتب، ولا أبحث عن وسائل أخرى للشهرة مثلهم.
      * لكنك عندما كتبت مقدمة لمجموعتين قصصيتين هما «صدى النسيان» و«فتوة العطوف» لنجيب محفوظ من أعماله الأولى هاجمك البعض في المجلات العربية ووصفوك «بكاتب مغموريقدم لمحفوظ»؟
      ـ ما كتب وقتها كان بتحريض من هؤلاء الأشخاص ونجيب محفوظ هو الذي كتب ورقة بخط يده يزكي فيها ان أكتب هذه المقدمة، وسأفشيك سرا فقد كلفني محفوظ نفسه بمراجعة روايته الأخيرة »اصداء السيرة الذاتية». بعد ان ظل لفترة طويلة متخوفا من نشرها وبها أخطاء، رغم وجود هؤلاء. وعندما هوجمت بسبب المقدمة التي كتبتها لمحفوظ في مجلة «الصدى» جاء محرر المجلة الى، واتصلنا بمحفوظ أمامه وقال انه يعتز بصداقتي وانه وافق على هذا النشر.
      أنا اعتزلت نجيب محفوظ حفاظا على صحته، وعندما قابلني محفوظ وسألني لماذا لا تأتي، قلت له عندما ينفض المولد الذي حولك، لكن يبدو انه لا يريد أن ينفض.
      * تتسلل سيرتك الذاتية في ثنايا اعمالك، اضافة الى انك اصدرت اربعة كتب عن سيرتك الذاتية هل تعتمد على حياتك الشخصية في الكتابة؟
      ـ لا يوجد تعمد لاستعمال سيرتي الذاتية، وأنا أترك العمل الابداعي يكتب نفسه، والكتب التي تحدثت عنها ليست سيرة ذاتية مطلقة، وغير ذلك فأنا أكتب فنا، والسيرة الذاتية الآن جنس أدبي ينتمي الى جنس الرواية.
      * أن تفوز بجائزة الدولة التشجيعية في النقد، ألا يبدو هذا محزنا لك كمبدع؟
      ـ أنا فزت بالجائزة ولم أكن قد حققت ذاتي الأدبية بعد، فلم يكن وقتها قد صدر لي سوى مجموعة واحدة، وهذه المجموعة رأيي فيها الآن انها أقرب إلى مشاريع للقصص التالية، وعموما فأنا أصغر واحد في جيلي حاز جائرة الدولة على الاطلاق.
      * بعد كل هذا هل تشعر بأنك مظلوم؟
      ـ أبدا، ولو شعرت بهذا لن أكتب.
      ...........................................
      *الشرق الأوسط ـ في 30/7/2004م.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #48
        الغربة فى الوطن والوطن فى الغربة

        بقلم:د.عبد المجيد زراقط
        ....................

        يثير عنوان رواية "زمان الوصل" فى ذهن القارئ ثنائية الحضور/ الغياب، ففى حضور "زمان الوصل" يستدعى الذهن غيابا تمثله موشحة "جادك الغيث.." و"زمان الوصل" فى الأندلس الذى تغنى هذه الموشحة حكايته يمثل تجربة فى التاريخ الإنسانى، ففيها تم الاتصال بالآخر لآونة من عمر التاريخ الإنسانى بدت كأنها حلم مر فى البال، أو أيام وصل اختلست ولم تعد، ولذا فكل من عاشها، كما لسان الدين بن الخطيب، أو عرفها، يرجو أن يسقيها الغيث لتتجدد.. وبخاصة فى هذا الزمن الذى تحكمه "أباتشى" الديمقراطية و"تيماهوكها"!
        وإذ يستحضر الغياب، ويمثل، يسأل القارئ: هل من زمان وصل متجدد؟ هل نقرأ فى هذه الرواية قصته؟ أين تجدد؟ وكيف؟ ومتى؟ وفى هذا المناخ من الرغبة فى المعرفة تقلب الصفحات الأولى من هذه الرواية، وتبدأ القراءة..
        تصدر الرواية بدعاء للفرعونى "سنوحى" تبرز فيه ثنائية طرفها الأول مكان الهرب –الغربة، وطرفها الثانى المكان الذى يسكن فيه القلب.. وإن يكن المكان الأول قد وفر الحماية، فقد بقى مكان الغربة، وإن يكن المكان الثانى قد دفع إلى الخروج منه هربا، فإن يبقى لاحيما ويعيده ثانية إليه ليدفن جثته فى الأرض التى ولد فيها وبقرب من أحب.
        وإذ تبدو ثنائية هذين المكانين يطرح السؤال: فى أيهما كان زمان الوصل؟ فى مكان تم الخروج إليه هربا، فوفر الحماية، لكنه بقى غربة؟ أم فى مكان فقدت فيه الحماية، فتم الخروج منه هربا، لكنه بقى الوطن الذى يسكنه القلب، والذى ترجى العودة إليه ليكون أرض الموت كما كان أرض الولادة؟
        يثير هذا السؤال إشكالية الغربة/الوطن التى يعيشها الإنسان العربى فى هذا الزمن، فهو يخرج هربا من مكان لا يتيح له فرص التحقق إلى مكان تتوافر فيه هذه الفرص، وفى هذا المكان يحيا تجربة اللقاء بالآخر والاتصال به والعيش وإياه.. ويحاول إقامة جسور بين مكانيه: شرق وغرب، شمال وجنوب، وتواجهه أسئلة كثيرة: إلى أيهما ينتمى؟ وفى أيهما يريد أن يبقى؟ وهل كانت نتيجة تجربته الوصل أو القطع؟
        فى دعاء سنوحى إجابة تتحدث عن غربة حتمية فى المكان الآخر، وإن وفر الحماية، واختيار نص فرعونى دال على تاريخية الإجابة وليس على جغرافيتها فحسب.
        وإن تكن هذه هى إجابة التصدير/القول التاريخى-الجغرافى، فماذا تقول الرواية التى نقرأ؟
        تقول الرواية إن هاشم عاد من غربته فى اليونان بعد أن أمضى هناك ثمانية عشر عاما، فأمضى عشرة أيام فى مدينته الإسكندرية التى خرج منها هاربا من قسوة أبيه ومن عدم توافر مكان له يحقق فيه وجوده الفاعل.
        فى هذه الأيام العشرة تدور أحداث الرواية، لكن مسار هذه الأحداث لا يمضى خطيا، بل يتخذ منحى متكسرا متقطعا يبطئه الاسترجاع من الماضيين القريب والبعيد، والاستباق، والتعرف إلى المكان من جديد بلغة مركزة دالة تخلق المعنى، فنعرف من هذا المعنى الذى توحيه، وعلى سبيل المثال، ما فقده هاشم، وسعى إلى تحقيقه.
        يقول هاشم فى بداية الرواية:"الشارع أتذكره، أميل إليه من صفر باشا، أمضى فى الأرض الترابية، على اليمين دكانان، أحدهما مغلق، والثانى ترزى، عرض بذلة وحيدة فى الفاترينة الزجاجية.." فهذا السرد التصويرى المؤدى بجمل قصيرة يدل على فقر هذا المكان، وعلى عدم وجود فرص عمل، علاوة على دلالات أخرى تتبدى إن أكملنا القراءة، منها علامات تشكل خصوصية الفضاء الروائى، فالأرض ترابية فيها دكانان أحدهما مغلق والثانى ترزى علق بذلة واحدة فى "فاترينته"، ويضيف هاشم فى وصف البيت مستخدما السرد التصويرى الناطق بالمعنى:"..الجدران أكلها ملح البحر، والجدران المشققة تنز بالرطوبة، وقضبان النوافذ الحديدية علاها الصدأ.." نلمس فى هذه الجمل الفقر والبؤس والإهمال، ونلمس فى جمل أخرى التقاطا لتفاصيل ناطقة بالدلالة عندما نقرأ:"..على المكتب الصغير أوراق جريدة قديمة، حال لونها، وتقصفت حوافها: الحاكم العسكرى يفرض حظر التجول.. جنود الأمن المركزى دمروا المنشآت فى شارع الهرم.." والدلالة هنا واضحة، ففى الوطن قمع وقهر وسلطان ظالم مدمر.
        وهكذا يتبين لنا من قراءة السرد التصويرى، ومن دون قول مباشر "الفقد" الذى أدركه وعاشه هاشم، ووهو الفقر وعدم وجود فرص عمل والتسيب والإهمال والقمع، والذى خرج ليعوضه فى مكان آخر من هذا العالم، لكن اللافت أن هاشم نفسه يعود إلى هذا المكان ليبقى فيه، وإن كان قد ازداد ترديا.
        يعود هاشم إلى بيت الأسرة القديمة، وإلى شقة غاب عنها آخر ساكنيها منذ أربع سنوات أو خمس، بعد أن مات الأبوان والأخ المعوق، وذهب الأخوة الآخرون كل فى دربه. تطالعه رائحة التراب، يشمها ويسأل: هل هى رائحة الزمن؟
        فى مناخ تسهم هذه الرائحة فى تشكيله، يمضى القص، ويلاحظ فيه، أولاً، تداخل الأزمنة: الحاضر، الماضى القريب، الماضى البعيد، المستقبل، فتمضى الأحداث فى الحاضر، وتسترجع أحداث من الماضيين، ويستشرف المستقبل، فيشعر القارئ كأن ديمومة زمنية تمضى أمام عينيه. وثانياً، أن هاشم يتعرف، وهو يحيا هذه الديمومة، إلى المكان الذى غادره ثم عاد إليه، بعينين جديدتين، كأنه يرى الأمكنة والأشياء للمرة الأولى، ويدرك أن الغربة فصلته عن زمن مختلف. وثالثاً، تغير زتوية الرؤية ووجهة النظر الرئيسية فى الرواية: هاشم بضمير المتكلم، ثم لا يلبث أن يخلى موقعه إلى الراوى بضمير الغائب، وهذا التبدل واضح الدلالة، وفى ما يأتى نقدم أنموذجا يوضح ذلك.
        تروى الشخصية المشاركة الوحدات: العودة، البيت: تذكره، ما هو عليه الآن، ما كان عليه، الشقة.. وتقدمها من منظورها، بوصفها العنصر الروائى الأكثر قدرة على أداء هذا الدور: أداء السرد التصويرى الدال على إدراك الفقد المفضى إلى اتخاذ قرار الخروج من نحو أول، والتعرف إلى ما أحدثه الزمن من تغير إبان غيابه، واتخاذ قرار البقاء على الرغم من أن الواقع غدا أكثر ترديا من نحو ثان، وتشكل هذه الثنائية يطرح سؤالا عن أسباب العودة والبقاء، وهذا ما يوكل أداؤه إلى راو أكثر معرفة، وهو الراوى العليم، بوصفه العنصر الروائى الأكثر قدرة على القيام بهذا الدور، لأنه يعرف كل شئ، ويؤديه بموضوعية، من نحو أول وقادر على استخدام التقنيات ووسائط المعرفة من نحو ثان، لذا فهو يدير حوارا بين هاشم وأخيه محمود، فنتبين منه وجهة نظر كل منهما وعنف الأب، ثم يقص ويصف ويسترجع، وبقدم معلومات فى نهاية اليوم الأول، فى صيغة استفهامية تثير رغبة القارئ فى متابعة القراءة وشدته إلى معرفة ما حدث لهاشم الذى غادر راكبا البحر إلى دنيا جديدة يحبها، يسأل الراوى فى نهاية اليوم الأول: وهل انتهت حياة البحر بالعمل فى دكان ميخاليدس والزواج من كريستينا؟ فيسأل القارئ وهو يقلب الصفحة بعجل: من هو ميخاليدس؟ من هى كريستينا؟ أين وكيف ومتى عرفهما؟
        وهكذا يمضى القص فى تناوب بين تتبع لاكتشاف الحاضر واسترجاع الماضى واستشراف المستقبل، وفى تناوب بين راويين، زاويتى رؤيا، يؤدى كل منهما دوره.
        تنطق لغة القص التى يؤديها هاشم بخياره من دون أن يقول ذلك مباشرة، نقرأ على سبيل المثال قوله:"أعانى لحظات اختلاط الإحساس بالحياة فى بيريه والعودة إلى البيت" فالمكان الذى خرج إليه وعاد منه هو "بيريه" فحسب، أما المكان الذى خرج منه وعاد إليه فهو "البيت"، وهذه الثنائية: بيريه/البيت تدل على أن الطرف الأول مكان عام، أما الطرف الثانى فهو مكانه هو الذى يأوى إليه، ويحميه، إلى ما هنالك، مما يرمز إليه البيت.
        والسؤال الذى يطرح هنا هو: لم اتخذ هاشم هذا الخيار؟ ماذا جرى فى الدنيا الجديدة التى رغب فى الخروج إليها والعيش فيها؟
        رحل هاشم، وغدت الباخرة بيته إلى أن حط الرحال فى الميناء اليونانى بيريه، فعمل فى مقهى ميخاليدس، وهو يونانى ولد فى حى العطارين فى الإسكندرية فى ايام سعد باشا، وتركها فى أيام عبد الناصر، ثم تزوج حفيدته كريستينا التى يحبها وتحبه.
        وتمضى الأيام "زمان وصل" لكن عوامل القطع تظل حاضرة فيه، فثنائية أنا/أنت أو هو تبقى قائمة بوصفها ثنائية اختلاف، تقول كريستينا عن حى العطارين فى الإسكندرية: أتصور من وصف جدى أنه أجمل أحياء الدنيا، لكن الجد تركه وعاد إلى بيريه، وتسأل زوجها: وأنت هل تحب بحرى؟ وهو الحى الذى عاش فيه فى الإسكندرية، فيجيب: طبعا، فتقول: وأنا أحب بيريه..
        فى هذه النماذج نلمس ثنائية: أنا/ أنت، أحب/ تحب.. لكن الخصوصية تبقى داخل النفس، أما فى خارجها فيطمس حبه لكريستينا ذكريات كثيرة، ويهبه الزواج منها الحق فى أن يقيم بلا خوف، ويقرب له إمكانية الحصول على الجنسية اليونانية، ويغيب إحساسه بالغربة، فيقول لزوجته فى اليوم الثالث لانتقاله إلى بيت ميخاليدس: "مصر وطن عنيت فيه الغربة، واليونان غربة وجدت فيها الوطن" تقول: "هذا شعر" يقول:"ما أقوله هو الحقيقة.. بيريه الآن وطنى وسكنى.. وهى بك حبى أيضا" ويعمل ويطمئن ويخالط الناس، ويجلس على المقاهى، ويقنعه توالى الأعوام بأن بيريه هى الحاضر والمستقبل.
        لكن عندما ذهبت كريستينا للصلاة فى الكنيسة غلبه الضيق، ولما طلبت منه أن يرافقها توتر، وترك البيت إلى قلب المدينة، ولم يدر كيف يتصرف عندما اكتفى أبواها منه بنظرة محايدة، وأعفياه من الجلوس إليهما، ما يعنى قطعا معه إن لم يكن رفضا..
        وإن كان لم يعد يعانى تأثيرات الغربة: اللغة، سحب الإقامة، مداهمات الشرطة، النظرات الرافضة أو المستريبة، علاوة على التشابه الجغرافى الذى يكاد يكون تاما بين ميناءى بيريه والإسكندرية، فإن حواراته مع اليونانيين كانت تنتهى ب"القطع" وليس ب"الوصل"، ومنها حوار مع رجل يونانى جعله يكتشف أن اختلاطه بالمجتمع الذى وفد إليه هو اختلاط الزيت بالماء، ويتبين أن هجرته التى طالت لم تزحزحه عن موضعه فى الهامش، قال الرجل: مصيبة لو أن القرعة ألزمتنا باللعب مع تركيا، قال هو:أرى أن نبتعد بالرياضة عن القضايا السياسية. قال الرجل: هذه مسألة نعرفها نحن أبناء اليونان. أجاب: أنا الآن يونانى. قال الرجل: نحن يونانيون، وأنت تستوطن اليونان.
        واقتحمه شعور بأن كل ما حوله يعاديه، وأن عليه أن يبادله العداء نفسه، وبدأ يؤرقه السؤال: هل يظل أجنبيا إلى الممات؟ ولعل هذا السؤال نفسه هو الذى أرق ميخاليدس من قبل فى الإسكندرية. قال العجوز: كانت الإسكندرية مدينتى لولا أن الظروف تغيرت. والظروف تغيرت فى أيام عبد الناصر، أى فى أيام نهوض الشعور/المشروع القومى الذى واجه الآخر/المستعمر الغربى، فادار صراعا حادا على مختلف المستويات، هدفه القضاء عليه، ما جعل ميخاليدس، وهو غربى، يشعر بتغير أدى إلى اتخاذه قرار العودة إلى بيريه.
        وإذ يقرر هاشم العودة إلى الإسكندرية يقول لكريستينا عندما تسأله عن السبب: "الطير يتجه نحو الجنوب وراء علامات لا يراها غيره" فقالت: "لا أتصور أنى أبتعد عن بيريه.. سأنتظرك حتى تعود. قال: قد لا أعود. وفى بساطة حاسمة قالت: وأنا لن أغادر بيريه".
        وهكذا حسم الخيار، وعاد هاشم ليفتح باب شقة تجاور مقام سيدى منصور، أغلق منذ خمس سنوات، ذهب الأهل، وبقى هو يحاول أن يرتب الكلمات المتشابكة، المتقاطعة.. وتتصاعد من المقام زغرودة طويلة يحدس أنها لامرأة أوفت نذرها، فهل هذه العلامة هى إحدى العلامات التى لا يعرفها سوى الطير العائد إلى الجنوب؟ وهل حدسه هذا يجعله يشعر بأنه ينتمى إلى المكان وليس أجنبيا؟
        وإذ تنتهى من قراءة الرواية يخطر لك غير سؤال، فهل من الحتمى أن يكون اختلاط أنا وأنت أو هو اختلاط الزيت بالماء؟ وهل أن شعور الأنا الممض بأنه أجنبى فى بلاد الأنت يدفعه إلى الخروج منه والعودة إلى حيث يشعر بالانتماء؟
        فى الرواية ما يشير إلى أن الإجابة عن هذه الأسئلة هى نعم، لكن فى الرواية ما يقول: إن الأنا حين يعانى الغربة فى الوطن، أى عندما يشعر بالفقد، يخرج ليعوضه، ويسعى ليبحث عن الوطن فى الغربة، وقد يجده، وعندما يجده يشعر بفقد آخر، فيعود ليعوضه، وهكذا فى حلقة تدور، وليس فيها من زمان وصل دائم، ما يطرح سؤالا حضاريا كبيرا: لم لا يكون فى هذا العالم مكان يدوم فيه زمان الوصل؟ أى لم لا يكون فى هذه الدنيا وطن لا يشعر فيه الإنسان أيا يكن بالغربة؟ وان استحضرنا الغياب الذى بدأنا الكلام به نسأل: هل جاد التاريخ، ذات عصر، بهذا المكان فى أندلس، حيث أزهر زمان غنى الشاعر حكايته التى مرت كما حلم فى كرى أو خلسة المختلس، فطلب للغيث أن يجود ويسقى.. فلعل هذا الزمان يعود يوما؟ ولكن أليس هذا حلم آخر فى زمن "زيوس" العالم الجديد؟

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #49
          نجم وحيد فى الأفق


          تجليات المواجيد الإنسانية وسؤال الحياة



          بقلم: صبرى عبدالله قنديل


          مدخل :-
          إذا كانت الموضوعية الحكمية تحتم على الرأى الناقد أن يراعى موقع النص فى السياق المعرفى الذى ينطلق منه فإن وعى التلقى مرهون بمستوى ما يعكسه هذا الرأى مؤطرا لذائقة التلقى فى إطار تعدد وتباين الأنساق الثقافية وهو ما يصيغ القدرة على تلقى النص وفتح مغاليقه وفقما تحدد إنطلاقاته سواء على مستوى الرؤية أوبنية السرد أوشكل الفضاء الذى يحتوى الأحداث ويحكم توجهات التفاصيل ، من هنا يتشكل أيضا الحس المحايد لتلقى النص والتفاعل معه دون أن تصادر أحادية الذائقة أو الأفهام الشخصانية الملتبسة للتوظيفات الفنية على مستوى التلقى والتفاعل معا .
          فى إطار هذا المفهوم التأسيسى ندخل إلى رواية( نجم وحيد فى الأفق ) والتى جاءت كدفقة طويلة النفس حاملة فى انهماراتها تجليات المواجيد وارهاصات النفس عند الكاتب ( محمد جبريل ) حيث تألقت الذات فى رحلة التجرد بصدقها وهى تمضى فى مكاشافاتها بحثا عن اليقين الكونى مثلما تألقت فى ( رباعية بحرى ) بشكل خاص وفى كل أعماله بشكل عام أى أنها حلقة من حلقات مشروعه الإبداع الباحث فى عمق الهوية والمستلهم لحيوية أصالتها .
          وفى هذه الرواية المثيرة يبدو الأفق بأبعاده المترامية خاليا من البشر وقد تجمدت حركة الحياة حول النجم الوحيد المؤرق بسؤال البداية والنهاية وقد لفه الشجن وتسلل صقيع الأحزان إلى نفسه فاستحال الكون إلى سياج من الوحشة يحاصرالنجم فى مدارات الإغتراب لتظل المواجيد على دأبها فى تجليات المكاشفة تستلهم فى استراشفها مباهج الروح عبر هذا الماضى المشرق .
          يحاول النجم الحائر فى رواية( نجم وحيد فى الأفق ) أن يأتنس عبر هذا الماضى الموظف روائيا بجماليات ذكرياته الممتدة فى رصيد العمر ابتداء من هجرته للواقع أو إنفصالهعنه حيث يرى صورة حافلة تتحقق فى تفاصيلها إنبعاثات الذات فى سعيها لعودة الوجود فى المكان والزمان .
          ةالجنين للعودة فى الرواية يعكس مشقة الرحلة وضوائق النفس وإرهاقات الروح لهذا فإن البطل ظل بامتداد النص رغم قلقه متدفقا بنبالته خاصة حينما علا صوته متأثرا بطريقة الصيد بالديناميت قائلا ...( أنا أرفض حكاية أحينى اليوم وأمتنى غدا .. فلأحيا اليوم وغدا ، ولحيا الناس أيضا ..) وظل أيضا متشبثا فى حنينه بنفسية المكان التى توحدت معها نفسيته وكذلك إلى سواكنه الرائعة التى رأى منها الحياة على نحو أعمق وأرقى بعد ما جرب العديد من صورها فى رحلة الشقاء الإنسانى وقد تحول المكانالنابض بعذوبة هذه الذكريات إلى يوتوبيا واقعية يتمثلها ويتطلع إليها ذلك النجم المؤرق بعدما ظل يحلق فى فضاء العذاب ويحترق فى جحيمه المشتعل ، هذا النجم الذى تشكل عبر ظلال العشق لسحر المكان يعكس كل هذا الزخم الشاعرى الذى تتألق به ذات الكاتب ( محمد جبريل ) لنكسر به حواجز الغربة والحنين وأشواق العودة ، كما أن هذا التواصل الشاعرى مع المكان يكشف عن تميزه عبر رؤية مواراة تتألق فى استكشافتها بما لايراه الآخرون حتى أن الكاتب مضى عبر السرد فى كسر كل مايحيط به من قيود الجمود والملل والألام الذاتية والعامة بالتحليق البانورامى فى عالم المكان فى يابسه ومائه .
          فبعد أن تعرف إلى معنى كلمة – الملل – وتسلل الإحساس بها إلى أعماقه تساوت أمامه كل الأشياء والمعانى وتحول الزمن به إلى عمر حيث الحظات صارت أياما والأيام شهورا والأشهر أعواما وقد ألف دمع العين بعد ما تحول فى هذا المناخ الخانق إلى كابوس يدفع حنينه الدائم للسفر مع الأصوات إلى الأرض البعيدة فيقيم من خلالها حياة يهرب إليها ،حياة الأحلام والذكريات والرؤى حيث تتوالى فيها ...
          - مشاهدة البحر والشواطئ والبلانسات وطريق الكورنيش والميناء : قصر رأس التين ، قلعة قايتباى ، والصيادين ، وغازلى الشباك ، وحلقة السمك ، وحاجز الأمواج ، ومبانى السلسلة – ثم يدخل إلى عمق المدينة التى يحملها خياله من شارع الميدان إلى ميدان المنشية ويمر على سراى الحقانية ، والجندى المجهول ويتأمل المشايخ والبحارة وعساكر السواحل والمرسى أبى العباس وياقوت العرش والبوصيرى إلى آخره .
          هكذا تحول المكان إلى مرآة ترى الذات – ذاتها- فى أبعاد التواصل المتشابكة وتستعيد الجماليات التى تكلت بنيتها الإنسانية والثقافية حتى بدت فيها مفتونة به ، ويظل السندباد البحرى هاربا إلى يوتوبيا واقعه القديم كلما كان بحر الحياة غاضبا وكانت أمواجه عاتية ، هو يهرب إلى حلمه الساكن على اليابسة من هدير لايتوقف لتتزود الذات بطاقات إنسانية جديدة تجعله قادرا على التواصل وتبديد كل ما يحاصره من جمود وملل .
          ولايخل هذا الماضى أيضا مما يبعث على الضيق به والتمرد عليه فى صورته المسرفة فى سلبياتها حتى ليبدو فى مسار رمادية الرؤية مؤسسا لهذا الملل الضاغط على السندباد وصانعا لعالمه الكابوسى المفجع كما نرى فى رصد الكاتب لتفاصيله الصغيرة العاكسة ..( والبيوت المتلاصقة ، ذات الأسقف المنخفضة والشرفات الخشبية ، والنوافذ الصغيرة ، والحيطان المتآكلة ، والملاط المتساقط بملوحة البحر ، والنسوة الجاسات أمام الأبواب ، ينشغلن بتنقية الأرز فى الصوانى الكبيرة وتقشير الخضر والكلام الذى لاينتهى ، وترتمى على الجدران كومات الغزل والحبال القديمة وقطع الفلين ، ونداءات الباعة ، واختلاط روائح الطبيخ والقلى والبراز المتعفن فى الأركان والبول العطن وبقايا السمك والقطران والسجاير والمعسل والحشيش المحترق ، ومياه الغسيل والمياه الطينية الزلقة ، والطائرات الورقية تعلو السماء ) ورغم هذا تمضى الحياة كما نلحظ بلا توقف مؤكدة على تحدى الإنسان وصبره على صروفها تمسكا بسر الوجود .
          ثم يتسلل الجمود والملل إلى أعماق الجسد دون أن يتمكن الأطباء من تحديده فى شكل مرضى عضوى أو نفسى فالألم فى كل أجزاء الجسد تحول هو الآخر إلى كابوس مواز لكابوس الواقع يمضى معه فى اضطراد الصعود والهبوط ويعود إليه الإحساس بالأشياء كما من قبل فى مواجهة كل هذاالثباتلكنه يشعررغم اصراره بالعجز ...( أدرك عجزه ، وتساوت أمامه كل الخيارات . أكثر من التردد على المقامات والأضرحة ، وإن رفض زيارة ساحر له شهرة فى جبل ناعسة .شارك فى حلقات الذكر ، وفى الموالد ، لم يعد يطيق البقاء فى مكان واحد . ربما تمشى فى شوارع الحى ، لايقصد مكانا محددا ، لكنه يخلى لقدميه طريقهما . ويشقيه الإحساس بأنه غريب ، أو عابر سبيل ، لاشأن للآخرين به ) .
          فى ظل هذه الحيرة والتشتت النفسى والذهنى وتآكل الحياة فإن ما بقى منها لا معنى له ، اهذا كان اللجوء للشيخ – نجاتى – حتى لا يكون البديل هو اليأس أو الانهيار والذى قدم له المنزع الصوفى تجديدا للذات وارتفاعا بها فوق التداعيات حيث حبب إليه المخلوقات وفتح له سبيل المناجاة وأمد روحه بمعانى الكلمات لعله يجد البديل لحيل الأطباء ، قال له الشيخ ...( كلما حاولت أن ترى النجم قبل أن يتقدم بك العمر ... كان ذلك أفضل ، ثم أضاف مؤكدا أن النجوم تفقد لمعانها بتقدم العمر بعدها يدخل فى تجريدات التصوف – فاق أئمة المساجد ومشايخ المسافرخانة فى علوم الفقه والقرآن والسنة والتفسير . إذا فرغ من آداء الفرائض لايشغل نفسه بنوافل العبادات ، وإنما بالفكر وتجريد النفس عن شواغل الدنيا -)
          وعبر الدخول فى قراءة كتب الجغرافيا العربية يتحول العالم إلى كابوسية مرعبة تطل فى تفاصيلها – أكلة لحوم البشر والتنين الذى تصدر النار من فيه ودبره وحيات تبتلع الأفيال وطيور تغطى أسرابها وجه الشمس وسلاحف ضخمة وبراكين تمور فى الأعماق ، تقذف حممها ، وتبتلع المراكب والجزر والشواطئ _ ، من هذا الجوع المفزع وقبله أكل الإستاكوزا والجمبرى ليستمد الشجاعة انطلقت رغبته العارمة بالرحلة وخوض البحر رغم تحذيرات الكابتن بألا يأمنه فهو ..( صديقنا .. نركبه ، ونصطاد منه ، ونسبح فيه ... لكن صداقته غير مضمونة . إنه مثل الأسد الذى اطمأن إليه مربيه ، ثم تبين غدره بعد فوات الأوان ..) .
          كان قد عرف اسم النوات ومواعيدها وعدد أيامها ثم مضى يقرأ فى الكراسة الصغيرة التى تحمل صفحاتها لغة الحياة التى يعيشها الصيادون فى البحر وتعاملهم مع كل أنواع المراكب لذلك لجأ الكاتب إلى الرصد القصصى المحكم والمكثف فى وصفه الروائى المحمل بالمعلومات عن عالم البحر مثلما هو وارد فى مشاهد _ ص 13، 28 ، 31 ، 32 ، 38 ، 46 ، 51 ، 55 . نتوقف عند مشهدين دالين منها على سبيل المثال ، الأول عن الحضور الفنى للمعلومات الحاملة لخصائص وسمات ومفردات البحر ..
          ( كلمه عن طرق الإبحار ، ووسائل الصيد : السنارة ،والكنار ، و البوصة ، والشراكة ، والطراحة ، والجرافة ، وعن نذر الأنواء ، والأسماك التى تستطيع الطيران ، وتتسلق الشجر ، وتحدث الصدمكات الكهربائية ، وتؤدى شوكاتها إلى الموت ، حتى وهى ميتة ، حتى الأسماك التافهة : الشرغوش ، المغازل ، البساريا ، السيفوليا ، الكحلة ، وكمله عن الحيوانات المائية الهائلة ، تبتلع البلانسات والبواخر الكبيرة بمن فوقها ، وعن الإسفنج والطحالب والقواقع والأصداف والقنافذ والسلاحف . وكان ينصح بطحالب علاجا للأمراض ، وطرد الديدان ، ويجيد صحن الأعشاب وخلطها . لتتحول إلى مراهم تداوى الجروح . ويجد فى الملح غولا يدمر كل ما يصل إليه . الدود يأكلنا بعد الموت ، أما الملح فيأكلنا فى الحياة ، يأكل حتى جدران البيوت والأثاث والقضبان الحديدية ...) .
          أما المشهد الثانى فيعكس عبر دفقة قصصية إيقاعا نفسيا متداعيا فى صورة للصراع الممتد فى النص مع البحر ...( ثمة جسم _ لايعرفه _ عهلق بالستارة . مالت البوصة فى يده . تشبث بنهايتها ، وجذب الخيط. زادت البوصة فى ميلها أخذت هيئة القوس . ثمة ما هو أقوى من سمكة عادية . قاوم جذبته بإمساك حافة القارب بأصابع متقلصة ، وشد السنارة باليد الأخرى ، لجأ إلى قوة اليدجين ، وجذب .... ، قاوم الجسم مندفعا نحو القاع . اضطر – لكمى ينجو بنفسه – أن يترك البوصة كلها ، فغاصت فى الماء . لم يعد بيده شيئ ، ونجا بحياته ) .
          ثم يعود إلى الجو الأسطورى متوازيا مع تحذيرات الكابتن ، فقد قرأ عن ذلك الطائر الهائل ، يهبط على راكب السفينة ، يأخذه بين مخالبه ويطير إلى حيث لايدرى أحد ، وربما رمى به على أحدى الجذر المتناثرة فى البحر ، لهذا كان التحذير من الكابتن منطلقا من جو الأسطورة الذى تلبسه فحذره من حيات البحر . إذا انتبهت إلى تردده ، أو خوفه تقافزت عليه ، فلا تتركه إلا بعد أن تحيل جسده ثقوبا خاصة تلك الحية التى إذا سبقت نظرتها نظرته ، مات من فوره . كما حذره من سلاحف بحرية تجيد الإختفاء والتسلل . إذا تأكدت من ركوب البحر بمفرده ، أحطات به تنهشه ، لاتبقى حتى العظام – وها هو يمضى مع خياله المتصل بالبحر حافظا لسر النجم حسبما ألزمه الشيخ نجاتى ولا تزال خبرة الكابتن تمتد إليه بالنصيحة العميقة الدلالة فى وعيها بالعالم ومعرفتها المتصلة بكائناته ، يقول الكابتن : ( صيد السمك ليس سهلا كما يبدو .. يعلمك الصبر أفضل مما يطعمك السمك ...إلخ ) .
          تمضى الرحلة بداية من إعداد المركب التى أقلته والشكل التى كانت عليه ، ومتابعة الكابتن لكل خطوة متوجا هذه المتابعة بقوله – الملاح الحقيقى هو الذى يقدر قوة الخصم – ولايزال كلام الشيخ نجاتى ماثلا على أنه لابد أن يخوض الرحلة بمفرده تاركا – مديحة والولدين – حتى يتمكن من الوصول إلى النجم . لكن ما هى مواصفاته وأين يوجد خاصة وأن الشيخ ترك لحدسه وسيلة التعرف عليه فهذا النجم هو – الدم واللحم والذات والبدء والمنتهى - .
          على نقس الإيحاء مضى البطل موصولا بكلام الشيخ نجاتى ونصائحه وأمام عينه نصائح الكابتن إلى الجزيرة فى رحلته الحافلة بالخوف والتوجس من الغموض والمفاجآت والخطر الذى أحاطه ليكتشف أن هذه الجزيرة الصغيرة المكونة من كومة من الصخور والحجارة كما قيل له كانت موضعا لمدفن ولى دفنه أصحابه حيث مات ، وقد تناقلت الروايات كراماته ومكاشفاته ، ليظل الواقع بطول الرحلة متصلا بالخيال والعكس بداية من عالم الشيخ نجاتى والقبانى والزوجة والأولاد الذين تركهم وديعة وحتى قبر الولى المدفون بالجزيرة وهو ينبض فى ذات الوقت بكثير من المعتقدات التى ملأ بها لاالخيال فراغالعقول ، وقد تعلق الناس فى قضاء حاجاتهم وحل مشكلاتهم بهذه الروايات كنوع من المحاولات النفسية لتجاوز ضغوط الواقع ، هذه الجزيرة هى النوذج اليوتوبى الذى استشفه الكاتب كمعادل للواقع الذى فر منه البطل ليقوم بحفر بئر فى الجانب الشرقى للجزيرة ، وانظر دلالة – الجانب الشرقى - .. (تألق فى داخله الماء العذب . جعل همه أن يروى زراعة نبتت بالقرب من البئر . أخذ بيض الطير من الأعشاش . أعده على النار ، وأكله ، وهمس : الله أكبر ، ثم جرى بالسكين على أعناق طيور كثيرة ، وأكلها مشوية ... تأمل البيضة الدائرية ، المستطيلة ، نقرها ، فوشى داخلها بالحياة ...) لكنه أيضا كان يلجأ فى مواجهة معاناته مع الحياة بالجزيرة إلى مقام الولى إذا همه أمر أو حز به ما كدره وهو ما يعنى أن المعتقد الدينى كما أشرنا من قبل المنزع الصوفى المنظم لكل التوجهات الروحية للحياة فى البر أو فى البحر خاصة بالنسبة للإنسان .
          وقد أكد ظهور الطائر الكبير فى فضاء الجزيرة وهو يحلق بجانحية تلك البشارة التى قالها له الشيخ نجاتى أن النجم ربما يتجسد فى هيئة سمكة أو طائر ثم ها هو يحاول عبر رؤيته التأملية الربط بين هذا الطائر الكبير وذلك الطائر الذى ألف وقوفه قبل بداية الرحلة على إفريز الشرفة المطلة على تقاطعات الشوارع فكان سؤاله – هل يكون ذلك الطائر هو نجمه الذى خرج للبحث عنه ؟ .
          يعود الكاتب ( محمد جبريل ) فى لحظة الوعى التنويرية التى تكشف عن الإجابة إلى القرآن (أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) وهى إشارة لليقين الذى قامت عليه فكرة النص تتأكد دلالتها من الآية الكريمة فى قوله تعالى : (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) ويستمر السؤال .. هل المعنى هو ذلك الطائر النجم الذى يرافقه منذ الميلاد وحتى الممات ؟ إنه سؤال الحياة المتغلغل فى مواجيد الإنسان ، فها هى دلالة أسرار الشيخ على أن تمضى رحلته إلى منتهاها دون رفيق لأنها رحلة تعبر الموت إلى البعث مرة أخرى ، والذى سيواجه السندباد بالمسائلة عما فعله فى الماضى والدلالة ممتدة من مقولة ( سان جوست ) التى تصدرت الرواية ...( إن الحياة لاتبدو شاقة ، غير محتملة ، إلا على أولئك الذين يتراجعون أمام رؤية قبورهم وهم أحياء ) وحتى النهاية ، لقد طوى الطائر جناحيه الكبيرين ودس عنقه بين كتفيه حيث بدا أنه يعانى مالاقبل له به على تحمله وأنه يوشك على السقوط فمضى قريبا من سطح الماء حتى صار جزءا من امتدادات الفراغ ثم تلاشى فى داخله وهى نفس الحالة التى كانت تلازم البطل فى آلامه الغير محدده ونظرته التى تساوت أمامها الأشياء فى أول النص.
          وبينما هو يتأهب للرحيل عن الجزيرة تطوقه حالة من التضاؤل كأنه مقبل على النهاية والخطر يحيط به من كل جانب حتى أن معاودة الطائر الكبير للظهور بهذه الضخامة التى أحالت الحياة إلى نافورات أفقدته إتزانه فاصطدم رأسه بمقدمة القارب وانبجس منها الدم فيتذكر قول الشيخ نجاتى ...( السعى إلى لقاء النجم هو الرحلة الوحيدة التى يجب على المرئ – حين تبدو مشكلاته بلا حل – أن ينطلق منها ..) .
          من استلهاماتالكاتب أيضا للقرآن الكريم جعل النهاية الروحانية تمضى تدريجيا وهى تستشرف الجنة بعد طول رحلة الشقاء وما حفلت به من أعاصير وتقلبات ومخاوف تنتهى بإنشغال كل إنسان بنفسه وهو يحاسب حتى الاستغراق فى تخيل الحلم الذى عكسته الرحلة فى تجربة أبحرت وسط أعاصير النفس الإنسانية لتجسد عبر الإقتراب من أسرارها المتصلة بالكون رؤية مغايرة ترى الحياة من منظور مختلف .
          إن رواية ( نجم وحيد فى الأفق ) تطرح سؤال الحياة فى سياق فنى بالغ العذوبة عبر بانورما تجريدية زاخرة بحشد من تفاصيل الرحلة إلى عالم البحر والتى انطلقت كذلك من تفاصيل علاقاتها المتشابكة مع المكان الذى يحيا عليه البشر لتجسد منظومة شاعرية شديدة الدلالة لعلاقة الحياة بين اليابسة والماء وفق مقولة الكاتب .
          كما عبرت أيضا عن نزوع الخلود عند الإنسان ونزوع الكاتب ( محمد جبريل ) الإبداعى لأن تنبض الرواية بهذا الشعور كما بدا فى تشكيلاتها الحافلة والتى رصد صوت السارد أبعادها ورسم ملامحها وهو يعبر عن ذاته فى إلتحامها بالمكان مباشرة أو عبر الذكريات وهو يحلق داخله ثم يخرج إلى الواقع بومضات من الحكمة ، وكلما اقترب درجة من درجات التصوف كانت المكاشفة دافعا لجماليات التأمل .
          وبين الصور المتخيلة وتعقب الرصد للواقع خاصة فى صور يعينها الوعى السردى تبدو تألقات النجم الوحيد وهو يتوج النص فى مقامة – إنسانية / إجتماعية – إعتمدت بنيتها الفنية على كل هذا الرصيد الهائل من التفاصيل والمخزون المعرفى لدى الكاتب فتجلت المواجيد عاكسة فى مراوحتها وحيرتها ظلال وحدتها فى هذا الأفق المتوتر .
          صبرى عبدالله قنديل
          التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 07-01-2010, 07:02.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #50
            قراءة في رواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل (1 ـ 3)

            بقلم: أ.د. حسين علي محمد
            ......................

            (1)
            تدور الرواية على لسان عادل مهدي (السارد / الأستاذ) الذي يُدير ندوة أدبية يُحقق من خلالها الأدباء ذواتهم في الوجود على الساحة وإن كان وجوداً صوتيا ـ لا وجودا حركيا يشي بالحياة! ـ ويتمثّل هذا الوجود الصوتي في إلقائهم قصائدهم وقصصهم، والتماس مع بعض مفردات الحياة التي تشغلهم، أو تنقض عليهم! كما يتمثّل هذا الوجود الصوتي في مناقشاتهم التي تدور في مقهى "المينا الشرقية" بمدينة الإسكندرية:
            "لم يكن يشغلني في الندوة قبل ثماني سنوات ـ من أتى، ولا من انقطع، ولا كيف تدور المناقشات. أتصور ـ أحياناً ـ أن كل واحد من الجالسين يريد أن يحقق نصراً. يعلو صوته، فيُسكت أصوات الآخرين. لا يدقق فيما يذكره من معلومات، ولا الآراء التي يعلنها. المهم أن تنتهي المناقشة بابتسامة يجيد رسمها على شفتيه"(1).
            وقد بدأت هذه الندوة عام 1982م، وأقامها السارد الذي نعرف أنه هاوٍ للأدب، وليس أديباً "أعوامي الأربعون لا تجعلني أكبر المشاركين في الندوة. التصور بأنهم قد يفيدون من عملي، دفعهم إلى القبول برئاستي. كان الأدب شاغلي. يهمني أن أكتب ما أقدمه إلى الناس. أقرأه، وأنشره. يسبق ما أكتبه كلمة "بقلم". يضايقني أني أتحدث في الأدب ولا أمارسه. أكتب عن المؤتمرات والمهرجانات والمحاضرات والندوات، أحاور كبار المثقفين، أدير ندوة مقهى المينا الشرقية .. لكنني لا أكتب ما يقدمني كأديب، قصة، أو رواية، أو قصيدة، أو مسرحية، أي شيء يحقق لي صفة الأديب. جريت على القلم بما تصورت أنه يصلح للنشر. ثم أعدت قراءته، فتبينت سخفه، ومزقته"(2).
            ويظل السارد فرحاً بندوته حتى يُقابَل بمفاجأة تُذهله، وهي أن ندوته مراقبة من قبل مباحث أمن الدولة.
            وتبدّلت حياة السارد بعدما عرف ذلك، ولم تعد كما كانت. وأصبح الإحساس بالخوف يمضه، وربما انشغل ـ بالشرود ـ عن كتاب يقرأه، فيعود إلى ما كان قد قرأه، ثم يهزمه اليأس، فيطوي الكتاب، ويكتفي بالشرود، ولم يعد يشغله إلاّ أن يُقابل ذلك المجهول الذي لا يعرفه. ولم تفارقه فكرة أن أحداً ما يراقبه، يرصد كلماته وأفعاله، ويسجلها، لا يفلت حتى ما يصدر بعفوية.
            وابتدأ السارد يشك فيمن حوله:
            "داخلني إحساس بالمراقبة. ثمة من يتتبعني، لا يواجهني ولا أراه. أشعر به. ربما يلاحق خطواتي. تطل نظراته من خصاص نافذة، يراقبني في ناصية ميدان، أو تحت ظل شجرة، يتبعني في سيارة، يلتحم بصفوف المصلين في جامع أبو العباس .."(3).
            ولذا فقد اعتاد التزام الحذر في التعامل مع الجميع، وتدقيق النظر جيداً فيما حوله، وفى الظلمة الشفيفة، ربما تبين ملامح لم يُفطن إليها في النظرة العابرة .. وقد أفزعت البطل فكرة المطاردة، فجعلته يُفرغ محتويات مكتبه، ويمزق الصور والأوراق التي لديه والمذكرة التي يضع فيها أرقام هواتفه، وقرر أن يستعين بذاكرته وحدها.
            وتدور الرواية في هذا الجو من المُطاردة؛ حيث تملك الساردَ شعور بأنه ثمة من يراقب كل كلمة له، وكل تصرف. النظرات ترمقه ولا يراها، وإن كان يشعر بها. تحولت الأعين المحيطة به إلى عين كبيرة، واسعة، تربكه، فهو لا يستطيع الكلام أو الحركة بطبيعته. ويضع حساباً للعين التي لا تهمل كلمة أو تصرفاً. يخشى أن يقول ما لا ينبغي قوله، ما يؤخذ عليه، ويساء تفسيره. ومن ثم أصبح يلوذ بالصمت، ويتحصن به، فالصمت وحده يبعد الآذان المتنصتة، والتوقعات. وحتى القضية التي يجد لنفسه رأياً فيها، يكتم ما بداخله، ولا يُعلنه. وربما أجاب عن السؤال بإشارة صامتة، أو هزّة رأس، أو تعبير بالأيدي.. تاه في طرق متعرجة، لا يعرف إلى أين تنتهي، ولا كيف يخرج منها ..
            "ملأني الإحساس بـأن شيئاً ما خطيراً يوشك أن يحدث، أتوقع ما لم أحدد صورته، ما يصعب تصوره. غابت العفوية في الكلمات. أتأمل وقعها، وأتدبره. ربما ـ إن أصبحت سطوراً على الورق ـ تحمل ما لا أريده من المعنى، وتورطني فيما لا أقصد قوله. تبدو التصرفات بريئة، ولا تثير الشك، لكنها ليست كذلك، ويجب أن أتنبه إليها. حاولت أن أعود إلى مألوف مشيتي، فلم أوفق. حتى خطواتي أشعر بارتباكها لتصور الخطوات المتابعة ..
            كنت أدرك ـ منذ كلمني الرجل ـ أن الأعين المبثوثة تراقبني. ربما ليس في الندوة وحدها. أتوجس من النظرات في الجريدة، وعلى الرصيف المقابل للبيت، وفى محطة الأوتوبيس بميدان المنشية"(4).
            وهذا الذي يقولـه السارد عن نفسه لا يعدو الحقيقة، يقول الأديب الأستاذ وديع فلسطين (في رسالته المؤرخة في 7/3/1982):
            "شكراً على رسالتك المؤرخة في 3/3(/1982) التي سلمت من عبث البريد المُسلَّط على رسائلي "بفضل" النجاسات البوليسية! وشعاري في الثلاثين عاماً الأخيرة منتحل من بيت المتنبي القائل "والحُرُّ ممتَحَنٌ بأولادِ الزنا"! فإن رأيتني ألعن "أولاد المتنبي"، فلقد عرفت من هم "الأولاد" الذين أعنيهم. وهؤلاء جاثمون على صدري منذ عهد عبد الناصر الأفسق وإلى هذا العهد الأطهر، وقد فقدت كل أمل في (أن) يُغيِّر القوم رأيهم فيَّ، على الرغم من أنني لا أتعامل بلغة الظفر والمنقار والناب والنعل التي تنصحني بأن أُخاطب بها الناس!(5)، والقصة طويلة وكريهة، وأُعفيك من حلقات هذا المسلسل (المُقرف) الذي عشته ومازلت أعيشه، ولا ذنب لي إلا ما نسبه أبو شادي من ذنب إلى الدكتور إبراهيم ناجي حين قال:
            أتُرى كلُّ ذنــــبِهِ أنَّــه شــاعرٌ شعرْ
            فاعرف ـ إن كنت لم تعرف ـ أن أكبر جريمة في أمتنا العربية هي جريمة الفكر، وهي جريمة تُحاربها جميع دولنا العربية مهما تعدّدت أنظمتها … فأنا وأنت مُجرمان، أو لعلنا ـ في القليل ـ مشروعٌ لمجرم!، فهيئ نفسك للنجاسات البوليسية التي تمرستُ عليها، واخشوشن جلدي تلقاء مناخسها! وإن رأيتني غائباً عن الحياة الأدبية في مصر من ثلاثين عاماً وإلى آخر العمر، فقد عرفت سبب غيابي"(6).
            ويقول في مكان آخر: "الحياة قد توَّبتني عن طلب الشهرة في مصر، بعدما رأيت أن الهيئتين الوحيدتين اللتين تحاسبانني على هذه الشهرة همـا هيئة الضرائب بما تتوهّمه من عشرات الآلاف التي تعود عليَّ من الأدب كل عام، وهيئة مباحث أمن الدولـة العليا التي مازالت تسلِّط عليَّ مخبريها وتراقب تليفونـاتي وبريدي وكأنني أعتى مجرمي الدنيا"(7).
            (2)
            يقوم الوصف بدور بنائي لافت في هذه الرواية، وهو وصف يتحرك في سرعة من الداخل إلى الخارج، ثم ينعكس على سلوك الشخصية قولاً وفعلاً وحركة.
            انظر إلى هذا المقطع في نهاية الفصل الأول:
            « نبهني محمد الأبيض إلى أن وقت الندوة انتهى قبل ساعة. أسندت المظروف الأصفر، الكبير، إلى صدري، وقمت ..
            اعتذرت للباقين بموعد فى المنشية. أسرعت فى خطواتي لألغى فرصة مرافقتي. ألفوا الأسئلة وردودي عليها، حتى أصل إلى محطة ترام 4 المتجه إلى بحري. ملت من شارع الغرفة التجارية المفضي إلى محطة الرمل. ثم ملت فى التقاطع، وعدت ثانية ناحية طريق الكورنيش ..
            تأكدت من إحكام الجاكت على رقبتي، ومضيت فى تعالى زفيف ريح، ينبئ بعاصفة قادمة..
            كانت الميناء الشرقية خالية من المراكب، فغطس البحر فى سواد، ماعدا الأضواء البعيدة، المنبعثة من السلسلة ..» (8).
            إن خوف عادل مهدي من المُطاردة لا يجعله يُحس بالوقت، وعندما ينبهه محمد الأبيض فإنه يحتضن المظروف الأصفر الكبير، وكأن هناك من يهدد باختطافه، فهو يحتضنه، وكأنه يحتويه في قلبه، حتى لا يتطفّل عليه أحد أو ينتزعه منه. ثم هو يريد أن يتسلل، ويمشي وحيداً فلا يرافقه أحد. ويمضي مؤكداً على جغرافية المكان ـ كأنها تميمة، تحميه من المُطاردة. إلى أن يتنبه في نهاية الفقرة إلى السواد الذي يُحيط به: «كانت الميناء الشرقية خالية من المراكب، فغطس البحر فى سواد، ماعدا الأضواء البعيدة، المنبعثة من السلسلة ..».
            لقد جعلته المُطاردة ـ أو توهُّمُها ـ يظن في الجميع أنهم مطاردوه، وها هو يتوجس من الكثيرين تلك المُطاردة. نتوقف أمام وصفه لأحدهم، ويستدعي صورة أحدهم:
            «الرجل ذو البذلة الكاملة طيلة أيام السنة. يقارب الستين، أو تخطاها. رأسه الضخم يتناقض مع عوده القصير، ويتناثر في وجهه نمش داكن. تبدو التقطيبة الدائمة على وجهه كأنها جزء من وجهه، وأضفى عليه شاربه الكث مهابة. لاحظت مداومته على تحريك عقدة رباط الرقبة. تصورت أنه ينوي فكها، ثم أدركت أنها عادة له. ألفت رؤيته يجلس بمفرده على آخر طاولات المقهى ناحية اليسار. يقرأ جريدة، ويرشف القهوة، ويرمى بنظرات غير متأملة ناحية البحر ..» (9).
            وهكذا تجعل منه المطاردة متوجساً الشرَّ من الجميع، يحملق فيهم، ويحفظ سماتهم، ويخافهم.
            (2)
            البطل متوجس من كل الناس الذين يعرفهم، اكتفى بالقليل من الكلمات، وما يُفكر فيه من حوارات مع الناس صار يُجريها بينه وبين نفسه:
            «ماذا يُريدون من المراقبة؟
            حياتي بين البيت والمكتب، مصادري معروفة. لا أتردد إلا على الأماكن التي تمارس نشاطاً ثقافيا. لا شأن لي بالسياسة. لعن الله ساس ويسوس. أدركت أن الأسئلة ستضيف إلى مخاوفي. استقرت في داخلي حالة من الانتظار والتوقع. أحسستُ أني مهزوم، وأني فقدتُ القدرة على فعل شيء.
            تحولتُ إلى أذنين تصيخان السمع لكل الأحاديث العالية والهامسة، تلتقطان حتى ما يبدو عفويا في العبارات والكلمات، أتأمل معانيه المضمرة، وكنت أتصور مواقف وأُجري حوارات مع شخصيات تستدعيها الذاكرة، أو وهمية، يهمس صوتي أو يعلو، تُشارك يداي في التعبير، وأحيا في الجزر المنفصلة. أفطن إلى ما أعمله، أو تنبهني عينا أمي القلقتان، تكشفان ما يمور في داخلي من مشاعر صاخبة، فأُداري ارتباكي»(10).
            .. وتدور الرواية في أجواء من المُطاردة البوليسية، ونحس طوال الرواية أن البطل يُعاني من وطأة هذه المُطاردة. ومن ثم فالرواية يُمكن اعتبارها رواية سياسية، تتماس مع السياسة في أكثر من أفق:
            "قال رأفت الجارم:
            ـ المؤسف أن يكون ثمن انتصارنا في أكتوبر .. التحالف مع أمريكا، والصلح مع إسرائيل ..
            قال نادر البقال:
            ـ لكننا استعدنا سيناء ..
            وداخل صوته أسى:
            ـ وإن كنا لا نستطيع أن نحرك فيها جندياً واحداً ..
            قال رأفت الجارم:
            ـ مشكلة هذا البلد أنه ترك المسئولية لشخص واحد .. هو الذي يقرر متى نحارب، ومتى نقبل السلام ..
            قالت أسامة صابر:
            ـ أنا لا أدين اليهود .. يعتدون ويعرضون السلام .. أنا أدين من سكت عن الاعتداءات ورحب بالسلام الذي عرضوه ..
            لماذا يحرص رأفت الجارم على أن يتقافز فوق حقل الألغام؟ هل يلقى طرف الخيط، فنلتقطه، ويجد ما ينقله ؟..
            قلت:
            ـ ألم نتفق على عدم التحدث في السياسة ؟..
            قال يحيى عباس :
            ـ كلام السياسة مثل شعر الذقن .. نتخلص منه فيعود ثانية ..
            كنا نتحدث في الأدب، لكن الأحاديث كانت تفضي إلى السياسة. نسأل، ونجيب، ونناقش، ونسترجع ما مضى، ونطرح التوقعات."(11).
            (يتبع)

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #51
              قراءة في رواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل (2 ـ 3)

              بقلم: أ.د. حسين علي محمد
              ........................

              (3)
              لا تخلو هذه الرواية من المرأة التي هي عنصر بنائي لا يخلو من دلالة في روايات محمد جبريل، ومنها شخصيات رئيسة كشخصية «أسامة صابر»، ومنها شخصيات ثانوية، يُمثِّل لها السارد بأمه التي تريد منه أن يتزوّج، قبل أن يفوته قطار الزواج، ويُخفي عنها نبأ المُراقبة:
              "منذ هبط جثمان أبي ـ قبل ثلاثة أعوام ـ محمولاً على الأيدي، لزمت أمي البيت، لا تنزل إلا لزيارة الصالحين من أولياء الحي. تعد الطعام، وتغسل الثياب، وتنظف الشقة، وتتلو آيات القرآن، وتتهدج بالأدعية، وتكرر الكلام عن قطار الزواج الذي قد يفوتني ..
              أتأمل الوجه الذي لم تؤثر التجاعيد حول العينين والفم في جماله. الصفاء الطفولي يطل من عينيها، والابتسامة الهادئة ترافق صمتها وكلامها ..
              أقبل أطراف أصابعها المضمومة:
              ـ لن أجد زوجة أجمل منك !..
              تشيح بيدها:
              ـ خذ الأمور بهزار حتى ترفضك البنات ..
              كانت تعاني ما أعانيه. تكتفي بالنظر، والتأمل الصامت، المشفق. لم أصارحها ـ ولا لمحت ـ بما حدث. تصورت القلق، والخوف، والأسئلة التي لن تنتهي .."(12).
              وهناك "أسامة صابر" الأديبة المتمردة على الأعراف الاجتماعية، التي يأتي أول حديث عنها على لسان فتحي عيداروس حينما يتحدث رفاقه في الندوة عن فروق بين المدارس الأدبية، مثل الفرق بين الرواية الجديدة والرواية الضد ورواية اللا بطل والمدرسة الطليعية والمدرسة الحديثة ومدرسة العبث والشكلية والبنائية.
              ونعرف عنها صورة المرأة المُغايرة للمرأة المسلمة، فهل رأى محمد جبريل أمثال أسامة صابر في ندواته الأدبية، فأراد أن يسجِّل مثل هذه الصورة الشاذة التي لا تُضيف شيئاً للبناء الروائي؟!!
              "قلت:
              ـ أرى أن نخصص ندوة لكل مدرسة ..
              قال كمال أبو القمصان:
              ـ ومتى نقرأ كتاباتنا ؟..
              قلت:
              ـ نحن ورشة أدبية .. المفروض أننا نتعلم ..
              قال فتحي عيداروس :
              ـ أفضّل أن أكون بلية في ورشة أسامة صابر ..
              تلفت محمد الأبيض ـ بتلقائية ـ حوله:
              ـ الحمد لله إن أسامة غير موجودة ..
              وجرى في الهواء براحة يده:
              ـ كانت قطّعتك ..
              لم تكن أسامة جميلة الملامح، وربما بدت ملامحها غير متناسقة، فدقة الأنف تناقض غلظة الشفتين واتساع الفم، والجبهة العالية أقرب إلى الاستدارة، ولكن أسامة كانت تروق لي. يجذبني إليها بساطة آسرة ..
              قالت:
              ـ الفتاة التي يقيم الرجل علاقة معها .. هل يفترض أنه يحبها ؟..
              لعينيها نظرة صريحة، تثبتها في عين من تتحدث إليه، فتربكه ..
              قلت:
              ـ طبعا ..
              وضعت ساقاً فوق ساق، وراحت تهز قدمها المدلاة:
              ـ حتى لو كانت علاقة ليلة ؟..
              عراني ارتباك:
              ـ هذا شأن آخر ..
              وهى تعبّر بشفتيها وفمها وتقاطيع وجهها وأصابعها:
              ـ لماذا لا أبحث في الشاب أنا أيضاً عن هذا الشأن الآخر؟..
              وزوت ما بين حاجبيها:
              ـ لماذا لا أجرب المتعة دون ارتباطات .. مثل الرجل؟!..
              وامتصت السيجارة بقوة، فغارت وجنتاها:
              ـ بصراحة .. أنا لا يشغلني الرجل الذي أصحبه إلى بيته لأمارس الجنس معه..
              ثم وهى تضغط على نهاية الكلمات:
              ـ ما حققه الأديب الرجل من تفوق على الأديبة المرأة يعود إلى حريته في إشباع غريزته الجنسية .. وهو ما لا تمتلكه المرأة .."(13).
              ويكشف قولها الأخير عن شيء مغلوط في فهم هذه الشخصية الشاذة، فليس تفوق الأديب مرتبطاً بتهتكه وارتكابه جريمة الزنا، كما تظن بعض الكاتبات اللائي يكتبن عن لغة الجسد، ومعنى الحرية الجنسية!!
              لكن السارد حينما يصف أسامة صابر ـ أو يُحاورها ـ يقدمها في صورة مُحايدة كامرأة عادية:
              «كانت تميل إلى الأناقة، وتبدّل ملابسها، وإن مالت إلى ارتداء البنطلون والبلوزة، أو البدلة الكاملة. لا أذكر أنى رأيتها فى فستان ولا جوبة وبلوزة، ولا حتى تايير. تفضل البدل، وإن جاء تفصيلها على قد مقاييسها كأنثى. كانت ترتدى بنطلوناً أسود، وبلوزة قطنية بيضاء، وحذاء بدون كعب. أحاطت عنقها بإيشارب من الحرير، تدلت نهايته المعقوصة على جانب الكتف، وعلقت على كتفها حقيبة من القماش. وجهها رائق، يخلو من المساحيق، وثمة خصلة شعر تهدلت على جبهتها، تهتز كلما حركت رأسها..
              قلت بلهجة حاولت أن تكون ذات دلالة:
              ـ من أين ؟ وإلى أين ؟..
              أشارت ناحية شارع السبع بنات:
              ـ أنا أعمل فى هيئة الكهرباء ..
              ـ مهندسة ؟..
              رفت على شفتيها ابتسامة باهتة :
              ـ مجرد موظفة إدارية صغيرة ..»(14).
              بل يحاول أن يصور الجو الأسري الذي نشأت فيه:
              «ـ سماني أبى أسامة لأني كنت أول خلفته .. وكان يتمنى ولداً!..
              وتهدج صوتها:
              ـ كان الشرود يأخذ أمي. أرجعه إلى أمنيات أبى فى أن يرزقهما الله بالولد ..
              ثم وهى تعدل حقيبة يدها على كتفها :
              ـ قلت وأنا أداعب ذقنه: أنا أفضل من مليون ولد .. فقال فى تأثر : صحيح .. لكنك ستحملين اسم زوجك .. أما الولد فيحمل اسمي!..
              ظللت صامتاً، وإن أومأت إليها لكي تواصل الكلام ..
              قالت فى تهدج صوتها:
              ـ حين جاء الأولاد .. عدت بنتاً مهملة ..
              أضافت للدهشة فى ملامحي:
              ـ لولا وفاته المفاجئة كنت سأتوقف عن التعليم وأتزوج وأنا طفلة ..
              اصطنعت ابتسامة:
              ـ تتمنين لو أنك ذكر .. ولد ..
              هزت رأسها بعصبية:
              ـ لم أتصور نفسي فى غير ما أنا هي .. لكنني أرفض السيادة الذكورية الكاذبة!..
              ناوشني السؤال: من تحب أسامة ؟..
              لم تحدثني عن تجارب لها فى الحب، ولا إن كانت قد أحبت أصلاً»(15).
              (4)
              يحفل محمد جبريل بالمكان في رواياته وقصصه القصيرة كثيراً، ويكاد يكون العنصر البنائي الأول في رواياته، بل نراه في أحيان كثيرة جزءاً لا يكاد ينفصل عن عوامل بناء الرواية الأخرى، مثل الأحداث أو البطل.
              وفي روايته الأخيرة "المينا الشرقية" (2000م) نرى للمكان دوراً كبيراً، تتضح معالمه من الفقرة الأولى من الرواية التي يُصوِّر فيها الروائي المقهى:
              "زجاج القهوة يظهر الناس في الطريق والكورنيش والبحر والسماء والمارة القليلين. عدد من الرواد اتخذوا أماكنهم على الطاولات المتباعدة، يقرأون الصحف، أو يتناقشون، أو ينظرون ـ في جلساتهم المنفردة ـ ناحية البحر. كل المقاهي والكازينوهات على امتداد الطريق، أسدلت التندات لحجب أشعة الشمس عن الوصول إلى الطاولات. أتطلع إلى حدوة الكورنيش الموصلة بين السلسلة وخليج الأنفوشي. ربما تشاغلت بعد البلانسات والفلايك فى الميناء الشرقية، أو تأمل مئذنة أبو العباس وقلعة قايتباي، يشيان بحي بحري القريب. أسراب النورس تحوم فوق سطح الماء، تصخب، وتصيح، وتهبط بمناقيرها. تلتقط الأسماك، وتعلو، تتصاعد في أسراب متداخلة، تبدو سحباً رقيقة، متحركة .." (16).
              (يتبع)

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #52
                قراءة في رواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل (3 ـ 3)

                بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                .......................

                إن المكان هنا، رغم أنه مكان مغلق إلا أنه من خلال الزجاج منفتح على العالم، حيث "يظهر الناس في الطريق والكورنيش والبحر والسماء والمارة القليلين".
                وطبيعة المقهى تجعل الاجتماع البشري شبه اجتماع، فالناس ليسوا متجاورين، ولا يتحاورون في قضية واحدة، فقد جعلهم الروائي متباعدين جلوساً، متباعدين اهتماماً، حيث قرأنا في الفقرة السابقة: "عدد من الرواد اتخذوا أماكنهم على الطاولات المتباعدة، يقرأون الصحف، أو يتناقشون، أو ينظرون ـ في جلساتهم المنفردة ـ ناحية البحر".
                ويعبر الفضاء المفتوح، مثل الشوارع والبحر عن الأحداث وتداعياتها، أو البطل ونفسيته؛ ففي نهاية الفصل الأول حينما اكتشف السارد مراقبة ندوته الأدبية، نقرأ: "كانت الميناء الشرقية خالية من المراكب، فغطس البحر في سواد، ماعدا الأضواء البعيدة، المنبعثة من السلسلة.. "(17).
                إن خلو الميناء من المركب / التواصل الإنساني، جعل الميناء الشرقية تغطس في السواد، ولم يكتب الروائي مثلاً "تبدو مقفرة".
                إن نفس السارد هي التي تغطس في السواد، في هذه اللحظة.
                وبعد أن يعرف البطل أنه مُراقب بالمباحث، يُصبح كل فضاء الشارع مصدراً للخوف الفزع، وتُصبح حنية السلم في البيت هي الأخرى مصدراً من مصادر القلق للبطل:
                "اعتدت التزام الحذر في التأكد من خلو الشارع. ربما عينان تترصدان قدومي، تتابعان خطواتي من أول الطريق إلى البيت. أدخل البيت بحذر. أدقق النظر جيداً فيما حولي. حتى حنية السلم ، أحدق في الظلمة الشفيفة، ربما تبين ملامح لم أفطن إليها في النظرة العابرة .."(18).
                (5)
                وقد أفاد الروائي في روايته من بعض التقنيات الفنية الجديدة، مثل «تعدي النص» حيث يفيد الروائي من الأجناس الأدبية الأخرى، فنراه يقدم لنا نصوصا لبعض القصائد التي تُثري السرد. ففي مفتتح الرواية يُلقي يحيى عباس قصيدته، فنجد فيها للمكان دوراً. يقول:
                تحت جدار الوطن المنفى ..
                كنت أمد عروق دمائي
                أتهيّأ للدفن
                وحيداً في الصحراء
                يظهر جنرال الوقت فتياً
                يأكل صحن بلاغته
                الجوعى
                والفقراء(19).
                فالوطن على رحابته لا يُمثِّل للشاعر إلا جداراً، لن يفيد البطل منه ومن ظلاله المنكمشة الصغيرة، التي تتغيَّر مساحتها على امتداد ساعات النهار، لأنه يتهيّأ للدفن. وحينما يدفن فلن يُدفن في مقابر تغمرها الظلال، وإنما سيُدفن وحيداً في الصحراء. وكلمة "وحيداً" تشي بأن قبره لن تجاوره قبور أخرى، بل سيُعاني في وحدته في الموت، كما عانى من وحدته في الحياة.
                ونراه يفتتح الفصل التاسع بمقطع من قصيدة «إلى فتاة اسمها الإسكندرية» لأحمد فضل شبلول:
                رسمتك بين خطوط يدي
                فكنت غدي
                وكنت نهاراً لشمسي
                وكنت صلاة لنفسي
                وكنت ضمير البحار
                أحبك .. تسأل عنا الكبائن والأبنية
                وذبذبة النجم فى ليلة صافية
                أحبك .. تسأل عنا الخطا
                وموجة عشق تقبل هذا المدى
                أحبك .. كورنيشنا ..
                يسأل الآن عن حبنا
                وبائع لب يجول على العاشقين
                وحامل فل ينادى على الياسمين
                لمن أقتنى فرحة البحر والفل والياسمين ؟
                وشاوي الذرة
                يخبّئ ما نضج الآن من أجلنا
                ومقعد حب أقيم لنا
                فما خطبنا ..
                وأنت هناك وقلبي هنا .. (20).
                ***
                إن رواية «المينا الشرقية» لمحمد جبريل تُقدم صورة حية للمثقف المطارد، وتتآزر عناصر القص (ومن أهمها في هذه الرواية مكان المقهى الذي اتخذه عنواناً لروايته) لتقدم لنا صورة حقيقية لعصرنا، قد تكون أكثر شفافيةً وصدقاً من الواقع الذي يُحيط بنا، فلا نستطيع في انشغالات الحياة أن نتتبع تفاصيله ودقائقه.

                (1) محمد جبريل: المينا الشرقية، ط1، مركز الحضارة العربية، القاهرة 2000م، ص8.
                (2) السابق، ص16.
                (3) الرواية، ص11.
                (4) الرواية، ص25، 26.
                (5) يقصد قولي في رباعيتي المهداة له:
                يا وديعَ النفسِ في دُنيا الذئابْ أنـت تحيــا في حـياةٍ قاتِلهْ
                فاسْتعِرْ ظفراً ومنقـارأً ونابْ ثمَّ دُسْ بالنَّعْـلِ هـذي القافلهْ
                (6) د. حسين علي محمد: سفير الأدباء وديع فلسطين، ط3، دار الوفاء لدنيا الطباعة، الإسكندرية 2000م، ص57.
                (7) السابق، ص23.
                (8) السابق، ص10.
                (9) السابق، ص12.
                (10) السابق، ص76.
                (11) الرواية، ص11.
                (12) الرواية، ص19.
                (13) الرواية، ص21، 22.
                (14) الرواية، ص 47.
                (15) الرواية، ص 48.
                (16) الرواية، ص7.
                (17) الرواية، ص10.
                (18) الرواية، ص12.
                (19) القصيدة من شعر حسين علي محمد، المرجع السابق، ص7، 8.
                (20) من قصيدة " إلى فتاة اسمها الإسكندرية " للشاعر أحمد فضل شبلول .

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #53
                  حوار مع الروائي محمد جبريل:
                  أرفض الخيال المحض في مضامين أعمالي

                  حاوره: أ.د. حسين علي محمد
                  ..........................

                  غاب محمد جبريل عن الوطن ثماني سنوات (1976-1984) في سلطنة عمان، حيث كان في مهمة جادة لإصدار جريدة "الوطن" التي جعل منها واحدة من الجرائد القوية في منطقة الخليج، كما أصدر ملحقها الأدبي المتميز الذي يجعلنا نتمنى أن تُصدر الصحف الأدبية المصرية مُلحقا مثله.
                  وبعد عودته من عمان كان هذا اللقاء معه:
                  *ثماني سنوات من التجربة وأنت بعيد عن وطنك مصر الأثير إلى نفسك، ماذا قدمت لك التجربة؟ وكيف تنظر إليها الآن؟
                  -حين اتصل بي المرحوم الشيخ سليمان الطائي وألحَّ في أن أُنقذ جريدة "الوطن" من مأزق حقيقي تبدّى في عدم انتظام صدورها، وانقطاعها ـ أحياناً ـ لفترات تمتد إلى الأشهر، وافتقادها للمقومات الأساسية للعمل الصحفي، إلى حد مُصارحة الزميل حسين أحمد مرسي ـ الذي كان يتولى مسؤولية الإعلان والتوزيع ـ إليَّ أن محررها الأوحد ـ قبلي ـ كان العمل الذي يُجيده هو الطباعة على الآلة الكاتبة! يكتفي بتسجيل الأنباء المحلية من إذاعة عمان، ويبعث بها إلى المطبعة التي تتولى طباعة الوطن في بيروت أو القاهرة أو الكويت، فتستكملها بمواد أخرى منقولة بتصوير الأوفست من الصحف المختلفة. وهكذا كانت تصدر "الوطن"، بل وهكذا كانت تصدر كل الصحف العمانية، فيما عدا "عُمان" بالطبع، التي حاولت أن تعتمد على جهود العاملين فيها، وإن لجأت آنذاك ـ كثيراً كثيراُ ـ إلى أسلوب القص واللصق الذي يُعد الوجه الآخر ـ السلبي ـ لطريقة الطباعة بالأوفست.
                  أقول: حين عرض عليَّ الشيخ سليمان الطائي مسؤولية إنقاذ "الوطن" من مصير واضح كان يتهددها ترددتُ كثيراً، وألحّ دون يأس. فلم أوافق إلا بضغط مباشر من أستاذي عبد المنعم الصاوي الذي وسّطه الشيخ الطائي حتى يُحاول إقناعي .. ذلك لأن عام 1975 الذي قدّم فيه الشيخ الطائي عرضه كان هو عام فوزي بجائزة الدولة في الأدب، وكذلك كان عام سفري إلى العديد من الأقطار العربية لإلقاء محاضرات في فنية العمل الصحفي بتكليف من المركز العربي للدراسات الإعلامية في السكان والتعمير، بالإضافة إلى أني كنت مشغولاً في كتابة روايتي "حكايات عن جزيرة فاروس"، وكتابي "ملامح مصرية" والجزءين الثاني والثالث من كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين". وكان التخلي عن ذلك كله صعباً وقاسياً. لكنني ـ في النهاية ـ لملمت أوراقي، واحتفظت بها في الأدراج ثماني سنوات كاملة، كنت خلالها مشغولاً بتحقيق المعجزة ـ وليس في التعبير أدنى مبالغة ـ أن تُصدر جريدة أسبوعية بمجهود فردي .. ثم أن أُصدر هذه الجريدة ـ فيما بعد ـ يومية بمجهود شبه فردي.
                  لكن الجانب الإيجابي المقابل في هذه التجربة، تمثل في استفادتي المؤكدة من الممارسة التطبيقية في كل مجالات العمل الصحفي بدءاً من إدارة التحرير وانتهاءً بالسكرتارية التنفيذية، مروراً بالكتابة الصحفية: كتابة العمود السياسي، والخاطرة اليومية، والتحقيق، والدراسة، والخبر. حتى التصحيح كان من بين مهام المحرر الوحيد الذي كنته! وثمة تعرفي إلى اهتمامات، وأسماء ومناطق أخرى ربما لم أكن أتعرف عليها لولا سفري إلى السلطنة .. بالإضافة إلى أن إقامتي في السلطنة كانت هي الباعث لأن أكتب روايتي "إمام آخر الزمان".
                  *هل كنت تُواكب أدباء جيلك وأنت بعيد عنهم؟
                  -لم أكن بعيداً على الإطلاق عن أدباء كل الأجيال السابقة؛ فالسلطنة تأذن بدخول كل المطبوعات، بل لقد أُتيح لي في السلطنة أن أتعرّف إلى أدباء في الوطن العربي لم يُسمع صوتهم في القاهرة بعد. ومن بين كتاباتي الحالية دراسة مطولة عن الأديب عز الدين المدني ـ الغائب تماماً عن اهتمامات المثقفين المصريين ـ ومحاولاته التجريبية التي أجد أنها تتفق تماماً مع نظرتي إلى معنى التجريب.
                  أما بالنسبة لغيابي الجسدي عن القاهرة، فلم يكن حقيقيا، ذلك لأني كنتُ حريصاً على العودة إلى مصر بين فترة قصيرة وأخرى، وجواز سفري مزدحم بعشرات الأختام التي تبين عن أسفاري المتواصلة بين مسقط والقاهرة.
                  لم أكن بعيداً عن أدباء جيلي إذن، بل ولم أكن بعيداً عن الحياة الثقافية إطلاقاً! ولعل "الملحق الثقافي" لجريدة "الوطن" ـ وهو خير الإسهامات التي أعتز بها في تجربتي الصحفية بالسلطنة ـ يكشف عن مدى علاقاتي المتصلة بالمثقفين المصريين من كافة الأجيال. ولقد تعرّف القارئ العماني ـ من خلاله ـ إلى نبض الواقع في الحياة الثقافية المصرية، وإلى معظم الأسماء التي تُشكِّل هوية الثقافة المصرية، وإني إعتز بأن الوطن حظيت بكتابات نخبة ممتازة من الأقلام المصرية، كان بوسعهم أن ينشروا ما يكتبونه في صحف عربية أخرى بمقابل مادي حقيقي، وليس بالمقابل الرمزي الذي كانت تدفعه "الوطن" لهم.
                  *نعود إلى عالمك الفني الأثير لديك: كيف ترى إبداعاتك بين أبناء جيلك؟
                  -يصعب على أي كاتب أن يتصوّر موضع مؤلفاته بين الإسهامات الأخرى التي قدّمها أبناء جيله. مع ذلك فإن تأملي لقائمة مؤلفاتي التي تضمنتها الصفحة الأخيرة من آخر رواياتي يُبيِّن عن اهتمام ملح بقضايا بلدي (مصر)، سواء بالإبداع أو بالدراسة الأدبية.
                  أما أولى مجموعاتي "تلك اللحظة من حياة العالم" فإني أعترف بالخطأ لعدم قبول نصيحة أستاذنا نجيب محفوظ بالاكتفاء بعبارة "تلك اللحظة" دون بقية الكلمات، فضلاً عن أنها تبدو لي ـ بعد أعوام طويلة من إصدارها ـ أشبه باسكتشات قصصية تُعبِّر عن الرغبة في التجريب أكثر من تعبيرها عن اكتمال مقوِّمات هذا التجريب. بعكس روايتي "الأسوار" التي تبدو لي خطوة أكثر تفوقاً في تحقيق ما أراه من وجوب استفادة القصة بالأدوات الفنية الأخرى مثلما تستفيد تلك الأدوات من فن القصة. فثمة الفلاش باك، والهارموني، والتبقيع، والحوار الدرامي … إلخ. ولقد سعدت ـ في الحقيقة ـ بحفاوة النفاد بهذه الرواية، وحرصهم على مناقشتها وإبراز دلالتها الفنية والمضمونية في آن معاً.
                  أما كتابي "مصر في قصص كتابها المعاصرين" فهو ـ كما أشرت في المقدمة ـ محاولة فنان لقراءة تاريخ بلاده، وتسجيل هذه المحاولة فيما يمكن تسميته بالقراءة الإيجابية. ولقد أسعدني ـ بالطبع ـ أن يفوز هذا الكتاب بجائزة الدولة في النقد الأدبي، وإن كانت سعادتي ستتضاعف لو أني نلت الجائزة في المجال الذي أوثره وهو القصة.
                  *بدأت محاولاتك مع الفن من خلال القصة القصيرة، هل تحدثنا عن تجربتها معك؟ وهل أثَّرت قراءاتك وتجاربك الشخصية في بداياتك؟ أم أنك بدأت مُغامراً من خلال ما يُمكن أن نسميه قصص الخيال المحض؟
                  -لعلي أزعم أني لم أبدأ في كتابة قصتي القصيرة الأولى، إلا بعد أن كان في حوزتي حصيلة لا بأس بها من القراءات والتجارب الشخصية وتلك التي عاشها الآخرون. وأضيف: أني رفضت الخيال المحض في مضامين أعمالي الفنية. لقد عملت في مهن متعددة، وقرأت في ثقافات مرتفعة وهابطة، وعايشت أجواء متناقضة، وقضيت أعواماً مقيماً وزائراً في بلاد شتى.
                  لقد حاولت ـ ولعل ذلك ما أحرص عليه حتى الآن ـ أن أستفيد من كل لحظة قراءة، وكل لحظة تجربة، وكل لحظة تعرُّف ومشاهدة، بحيث يتناثر ذلك كله في محاولاتي دون أن يبين عن مصدره.
                  *هذا يدفعنا إلى السؤال عن موقفك من "نقل الواقع أو النسخ الحرفي للحياة" من خلال الفن، وهل هذا أمر ممكن؟
                  -لعلي أوافق أرنولد بينيت على أن النسخ الحرفي أمر مستحيل"، فالرواية ـ بدرجة ما قد تتفوق أو تتأخر ـ لوحة فنية تنبض بالتفصيلات ، وتداخلات الألوان والظلال ، والفكرة والشكل والتلوين .. تلك هي الأشياء التي لابد أن تتوافر في العمل الروائي حتى يستحق هذه التسمية. وكما قلت فإن التصوير في حد ذاته يُعدُّ فنا من حيث اختيار الزوايا والإضاءة والمساحات. ولكن حين يُصبح هو الاختيار الوحيد في رواية ما، فإنها بالقطع لن تكون كذلك.
                  *إذن ما رأيك في التفسيرات التي يطرحها النقاد على الأعمال الفنية خاصة القصة من منظور الرمز أو المعادلات؟
                  -المعادلات في معالجة الأعمال الفنية قضية غاية في الخطورة. ذلك لأن القصة ـ كعمل فني ـ يجب أن تحقق المتعة بذاتها. وقد صارحني نجيب محفوظ ـ يوماً ـ أنه يعتبر القصة الفلسفية غاية الفن، ولكنه رفض البحث عن الرمز المقابل لكل شيء، فسيحتاج الأمر إلى لوغاريتمات، وليس إلى فن حقيقي. ساعتها ربما يحتاج القارئ إلى جدول يُطابق من خلاله الواقع على ما يُقابله من رمز. الفنان عندما يبدأ كتابة عمل ما، فإنه لا يعرف كيف أو ماذا يكتب. الفكرة العامة تحيا في ذهنه، لكنها تخضع عند الكتابة لاعتبارات أخرى عديدة، الفنان يكتشف نفسه أثناء الكتابة.
                  *كخطوة نحو القصة الفلسفية التي يريدها نجيب محفوظ: هل ترى أن الرواية المعاصرة تُقدِّم "فلسفة" للحياة من خلال نظرة مبدعيها؟
                  -إن الرواية المعاصرة يجب أن تقدِّم فلسفة الحياة الواضحة المتكاملة التي تُعبِّر عن نظرة الأديب الخاصة ومواقفه، لا أعني أن تُقحَم الأفكار الفلسفية المجرّدة داخل إطار العمل الفني. إنها في هذه الحالة تُشكِّل نتوءاً واضحاً في العمل الفني، يقلل من قيمته، إن لم يُبدِّد تلك القيمة تماماً. إن الفنان الذي يصدر عن رؤية فلسفية متكاملة هو الذي يتمكّن من تذويب أفكاره في أحداث عمله الفني، بحيث لا تبدو نشازاً ولا مُقحمة.
                  وكما يقول "ميرلو بونتي" فإن الفلسفة ليست انعكاساً لبعض الحقائق الجاهزة الموجودة من قبل، ولكنها مثل الفن تمثل التجسيم المباشر للحقيقة. إن الفلسفة الصادقة هي التي تُعلِّمُنا من جديد كيف ننظر إلى العالم. وإن رواية ما ممتازة، يُمكن أن تُصوِّر لنا "بانوراما" العالم، ربما بأدق وأشمل مما تصوّرها الرسالة الفلسفية.
                  *شاعت في العقد الأخير بعض موجات الحداثة التي تُغفل دور الحدث أو "الحدوتة"، فهل تتعاطف مع هذه الموجات؟
                  -بالعكس، فإني أرى "الحدوتة" هي النطفة التي يتخلّق منها العمل الفني، وبرغم اختلافي مع "أرنولد بينيت" بأن أساس الرواية الجيدة هو "خلق الشخصيات ولا شيء سوى ذلك"، فلعلي أتفق تماماً على أن خلق الشخصيات دعامة أساسية في بناء الرواية الذي يستند ـ بالضرورة ـ إلى دعامات أخرى، أقواها ـ أو هذا هو المفروض ـ الحدوتة، وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة ـ نقاداً أو أدباء ـ أن الرواية ليست في حاجة إليها، وأن ما يستعين به الفنان من أدوات تضع الحدوتة في مرتبة تالية، أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقاً. ولقد كانت الحدوتة (الحكاية، الفكرة، سمِّها ما شئت) هي الباعث الحقيقي لأن تتحوّل روايتي "الأسوار" في ذهني ـ قبل كتابتها بأعوام ـ إلى أحداث ومواقف وشخصيات، ثم تخلّقت في أشكال هلامية عدة، قبل أن تأخذ ـ في طريقها إلى المطبعة ـ سماتها النهائية.
                  *هل يعني هذا عندك أن الحدوتة هي الدعامة الأولى في الفن الروائي؟
                  -نعم، الحدوتة هي الدعامة الأولى في بناء أي عمل فني. ثم تأتي بقية الدعامات الأخرى، وهي ـ في الرواية الجديدة ـ محاولاتها للاستفادة من العناصر والمقومات في وسائل الفنون الأخرى، كالفلاش باك في السينما، والتقطيع في السينما أيضا، والتبقيع في الفن التشكيلي، والهارموني في الموسيقا، والحوار في المسرحية .. إلخ.
                  *المتابع لإبداعاتك القصصية والروائية يجدك تُلح فنيا على ضرورة استفادتهما من معطيات وتكنيكات الوسائل الفنية الأخرى التي أشرت إليها الآن مثل القصيدة والمسرحية واللوحة التشكيلية والمقطوعة الموسيقية ـ فما هي بواعث هذه الرؤية؟
                  -لماذا لا يُثري الفنان قصته أو روايته بإسهامات الفنون الأخرى وبما تملكه تلك الفنون من خصائص جمالية وتكنيكية، فتتحقق للفن الروائي أبعاد جديدة، وتتحقق أبعاد جديدة للفنون الأخرى، مما يجعل رأي "أدوين موير" بأن بعض الفنون ـ مثل النحت والرسم والموسيقا ـ تتحقق في بُعد واحد فقط، أقرب إلى تسمية الشمس بأنها تقوم كل يوم بدورة من الشرق إلى الغرب، وإغفال "أبعادها" الهامة الأخرى! ولعلي بذلك أُناقض دعوى بعض الروائيين الجدد ـ ناتالي ساروت مثلا ـ بأن المقولة في الفن خطأ يجب تجنبه، وأن الالتزام الوحيد في الفن هو الفن نفسه. برغم أن إبداعات هؤلاء الروائيين ـ وأيديولوجياتهم أيضا ـ ترفض تلك الدعوى، فمهمة الروائي ـ في تقديرهم ـ هي إعادة العلاقة بين الإنسان والعالم.
                  *في قصصك زخم الواقع والحياة ـ وإن كانت مُغايرة للواقع ـ كيف ترى إمكانية تحقق التغايُر والتماثل في آن مع رفضك للنسخ الحرفي للحياة من خلال الفن؟
                  -الواقعية ليست هي الواقع، والفن ليس هو الحياة بحذافيرها، الواقع مُصادفة وفوضى والفن اختيار. الفنان يُضيف إلى العمل الفني مهما بلغت درجة اقترابه من الحياة، من قراءاته وخبراته ورؤاه .. إلخ، ومن هنا فإن "ابن نفيسة" (بطل روايتي "متتابعات لا تعرف الانسجام") في الحياة ليس هو "ابن نفيسة" في الرواية، برغم أن الرواية تستند إلى الواقع، وأيضاً شخصيات رواياتي وقصص قصيرة كثيرة مما كتبت.
                  *ألا ترى أن الصحافة تؤثر تأثيراً سلبيا على الأديب المبدع؟
                  -لقد أدرك أرنست همنجواي أنه من الصعب أن يكون صحفيا وأديباً في آن معاً، وبالتالي فقد رفض كل العروض الصحفية التي كان يمكن أن تُجنبه المآزق المادية التي واجهها في بداية حياته الأدبية. وفضلاً عن القيمة السامقة لإبداعات همنجواي بالقياس إلى مُحاولاتي، فإن الحقيقة التي تذهب في بلادنا مذهب المثل: أن الأدب لا يُؤكِّل صاحبه عيشاً، ومن ثم فإن الوظيفة مطلب حتمي، ولأن الصحافة هي الأقرب إلى الأدب، فقد كان من البديهي أن أتجه إليها. وحتى ذلك لم يكن مُتاحاً في البداية. واجهتُ صِعاباً قاسية حتى أُتيح لي أن أجلس وراء مكتب في صحيفة "المساء" وألتقي بالآخرين بصفتي مُحرراً، وإن كان الأدب هو شاغلي الأول.
                  *بعد غيبة ثماني سنوات ونيف بعيداً عن مصر، مُتابعاً لما يدور في تربتها من تخلُّق وتحولات، كيف ترى مصر ـ حبك المقيم وهاجسك الدائم ـ؟ وما هي طموحاتك الأدبية؟
                  -مع أن "روبرت فروس" يقول في قصيدة له: "إن الوطن هو المكان الذي يكون مستعدا لاستقبالك عندما تذهب إليه" فإن مصر كانت هي وطني الوحيد والدائم برغم الضغوط الاقتصادية والنفسية التي ألجأتني إلى قبول المنفى الاختياري. ثم إن ثماني سنوات من العمل في "الوطن" وتحويلها من صحيفة مُتعثرة تصدر بين الحين والآخر إلى صحيفة يومية جادة أشعرني ببعض الراحة وجعلني أتخذ قرار العودة.
                  وما فعلته ببساطة ليلة عودتي إلى القاهرة ـ نعم، ليلة العودة تحديداً ـ أني فتحت الأدراج، وبدأت في مواجهة ما كنت قد أرجأته قبل ثماني سنوات.
                  والحق أن إصراري على تقديم استقالتي من «الوطن» بعد أن حققت أحد أهم أحلامي بإصدارها يومية، كان العودة إلى عالمي الذي أوثره عن كل ما عداه وهو الأدب.
                  ------------------------------
                  * من كتاب "من وحي المساء": للدكتور حسين علي محمد.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #54
                    صورة البطل في رواية «الصهبة» لمحمد جبريل
                    -------------------------------
                    صورة «منصور سطوحي» في رواية «الصهبة» لمحمد جبريل

                    بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                    .......................

                    (1)
                    «منصور سطوحي» بطل رواية «الصهبة» (1990م) طالب بكلية العلوم، لم يختر الكلية، وإنما اختارها له أبوه صاحب السلطة الأبوية القاهرة. الذي يُريد أن يكون ابنه نسخة منه.
                    والقارئ للرواية يُلاحظ ـ على امتداد صفحاتها ـ أن الأب تعمّقت في داخله مفاهيم «السيطرة الأبوية» عن طريق القهر والقوة، وهو يريد إلغاء الطرف الآخر وإقصاءه ـ الذي هو ابنه ـ .
                    ويموت الأب، ولكن الأم تحاول أن تُذكِّر «منصور سطوحي» بسطوة أبيه دائماً، وتستحضر جبروته الخفي حتى يظل حاضراً في صفحات الواقع المعيش.
                    لقد هجر «منصور سطوحي» كلية العلوم ـ التي اختارها أبوه، والتي لم يحبها هو في بومٍ ما ـ ويُريد أن يُدير المكتبة التي تركها أبوه، واستمر إغلاقها تسعة أشهر بعد وفاته، كما يود أن يغير اللافتة، ولكن أمه ترفض.
                    ويلتقي «منصور سطوحي» في المقهى ـ الذي يقضي فيه أمسياته ـ ببدر المنشاوي (الموظف بأرشيف الحقانية)، وجابر محجوب (ميكانيكي سيارت بشارع قبو الملاح)، وحسن الهُن (بقصر ثقافة الأنفوشي).
                    يسمع «منصور سطوحي» من صديقيه طقوس «الصهبة»: «إن المرأة التي لا تُنجب، والتي يشق عليها الإنجاب تقف في المزاد، حتى يُرفع النقاب فيزول العقم»(1).
                    نادت الصهبة البطل «منصور سطوحي» فاستجاب لها، ودخل المزاد، وفاز به، وكانت طقوس «الصهبة» التي نظّمت هذا الاحتفال الحاشد تفرض على «منصور سطوحي» بعد رفع النقاب أن يمضي بالمرأة خطوات، ثم يتركها. ولكنه نسي هذه الطقوس حينما رفع النقاب فرأى المرأة جميلة:
                    «الوجه كان كالجنة، ليست من السيالة ولا بحري، ولا من الحياة نفسها، كأنها تنتمي إلى عالم السحر الذي يجوس داخله»(2).
                    ويفقد «منصور» المكبوت دائماً من أبيه ـ قدرته على السيطرة على ذاته، فيقيل المرأة في ثغرها، ويطوقها بساعدي الحنين فلا تستطيع فكاكاً منه، ويخيم الوجوم ـ الممزوج بالدهشة المُباغتة ـ على المتفرجين الذين كانوا يُشاركون في طقوس «الصهبة» ، ولكنهم لا يُحاولون أن يمنعوه من فعلته الشنعاء التي ارتكبها، أو أن ينتزعوا المرأة من بين أحضانه، وحين يفوق من غاشية السحر التي أصابته يتراجع إلى الخلف، فيفسحون له الطريق، ويترك الساحة إلى شارع «حداية».
                    «تراجع إلى الخلف فأفسحوا لـه الطريق. عدّل من وقفته وسار إلى الأمام فانفرجت اللمة الصامتة، سار بخطوات متثاقلة كأنه يجر خوف الحياة كلها .. بدت المسافة من منتصف الساحة إلى أول شارع «حداية» بعيدة، أو أنها المستحيل. ماذا يفعلون لمن يُخالف ما توارثوه؟ ولماذا تركوه حتى أنهى ما فعل؟ ومن أين تأتي الضربة المُقبلة؟»(3).
                    لقد قلب طقس «الصهبة» حياة «منصور سطوحي» رأساً على عقب «فهو يعيش ـ منذ هذه اللحظة ـ حياة المُطارَد الذي لا يدري من أين ستأتيه الضربة المنتظرة؟. إن الشك بدأ يسم حياته وحس التهديد الخفي لا يُبارحه، وفي أحلامه تزوره هذه المرأة المجهولة ، فتلاقيه في الميناء الشرقية مرتدية الملاءة وإن خلعت النقاب. وتُوافيه في منامه فيصحو وهو لا يدري إن كان ذلك حقا أم خيالاً. ويلتمس العون من الشيخ عرفة الدجيش إمام المسجد، ومن أصدقائه، ولكن لا أحد يستطيع أن يُنقذه مما يُعانيه، فيقدم بلاغاً لنقطة شرطة الأنفوشي، بناءً على اقتراح من أخته «منيرة»:
                    ويفاجئه الضابط:
                    « ـ كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك ..
                    بحلقت عيناه:
                    ـ لكنني شاهدتها بنفسي ..
                    هز الضابط رأسه:
                    حتى روّاد المقهى نفوْا أنهم حادثوك في الأمر من أصله ..
                    لم يخف دهشته:
                    ـ بدر المنشاوي وجابر محجوب؟.
                    قاطعه الضابط:
                    ـ وحسن الهن .. وغيرهم .. أجمعوا على أنهم لم يروا شيئاً .. ولم يُحادثوك في أي شيء مما تصورته ..
                    أهمل ما حرص عليه من تأدب:
                    ـ أنا لم أتصور! .. كل ما رأيته صحيح .. وشاهدته ..
                    صاح الضابط:
                    ـ هل تتعاطى شيئاً؟ ..
                    قاوم انفعاله:
                    حتى السيجارة لا أدخنها ..
                    تخلل صوت الضابط رنة سخرية:
                    ـ إذن تغط جيداً قبل أن تنام! .. »(4).
                    فارق «منصور سطوحي» صديقيه بدر المنشاوي وجابر محجوب، وقرر أن يقطع علاقته بالجميع «فلا يفتح المكتبة، ولا يتردد على المقهى، يُلازم حجرته، فلا يهجرها»(5).
                    ولكن طقوس الصهبة تُطارده.
                    فما أن اتخذ قراره، حتى طاردته في عقر داره، وهذا النص يكشف ذلك:
                    «لما سلّم وأولى الطريق ظهره، كان قد اتخذ قراراً بأن يلزم البيت لا يُغادره، لا يرى أحداً ولا يراه أحد. تعالت زغاريد وأصوات طبول ومزامير ونايات ودفوف ودربكات وشخاليل. تصوّر ـ لفرط اقترابها ـ أنها في داخل الشقة.
                    انتطر من فراشه.
                    جرى إلى الصالة، أمه ومنيرة وماجد غلبتهم الحيرة فاكتفوا بتبادل النظرات.
                    قال:
                    ـ هذه أصواتهم ..
                    تساءلت الأم:
                    ـ من هم؟
                    همس:
                    ـ الصهبة»(6).
                    وتنتهي رواية «الصهبة» بانجذاب «منصور سطوحي» إلى «الصهبة» ثانية، وتتساءل الأم: هل انجذب؟ في حين «يهمس في أعماقه هاجس: لكي تفر مما يشغلك، اقذف بنفسك داخله»(7).
                    (يتبع)
                    التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 07-01-2010, 07:28.

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #55
                      خمس قصص قصيرة جدا للقاص الكبير محمد جبريل


                      (1) لحظـــــــة
                      أعادت تأمل الشعرة البيضاء . لم تكن رأتها من قبل . تنظر إلى المرآة إذا وضعت المساحيق، أو مشطت شعرها ، أو وهى ترتدى الملابس. ربما تأملت وجهها، أو جسمها كله ، بلا مناسبة . هذه هي المرة الأولى التي تكتشف فيها الشعرة قافزة في الغابة السوداء خلف الأذن ..
                      غالبت مشاعر متباينة، وإن غاب معناها الحقيقي. دارت بإصبعين كدوامة، حتى اطمأنت إلى اختفاء الشعرة تماماً. تأكدت من البسمة التي لم تكن تغادر شفتيها ..
                      غادرت الشقة بخطوات بطيئة ..
                      ثم بخطوات أسرع ..
                      ***
                      (2) ثــــــــأر
                      أحاطت بساعديها الطفلين ، واستندت إلى الجدار ..
                      قال فى لهجة مشفقة :
                      ــ لا شأن لك ولا للطفلين بما حدث ..
                      قالت فى خوفها :
                      ــ لكنك قتلت أباهم ..
                      ــ إنه ابن عمى أيضاً .. وقد نلت ثأري منه ..
                      أضاف فى لهجته المشفقة :
                      ــ لا شأن للطفلين .. سيأتون إلى بيتى ليكونوا فى رعايتى .. فأنا ابن عم أبيهم ..
                      اتسعت عيناها بالخوف .. والدهشة ..
                      ***
                      (3) أصداء
                      ألقى الرجل أوامره ..
                      قال لنا :
                      ــ لا تشغلوا أنفسكم .. فالقيادة مسئولة عن كل شئ !..
                      كنت أعبث بالمقعد تحتى ، أكور الإسفنج ، وأقذف به إلى الأرض ..
                      ***
                      (4) محطـــــة
                      صعدا فى المحطة نفسها . واحد من الباب الأمامى ، وواحد من الباب الخلفى . وقفا أمام المقعد الوحيد الخالى ..
                      قال الأول :
                      ـ من مواليد كم ؟
                      قال الثانى :
                      ـ 22
                      قال الأول :
                      ـ أنا من مواليد 21
                      قال الأول :
                      ـ أنا أكبر منك ..
                      قال الثانى :
                      ـ إذن من حقك أن تجلس ..
                      وأخلى له الطريق .
                      ***
                      (5) الثورة
                      حين وصل إلى نهاية الرواية ، كان مصير الفتاة يشغله تماماً . بدا الظلم أشد مما يستطيع احتماله ، كأنه الموت ، أو أقسى ..
                      أغلق الكتاب بعنف ، ونزل إلى الطريق ..
                      التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 07-01-2010, 09:02.

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #56
                        «أخبار الوقائع القديمة » مجموعة قصصية جديدة لمحمد جبريل

                        «أخبار الوقائع القديمة» مجموعة قصصية جديدة لمحمد جبريل، أصدرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «أصوات أدبية» .
                        تضم المجموعة القصصية 11 قصة قصيرة هى: انكسارات الرؤى المستحيلة، كيف أذوق حلاوة ما لا أعرفه، أخبار الوقائع القديمة، الحصار، مساحة الظل، الهدف، صدى البوح، بكائية للزمن القديم، ضالة المريد، الحكواتى والسجادة.
                        يتناول القاص محمد جبريل عوالم النفس الإنسانية فى هذه المجموعة، وما يؤرقها من تأملات فلسفية وتجارب إنسانية خاصة.

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #57
                          *نختار لكم هذه القصة من المجموعة:

                          *انكسارات الرؤى المستحيلة*

                          قال أحمد أنيس وهو يضع رزمة النقود على مكتبى :
                          ـ ثلاث ساعات وأنا أتنقل بين البنك المركزى وبنط مصر وبنك فيصل ..
                          أودعت رزمة النقود درج المكتب:
                          ـ ما فعلته جزء من عملك ، فلم تشكو ؟
                          رسم على وجهه ابتسامة معتذرة :
                          ـ لم أقصد الشكوى ، لكننى أشرح ما حدث ..
                          لما ضاق وقتى عن استيعاب مسئولياتى ، عهدت إلى أحمد أنيس بأن يقدم لى من وقته بدلاً من وقتى الذى لم يكن بوسعى أن أضيعه . مكانتى تفرض الحاجة إلى الوقت . أختلف مع ما يحتاجه أحمد أنيس . هو لا يريد إلا الأجر الذي ينفق منه على احتياجات يومه ..
                          كنت أضيع الوقت فى انتظار المصعد، دوري أمام شباك السينما ، وفى مكتب شركات الطيران، وداخل البنك ، وصالة الاستقبال بعيادة الطبيب، والوقوف بالسيارة في إشارة المرور، والوقوف في طوابير وصفوف، انتظاراً لشيء أطلبه. واللقاءات الشخصية، وأحاديث التليفون، والتوقيع على أوراق مهمة، وبلا قيمة. وكان الطريق يبتلع أكثر من ساعة بين البيت في مصر الجديدة، والمكتب في المهندسين ..
                          ماذا يحدث لو أنى لم أعترف بالوقت ؟ لو أنى أنكرت وجوده أصلاً ؟.. أصحو وأعمل وأنام. لا يرتبط ما أفعله بشروق الشمس ولا غروبها، ولا أيام السبت والأحد إلى نهاية الأسبوع . حتى الساعة انزعها من يدي، فلا يشغلني ما فات ولا ما أترقبه. لكن الآخرين يصرون على السنة والشهر والساعة واللحظة. يصرون على الوقت ..
                          هذا ما أفعله بالضرورة ..
                          الوقت الذى لا يضيع ، لا يمكن أن أسترده ، أو أعوضه . حرصت على أن أختصر من عاداتى ما يضيف إلى وقت الإنجاز . لم أعد أحلق ذقنى صباح كل يوم . ربما أخرت حلاقتها إلى صباح اليوم الثالث . تبينت أنه لم تعد الذقن غير الحليقة تليق بمكانتى . أوصيت على ماكينة كهربائية ، أستعملها فى الأوقات الضائعة ، فى جلستى وراء السائق . وكنت أرجئ تنفيذ بعض ما يجب إنجازه ، فأنهيه فى وقت واحد ..
                          قرأت أن الوقت هو الرمز النهائى للسيادة، وأن هؤلاء الذين يسيطرون على وقت الآخرين لديهم القوة. من يملكون القوة يسيطرون على وقت الآخرين ..
                          أريد أن أفيد من كل ساعة، كل دقيقة ، كل ثانية . لدى الكثير مما يهمنى أن أنجزه. الحياة قصيرة إن لم نحسن استغلالها . نضيف إليها وقت الآخرين، ما نحصل عليه من وقتهم . لن تمضى حياتى على النحو الذى أطلبه، ما لم تأخذ من حياة الآخرين . إنهم يجب أن يضيفوا إلى حياتي، يعملون لها ..
                          أزمعت أن أحصل على الوقت الذى أحتاج إليه من رجل ، شاب ، عنده الفائض من الوقت ..
                          أطلت الوقوف على باب الحجرة ، حتى رفع أحمد أنيس رأسه من الأوراق والملفات المكدسة على المكتب :
                          ـ أفندم يا سعادة البك ..
                          سعدت للذهول ـ وربما الخوف ـ الذى نطق فى ملامحه ..
                          لم أتردد على مكتبه، ولا أى مكان فى المبنى . المرئيات ثابتة منذ الباب الخارجي، وصعودي السلمات العشر ، ثم الميل إلى اليمين، والسير فى الطرقة المفروشة بالمشاية الحمراء ، الطويلة ، على جانبيها لوحات أصلية ، وإضاءة خافتة . شندى الساعى ـ فى نهاية الطرقة ـ يسرع إلى فتح الباب. تطالعنى الحجرة الواسعة، المطلة على النيل: الأبواب والنوافذ ذات النقوش البارزة ، والزجاج المتداخل الألوان، والأرفف الخشبية رصت فوقها كتب وأوراق وأيقونات صغيرة وشمعدانات، والأرض فرشت سجادة تغلب عليها النقوش الحمراء، فوقها كنبتان متقابلتان ، يتخللهما طاولات وكراسى، والمكتب الضخم فى الوسط ، من الأبنوس والصدف ، وقبالة الباب مرآة هائلة تغطى معظم مساحة الجدار ، وتدلت من السقف نجفة كريستال هائلة ..
                          بدا أحمد أنيس مرتبكاً ، لا يدرى إن كان عليه أن يظل فى وقفته أم يقبل ناحيتى ..
                          أشرت إليه ، فلم يغادر موضعه . أهملت ما ينبغى على رئيس العمل أن يحرص عليه . يستدعى مرءوسيه ولا يذهب إليهم . تأتيه أخبارهم ، ويضع جداراً غير مرئى بينهم وبينه ..
                          قلت :
                          ـ أحيى إخلاصك ..
                          ـ هذا هو عملي ..
                          فاجأته بالسؤال :
                          ـ هل المرتب يكفيك ؟
                          وهو يغالب الارتباك :
                          ـ أدبر نفسي ..
                          ـ ما رأيك في عمل بعد الظهر ؟
                          وشى صوته بالانفعال :
                          ـ سيادتك ..
                          ثم فى استسلام :
                          ـ أنت الرئيس ومن حقك ..
                          قاطعته :
                          ـ لا شأن لهذا العمل برئاستى .. إنه عمل آخر .. إضافى ..
                          رنوت إليه متملياً : القامة القصيرة ، المدكوكة ، الجبهة الواسعة ، الوجنتين البارزتين ، الأسنان التى اختلط فيها السواد والصفرة ، البشرة الدهنية ، دائمة التفصد بالعرق ..
                          حدست السؤال الذى لابد أنه سيخاطب به نفسه : لماذا اخترته دوناً عن بقية الموظفين ؟
                          فتشت عن الكلمات لأشرح له بواعث اختيارى . ثم تنبهت إلى أنه ليس من حقه أن يسألنى ، ولا أن يناقشنى فيما أختار ..
                          تركت له معظم الوقت الذى كان يسرقنى . تحكم فيه بما أثار إعجابى ، وربما حسدى . أجاد كل ما أسندته إليه ..
                          لم يكن يمارس عملاً واحداً ، هو سكرتير ، وسائق، وطباخ، وخادم. أدهشنى بما يعرفه فى الأبراج وعلوم الفلك وقراءة الطالع، وفهمه لقوانين الألعاب الرياضية ، وحفظه لفرق الوقت فى مدن العالم ، وللنكات الحديثة ، وإجادته تلخيص الروايات والمسرحيات والأفلام بما لا يخل بالمعنى، وتقديم المعلومة التى تعوزنى فى اللحظة التى أطلبها. ربما لجأت إليه فى أوقات الليل يسرى عنى بحكاياته الغريبة، المشوقة ..
                          وفر لى النجاح فى استثمار الوقت ساعات أخرى : يعرفنى مفتشو الجمارك ، فيتركون حقائبى بلا تفتيش . لا يفتحون الحقائب أصلاً . يتعرف على التاجر ، ويعرفنى بنفسه ، يجرى لى ما لم أكن طلبته من خصم على ما اشتريته . وكان يخلص ـ بلا متاعب ـ أذون الشحن ، ويتذوق الطعام الجيد ، ويشير بالأماكن المريحة ، ويجيد تقليد الأصوات والحركات ، ويجيد اختيار الطاولة القريبة من " بيست " الملهى الليلي، ويحسن التصرف فى الأوقات السخيفة، وينقل فضائح المجتمعات الراقية، ويتحمل العبارات التى يمليها الغضب ..
                          ما وصلت إليه من مكانة ، يدفع من ألتقى بهم إلى انتظاري، فلا يشغلنى انتظارهم. ينتظرون حتى الموعد الذى أحدده. من المسموح لى أن أضيع وقتهم، وليس من حقهم أن يضيعوا وقتى . أعتذر بالقول: أنا مشغول الآن .. هل يمكن إرجاء هذا الأمر إلى وقت آخر؟.. هذه المشكلة تحتاج إلى مناقشة ليس الآن مجالها .. سأحدثك عن ملاحظاتى فى فرصة قادمة .. أملى القرار ، لا أتوقعه، لا أنتظره ..
                          عاودت النظر إلى ساعة الحائط . تثبت من الوقت فى ساعة يدى . يدخل الخادم بالصحف فى التاسعة صباحاً . أطالعها ، أو أتصفحها ، حتى التاسعة والنصف ..
                          علا صوتى :
                          ـ أين الصحف ؟
                          ـ سألخصها لسيادتك ..
                          لم أفطن إلى وجوده فى الفراندة المطلة على الحديقة الخلفية . اعتدلت بحيث واجهته :
                          ـ لكننى أقرأها بنفسى ..
                          ـ الأخبار المهمة سألخصها بنفسى ..
                          ثم وهو يربت صدره :
                          ـ هذا عملى ..
                          تبادلت كلاماً ـ لا صلة له بالعمل ـ مع أصدقاء فى الكازينو المطل على النيل . أفيد من فائض الوقت، ولا أعاني قلته. تحدثنا فى السياسة ، والأغنيات الجديدة ، ومباريات الكرة، وتقلبات الجو ، وفوائد السير ـ كل صباح ـ على طريق الكورنيش ..
                          لم يعد هناك ما يشغلنى . أحمد أنيس تكفّل بكل شئ . يتابع تنفيذ القرارات دون أن يستأذننى فى إصدارها. حتى المكالمات التليفونية يسبقنى إلى الرد عليها . يؤكد وجودي، أو يلغيه . يتمازج الإشفاق والود فى ملامحه:
                          ـ نحن أولى بالوقت ..
                          علا صوتى ـ بعفوية ـ حين دفع باب حجرة المكتب ، ودخل . تبعه ما يقرب من العشرة . يحملون كاميرا وحوامل وأوراق وأشرطة تسجيل ..
                          أشار أحدهم ـ دون أن يلتفت ناحيتى ـ إلى مواضع فى المكتب يرى أنها تستحق التصوير ..
                          لم أكن مشغولاً بقراءة ولا متابعة ، ولا أستمع إلى الإذاعة ، أو أشاهد التليفزيون. كنت أتأمل لوحة الجيوكندا، وسط الجدار ، أحاول تبين ما إذا كانت نظرة الموناليزا تتجه ـ بالفعل ـ إلى كل من ينظر إليها ..
                          وضع فمه فى أذني:
                          ـ هذا برنامج للتليفزيون .. عن مشوار حياتك ..
                          ـ لكننى غير مستعد لهذا البرنامج .. لست مستعداً لأي شئ ..
                          دفع لى بأوراق :
                          ـ عليك فقط أن تتصفح هذه الكلمات ..
                          وقلت له ـ ذات مساء ـ بلهجة معاتبة :
                          ـ يفاجئنى الأصدقاء بالشكر على رسائل تهنئة وهدايا ..
                          وهو يدفع نظارته الطبية على أرنبة أنفه :
                          ـ عندى قوائم لكل المناسبات السعيدة للأصدقاء .. وأتابع أنشطتهم الاجتماعية جيداً ..
                          مددت شفتى السفلى دلالة الحيرة :
                          ـ أخشى أنهم يفطنون لارتباكى ..
                          وواجهته بنظرة متسائلة :
                          ـ لماذا لا تبلغنى بهذه المناسبات قبل أن ترسل تهانيك وهداياك ؟
                          ـ وقتك أثمن أن تبدده فى هذه التفاصيل الصغيرة ..
                          أعدت النظر إلى ما كنت أطلبه من أحمد أنيس .
                          لم أعد أرفض قيامه بشىء ما دون أن يبلغنى به. كان يرد على الرسائل دون أن يتيح لى قراءتها، ويبلغ المتحدث على التليفون بما يرى أنها تعليماتي، ويبعث بالمذكرات إلى من ينتظرونها ، ويوافق على الدعوات التى يثق فى ترحيبى بها، ويرفض ما يثق أنى سأرفضه ..
                          طويت الجريدة ، ووضعتها على الطاولة أمامى :
                          ـ أنا لم أقل هذا الكلام ..
                          بدا عليه ارتباك :
                          ـ لكنه يعبر عن آرائك ..
                          ثم وهو يرسم على شفتيه ابتسامة باهتة :
                          ـ هل فيه ما ترفضه ؟
                          ـ بالعكس .. لكنه ينسب لي ما لم أقله ..
                          أحنى رأسه بالابتسامة الباهتة :
                          ـ دع لى مسألة الحوارات والأحاديث ، لأنها تأخذ من وقتك ما قد تحتاجه للراحة أو التأمل ..
                          وأنا أعانى إحساس المحاصرة :
                          ـ إذن ناقشنى فى الأفكار التى ستقولها ..
                          تهدج صوته بالانفعال :
                          ـ هذا ما سأفعله حين يصادفنى ما أحتاج لمعرفته ..
                          بدا لى أن العالم رتب أموره بدونى. لم يعد لدى ما أفعله سوى التأمل واستعادة الذكريات . مللت ما أحبه من أغنيات ، فأهملت سماعها . سئمت مشاهدة الأفلام التى وضعها فى الفيديو . فارقنى القلق والتوقع والتخمين . تنبهت لانشغال يدى بمسح زجاج المكتب بمنديل ورقى . رنوت ناحية الباب الموارب ، أتأكد إن كان أحداً قد رأى ما فعلت ..
                          قلت :
                          ـ أنت تأخذ قرارى ؟
                          ارتعشت أهدابه :
                          ـ أنا أحدس رأيك ..
                          غالبت نفسى فلا يبين ما أعانيه :
                          ـ ماذا أفعل أنا إذن ؟
                          ـ أنت تخطط وتشرف .. وأنا أنفذ ..
                          حدجته بنظرة تفتش عن معنى غائب :
                          ـ هذا لم يعد يحدث ..
                          حدثنى عما لم أكن أعرفه فى نفسى . أبتعد بنظراتى ، ولا أميل إلى المجتمعات ، ولا أصلح للخطابة ، أو التحدث فى اللقاءات العامة . لا يجتذبنى ما قد يثير الآخرين ، وأعانى التردد فى الاختيار ، وفى اتخاذ القرار ، والمجازفة ..
                          أومأت على ملاحظاته بالموافقة . لم أحاول السؤال ، أو مناقشة التصرفات التى جعلتنى ذلك الرجل فعلاً ..
                          أتابعه بنظرة ساكنة وهو يتحرك فى حجرات البيت . يرفع الصور واللوحات من أماكنها على الجدران. ينقلها إلى مواضع أخرى. لا يعنى حتى بأن يلمح ـ فى ملامحى ـ انعكاس ما يفعله . يبدى إشفاقه، فيغلبنى التأثر. يغادر الفندق ـ فى رحلاتى خارج البلاد ـ إلى الجولات الترفيهية، وزيارة أماكن السياحة والتسوق ..
                          لم أعد أعرف القرار الذى يجدر بى أن أتخذه ، ولا ما يجب عليه هو كذلك . اختلطت الرؤى ، وتشابكت ، فلا أعرف إلا أنه ينبغى أن أسلم نفسى للهدوء ، وما يشبه الاستسلام . أكتفى بالمتابعة الصامتة ، الساكنة . لا أفكر ، ولا أتكلم ، ولا أقدم على أى فعل . حتى التصور لم يعد يطرأ ببالى . أحمد أنيس وحده هو الذى يفعل كل شئ ..

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #58
                            رواية "الأسوار": قراءة نقدية

                            بقلم: د. ربيع محمد عبد العزيز
                            أستاذ النقد والبلاغة المساعد - كلية دار العلوم بالفيوم
                            .........................................

                            1 - توِطئة :
                            فرغ الروائي محمد جبريل من كتابة الأسوار في السابع عشر من فبراير عام سبعين وتسعمائة وألف (1) ، ثم اختارتها الهيئة المصرية العامة للكتاب، في العاشر من ديسمبر عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة وألف، لتكون أول رواية تصدرها في السلسلة المعروفة باسم روايات مختارة. وهذا اختيار يشف- من بعض الوجوه -عما تمتلكه الرواية من امتيازات فنية مفارقة للمنجز الروائي العربي في ذلك الوقت.
                            تقع الأسوار في حوالي تسعين وثماني صفحات من القطع الصغير، منها خمس صفحات ملأى برسوم مفعمة بالدلالة على البؤس والقهر(2) وصفحة مملوءة باقتباسات مختلفة مصادرها(3). تكتظ الرواية بالعديد من الشخصيات ذوي المشارب والأوساط المتباينة، و تعالج ثنائية القهر والحرية وما ينبثق عنها من ثنائيات فرعية، كالأثرة والإيثار، الثبات على المبدأ والمقايضة عليه، الخيانة وحب التضحية من أجل خلاص الآخرين. وكلها ثنائيات ذات طابع إنساني، وسبق أن عالجها روائيون عديدون ، مثل بلزاك (1799م -1850م ) في الأب"جوريو" ونجيب محفوظ في الكرنك وبداية ونهاية.
                            ولكن الأسوار تفارق المألوف على نحو ما يظهر في عتبات دخولها، وفيما ينتشر فيها من جمل حوارية فصيحة،شديدة التكثيف، متوترة توتر نزلاء المعتقل الذى جرت على أرضه أغلب الأحداث . إضافة إلى ما عول عليه الكاتب من تقنيات غير مألوفة ، كالوصل ، القطع ،الاسترجاع، القص واللصق (4) ،التناص ، تقاطع المناجاة والمونولوج مع الحوار.
                            بل إن استقبال الأسوار يباين، في شروطه،استقبال غيرها من الروايات،لاسيما في ظل التعقيد الذي لحق بالحبكة نتيجة تعويل الكاتب على التقنيات السابق ذكرها0
                            2– عتبات الرواية:
                            يعد العنوان" الأسوار" أول عتبات الرواية، وأول ما تقع عليه عين المتلقي، وهو عنوان متعدد الوظائف؛ فهو يعرف الرواية، ويشير إلى محتواها،و يمارس تأثيره الإغرائى في المتلقي، بفضل ما يحف به من شفيف الظلال التي يمتزج فيها الغموض بالتشاؤم ، والترقب بالتفاؤل الحذر.
                            وللعنـوان " الأسـوار" طبيعة مرجعية؛ فهـو يحيل إلــى النص،
                            كمـا أن الـنـص يحيـل إليـه، وبخـاصـة حيـن يـتقـدم القــارئ في القراءة حيث تطالعه تقارير سردية نحو: " الأسوار بقعة في جزيرة رملية يحدها الأفق من كل الجوانب. لا خطوط تليفون، ولا قضبان قطارات، ولا طرق رملية أو مرصوفة. العربات المتجهة إلى الأسوار تقذف بنفسها في الرمال الممتدة. ربما صادفت حفرة عميقة، تسلم نفسها إليها بلا قصد. ينزل السائق، ليرفعها النزلاء- فيما بعد- بأكتافهم.
                            الأسوار- من بعيد- مدينة أسطورية. كل ما بداخلها معزول عن العالم الخارجي.أبراج الحراسة، في الأركان الأربعة، مجهزة بالأنوار الكاشفة والمدافع الرشاشة. الممنوعات- ما عدا التقاط الأنفاس – تشمل كل شيء: الأقلام، والأوراق، والصحف ،والراديو، والمناقشات، والسجاير، والكبريت، والجبن والحلاوة، والشاي، والبن ". (5).
                            وقد وضع محمد جبريل لروايته عنوانين، أحدهما: الأسوار، وهو العنوان الرئيس الذي تقع عليه عين القارىء أول مرة على الغلاف الخارجي. والآخر: عنوان مصاحب للعنوان الرئيس، وهو" لحظات مصيرية" وتقع عليه عين القارىء على الغلاف الداخلي، ومن ثم يصبح العنوان الداخلي هكذا: " الأسوار00 لحظات مصيرية".
                            وترجع قيمة العنوان المصاحب إلى كونه مؤشرا على قيمة الزمان " اللحظة " داخل المكان "المعتقل " الذي يحجب بأسواره أنوار الحرية عن النزلاء ، هذا إلى دلالته الزمنية على قيمة اللحظة في تحديد مصائر أولئك النزلاء الذين يقبعون خلف الأسوار . لقد فقدت السنون والشهور والأيام والساعات والدقائق معانيها خلف الأسوار ، وأصبح الزمن فى حياة النزلاء يقاس باللحظة وما يصاحبها من تعذيب وعاهات.
                            إن العنوانين: الرئيس " الأسوار" ، والمصاحب " لحظات مصيرية" يؤسسان عقد القراءة بين الكاتب والمتلقي، وبتأثيرهما يكيف القارئ قراءته للنص (6) وتأخذ توقعاته في التشكل عمن سوف يلتقي بهم داخل الأسوار من شخصيات تمارس القمع، وأخرى مقموعة ، فيها المتسلق والانتهازي والخائن، وفيها المقاوم الذي لا ينال من ثباته ترغيب أو ترهيب، فيها اللص والظالم والمظلوم ،فيها أحلام الحرية التي تخبو تحت تأثير الهوان واليأس، ثم لا تلبث أن تشرق من جديد.
                            يشكل العنوان " الأسوار00 لحظات مصيرية " أفق التوقع لدى القارئ، ويحرضه على ارتقاب نهاية بعينها، كالإفراج عن المعتقلين، أو تحطيم الأسوار، أو فضح الخائنين والانتهازيين والمنحرفين،أو شفاء النفوس من أدوائها،أو تعزيز ثقة الشخوص في ملكاتهم،إلى غير ذلك من النهايات التي تغرى باستمرار فعل القراءة ليكتشف القارئ- عند عتبات الخروج من النص- مدى صدق أو خيبة توقعاته .
                            ولئن كان العنوان أول عتبات الرواية فإن الاستهلال يمثل العتبة الثانية التي لابد للقارئ أن يجتازها. وقد تميز استهلال الأسوار بمباينته لمألوف الاستهلال عند الرواد؛ ذلك أن الكاتب لم يعن في استهلاله بوصف أحد مناظر الطبيعة، أو بوصف مفردات المكان" المعتقل" الذي جرت على أرضه أكثر الأحداث، أو بوصف الشخصيات من الخارج، وإنما جاء الاستهلال مؤلفا من عنصرين:
                            العنصر الأول : خمسة نصوص استدعاها الكاتب من مصادر عديدة، عزا أولها إلى المسعودي ، والثاني إلى مصدر وصفه بكونه مكتوبا في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس ، في حين جاء الاقتباس الثالث معزوا إلى الوصايا العشر، وجاء الرابع معزوا إلى" قانون العقيدة المسيحية"، أما الخامس فمأخوذ من سورة الإخلاص (7) 0
                            وهذه الاقتباسات تباغت القارىء بما لم يكن يتوقعه،وتدفعه دفعا إلى التخلي عن الموروث من تقاليد القراءة، وإلى التحلي بالقدرة على الملاحظة الدقيقة حتى يعرف النواتج الدلالية الكامنة في أحشاء هذه الاقتباسات، وعلاقتها بالأسوار ومضمونها وشخوصها .
                            والعنصر الآخر، غير المألوف، في عتبات الدخول، هو مقطع حواري يستغرق زهاء صفحتين ، ويدور بين سبع من شخصيات الرواية هم: الأستاذ، أنور عبد الحفيظ، وهيب تادرس، على الشامي، خليل عبد النبي، أمين سالم، ثم بيومي الدكر.
                            إن استهلال الأسوار بمقطع حواري لا يباين مألوف الاستهــــلال
                            السردي فحسب، بل يكشف عن نزوع محمد جبريل إلى إضفاء أكبر قدر من التركيز على روايته ،مستفيدا في ذلك بأحد تقاليد الإبداع المسرحي؛ أعنـى الانطلاق مـن نقطة التـأزم وإهمـال ما سواها. ومعروف أن كتاب المسرح درجوا على بدء الحدث الدرامي من نقطة التأزم (8) التي تضفى على المسرحية مقروءة أو معروضة قدرا كبيرا من التركيز الملائم لطبيعة هذا الجنس الأدبى . هذه ملاحظة.
                            ملاحظة ثانية: أن تركيز محمد جبريل، في المقطع الحواري ،على فكرة جوهرية كالخيانة، هيأ له أن يسيطر على المتلقي، و أن يفعمه توقا إلى معرفة الخائن، وبواعث خيانته، والمصير الذي ينتظره. وبدهي أن القارىء الذي يفتح عينيه على موقف مغلف بالأسرار والألغاز، يجد نفسه مسوقا بدافع غريزي إلى شق الحجب وهتك الأسرار .(9)
                            ملاحظة أخيرة : أن القرعة ، وهى الفكرة الجوهرية التى كشف الكاتب من خلالها معادن النفوس ، كانت فكرة نبيلة توحدت حولها كلمة النزلاء، وبدا واضحا أن كل نزيل مستعد لإحراق نفسه، متى أصابته نتيجة القرعة؛ ليكون في موته حرقا خلاص للآخرين مما هم فيه من هوان، لكن هذه الفكرة النبيلة أفرغتها إدارة المعتقل من قيمتها، حين جندت أحد النزلاء(حلمي عزت) وأوعزت إليه أن يطوى جميع أوراق القرعة على اسم الأستاذ !
                            ولما اكتشف أصدقاء الأستاذ هذه المؤامرة أصبحوا مؤرقين لا بإنقاذ حياة أستاذهم فحسب ،بل بمعرفة الخائن وفضحه 0هكذا أصبحت الخيانة تهمة تلاحق النزلاء- ما عدا الأستاذ بداهة- وهكذا اجتمعت كلمة النزلاء على القرعة، ثم زعزعت نتيجتها إرادتهم .
                            وإذا كانت البداية تمثل عتبة الدخول إلى الأسوار، فإن النهاية تعد عتبة الخروج منها، وكما جاءت البداية غير تقليدية، جاءت النهاية عتبة غير تقليدية،إذ خيبت توقعات المتلقي؛حيث ظل المعتقل باقيا وكأنما هو شاهد على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وظل المعتقلون خلف الأسوار0لقد أنهى محمد جبريل روايته بعد أن تحررت نفوس المعتقلين من الخوف، وارتفعت أصواتهم بالسؤال الذي هو أصل الوعي، كما ارتفعت حناجرهم بالاحتجاج على أوضاع لم يكن أحدهم يجرؤ على الحديث عنها همسا0 ولا شك في قيمة هذه المكاسب وإن بدت أقل بكثير من تضحيات النزلاء وتوقعات المتلقي0
                            وإذا كانت عتبة الخروج تنهى أحداث الرواية على الورق، فإنها تبقي الأحداث حية في عقل القارىء ، قابلة للتأويل. يظل القارىء مؤرقا بالسؤال الذي طرحته الرواية قبل نحو ثلاثة أسطرمن نهايتها، وهو: ماذا لو يصبح الفداء بلا خلاص؟ إنه سؤال مبطن بالشك؛ فكـل الاحتـمالات واردة: قـد يحـرق مـن تصـيبه القـرعـة بنتيجتها نفـسه ثـم يظـل الـنزلاء قـابعـين خـلـف الأسوار! و قد تطل الخيانة برأسها القبيح لتبدد إجماع النزلاء، وتعود السلطة إلى التنكيل بهم. كل هذا تزرعه عتبة الخروج في عقل القارئ، برغم حرص السارد على أن يشير، في آخر سطر من الرواية، إلى الزبالة المضيئة التي تأبى إلا أن تقاوم الظلام مؤكدة أنه وإن لم يكن ثمة يقين من عودة النزلاء إلى حياتهم العادية ، فإن هناك بصيصا من أمل يقترب، وأن جيوش الظلام لم تستطع إطفاء الأضواء الواهنة المنبعثة من الزبالة.
                            3– الشخوص :
                            تضم الأسوار أكثر من خمسين شخصية بينهم القواد:" على الشامي"، البلطجي:" محمد توفيق"، الغشاش:" خليل عبد النبي"،القاتل : " توفيق عزوز" ، تاجر المخدرات:" أمين سالم"، مروج الشائعات: " سلامة القاضي"، من ضيعته الوشاية:" أحمد حسنين"، السياسي: " شاكر الملواني"، المثالي:" الأستاذ "،الخائن: "حلمي عزت"، طالب الطب: " وهيب تادرس ". وهناك رجال الشرطة، كالمأمور، الصول سعيد، وحراس المعتقل.
                            وواضح أن طبيعة المكان تحكمت في اختيار معظم شخوص الرواية؛ ففي مكان كالمعتقل لن يلتقي القارىء بالزهاد والنساك والصالحين، بل البدهى أن يلتقي بمن انحرفت خطاهم عن الجادة، أومن كانوا مناضلين أصلاء، أو ضحايا وشايات كاذبة. نعم يلتقي القارئ بشخصية زاهدة، لكنه يلتقيها غير بعيد من أسوار المعتقل.
                            ومن المؤكد أن ازدحام الأسوار بعدد كبير من الشخوص ألجأ الكاتب إلى حجب كثير من الملامح الخارجية المميزة لكل شخصية على حدة، وإن أسند- في أحوال نادرة -إلى السارد وبعض الشخوص،مهمة تزويدنا بإشارات مختصرة تصف جانبا من الهيئة الخارجية للشخصية، كالإشارة إلى تميز الأستاذ بالهدوء الحاسم(10)، والفم الرقيق (11) والنظرات الحانية (12) وهى إشارات تفسر نسبيا استيلاءه على قلوب النزلاء.
                            وثمة إشارات ترسم جانبا من ملامح الصول سعيد، جاءتنا عبر أقوال السارد وانطباعات النزلاء لنعرف منها أن للصول سعيد جسدا عملاقا (13)، وقامة هائلة (14)، ونظرات قاسية (15) ،وشاربا تغوص فيه الشفتان (16). وهذه الملامح تتسق مع ما أبداه من قدرة غير عادية، على إذلال النزلاء وترويعهم في لــذة لا يمكـن تفسـيرها إلا فـي ضـوء مقـولات عـلـم النفـس عـن الشخصية السادية.
                            ولتقديم شخوص الأسوار آثر محمد جبريل الأسلوب التصويري على الأسلوبين الاستبطاني (17) والتقريري (18)،وهو أسلوب هيأ له أن يقدم الشخصية من خلال أقوالها وأفعالها وصراعها سواء مع نفسها أو مع غيرها، وأن يدعها تنمو من خلال نمو الوقائع (19) وأن يحرر - فى الوقت نفسه - المتلقي من النظرة الأحادية للسارد بحيث يرى الشخصية فى مرايا عديدة ، بدلا من الاقتصار على رؤيتها فى مرآة السارد . إن شخصية الأستاذ تطل على المتلقي من المرايا التالية:
                            (يتبع)
                            ..................................
                            (1) انظر ، محمد جبريل ، الأسوار ، ص 107 ، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1973 م
                            (2) السابق ، ص 17 ، 24 ، 45 ، 73 ، 101 .
                            (3) نفسه ، ص 87 .
                            (4) انظر ، د. حامد أبو أحمد ، مسيرة الرواية فى مصر ، ص69 ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2000 م .
                            (5) الأسوار ، ص 61 .
                            (6) انظر ، حميد لحمدانى ، عتبات النص السردى ، علامات ، (دورية يصدرها النادى الأدبى الثقافى بجدة ) العدد 12 ، شوال 1423 هـ ، ديسمبر 2002 م ، ص 32: 39.
                            (7) انظر ، الأسوار ، ص 9 : 10 .
                            (8) انظر ، د. رشاد رشدى ، فن كتابة المسرحية ، ص 42 : 43 ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1998 م .
                            (9) د. محمد يوسف نجم ، فن القصة ، ص 34 ، ط : الأولى ، دار صادر ، بيروت ، دار الشرق ، عمان ، 1996 م .
                            (10) انظر ، الأسوار ، ص 11 ، ص 71 .
                            (11) السابق ، ص 11 ، ص 69 .
                            (12) نفسه ، ص 26 .
                            (13) نفسه ، ص 4 .
                            (14) نفسه ، ص 89 .
                            (15) نفسه ، ص 80 .
                            (16) نفسه ، ص 80 .
                            (17) الأسلوب الاستبطانى يصور العالم الداخلى للشخصية دون تدخل ظاهر من الروائى . وهناك نقاد يسمونه تيار الوعى أو تيار الشعور . انظر ، د. صلاح فضل ، منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى ،ص 103 ، ط : الثالثة، دار الأفاق الجديدة ،بيروت 1406 هـ- 1986 م . د. طه وادى ، دراسات فى نقد الرواية ، ص 43 ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1989 م. رينيه ويلك ، اوستن وارين ، نظرية الأدب ، ص 235 ، ترجمة : د.محيى الدين صبحى ، ط : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1987م .
                            (18) الأسلوب التقريرى يقوم فيه المؤلف وسارده بتقديم الشخصية واصفا أحوالها وأفكارها=
                            = ومشاعرها منذ بداية الحدث . ويتم الإخبار عن الشخصية بصيغة الماضى . ومن النقاد من يسميه " التقديم السردى " . ويسميه رينيه ويلك وأوستن وارين : التشخصيات السكونية . انظر ، د. أنجيل بطرس سمعان ، دراسات فى الرواية العربية ، ص 109 ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1987 م . رينيه ويلك ، أوستن وارين ، نظرية الأدب ، ص 229 0
                            1- لمزيد من التفاصيل حول الأسلوب التصويرى فى تقديم الشخصية الروائية ، انظر ، د.عبد المحسن طه بدر ، نجيب محفوظ : الرؤية والأداة ، ص 430 : 433 ، ط : دار الثقافة للطباعة والنشر ، القاهرة ، د - ت .
                            (19) الأسوار ، ص 24 .
                            (يتبع)

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #59
                              أولاـ تقارير وأقوال السارد :
                              بث السارد،عبر صفحات الرواية،أوصافا وتعليقات يعرف منها المتلقي ـ برغم إيجازها ـ أن الأستاذ كان عزوفا عن السفسطة فيما لا طائل منه،قادرا على التأثير فيمن حوله،بليغ التعقيب على كلام محدثيه. ما سبق يؤكده قول السارد " لم يكن يهوى النقاش.وحين يتكلم لابد أن تعطيه الآذان كل انتباهها. كانت له طريقته في الإنصات إلى الآراء وتلخيصها، ثم التعقيب عليها بكلمات محددة يؤكدها صوت ممتليء عميق)( 20 ) .
                              ويكشف السارد ،في واحد من تقاريره ،عن جانب مهم في شخصية الأستاذ،وهو قدرته على تجميع الفرقاء والاستيلاء على قلوبهم، يقول: (أحبه الجميع:الوفدي والسعدي والإخواني والشيوعي والنشال والقواد وطالب الثأر والقاتل وبائع المخدرات) (21 ) ، وعلى هذا النحو استعان الكاتب بالتقارير السردية فى إضاءة جوانب من شخصية الأستاذ أمام المتلقى .
                              ثانيا- أقوال الشخوص :
                              إن آراء الشخوص في الأستاذ، بقدر ما تعكس جانبا من قيمهم وتدل على معادن نفوسهم، بقدر ما تعد مرايا تعكس للمتلقي صورة الأستاذ فى عيون المحيطين به ، وأثره فيمن حوله، وقدرته على بعث الوعي فيهم ، وهى مرايا دالة على كون " الأستاذ" اسما على مسمى بالفعل، مُومِئََة إلى سر عزوف محمد جبريل عن تسمية هذه الشخصية باسم تعرف به مثل غيرها من شخصيات الرواية ، وإيثاره الصفة (الأستاذ) المشعة بدلالات الأبوة والريادة والتبصير.
                              وبوسعنا أن نميز ثلاثة أنواع من الأقوال والتعليقات التي تطل منها شخصية الأستاذ على المتلقى :
                              النوع الأول : يضم آراء أصدقاء الأستاذ الذين هالهم أن تصيبه القرعة من بين ألف نزيل، وهالهم أمر الخيانة التي دبرتها إدارة المعتقل للتخلص منه . إنهم يعترفون بفضله في تنمية وعيهم وتقوية إرادتهم، ويعربون في كلمات صريحة عن استعدادهم للتضحية بأرواحهم من أجل إنقاذ حياته؛ هذا أحد الأصدقاء " بكر رضوان " يخاطب الأستاذ بقوله: " كلماتك هي الوقود الذي يضرم إرادة النزلاء000 "( 22)، ثم يضيف في موطن آخر: " لو أن يدا تجاسرت على إيذائك فسأموت قبلك"( 23 ) .
                              أما محمد توفيق فيعرب عن رغبته في افتداء الأستاذ إذ يقول: " الرجال يحتاجونك00 أما أنا فلا أهل، ولا أقارب، ولا أصدقاء" (24 ).
                              وأما توفيق عزوز فيؤكد جدارة الأستاذ بالمحبة حين يقول له : "أكتم أنفاسي لتواصل أنفاسك الحياة "( 25). وكتب بيومي الدكر في إحدى ر سائله إلى زوجه أم عطية: ".... وأعرفك بأن آراء الأستاذ تجد في نفوسنا أثرا عظيما"(26 ).
                              النوع الثاني : هو أقوال مجاهد الغزالي ، فتوة العنبر الرابع، وخصم الأستاذ الألد ـ على الأقل في المراحل الأولى من أحداث الروايةـ حيث نسمعه يقول للأستاذ: " كل ما أريده أن تبعد عن طريقي تماما00 إذا خاطبني لسانك القذر مرة ثانية00قطعته00"(27 ) لكن المشاعر العدائية التي حملتها الكلمات السابقة انقلبت-بعد وقت لم يعينه الكاتب - إلى الضد، فرأينا مجاهد الغزالي يجهض تردد حلمي عزت في كتابة أوراق القرعة الثانية، ويستنهض نخوته محذرا إياه من أن يقع في مستنقع الخيانة مرة أخرى، ومن أن يتآمر مع إدارة المعتقل على إحراق رجل بحجم الأستاذ، وها هو يقول: " هل تحرق بيدك شجرة الظل والطمأنينة والحرية والحماية00 ماذا عن المستقبل بدونه ؟"( 28 ).
                              النوع الثالث : أقوال رموز السلطة داخل المعتقل، كالشاويش عطية الذي عبر، في كلمات بسيطة ،عن قدرة الأستاذ على اجتذاب الآخرين والتأثير فيهم، بدا ذلك واضحا في قوله : " كلمات الأستاذ ذات تأثير يفوق أي مخدر "( 29 ).
                              ثالثا- اعترافات الشخصية:
                              تتجلى بعض معالم شخصية الأستاذ أمام المتلقى ، لا مما يتواتر من أقوال وتعليقات على ألسنة الشخوص و السارد فحسب، بل – أيضا – من خلال الأقوال التي ترد على لسانه في حواره مع غيره من الشخوص.
                              إن جانبا من ماضيه النضالي يتجلى عبر اعترافه التالي: " ذلك هو المصير يا زينب00 اخترت النضال ولا مفر.وإذا لم أكن أفعل الآن شيئا، فإن ملفاتي تكفل لي التنغيص الدائم حتى أموت . تلامذتي يودعون السجون والمعتقلات، وما داموا قد أفلحوا في الإمساك بالجسد ، فلا بد أن يأتي الدور على الرأس يوما 00 "( 30 )
                              أما مثالية الأستاذ فقد تجلت في مواقف عديدة لاسيما موقفه الرافض فكرة إعادة إجراء القرعة، مع يقينه بأن نتيجة القرعة الأولى مدبرة بالتواطؤ بين إدارة المعتقل وحلمي عزت، ومع يقينه أن نجاته من الموت حرقا احتمال وارد إذا أعيد إجراء القرعة دون تدخل الإدارة. بهذه المثالية نـراه في حوار مع صديقه " بيومي الدكر " مطمئن النفس، ثاقب النظر، سديد الرأي، ثابتا على مبادئه ، يقول: " إذا كان محتما على أن أواجه الموت في غدى00 فلن يغير من واقع الأمر أن أواجهه بالخيانة " ( 31 ) .
                              أيضا تجلت مثاليته حين رفض كل الاقتراحات التي عرضها صديقاه: سلامة القاضي، ووهيب تادرس؛ لإنقاذه من الموت غدرا. و في هذا الموقف لم يجد إلى تهدئة مخاوف صديقيه سبيلا سوى قوله المبطن بالقدرية : " فلنترك للظروف تدبير كل شيء" ( 32 ) .
                              هكذا يريح الأستاذ- بإيلاء الأمر إلى الظروف- صديقيه من عناءين: إصرارهم على إنقاذ حياته، وإصراره على ما يدين به من مباديء.
                              ما تجدر الإشارة إليه أن المرايا التي أطل منها الأستاذ تحملنا على القول بأنه شخصية تتمتع بالكثير من صفات السيد المسيح عليه السلام،وتشبه في مثاليتها شخصية الأب(جوريو) عند بلزاك0
                              وقد يلجأ الكاتب إلى تقديم مجرى شعور الشخصية معتمدا على تقنيتي المنولوج والمناجاة ( 33 ) اللتين تشتبكان بالحوار، على نحو ما يظهر في مقطع حواري ضم المأمور، وحلمي عزت . وقائع هذا الحوار جرت في مكتب المأمور، وهذا جزء منها:
                              - " 000000000000
                              - كيف حالك يا حلمي عزت ؟0000
                              - الحمد لله000
                              - لماذا لا تجلس ؟000
                              مال بإصبعه إلى الأرض يهم بالتربع00
                              هتف الرجل في استنكار :
                              - تفضل هنا.
                              الصول سعيد يضعك في الأتون بنظراته القاسية00 لكن نظرات الرجل حانية وادعة. هل سيبلغك نبأ الإفراج.؟
                              دفع إليه بعلبة السجائر:
                              - تفضل !
                              ربما جاء الإفراج بتوصية هامة:
                              - إني لا أدخن !
                              - عظيم00
                              ثم وهو يميل عليه بوجهه:
                              - أريد أن تسدى لي خدمة هامة .
                              الصول سعيد لا يدعوك إلى الجلوس ولا يهديك سيجارة .. فهل يعطيك المأمور الفرصة للصمت ؟00
                              ـ من الذي تزعم حادثة الصراخ ؟00
                              أنت إذن تعلم بإرتدائى للثياب في مستعمرة العراة00فهل تعلم أن الموت هو المصير الذي أواجهه، لو نطقت بكلمة واحدة؟
                              - كل ما أريده منك أن تخبرني بالاسم ثم تنصرف على الفور00 وسأوصى بزيادة تعيينك00 هل سيتركني بيومي الدكر لو أخبرك بالاسم ؟ 00 وهل أقدر على مواجهة نظرات الآخرين؟
                              ـ ربما لديك سبب يمنعك من ذكر الاسم، لكن تأكد أن ما بيننا لن يعرفه ثالث000000".( 34 )
                              لا تخطيء العين أن ترى- في الحوار الآنف- اختفاء أسماء المتحاورين ،من أمام الجمل ، والاستعاضة عنها بالشرطة الأفقية التي تسبق كل جملة حوارية، كما أن شيئا لا يميز أقوال السارد من الجمل التي يناجي فيها حلمي عزت نفسه، سواء جاءتنا هذه الجمل عن طريق المنولوج،كما في قوله: " الصول سعيد يضعك في الأتون بنظراته القاسية.. لكن نظرات الرجل حانية وادعة.هل سيبلغك نبأ الإفراج؟ "0
                              أو جاءتنا عن طريق المناجاة، كما في قوله:" أنت إذن تعلم بارتدائي للثياب في مستعمرة العراة..فهل تعلم أن الموت هو المصير الذي أواجهه لو نطقت بكلمة؟ " 0ومثل هذه الجمل تستدعي أن يتحلى المتلقي بأكبر قدر من دقة المتابعة ،وخاصة حين يقرأ الجمل التي يتقاطع فيها المعلن من كلام حلمي عزت مع غير المعلن : مناجاة كان أو منولوجا. هذه ملاحظة.
                              والأخرى : هي أن تقنيتي المنولوج و المناجاة قدمتا لنا ما لم يستطع حلمي عزت أن يصرح به، وكشفتا عن تمزقه وانقسامه على نفسه؛ فهو يأمل أن يبلغه المأمور نبأ الإفراج عنه مكافأة له على تواطئه، لكنه يخشى أن يسأل عن موعد الإفراج فيغضب المأمور عليه.
                              وهو يخشى أن يعلقه المأمور من قدميه في مروحة المكتب إذا لم يبلغه باسم من تزعم حادثة الصراخ ، ويخشى - فى الوقت نفسه - مما ينتظره خارج المكتب؛ يخشى غضب بيومي الدكر و ازدراء النزلاء إذا كشف للمأمور عمن تزعم حادثة الصراخ. حلمي مسكون بالخوف، ولولا المنولوج و المناجاة لاحتجبت مخاوفه عن المتلقي، ولظل هذا الجانب من شخصيته مجهولا، وخاصة أن المخاوف التى تساوره هى مظهر من مظاهر نموه الفنى .
                              ومهما يكن من أمر فإن طريقة تقديم الشخوص في الأسوار نأت بالرواية عن الرتابة، وأنقذتها من الترهل الذي كان يمكن أن تنزلق إليه بسبب كثرة شخوصها، وأتاحت للمتلقي أن يستخلص لنفسه وجهة نظر خاصة به فى الشخوص ومواقفهم ، دون تسلط من السارد. وكل هذا يعزز من إيجابية فعل التلقي، وينهي حقبا من التلقي السلبي.
                              ويمكن تصنيف الشخوص في الأسوار إلى قاهرين ومقهورين، أما القاهرون فمنهم إمام أبي العباس المرسى الذي يدافع عن قوانين تمتص عرق صغار الصيادين في الأنفوشى، والذي يصف بكـر رضوان بأنه ورم خبيـث يجب استئصـالـه، لا لشيء إلا لأن بكر رضوان دعا إلى إنصاف صغار الصيادين من قوانين لا قداسة لها!
                              ومنهم الصول سعيد الذي أذاق النزلاء كل صنوف القهر، ولم يكن شيء يسعده قدر سعادته بإذلالهم. إنه شخصية سادية قولا وفعلا، ولم تزايله السادية إلا في لحظة نادرة بث خلالها الطمأنينة في نفس الأستاذ.
                              ومنهم المأمور الذي وإن لم تظهر عليه أعراض السادية، فلا شك أنه أشبع النزلاء قهرا، حسبنا أن نقرأ أحد تهديداته التي يجأر فيها بقوله في جمع من النزلاء: " 000 المعتقل سيظل هو بيتكم الذي لا سبيل إلى مغادرته00 إذا ما حاول أحدكم أن يرفع صوته00 أو يرفض الأوامر الصادرة إليه00 سيلقى النهاية تحت إحدى العربات؛ لأننا مطالبون بتوفير الذخيرة000 وربما تجد الكلاب طعاما طيبا في سفح الجبل"( 35 ) .
                              أما المقهورون فمنهم من كان مسكونا بالقهر، وإن لم يعرف أسوار المعتقل، مثل زينب زوج الأستاذ؛ فهذه المرأة عجزت عن أن تجد تفسيرا لما يحاصرها من خوف على زوجها، فظنت أن الخوف قدر لا مفر منه: " قدر علينا أن نحيا في ظل الخوف الدائم " .( 36)
                              أما داخل أسوار المعتقل فكل النزلاء محاصرون بالقهر حتى إن أمين سالم أفقده المعتقل الإحساس بالزمن ، و لم يعد يعنيه عدد الساعات والأيام، بدا ذلك واضحا في تعقيبه التالي: " 000 وتعاقب الأيام لا يهمني أيضا00 كل ما أعرفه أن الشمس تشرق وتغرب ولا أزال داخل هذه الأسوار ".( 37 )
                              ويعد التوتر سمة بارزة في علاقات الشخوص داخل الأسوار، وإذا كان من المنطقي أن تتوتر العلاقة بين النزلاء من ناحية والمأمور والصول سعيد والحراس من ناحية أخرى، فأي منطق يفسر توتر العلاقة بين بكر رضوان وكل من إمام أبى العباس المرسى وشيخ الحارة عرفه إبراهيم ، سوى أن الأمور أوكلت إلى غير أهلها؛ فالإمام الذي يفترض أن يكون عادلا يقف بجوار قوانين ظالمة؛ وشيخ الحارة الذي يفترض أن يدافع عن حقوق أهل الحارة ، ينحاز إلى من يمتصون عرق صغار الصيادين. وعندما يندد بكر رضوان بهذه القوانين يجد نفسه مدفوعا – ذات صباح – إلى داخل عربة أقلته إلى المعتقل، في حين كان عرفه إبراهيم يراقب الموقف ، من بعيد، مراقبة تشي بالتشفي في بكر رضوان، وكأن عطوة إبراهيم يقول له: هذا جزاء من يرفع راية العصيان.
                              ويبرر المنطق توتر العلاقات بين عدد من النزلاء ؛ فخيانة حلمي عزت لزملائه وتواطؤه مع إدارة المعتقل من شأنهما أن يجعلا علاقته بأصدقاء الأستاذ متوترة.
                              ولخوف مجاهد الغزالي على زعامته، ظلت علاقته بالأستاذ وأصدقائه متوترة حتى قبيل نهاية الأحداث.
                              وبرغم القهر والتوتر الذي يطبع علاقات معظم الشخوص داخل الأسوار، فقد استطاع الأستاذ، بما أوتى من هدوء وجاذبية ومثالية ، أن يرد إلى النزلاء وعيهم الذي طالما فقدوه، وأن يحيي إرادة المقاومة في نفوسهم، ولم يزل بهم حتى قهروا جلاديهم، وطالت الجميع رياح التغيير؛ يقول السارد: "انطلق من الصدور ما كان مكبوتا. حتى الذين لم تعل أصواتهم من قبل عن الهمس، راحوا يجادلون ويناقشون ويصيحون ويهتفون ويسخرون ويعبرون عن كل ما في النفوس".( 38 )
                              بالوعي حقق النزلاء مكاسب عديدة بدليل أن الممنوعات - فى بدء الرواية - كانت تشمل كل شيء إلا التقاط الأنفاس، لكن إدارة المعتقل اضطرت إلى تغيير سياستها، ومن ثم أصبح الممنوع مباحا، أو على حد عبارة السارد: " أبيح التدخين وشرب الشاي والقهـوة ،وبدأت الضحكـات تنطلق في العنابر دون أن تخشى صيحات الزجر"(39 ).
                              بالوعى تمكن النزلاء من إرسال برقيتين إلى الحكومة ، شرحوا فيهما أحوالهم المهينة، وطالبوا بالإفراج عنهم، وجاءهم من قبل الحكومــة مسئـول تـحدث إليهم كمــا لـــو كانـوا أصدقاء، وتبادل معهم الضحك، وربت على كتف سلامة القاضي، وسأل الأستاذ عن الجرح الذي أصابه.( 40)
                              وأخذت ملامح الاستدارة تظهر في أقوال و أفعال الشخوص؛ فالصول سعيد ، الذي طالما روع النزلاء ، يبث الطمأنينة في قلب الأستاذ( 41 ) . ومجاهد الغزالي الذي كان يهدد الأستاذ بقطع اللسان، ويصفه بأنه مريض بأحلام الزعامة،ويستعجل تنفيذ نتيجة القرعة، أصبح ينظر إلى الأستاذ بوصفه واحة الأمان والطمأنينة، أصبح يخشى من المستقبل إذا اختفى الأستاذ. وحلمي عزت الذي طوى أوراق القرعة على اسم الأستاذ إرضاء لإدارة المعتقل، يغشاه الإحساس بالندم " وغطى ... وجهه بيديه - فجأة- و بكى.."(42 ) وعاد إلى موقعه الطبعى في خندق النزلاء حيث الكل في واحد، ورضي بأن يطوي أوراق القرعة الجديدة دون تواطؤ مع الإدارة أو خوف منها .
                              وأشرقت النفوس بالأحلام؛ فأحمد حسنين يستعيد حلمه القديم بامتلاك قطعة أرض زراعية: " الفلوس لم تتبدد، وسأشترى الأرض بعد الإفراج؛ لأحقق حلم العمر ".( 43 )
                              حقا لم يعد حلم أحمد حسنين أن يكون حلم يقظة، لكنه ساطع الدلالة على رفضه المكان " المـعتقل" وفـراره إلى حيث تتـحقق أمانيه؛ " فحلم اليقظة، يمتلك الشخصية، ويسيطر عليها، وينسيها واقعها ويبدله لوقت معين00"( 44 )
                              لقد تنامي وعى الشخوص حتى إن النزلاء ناقشوا جدوى كلمات الأستاذ! وتجاسروا على التساؤل عما إذا كان المأمور الجديد يختلس جانبا من غذائهم أو يستولى على إيرادات المزرعة (45 ). وطالب أفراد طابور العمل بأن يخرجوا لزراعة أرض الوادي بدلا من أن يظلوا محدقين في اللا شيء ( 46 ).
                              الهوامش:
                              ..........
                              (20) السابق ، ص 72 .
                              (21) الأسوار ، ص 72 .
                              (22) الأسوار ، ص 25 .
                              (23) السابق ، ص 102 .
                              (24) نفسه ، ص 41 .
                              (25) نفسه ، ص 40 .
                              (26) نفسه ، ص 92 .
                              (27) نفسه ، ص 73 .
                              (28) الأسوار ، ص 98 .
                              (29) السابق ، ص 90 .
                              (30) نفسه ، ص 43 .
                              (31) الأسوار ، ص 15 .
                              (32) السابق ، ص 70 .
                              (33) المناجاة نوع من الحديث الصامت الذى يهدف إلى تقديم أفكار الشخصية وهواجسها فى حالة تنظيم ، وهى تتسم بالترابط الذى يميزها من المنولوج ، كما تفترض وجود سامع ، ولا = = كذلك المنولوج . وقد سماها ماثيو أرنولد " ديالوج " أو حوار العقل مع نفسه . لمزيد من التفاصيل ، انظر :
                              - روبرت همفرى ، تيار الوعى فى الرواية الحديثة ، ص 56 ، ترجمة : د. محمود الربيعى، ط : الثانية ، دار المعارف ، القاهرة ، 1975 م .
                              - د. نبيل راغب، موسوعة الإبداع الأدبى، ص 371 : 378 ، ط : الأولى ، لونجمان ، 1996 م
                              - د. عبد الفتاح عثملن ، بناء الرواية ، ص 299 : 311 ، ط : مكتبة الشباب ، القاهرة ، د-ت .
                              - Milton Cowan , Hans Wehr , Macdonald and Evans ltd , London , 3 rd Ed. 1980, p : 946 .
                              (34) الأسوار ، ص 80 : 81 .
                              (35) الأسوار ، ص 49 .
                              (36) الأسوار ، ص 34 .
                              (37) السابق ، ص 48 : 49 .
                              (38) الأسوار ، ص 89 .
                              (39) السابق ، ص 88 .
                              (40) الأسوار ، ص 93 .
                              (41) السابق ، ص 100 .
                              (42) نفسه ، ص 95 .
                              (43) نفسه ، ص 90 .
                              (44 ) Roger Caillois, G.Grunebeaun : Le Rève et les sociètès humaines , Gallimard , 1967 , p 167.
                              (45) الأسوار ، ص 94 .
                              (46) السابق ، ص 94 .
                              (يتبع)

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #60
                                4- الحوار:
                                لأسباب عديدة عول محمد جبريل تعويلا كبيرا، على تقنية الحوار؛ أحد هذه الأسباب: أن تقنية فنية لا تعدل كفاءة الحوار في تقديم الشخوص بالأسلوب التصويري.
                                الثاني: أن طبيعة المكان " المعتقل " الذي جرت خلف أسواره معظم أحداث الرواية، جعلت الحوار مفضلا على غيره من التقنيات،ذلك أن أحاديث النزلاء - على قصرها - كانت حوارا ، والتحقيق معهم كان حوارا،وأسـاليب التعـذيب التي تعرضوا لها تخللتها بعض الحوارات المفعمة بالسخرية والتشفي.
                                الثالث : أن القضايا الكبرى التي عالجتها الرواية،كالصراع بين الأثرة والإيثار، الغدر والوفاء،الثبات على المبدأ والمقايضة عليه، فضلا عن بعث الوعي في شخوص خرب الهوان نفوسهم أو كاد،لا تناسبها تقنية أفضل من الحوار0
                                الرابع: أن ضبط إيقاع الرواية بحيث يعكس لحظات مصيرية في حياة شخوص تكاد إدارة المعتقل أن تعد عليهم أنفاسهم، و تحرير قارئها من هيمنة السارد ، وتحويل القراءة إلى فعل إيجابي يعطى النص مثلما يأخذ منه، كل أولئك لم يكن ليتحقق بكفاءة كبيرة إلا عبر تقنية الحوار.
                                ونظرا لكثرة شخوص الرواية، جاءت الجمل الحوارية بالغة التركيز، بحيث يمكن للجملة الواحدة أن تؤدى ما تؤديه عدة جمل؛ فتكشف عن أبعاد الشخصية،وتستفز عقل القارىء كي يفتش عن الدلالات الكامنة في أعماقها0إن جملة واحدة مثل: " الدين أفيون الشعوب " (47 ) شفت لاعن ماركسية سلامة القاضي فحسب ،بل عن جانب من ثقافة محمد جبريل وقدرته على استدعاء الشخصيات التراثية الإنسانية من خلال أقوالها. وجملة حوارية موجزة مثل " المخدرات دين أيامنا القادمة "( 48 ) كشفت عن النزعة اللادينية عند على الشامي.
                                وبجملة واحدة كشف الصول سعيد عن ازدراء إدارة المعتقل للنزلاء، بدا ذلك واضحا في سؤاله بكر رضوان أثناء التعذيب: " نزلاء هذا المعتقل من النساء00 فما اسمك؟ "0(49 )
                                ودلت بعض الجمل الحوارية على مــا تتمتــــع بــــه شخصيـــات
                                الأسوار، من استقلال في التفكير، وجرأة في التعبير، وشجاعة في الاعتراف بالخطأ، وقدرة على فضح تناقضات الواقع. وإذا كان على الشامي يباغت المتلقى بمثل قوله: " المخدرات دين أيامنا القادمة " فإن أمين سامي يدهشنا حين يقول: " أحلم في وسط النهار بامرأة00 أطرحها على ظهرها العاري في أي مكان ".(50 )
                                ودلت إحدى الجمل الحوارية على ما يتمتع به على الشامى من شجاعة الاعتراف بالخطأ ؛ يقول: " إني قواد00 وتهمتي ثابتة، لكن وجود عشرة جنيهات في اللحظة التي قبض فيها على، كانت تكفل لي الحياة خارج جهنم " (51 ).
                                وفى جملة حوارية نسمع أمين سالم يعترف بأنه تاجر مخدرات، وبدلا من أن يلوم نفسه راح يوهمنا بأنه ضحية مجتمع لم يوفر لأبنائه عملا شريفا ؛ يقول: " التهمة التي أعرفها هي تجارة المخدرات "(52 ) ، ثم يضيف مستدركا: " لكن هل وجدت عملا شريفا ولم أمارسه ؟ "( 53 ).
                                ومهما يكن من أمر فإن توظيف الحوار في الكشف عن دخائل النفوس، وإفصاح الشخصية عن نفسها بجملة واحدة، إنما يذكرنا بدور الحوار في أدب الكاتبة الإنجليزية جين أوستن" 1775م- 1817م" (54 ).
                                إن الجمل الحوارية الآنفة إن يكن بعضها يباغت المتلقي بما لا يتوقعه، فإنها لا تعبر ضرورة عن رؤية محمد جبريل للحياة والأحياء، وإنما تعبر عما تتمتع به شخصياته من استقلال في التفكير والتعبير، ولا غرو؛ فإن الشخصية في الرواية الحديثة ترفض الوصاية، وخطابها ليس خطاب المؤلف (55 ) . كما أن الأديب لم يعد ملما بكل صغيرة وكبيرة في حياة شخصياته، أو مسخرا لها في إشاعة إيديولجيته؛ ولهذا ليس غريبا ألا يزودنا صاحب الأسوار بأية معلومات تدل على مدى جدية أمين سالم في البحث عن عمل شريف، وعلينا كمتلقين أن نذهب كل مذهب في الحكم على أمين سالم: أهو جان أم ضحية .؟
                                ولعل وجه محمد جبريل يحمر خجلا من استقلال على الشامى فى التفكير والتعبير واعتناق مبادئ لا دينية ، لكن هذه الشخصية لها نظائر في الآداب العالمية، مثل بعض شخصيات مورياك التي تمردت عليه، ورفضت إشاعة أفكاره( 56 ) وأورثته الخجل بما تأتى من قول أو فعل .
                                وبوسع الدارس أن يميز في الأسوار بين نوعين من الجمل الحوارية:
                                أحدهما يأتي- في مستهل الرواية- مصدرا بأفعال وأسماء وصفات يقدمها السارد، مثل قال الأستاذ في هدوء، هتف أمين سالم، انتفض بيومي الدكر( 57 ) وهذا النوع من الجمل يعد ضرورة فنية لا غنى عنها للرواية الحديثة، وبخاصة في صفحاتها الأولى ، حيث تمس حاجة الروائي إلى تثبيت أسماء وصفات شخصياته في ذاكرة المتلقي0
                                أما النوع الآخر فقد تخلصت فيه الجمل الحوارية- بعد تقدم الأحداث- مما كان يسبقها من إشارات سردية، بما فيها الإشارة إلى اسم المتكلم، وفى هذه المناطق المتقدمة ، لا مفر من أن يتذرع المتلقى بأكبر قدر من اليقظة، حتى يظل قابضا على الخيوط الواصلة بين الشخصية وكلامها، وهى مهمة لم يألف القيام بها عند تلقيه روايات الرواد.وللتدليل على اختفاء الأسماء من أمام الجمل، وتقليص مهام السارد، والاعتماد على فطنة المتلقى ، أسوق من الأسوار المقطع التالي:
                                " بدد الهدوء الذي يلف المكتبة- بعد أن أصبحت الممنوعات ماضيا مندثرا- صوت مجاهد الغزالي:
                                - أنت هنا ؟
                                الحيوان البرى لا يزال يرفض كل محاولة لترويضه00
                                قال وهو يواصل القراءة:
                                - نعم.
                                - كنت أبحث عنك00
                                - لماذا ؟
                                - أريد أن أتحدث إليك00
                                - بعد أقل من ساعة يحل الغروب00 فهل تنتظر.؟
                                - الآن من فضلك00
                                - ألا تنتظر حتى أنتهي من هذه الصفحات. ؟
                                - قلت: الآن !00
                                - هل الأمر بهذه الخطورة. ؟00
                                - أعتقد00
                                طوى صفحات الكتاب:
                                - ماذا عندك . ؟
                                - إنه00 إنه سؤال00
                                - تعطلني عن القراءة من أجل سؤال.
                                - هذا السؤال هو الذي سيحدد طبيعة علاقتنا00 أعنى أنه سيلزم كلا منا بحدوده. ؟00
                                - يلزم كلا منا بحدوده . ؟ 00
                                - نعم00
                                - لكن صداقتنا أبسط من هذا التعقيد00
                                - ليس بيننا صداقة بسيطة أو مركبة0.
                                - إذن0اسأل00
                                - هل أنت واحد منا ؟
                                - لا أفهم00 ماذا تعنى .؟ 00
                                - هل لك عينان مثلنا وأذنان ويدان وقدمان . ؟ 00
                                - أتشك في هذا .؟
                                - فلماذا تفرض علينا زعامتك . ؟ !
                                - أنا !.
                                - نعم00 منذ جئت إلى المعتقل وأنت لا تكف عن إصدار الأوامر00
                                - أي أوامر يا صديقي 00 هل ألزمتك بعمل شيء .؟
                                - المصيبة أنى لا أجد في هذه 00 الأوامر 00ما أرفضه.
                                - يبدو أنك متعب00 هل آتيك بكوب ماء. ؟
                                - كل ما أريده أن تبعد عن طريقي تماما00 إذا خاطبني لسانك القذر مرة ثانية00 قطعته00
                                في هدوء، واجهه بالسؤال:
                                - ماذا تفعل إذا لم يكن جارك يروق لك . ؟
                                - أضربه !
                                - إنه لن يقف مكتوف اليدين00 وربما كان أكثر منك قوة00
                                - ماذا تعنى أيها الثعلب . ؟00
                                - سواء كان جارك يعجبك أم لا00 فليس هناك سوى حل واحد00 إيجاد وسيلة للتفاهم معه.
                                - ذلك ما تريده أنت00 لأن أحلام الزعامة تسيطر عليك00
                                فقد - لأول مرة - أعصابه:
                                - من أنت حتى أطمع بالزعامة عليك.. على ماذا تحيط أسوار هذا المعتقل. ؟
                                التفت يدا بيومي الدكر- الذي كان ينشد الأستاذ بدءاً لجلسة المساء- حول ساعدي الغزالي.ضغط بقوة، حتى تهاوى الكرسي المرفوع من بين يديه..
                                صرخ الرجل00
                                قال الدكر- ساخطا- وهو يتبع الأستاذ :
                                - فلننته من حرب الإدارة أولا! "( 58 )
                                وواضح أن أسماء المتحاورين لم تظهر في المقطع الآنف إلا مرتين: إحداهما في التمهيد السردي الذي يبدأ بجملة : " بدد الهدوء الذي يلف المكتبة00صوت مجاهد الغزالي". والأخرى قبيل انتهاء الحوار، وبالتحديد في قول السارد: " قال الدكر- ساخطا- وهو يتبع الأستاذ".
                                وإذا كانت عدة الجمل الحوارية ، في المقطع الآنف ، أربعين جملة بما فيها الجملة التي تحدث بها الأستاذ مع نفسه، والتي وصلتنا عبر تقنية المونولوج الداخلي، فإن السارد لم يُسمع له صوت إلا فى سبعة مواضع كان خلالها يمهد للحوار أو يعلق على الأحداث ، ومعنى هذا أن ثلاثا وثلاثين جملة خلت إلا من الشرطة الأفقية (-) التي تدل على انتقال الكلام من شخصية إلى أخرى. إن إعفاء السارد من مهمة تحديد شخصية المتكلم ، أضفى على جمل المقطع السابق قدرا كبيرا من الانسيابية والتدفق، وجعلها أقرب إلى " سيناريو" مكتوب لأحد الأفلام أو المسرحيات، لكنه وضع المتلقى في حالة من الاستنفار، إذ أسند إليه بعض مهام السارد ، وتركه يعرف المتكلم من كلامه . هنا لابد للمتلقى أن يستحضر الإشارات التي قدمها السارد في مستهل الرواية، خاصة الإشارة إلى هدوء الأستاذ، وتعقيباته الموجزة، ونظرة مجاهد الغزالي إليه بوصفه خطرا على سلطاته النفسية كفتوة للعنبر الرابع ، وبدون استحضار مثل هذه الإشارات يظل التلقى عملا ضئيل الجدوى ، ويظل الخلط بين كلام الأستاذ وكلام الغزالى أمرا وارداً .
                                ولا تخطيء العين أن ترى الجمل الحوارية في الأسوار تتقلص إلى أن تغدو كلمة أو كلمتين، يظهر ذلك في الاقتباس التالي :
                                - ما اسمك .؟
                                - أمين سالم00
                                - ماذا كنت تعمل من قبل . ؟
                                - كنت قارئا00
                                - إلى. ؟00
                                - القرآن كله00
                                - قد لا يروقك العمل هنا00
                                - فلاحة الأرض00 أتروق أحدا .؟
                                - أي عمل، أي عمل، أهون من الفأس والطين والمحراث والشادوف والغلب بلا انتهاء والقيظ المحرق00
                                - أرجو أن تثق فى00
                                - لكننا لا نتعامل بالقرآن..
                                في هدوء حاسم:
                                - أعرف00)(59 )
                                فمن بين عشر جمل حوارية وردت في المقطع الآنف، نجد جملتتين مؤلفتين من كلمة واحدة؛ فحرف الجر " إلى" يشكل جملة، والفعل المضارع "أعرف" يشكل جملة أخرى. أيضا نجد أربع جمل مؤلفة من كلمتين، هذه الأربع هي: " ما اسمك"، " أمين سالم"، " كنت قارئا"، " القرآن كله". معنى ما سبق أن ستين بالمائة من جمل المقطع تألفت من كلمة أو كلمتين.
                                بل لن يشق على الدارس أن يسوق من حوار الأسوار جملا عديدة لم تتجاوز الكلمة الواحدة . هذه الجمل قد تكون فعلا محذوف الفاعل ، نحو: "أعتقد " ( 60 ) ، " أعرف"( 61 ) ، " أعلم" ( 62 ) وقد تكون استفهاما محذوف الأداة نحو: " معقول" وقد تكون كلمة اكتمل بناؤها النحوي مثل : أضربه" ( 63 ) كما قد تكون اسما معطوفا نحو: "والخيانة "(64 ) ، "والتنفيذ"( 65 )،أو اسما غير معطوف نحو:" الأستاذ"( 66 )، "مجنون "( 67 )،
                                " زملاؤك".( 68 ).
                                ومن قصار الجمل الحوارية ما لا يعدو أن يكون حرفا مثل حرف الجواب : " نعم" ( 69 )،وحرف التشبيه " مثل "( 70 ). ومنها ما يكون ظرفا مثل :" الآن" ( 71 )، أو ضميرا مثل : " أنا " ( 72 )، أو أداة استفهام بلا مستفهم عنه نحو" لماذا " ( 73 ) ،"ماذا ؟ "( 74 )،" من" ( 75 ) 0
                                ما تجدر ملاحظته أن قصر الجمل الحوارية يرجع- من بعض الوجوه- إلى المكان الخانق " المعتقل" الذي يضغط بوطأته على الشخوص، مما يجعل أنفاسهم قصيرة، وكلماتهم تكاد تختنق على الشفاة، وجملهم برقية لاهثة كأنها ممنوعات مهربة.وإذن فهو قصر يلائم تماما الحالة الشعورية للنزلاء؛يلائم إحساسهم بالرفض ، وعجزهم عن التكيف مع مكان يسجن فيه الإنسان وأنفاسه وكلماته.هنا تصبح ضآلة المباني أغنى بالمعاني من سواها . هذه ملاحظة .
                                الثانية : أن الكاتب عول على السياق في تحديد العنصر " المورفيم" المحذوف ، ولا غرو؛ فإن " الألفاظ إنما جيء بها للدلالة على المعنى، فإذا فهم المعنى بدون اللفظ، جاز أن لا تأتى به000 ".( 76 )
                                الثالثة : أن محمد جبريل حقق بالجمل القصار توازنا كبيرا بين حق النزلاء- وهم كثر- في التعبير عن همومهم وأحلامهم ومواقفهم من ناحية، وسرعة إيقاع الحياة بما تتطلبه من إيجاز في القول من ناحية أخرى. وكما لم يكن بوسعه - الكاتب - أن يصادر حق النزلاء في التفكير والتعبير، لم يكن بوسعه- أيضا- أن يدع كل نزيل يطنب في التعبير عما يريد.
                                الأخيرة : أن قصر الجمل يسهم في جعل الأسوار نصا مباينا للمألوف، نصا لا يستهلك نفسه، بل يظل متجددا عبر القراءات المتعددة، وعبر استيقافه القارىء الذي يجد نفسه مطالبا بربط الجمل القصار بسوابقها ولواحقها، وإكمال ما تعمد الكاتب عدم إكماله، والبحث عن المعنى الغائب، واستخلاص التفسير الذي يلائم ظروفه إبان القراءة 0إنه قارىء مشارك في إنتاج الدلالة، لا مجرد مستهلك للنص، أو مستسلما لأيديولوجيا الكاتب وسارده وشخوصه ( 77 ) .
                                ولئن نظرنا إلى لغة الحوار في الأسوار، فسوف نجدها فصحى، إلا في أحوال نادرة للغاية استخدم فيها الشخوص كلمات وتراكيب عامية، مثل"هيص" ( 78 ) ، " وضعت القرش على القرش" ( 79 )، " طقت في دماغي الفكرة " ( 80 ). وبعض هذه الألفاظ لا نظير له في الفصحى، كالفعل" هيص"، ولا سبيل إلى تأدية دلالته بالفصحى إلا من خلال تراكيب مهجورة ، نحو " امزح وامرح أنى شئت". وفيما عدا ذلك نأى الحوار عن الفصحى المقعرة والغريبة، ونفذ الكاتب بالفصحى إلى أعماق الواقع نفوذا لا تستطيعه العامية دون التضحية بجمال الأدب0وكل هذا يؤكد طواعية الفصحى وجدارتها بأن تكون لغة للحوار الروائي متى رزقت الأديب المتمكن، المخلص لفنه وهويته0
                                وقد حاول محمد جبريل أن يخلق تعددية لغوية وأفضليات نطقية موائمة للشخصية؛ هذا وهيب تادرس يقول: " هل نضيع الوقت في الثرثرة 00 والأوغاد في الخارج يدبرون لقتلنا؟ "( 81 ) ، إنه مدرك فداحة إضاعة الوقت فيما لا جدوى منه، راغب في تنبيه زملائه إلى ما يدبر لهم، وهو يؤثر كلمات مثل "الثرثرة، الأوغاد ، يدبرون" على ما عداها، ويؤثر الاستفهام الإنكاري على الإخبار، وكل هذا يتفق مع كونه طالبا جامعيا ، كما يتفق مع ثقافته الطبية التي عمقت إحساسه بقيمة الوقت0
                                وهذا خليل عبد النبي يتعاطى لغة بالغة الأناقة،نسمعه يقول: ".. قررت أن أنقش في وجهي البسمة- أو الضحكة- اللامبالية" ( 82 ) وإذا تذكرنا إشارة السارد إلى إتمامه القرآن كله، لم يعد غريبا أن تتأنق لغته بحيث يجعل الضحكة لوحة منقوشة على الوجه، والبسمة لا مبالية. لم يعد عجبا أن نراه مميزا البسمة من الضحكة، مؤثرا الفعل " أنقش" على الفعل " أضع " أو " أتصنع " ، والصفة " اللامبالية" على مثيلتها " غير المكترثة" أو " العابثة".
                                وبينما تتأنق لغة خليل عبد النبي على النحو الآنف، تتجه لغة أحمد حسنين وجهة تلائم بساطته، وذلك حين يعبر - فيما يشبه البوح- عن حلم حياته إذ يقول: " ... لهذا وضعت القرش على القرش. رفضت الزواج. عافرت. اكتفيت- في كل يوم- بوجبة واحدة. طقت في دماغي الفكرة. لماذا لا أمتلك أرضا؟ ستكون الفرش والغطاء والاستقرار.." ( 83 ) وشتان بين قول خليل عبد النبى : " أنقش في وجهي البسمة " ، وقول أحمد حسنين: " طقت في دماغي الفكرة " .
                                ما فى الأسوار من تعددية لغوية ومن تعبير رشيق معبر ومؤثر، يفضى إلى القول بأن محمد جبريل كان يعى جيدا أن الشخصية الروائية فقدت كثيرا من الامتيازات التي تمتعت بها في روايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، ومن ثم لم يعد أمام الروائى ما يملأ به الفراغ الذي خلفته الامتيازات المعدول عنها، سوى اللغة الفنية التي تمتع وتقنع في آن ، وهذا الوعي أكدته أحدث الدراسات النقدية 0( 84 )
                                الهوامش:
                                (47) الأسوار ، ص 90 .
                                ( 48 ) السابق ، ص 90 .
                                (49) نفسه ، ص 55 .
                                (50) الأسوار ، ص 96 .
                                (51) السابق ، ص 37 .
                                (52) نفسه ، ص 37 .
                                (53) نفسه ، ص 37 .
                                (54) انظر ، د. طه محمود طه ، القصة فى الأدب الإنجليزى ، مجلة القصة ، السنة الأولى، العدد الثانى ، فبراير 1964 ، ص 87 .
                                (55) انظر ، شعيب حليفى ، شعرية الرواية الفنانتاستيكية ، ص 373 ، ط : المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1997 م .
                                (56) انظر ، د. محمد يوسف نجم ، فن القصــة ، ص 80 . وكان موريـاك يقـول :
                                " فأشخاصنا ليسوا خدما لنا، فمنهم من يتمرد علينا، ولا يشاطرنا آراءنا، بل يرفض أن يقوم بنشرها وإذاعتها. وإنى لأعرف فى أشخاصى من يناقض آرائى مناقضة صريحة، كأولئك المتمردين على رجال الدين، فأحاديثهم يحمر لها وجهى خجلا". فرانسوا مورياك : الروائى وأشخاص روايته، ترجمة : عادل الغضبان، مجلة الكتاب، عدد ديسمبر 1952 ، ص 1176 – 1177 .
                                (57) الأسوار ، ص 10 : 11 .
                                ( 58 ) الأسوار ، ص 74 : 76 .
                                (59) الأسوار ، ص 38 : 39 . وانظر نماذج أخرى للجمل الحوارية المؤلفة من كلمتين ، الرواية، ص 14،20،21،29،39، 40، 42،46، 48، 55 ، 62، 74، 75 ، 82 ، 89 ، 97.
                                (60) السابق ، ص 74 .
                                (61) نفسه ، ص 11 ، 34 .
                                (62) نفسه ، ص 26 .
                                (63) نفسه ، ص 10 .
                                (64) نفسه ، ص 76 .
                                (65) نفسه ، ص 70 .
                                (66) نفسه ، ص 48 .
                                (67) نفسه ، ص 99 .
                                ( 68 ) الأسوار ، ص 66 .
                                (69) السابق ، ص 13 .
                                (70) نفسه ، ص 74 : 75 .
                                (71) نفسه ، ص 59 .
                                (72) نفسه ، ص 75 .
                                (73) نفسه ، ص 74 .
                                (74) نفسه ، ص 54 .
                                (75) نفسه ص 13 .
                                (76) ابن يعيش ، شرح المفصل 1/94 ، ط : عالم الكتاب ، بيروت ، د - ت .
                                (77) انتفعت فى حديثى عن قارئ الجمل القصار بأفكار " فلفجانج إبرز " عن التأثير المتبادل بين النص والقارئ . انظر ، د. نبيلة إبراهيم ، فن القص : فى النظرية والتطبيق ، ص 53 : 67، ط : مكتبة غريب ، القاهرة ، د - ت .
                                ( 78 ) الأسوار ، ص 90 .
                                (79) السابق ، ص 90 .
                                (80 ) الأسوار ، ص 90 .
                                (81 ) السابق ، ص 100 .
                                (82 ) نفسه ، ص 68 .
                                (83 ) الأسوار ، ص 90 .
                                (84 ) انظر ، د. عبد الملك مرتاض ، فى نظرية الرواية ، ص 116 ، سلسلة عالم المعرفة ، العدد 240 ، الكويت ، شعبان 1419 هـ ، ديسمبر 1998 م .
                                (يتبع)

                                تعليق

                                يعمل...
                                X