وثمة ظاهرة لا تخطئها عين في حوار الأسوار، أعنى: شيوع أساليب الاستفهام شيوعا تبرره- أولا - طبيعة المكان " المعتقل " الذي يعد من أخصب الأماكن الحاضنة لهذا النوع من أساليب التخاطب؛ فإن التحقيقات التي تجرى على أرضه لا تعدو أن تكون مجموعة من التراكيب الاستفهامية0 ويبرره- ثانيا- ما يفعم النزلاء من ضيق وذهول وإحساس بالعجز عن فهم أو تفسير ما يجرى من حولهم0 ويبرره- أخيرا- نزوع محمد جبريل إلى تأريق المتلقي وبعثه على الإحساس بمأساة النزلاء وتحريره من سلبية التلقى .
إن ما يفعم بكر رضوان من رفض لنتيجة القرعة، ومن ذهول إزاء استسلام الأستاذ لهذه النتيجة ، ومن ثقة في أن الأستاذ لم يرتكب أية جريمة، كل أولئك لم يأتنا عن طريق الأسلوب الخبري، بل عن طريق تراكيب استفهامية تواترت على لسانه تواترا سريع الإيقاع، نسمعه يخاطب الأستاذ: " كلماتك هي الوقود الذي يضرم إرادة النزلاء00 فلماذا تسلم نفسك إلى المصير الرهيب؟ لماذا لا تحرص على حياتك إن كان لها لديك قيمة0؟هل قتلت0؟هل سرقت0؟هل زنيت0؟ هل شهدت زورا0؟هل أقسمت كذبا0؟ أنت لم تفعل شيئا من ذلك. لم تفعل شيئا على وجه التحديد. فلماذا السكوت على النهاية البشعة0؟ هل أصبحت الكلمات الطيبة طريقا إلى الموت0؟ " (85 ) إن الإلحاح على تكرار"هل " الاستفهامية ست مرات، و"لماذا " ثلاث مرات، لا يمكن إلا أن يقحم المتلقي إقحاما في مأساة الأستاذ، ويدفعه دفعا إلى أن يشاطر بكر رضوان حيرته وذهوله أمام هدوء واستسلام الأستاذ من ناحية، وأمام إصرار إدارة المعتقل على حرق الأستاذ مع أنه لم يسرق أو يزن أو يقتل أو يشهد زوراً أو يقسم كذبا ، من ناحية أخرى .
وكما تواتر الاستفهام على لسان بكر رضوان في الاقتباس الآنف، تواتر على ألسنة غيره من الشخوص الذين استحصدت حيرتهم فأفرغوها في تساؤلات لم ينتظروا عنها جوابا فى أغلب الأحيان ، نجد مثلا لذلك المقطع التالي:
" قال وهيب تادرس:
- يا أستاذ00 أنت تمثل صوتا واحدا00 ونحن نريد الخروج من المأزق00 فلماذا لا تعطينا الفرصة0؟
- ولماذا قبلنا القرعة من البداية. ؟
- هل كنا نرى الغيب ؟
أضاف على الشامي:
- وهل كنا نتوقع الخيانة ؟
قال أنور عبد الحفيظ متسائلا:
- الجزاء لابد أن يكون مقابلا لجريمة00 فما جريمتك.؟(86 )
إن الأربعة الشخوص الذين ضمهم المقطع الآنف لم يكن حوارهم
إلا تساؤلات يفضى بعضها إلى بعض، وحقا لا نجد بينهم من ينتظر من الآخر جوابا، لكن السؤال كان دوما بداية الوعي0 إن تواتر الأسئلة ، دون انتظار جواب ، يشف عن ضيق في الصدور، ورفض لما تخطط له إدارة المعتقل ، وافتقاد اليقين الذى يمكن الشخصية من تقديم إجابات عما يوجه إليها من أسئلة .
وقد عبرت أساليب الاستفهام عن مأزق النزلاء، وتمزق نفوسهم إزاء اتهامات يعجزون عن تفسيرها ولا يستطيعون الاعتراف بها، ها هو توفيق عزوز يفرغ تمزقه وعجزه عن الفهم في تساؤله التالي: " هل أعترف بتهمة لا أعرفها " (87 ) .
وتخلصت أكثر أساليب الاستفهام من دلالتها الوضعية، وخرجت إلى فضاءات دلالية جديدة أريد بها إنشاء معان ثوان، كالسخرية،التحقير،الدهشة، الاستبعاد، التعجب، التمني، الاستبطاء، التهويل، والتحريض؛ أما السخرية فقد خرج إليها الاستفهام في قول المأمور معلقا على التفاف النزلاء وبعض الحراس حول الأستاذ: " هل هذه عظة الجبل .؟ "( 88 ) المأمور على يقين من أن الأستاذ ليس المسيح عليه السلام، وأن النزلاء والحراس الملتفين حوله ليسوا الحواريين، وأن المكان " المعتقل " غير المكان " الجبل "0وإذن فهو يهدف بسؤاله لا إلى طلب العلم بما يجهل، بل إلى السخرية من جدوى عظات الأستــــــاذ فيمن حوله، وكأنما يقول للجميع: إنكم تحرثون في النهر.
ومما خرج من أساليب الاستفهام إلى التحقير، قول الصول سعيد أثناء تعذيبه بكر رضوان:" نزلاء هذا المعتقل من النساء .. فما اسمك ؟" ( 89 ) ؛ فالمستفهم " الصول سعيد" لا يطلب العلم بما يجهل، بل يهدف باستفهامه إلى إذلال المستفهم منه " بكر رضوان" ، والمبالغة في تحقيره ، وإجهاض ما تبقى في نفسه من صلابة، وحمله على أن ينسى اسمه وماضيه ويستأنف داخل الأسوار حياة جديدة0
وإلى التحقير أيضا خرج الاستفهام التالي، الذي جاء على لسان الأستاذ في واحد من حواراته مع مجاهد الغزالي، قبل أن تتحد إرادتهمـا: " من أنت حتى أطمع بالزعامة عليك .. ؟" ( 90 )
ومما خرج من أساليب الاستفهام إلى الدهشة، قول مجاهد الغزالي مخاطبا الأستاذ:"هل لك عينان مثلنا وأذنان ويدان وقدمان؟"( 91 ) لا شك أن المستفهم "الغزالي" على يقين من أن الأستاذ- كغيره من الناس- له عينان وأذنان ويدان وقدمان، لكن سؤاله مفعم بالدهشة من قدرة الأستاذ على الاستئثار بمحبة الجميع؛ ذلك أن الذين لهم عيون وآذان وأياد وأقدام كالأستاذ، لم يؤتوا من القدرة على التأليف بين القلوب مثلما أوتي ، وفى هذا ما حرض المستفهم على التساؤل ، وما أخرج تساؤلــــه عن دلالته الوضعية ودفع به إلى فضاء الدهشة .
وإلى الاستبعاد خرج الاستفهام في قول جابر الرأس: " وهل خلا
المعتقل من الرجال ؟ "( 92 ) ؛ فالمستفهم "جابر الرأس" يدرك أن المعتقل ليس فيه إلا رجال، لكنه يستبعد أن يكونوا رجالا فقدوا مروءتهم، وانغمسوا في مستنقع الخيانة والأنانية ، وغدوا بالنساء أشبه.
ومن أساليب الاستفهام التي خرجت إلى التعجب ، قول الأستاذ في حوار كان المأمور طرفه الثاني: " ألا أعلم تهمتي؟ " ( 93 )
ومما خرج من أساليب الاستفهام مخرج التقرير، قول بكر رضوان مخاطبا سلامة القاضي: " ألم تقل للمباحث إنه أحد تلاميذك".(94 ) ؛ ذلك أن المستفهم إنما يريد أن ينتزع من سلامة القاضي اعترافا بصواب ما يسأل عنه0
وإلى التمني خرج استفهام الأستاذ قبيل نهاية الرواية: " أليس الأجدى أن نناقش مأساة موتنا البطيء داخل هذه الأسوار؟ " ( 95 ) .
كذلك خرج الاستفهام إلى الاستبطاء في قول مجاهد الغزالي: " فهل يظل لهيب الشمس قدرنا إلى ما لا نهاية ؟ " ( 96 ). وواضح أن المستفهم استطال مدة الاعتقال، واستبطأ مجيء الإفراج، وأعرب عن سآمته من الواقع الذي يعيشه خلف الأسوار، لكنه لم يخبر عن شيء من ذلك صراحة، بل دس هذه المعاني في طيات استفهامه.
وإلى التهويل خرج الاستفهام التالي ، الذي جاء على لسان توفيق عزوز: " وما الحل إذا كفت الإدارة على الخبر ماجورا، ولم يعلم أحد بما حدث.. ؟( 97 ) ؛ فالمستفهم" توفيق عزوز" يستهول المستفهم عنه "الحل" ؛ لأن سلطة المعتقل تستطيع ببساطة أن تفرض على أخبار وحياة النزلاء ستارا حديديا لا يمكن اختراقه0 هنا تجدر الإشارة إلى أن الكاتب يتناص ، في الاستفهام الآنف، مع المثل الشعبي " اكف على الخبر ماجورا" ، وأنه برغم سمة القصر التى تلف الجمل الحوارية فإن الحشو تسرب إلى الاستفهام الآنف ؛ لأن جملة :" ولم يعلم أحد بما حدث" لم تضف إلى دلالة المثل بعدا جديدا0ويبدو أن خوف الكاتب من خفاء دلالة المثل على بعض المتلقين الذين ليس لهم معرفة كافية بأمثال العوام، أوقعه في هذا الحشو. وبغض النظر عن مبعث الخوف، فإن المتلقي الذي أوكل إليه الكاتب سد الثغرات الدلالية المفتوحة عمدا، ومتابعة أقوال غير مسبوقة بأسماء قائليها ، وقراءة رواية يتقاطع فيها السرد مع الحوار، والحوار مع المناجاة والمونولوج، لن يعجزه أن يفهم دلالة المثل: " كفت الإدارة على الخبر ماجورا"، ولن يكون بحاجة إلى زوائد مثل: " ولم يعلم أحد بما حدث" ولاسيما أن أمثال العوام إن لم تكن شائعة بلفظها ومعناها على ألسنة العربي أينما كان، فهي شائعة بمضمونها مع شيء من التحوير في لفظها 0أيضا تجدر الإشارة إلى أن مبنى المثل الشعبى تعرض لشىء من التحوير عبر عملية التناص .
وإلى التحريض خرج الاستفهام في قول خليل عبد النبي مخاطبا أمين سالم:" وما يمنعك من إطلاق رغباتك ؟.... " ( 98 ) ؛ فالمستفهم لا يريد أن يعرف من أمين سالم أسباب عدم تحقق رغباته، بل يحرضه على الانتفاع بما طرأ على المعتقل من تغيير كان من ثماره أن" اختفت طوابير العمل، وطقوس التعذيب، ولحظات الخوف والقلق والتوتر" ( 99 ) وهى تغييرات تهييء للمستفهم منه " أمين سالم" أن يطلق لرغباته العنـان دون خوف، وتجعل الاستفهام أدل على التحريض منه على طلب المعرفة0
وإلى الاستمالة خرج الاستفهام في قول المأمور: " كيف حالك يا حلمي عزت" (100 ) ؛ ذلك أن حال المستفهم منه لا يعنى المستفهم " المأمور" في شيء، وإنما أراد المستفهم أن يستميل حلمي عزت؛ ليعرف منه اسم الذى حرض النزلاء على الصراخ، ولولا هذا الهدف لما استدعاه إلى مكتبه بداهة، ولما دعاه إلى الجلوس على المقعد بدلا من الجلوس على الأرض. هنا تجدر الإشارة إلى دور السياق في تعزيز دلالة الاستفهام الآنف على الاستمالة، وهذا الدور يتضح بجلاء عند نزع التركيب من سياقه والاكتفاء بالنظر إلى السؤال والجواب، ففي هذه الحال يبقى الاستفهام حبيس دلالته الوضعية على طلب العلم بما هو مجهول للسائل ، وهى دلالة مجردة من الاستمالة.
ومن أساليب الاستفهام ما لا يمكن حمله على دلالته الحقيقية. وأي حقيقة يمكن أن نحمل عليها تساؤل نزلاء عنبر ثلاثة:" ماذا يفيد الغنم إذا فقدت راعيها؟ "( 101 ) ونحن نعلم أنه ليس فى المعتقل غنم ولا راع على التحقيق، وما الأغنام إلا كناية عن النزلاء، وما الراعي إلا كناية عن الأستاذ، وإنما أراد النزلاء بالاستفهام أن يحذروا من لا جدوى موت الأستاذ بسبب قرعة دبرت إدارة المعتقل نتيجتها سلفا.
ومن الأساليب ما لا يمكن حمله إلا على حقيقة معناه ، كالاستفهام: " ما اسمك ؟ ( 102 ) " الذى ورد غير مرة على ألسنة المحققين .
وتخلصت بعض أساليب الاستفهام من الأداة، واعتمدت على المقام والتنغيم، ولا غرو؛ فإن" الاختيارات الأسلوبية لا تحكمها ظواهر اللغة الخالصة فحسب، بل تحكمها كذلك محددات المقام، ونعنى بها الخصائص التي تحدد الظرف الاجتماعى- المادي socio- Physical Envelopالذي سيق في إطاره الكلام؛ سواء أكان منطوقا أم مكتوبا"0( 103 )
ومن الاستفهام المؤسس على النغة والمقام، ما جاء في الأنموذج التالي : " ضرب وهيب تادرس كفا بكف، وقال في غضب :
- ها هي المشكلة الحقيقية" أمين سالم مذنب أم بريء " ( 104 )
فقد حذف الكاتب أداة الاستفهام من صدارة الجملة مستعيضا عنها بالسياق والنغمة الصوتية الصاعدة التي تفيد الاستفهام، مجاريا في ذلك الاستعمال اللغوي المعاصر، الذي ألف الاستفهام بالنغمة الصوتية عوضا عن الاستفهام بأحد أدوات الاستفهام التقليدية.( 105 )
ويعتمد الكاتب على النغمة والسياق في إقامة استفهام يشف عن الرفض والحيرة، على نحو ما يلوح في الاقتباس التالي:
" قال وهيب تادرس في نفاد صبر:
- الأستاذ رفض كل الحلول00 فهل يشير علينا بما يراه؟
قال :
- رفض القرعة خطأ 0
- والخيانة ؟ 00
- التعلل بالخيانة خطأ00" ( 106 )
إن جملة: " والخيانة" لم تسبقها أو تليها أداة استفهام، وإنما تستمد دلالتها الاستفهامية من نغمة المتكلم بها: " وهيب تادرس " ، ومن إشارة السارد إلى نفاد صبر وهيب تادرس، ومن الجملة الاستفهامية:" الأستاذ رفض كل الحلول00 فهل يشير علينا بما يراه0؟ "
ومن الملاحظ أن بعض أساليب الاستفهام تكرر ذكرها على ألسنة المحققين وبعض النزلاء؛ أما ما تكرر على ألسنة المحققين فمنه:" ما هي المؤامرة؟"،( 107 )،"أين زملاؤك؟"( 108 )"أين زملاء التنظيم؟"( 109 )، وأما ما تكرر على ألسنة بعض النزلاء فمنه:" ماذا تريد منى؟ ". (109 )
إن تكرار هذه الأساليب يتسق مع طبيعة المكان" المعتقل"، ويــوحي بإفلاس القائمين على التحقيق إذ يجعلهم بالببغاوات الــــتي تكتـــفـي بترديد ما تلقنته أشبه0
ما أخلص إليه هو أن أسلوب الاستفهام يضاعف الإنتاج الدلالي للجملة الحوارية في الأسوار، ولو شاء الكاتب أن يعبر بالجمل الخبرية، عن المعاني التي عبر عنها بالجمل الاستفهامية، لاحتاج مئات الصفحات، مع ما يستتبع ذلك من ترهل يقلص قدرة الرواية على إغراء المتلقي العصري بالقراءة0 هذه خلاصة0
الثانية: أن تسلط بنية الاستفهام على الحوار يعكس حرص الكاتب لا على تكثيف الجملة الحوارية فحسب، بل على جذب انتباه المتلقي، ودرء الملل عنه، وإثارة فضوله، ولا غرو؛ فالأديب" يوظف الاستفهام توظيفا فنيا للتعبير عن المعنى الذي يريد الإفضاء به، غير أنه يتوجه به غالبا إلى المتلقي لإثارة انتباهه، أو حفزه لقبول فكرة000 بطريق تخلو من المباشرة، كما أنه يستخدم للتعبير عن الذات المبدعة حين تدهش من الأشياء ولا تستطيع الحسم تجاهها، وحين تواجه بالاختيارات، وتتردد أمام الموقف باحتمالاته العديدة0" (111 )
الثالثة : أن الأسلوب اختيـار، وانحياز الكاتب إلى أسلوب الاستفهام ينطوي على تفضيله بعض طاقات اللغة على بعضها في لحظة محددة من لحظات الاستخدام اللغوي ، ويشف عن طريقة الكاتب فى التفكير، وطبيعة انفعالاته، ونظرته إلى الأشياء وحكمه عليها0
الرابعة : أن أكثر أدوات الاستفهام انتشارا في حوار الأسوار هي الأداة " هل " التي استخدمها محمد جبريل خمسا وخمسين مرة0 أما أقل الأدوات استخداما فهي " كم، متى " فمعدل استخدام كل أداة منهما لم يتجاوز المرة الواحدة، ولعل ضآلة وجود هاتين الأداتين راجع إلى دلالتهما الزمنية. وفى مكان خانق كالمعتقل، وبين نزلاء لم يعد يعنيهم تتابع الأيام والساعات والشهور والسنين، يصبح الاستفهام عن الزمن بالأداتين
كم، متى) غير ذي جدوى.
الأخيرة : أن الاستفهام المفضي إلى استفهام آخر، يشف حينا عن فتور الرغبة في استمرار الحوار، ويشف حينا آخر عن حيرة النزلاء وعجزهم عن تقديم إجابات لما يلقى على أسماعهم من أسئلة. وعندما يكون السؤال: "ما هي المؤامرة0؟ " ويكون الجواب:" أي مؤامرة0؟ " فإن عجز المستفهم منه عن فهم مقاصد المستفهم وعن تقديم إجابة شافية عن الاستفهام ، وكذلك استخفافه بالمستفهم ، كل هذا يشكل جملة الناتج الدلالي الذي يوحى به التركيب0
5- الخاتمة والنتائج:
يمكنني في نهاية هذا البحث أن أوجز، فيما يلي، أهم ما توصلت إليه من نتائج:
أولا- نتائج تتصل بالمؤلف :
1- يؤمن محمد جبريل بالتراسل بين الفنون؛ بدليل استفادته بعدد من التقنيات السينمائية، كالسيناريو،القطع والوصل،الفلاش باك0وكذلك استفادته بالحوار وهو- في الأصل- تقنية مسرحية أكثر من الاعتماد عليها ، حتى إن مقاطع حوارية عديدة غدت بالسيناريو المعد لأحد أفلام السينما أو العروض المسرحية أشبه .
2- تأثر محمد جبريل، في استهلال الأسوار، بأحد تقاليد كتاب المسرح، وهو بدء الأحداث من نقطة تأزمها، وكانت نقطة التأزم التي انطلقت منها الأحداث مركبة من عنصرين: أحدهما معرفة الخائن"حلمي عزت" وبواعثه على الخيانة، ولماذا استهدف بخيانته الأستاذ دون غيره من النزلاء 0 ؟
والآخر:هو تنازع رغبات النزلاء حول تنفيذ نتيجة القرعة المشكوك في نزاهتها، أو إعادة إجراء قرعة نزيهة بغض النظر عمن تصيب بنتيجتها، وهو تنازع بالغ الضراوة؛ لأنه لا يعدو كونه تنازعا حول الإقدام على الموت أو الفرار منه إلى الحياة 0
(يتبع)
إن ما يفعم بكر رضوان من رفض لنتيجة القرعة، ومن ذهول إزاء استسلام الأستاذ لهذه النتيجة ، ومن ثقة في أن الأستاذ لم يرتكب أية جريمة، كل أولئك لم يأتنا عن طريق الأسلوب الخبري، بل عن طريق تراكيب استفهامية تواترت على لسانه تواترا سريع الإيقاع، نسمعه يخاطب الأستاذ: " كلماتك هي الوقود الذي يضرم إرادة النزلاء00 فلماذا تسلم نفسك إلى المصير الرهيب؟ لماذا لا تحرص على حياتك إن كان لها لديك قيمة0؟هل قتلت0؟هل سرقت0؟هل زنيت0؟ هل شهدت زورا0؟هل أقسمت كذبا0؟ أنت لم تفعل شيئا من ذلك. لم تفعل شيئا على وجه التحديد. فلماذا السكوت على النهاية البشعة0؟ هل أصبحت الكلمات الطيبة طريقا إلى الموت0؟ " (85 ) إن الإلحاح على تكرار"هل " الاستفهامية ست مرات، و"لماذا " ثلاث مرات، لا يمكن إلا أن يقحم المتلقي إقحاما في مأساة الأستاذ، ويدفعه دفعا إلى أن يشاطر بكر رضوان حيرته وذهوله أمام هدوء واستسلام الأستاذ من ناحية، وأمام إصرار إدارة المعتقل على حرق الأستاذ مع أنه لم يسرق أو يزن أو يقتل أو يشهد زوراً أو يقسم كذبا ، من ناحية أخرى .
وكما تواتر الاستفهام على لسان بكر رضوان في الاقتباس الآنف، تواتر على ألسنة غيره من الشخوص الذين استحصدت حيرتهم فأفرغوها في تساؤلات لم ينتظروا عنها جوابا فى أغلب الأحيان ، نجد مثلا لذلك المقطع التالي:
" قال وهيب تادرس:
- يا أستاذ00 أنت تمثل صوتا واحدا00 ونحن نريد الخروج من المأزق00 فلماذا لا تعطينا الفرصة0؟
- ولماذا قبلنا القرعة من البداية. ؟
- هل كنا نرى الغيب ؟
أضاف على الشامي:
- وهل كنا نتوقع الخيانة ؟
قال أنور عبد الحفيظ متسائلا:
- الجزاء لابد أن يكون مقابلا لجريمة00 فما جريمتك.؟(86 )
إن الأربعة الشخوص الذين ضمهم المقطع الآنف لم يكن حوارهم
إلا تساؤلات يفضى بعضها إلى بعض، وحقا لا نجد بينهم من ينتظر من الآخر جوابا، لكن السؤال كان دوما بداية الوعي0 إن تواتر الأسئلة ، دون انتظار جواب ، يشف عن ضيق في الصدور، ورفض لما تخطط له إدارة المعتقل ، وافتقاد اليقين الذى يمكن الشخصية من تقديم إجابات عما يوجه إليها من أسئلة .
وقد عبرت أساليب الاستفهام عن مأزق النزلاء، وتمزق نفوسهم إزاء اتهامات يعجزون عن تفسيرها ولا يستطيعون الاعتراف بها، ها هو توفيق عزوز يفرغ تمزقه وعجزه عن الفهم في تساؤله التالي: " هل أعترف بتهمة لا أعرفها " (87 ) .
وتخلصت أكثر أساليب الاستفهام من دلالتها الوضعية، وخرجت إلى فضاءات دلالية جديدة أريد بها إنشاء معان ثوان، كالسخرية،التحقير،الدهشة، الاستبعاد، التعجب، التمني، الاستبطاء، التهويل، والتحريض؛ أما السخرية فقد خرج إليها الاستفهام في قول المأمور معلقا على التفاف النزلاء وبعض الحراس حول الأستاذ: " هل هذه عظة الجبل .؟ "( 88 ) المأمور على يقين من أن الأستاذ ليس المسيح عليه السلام، وأن النزلاء والحراس الملتفين حوله ليسوا الحواريين، وأن المكان " المعتقل " غير المكان " الجبل "0وإذن فهو يهدف بسؤاله لا إلى طلب العلم بما يجهل، بل إلى السخرية من جدوى عظات الأستــــــاذ فيمن حوله، وكأنما يقول للجميع: إنكم تحرثون في النهر.
ومما خرج من أساليب الاستفهام إلى التحقير، قول الصول سعيد أثناء تعذيبه بكر رضوان:" نزلاء هذا المعتقل من النساء .. فما اسمك ؟" ( 89 ) ؛ فالمستفهم " الصول سعيد" لا يطلب العلم بما يجهل، بل يهدف باستفهامه إلى إذلال المستفهم منه " بكر رضوان" ، والمبالغة في تحقيره ، وإجهاض ما تبقى في نفسه من صلابة، وحمله على أن ينسى اسمه وماضيه ويستأنف داخل الأسوار حياة جديدة0
وإلى التحقير أيضا خرج الاستفهام التالي، الذي جاء على لسان الأستاذ في واحد من حواراته مع مجاهد الغزالي، قبل أن تتحد إرادتهمـا: " من أنت حتى أطمع بالزعامة عليك .. ؟" ( 90 )
ومما خرج من أساليب الاستفهام إلى الدهشة، قول مجاهد الغزالي مخاطبا الأستاذ:"هل لك عينان مثلنا وأذنان ويدان وقدمان؟"( 91 ) لا شك أن المستفهم "الغزالي" على يقين من أن الأستاذ- كغيره من الناس- له عينان وأذنان ويدان وقدمان، لكن سؤاله مفعم بالدهشة من قدرة الأستاذ على الاستئثار بمحبة الجميع؛ ذلك أن الذين لهم عيون وآذان وأياد وأقدام كالأستاذ، لم يؤتوا من القدرة على التأليف بين القلوب مثلما أوتي ، وفى هذا ما حرض المستفهم على التساؤل ، وما أخرج تساؤلــــه عن دلالته الوضعية ودفع به إلى فضاء الدهشة .
وإلى الاستبعاد خرج الاستفهام في قول جابر الرأس: " وهل خلا
المعتقل من الرجال ؟ "( 92 ) ؛ فالمستفهم "جابر الرأس" يدرك أن المعتقل ليس فيه إلا رجال، لكنه يستبعد أن يكونوا رجالا فقدوا مروءتهم، وانغمسوا في مستنقع الخيانة والأنانية ، وغدوا بالنساء أشبه.
ومن أساليب الاستفهام التي خرجت إلى التعجب ، قول الأستاذ في حوار كان المأمور طرفه الثاني: " ألا أعلم تهمتي؟ " ( 93 )
ومما خرج من أساليب الاستفهام مخرج التقرير، قول بكر رضوان مخاطبا سلامة القاضي: " ألم تقل للمباحث إنه أحد تلاميذك".(94 ) ؛ ذلك أن المستفهم إنما يريد أن ينتزع من سلامة القاضي اعترافا بصواب ما يسأل عنه0
وإلى التمني خرج استفهام الأستاذ قبيل نهاية الرواية: " أليس الأجدى أن نناقش مأساة موتنا البطيء داخل هذه الأسوار؟ " ( 95 ) .
كذلك خرج الاستفهام إلى الاستبطاء في قول مجاهد الغزالي: " فهل يظل لهيب الشمس قدرنا إلى ما لا نهاية ؟ " ( 96 ). وواضح أن المستفهم استطال مدة الاعتقال، واستبطأ مجيء الإفراج، وأعرب عن سآمته من الواقع الذي يعيشه خلف الأسوار، لكنه لم يخبر عن شيء من ذلك صراحة، بل دس هذه المعاني في طيات استفهامه.
وإلى التهويل خرج الاستفهام التالي ، الذي جاء على لسان توفيق عزوز: " وما الحل إذا كفت الإدارة على الخبر ماجورا، ولم يعلم أحد بما حدث.. ؟( 97 ) ؛ فالمستفهم" توفيق عزوز" يستهول المستفهم عنه "الحل" ؛ لأن سلطة المعتقل تستطيع ببساطة أن تفرض على أخبار وحياة النزلاء ستارا حديديا لا يمكن اختراقه0 هنا تجدر الإشارة إلى أن الكاتب يتناص ، في الاستفهام الآنف، مع المثل الشعبي " اكف على الخبر ماجورا" ، وأنه برغم سمة القصر التى تلف الجمل الحوارية فإن الحشو تسرب إلى الاستفهام الآنف ؛ لأن جملة :" ولم يعلم أحد بما حدث" لم تضف إلى دلالة المثل بعدا جديدا0ويبدو أن خوف الكاتب من خفاء دلالة المثل على بعض المتلقين الذين ليس لهم معرفة كافية بأمثال العوام، أوقعه في هذا الحشو. وبغض النظر عن مبعث الخوف، فإن المتلقي الذي أوكل إليه الكاتب سد الثغرات الدلالية المفتوحة عمدا، ومتابعة أقوال غير مسبوقة بأسماء قائليها ، وقراءة رواية يتقاطع فيها السرد مع الحوار، والحوار مع المناجاة والمونولوج، لن يعجزه أن يفهم دلالة المثل: " كفت الإدارة على الخبر ماجورا"، ولن يكون بحاجة إلى زوائد مثل: " ولم يعلم أحد بما حدث" ولاسيما أن أمثال العوام إن لم تكن شائعة بلفظها ومعناها على ألسنة العربي أينما كان، فهي شائعة بمضمونها مع شيء من التحوير في لفظها 0أيضا تجدر الإشارة إلى أن مبنى المثل الشعبى تعرض لشىء من التحوير عبر عملية التناص .
وإلى التحريض خرج الاستفهام في قول خليل عبد النبي مخاطبا أمين سالم:" وما يمنعك من إطلاق رغباتك ؟.... " ( 98 ) ؛ فالمستفهم لا يريد أن يعرف من أمين سالم أسباب عدم تحقق رغباته، بل يحرضه على الانتفاع بما طرأ على المعتقل من تغيير كان من ثماره أن" اختفت طوابير العمل، وطقوس التعذيب، ولحظات الخوف والقلق والتوتر" ( 99 ) وهى تغييرات تهييء للمستفهم منه " أمين سالم" أن يطلق لرغباته العنـان دون خوف، وتجعل الاستفهام أدل على التحريض منه على طلب المعرفة0
وإلى الاستمالة خرج الاستفهام في قول المأمور: " كيف حالك يا حلمي عزت" (100 ) ؛ ذلك أن حال المستفهم منه لا يعنى المستفهم " المأمور" في شيء، وإنما أراد المستفهم أن يستميل حلمي عزت؛ ليعرف منه اسم الذى حرض النزلاء على الصراخ، ولولا هذا الهدف لما استدعاه إلى مكتبه بداهة، ولما دعاه إلى الجلوس على المقعد بدلا من الجلوس على الأرض. هنا تجدر الإشارة إلى دور السياق في تعزيز دلالة الاستفهام الآنف على الاستمالة، وهذا الدور يتضح بجلاء عند نزع التركيب من سياقه والاكتفاء بالنظر إلى السؤال والجواب، ففي هذه الحال يبقى الاستفهام حبيس دلالته الوضعية على طلب العلم بما هو مجهول للسائل ، وهى دلالة مجردة من الاستمالة.
ومن أساليب الاستفهام ما لا يمكن حمله على دلالته الحقيقية. وأي حقيقة يمكن أن نحمل عليها تساؤل نزلاء عنبر ثلاثة:" ماذا يفيد الغنم إذا فقدت راعيها؟ "( 101 ) ونحن نعلم أنه ليس فى المعتقل غنم ولا راع على التحقيق، وما الأغنام إلا كناية عن النزلاء، وما الراعي إلا كناية عن الأستاذ، وإنما أراد النزلاء بالاستفهام أن يحذروا من لا جدوى موت الأستاذ بسبب قرعة دبرت إدارة المعتقل نتيجتها سلفا.
ومن الأساليب ما لا يمكن حمله إلا على حقيقة معناه ، كالاستفهام: " ما اسمك ؟ ( 102 ) " الذى ورد غير مرة على ألسنة المحققين .
وتخلصت بعض أساليب الاستفهام من الأداة، واعتمدت على المقام والتنغيم، ولا غرو؛ فإن" الاختيارات الأسلوبية لا تحكمها ظواهر اللغة الخالصة فحسب، بل تحكمها كذلك محددات المقام، ونعنى بها الخصائص التي تحدد الظرف الاجتماعى- المادي socio- Physical Envelopالذي سيق في إطاره الكلام؛ سواء أكان منطوقا أم مكتوبا"0( 103 )
ومن الاستفهام المؤسس على النغة والمقام، ما جاء في الأنموذج التالي : " ضرب وهيب تادرس كفا بكف، وقال في غضب :
- ها هي المشكلة الحقيقية" أمين سالم مذنب أم بريء " ( 104 )
فقد حذف الكاتب أداة الاستفهام من صدارة الجملة مستعيضا عنها بالسياق والنغمة الصوتية الصاعدة التي تفيد الاستفهام، مجاريا في ذلك الاستعمال اللغوي المعاصر، الذي ألف الاستفهام بالنغمة الصوتية عوضا عن الاستفهام بأحد أدوات الاستفهام التقليدية.( 105 )
ويعتمد الكاتب على النغمة والسياق في إقامة استفهام يشف عن الرفض والحيرة، على نحو ما يلوح في الاقتباس التالي:
" قال وهيب تادرس في نفاد صبر:
- الأستاذ رفض كل الحلول00 فهل يشير علينا بما يراه؟
قال :
- رفض القرعة خطأ 0
- والخيانة ؟ 00
- التعلل بالخيانة خطأ00" ( 106 )
إن جملة: " والخيانة" لم تسبقها أو تليها أداة استفهام، وإنما تستمد دلالتها الاستفهامية من نغمة المتكلم بها: " وهيب تادرس " ، ومن إشارة السارد إلى نفاد صبر وهيب تادرس، ومن الجملة الاستفهامية:" الأستاذ رفض كل الحلول00 فهل يشير علينا بما يراه0؟ "
ومن الملاحظ أن بعض أساليب الاستفهام تكرر ذكرها على ألسنة المحققين وبعض النزلاء؛ أما ما تكرر على ألسنة المحققين فمنه:" ما هي المؤامرة؟"،( 107 )،"أين زملاؤك؟"( 108 )"أين زملاء التنظيم؟"( 109 )، وأما ما تكرر على ألسنة بعض النزلاء فمنه:" ماذا تريد منى؟ ". (109 )
إن تكرار هذه الأساليب يتسق مع طبيعة المكان" المعتقل"، ويــوحي بإفلاس القائمين على التحقيق إذ يجعلهم بالببغاوات الــــتي تكتـــفـي بترديد ما تلقنته أشبه0
ما أخلص إليه هو أن أسلوب الاستفهام يضاعف الإنتاج الدلالي للجملة الحوارية في الأسوار، ولو شاء الكاتب أن يعبر بالجمل الخبرية، عن المعاني التي عبر عنها بالجمل الاستفهامية، لاحتاج مئات الصفحات، مع ما يستتبع ذلك من ترهل يقلص قدرة الرواية على إغراء المتلقي العصري بالقراءة0 هذه خلاصة0
الثانية: أن تسلط بنية الاستفهام على الحوار يعكس حرص الكاتب لا على تكثيف الجملة الحوارية فحسب، بل على جذب انتباه المتلقي، ودرء الملل عنه، وإثارة فضوله، ولا غرو؛ فالأديب" يوظف الاستفهام توظيفا فنيا للتعبير عن المعنى الذي يريد الإفضاء به، غير أنه يتوجه به غالبا إلى المتلقي لإثارة انتباهه، أو حفزه لقبول فكرة000 بطريق تخلو من المباشرة، كما أنه يستخدم للتعبير عن الذات المبدعة حين تدهش من الأشياء ولا تستطيع الحسم تجاهها، وحين تواجه بالاختيارات، وتتردد أمام الموقف باحتمالاته العديدة0" (111 )
الثالثة : أن الأسلوب اختيـار، وانحياز الكاتب إلى أسلوب الاستفهام ينطوي على تفضيله بعض طاقات اللغة على بعضها في لحظة محددة من لحظات الاستخدام اللغوي ، ويشف عن طريقة الكاتب فى التفكير، وطبيعة انفعالاته، ونظرته إلى الأشياء وحكمه عليها0
الرابعة : أن أكثر أدوات الاستفهام انتشارا في حوار الأسوار هي الأداة " هل " التي استخدمها محمد جبريل خمسا وخمسين مرة0 أما أقل الأدوات استخداما فهي " كم، متى " فمعدل استخدام كل أداة منهما لم يتجاوز المرة الواحدة، ولعل ضآلة وجود هاتين الأداتين راجع إلى دلالتهما الزمنية. وفى مكان خانق كالمعتقل، وبين نزلاء لم يعد يعنيهم تتابع الأيام والساعات والشهور والسنين، يصبح الاستفهام عن الزمن بالأداتين

الأخيرة : أن الاستفهام المفضي إلى استفهام آخر، يشف حينا عن فتور الرغبة في استمرار الحوار، ويشف حينا آخر عن حيرة النزلاء وعجزهم عن تقديم إجابات لما يلقى على أسماعهم من أسئلة. وعندما يكون السؤال: "ما هي المؤامرة0؟ " ويكون الجواب:" أي مؤامرة0؟ " فإن عجز المستفهم منه عن فهم مقاصد المستفهم وعن تقديم إجابة شافية عن الاستفهام ، وكذلك استخفافه بالمستفهم ، كل هذا يشكل جملة الناتج الدلالي الذي يوحى به التركيب0
5- الخاتمة والنتائج:
يمكنني في نهاية هذا البحث أن أوجز، فيما يلي، أهم ما توصلت إليه من نتائج:
أولا- نتائج تتصل بالمؤلف :
1- يؤمن محمد جبريل بالتراسل بين الفنون؛ بدليل استفادته بعدد من التقنيات السينمائية، كالسيناريو،القطع والوصل،الفلاش باك0وكذلك استفادته بالحوار وهو- في الأصل- تقنية مسرحية أكثر من الاعتماد عليها ، حتى إن مقاطع حوارية عديدة غدت بالسيناريو المعد لأحد أفلام السينما أو العروض المسرحية أشبه .
2- تأثر محمد جبريل، في استهلال الأسوار، بأحد تقاليد كتاب المسرح، وهو بدء الأحداث من نقطة تأزمها، وكانت نقطة التأزم التي انطلقت منها الأحداث مركبة من عنصرين: أحدهما معرفة الخائن"حلمي عزت" وبواعثه على الخيانة، ولماذا استهدف بخيانته الأستاذ دون غيره من النزلاء 0 ؟
والآخر:هو تنازع رغبات النزلاء حول تنفيذ نتيجة القرعة المشكوك في نزاهتها، أو إعادة إجراء قرعة نزيهة بغض النظر عمن تصيب بنتيجتها، وهو تنازع بالغ الضراوة؛ لأنه لا يعدو كونه تنازعا حول الإقدام على الموت أو الفرار منه إلى الحياة 0
(يتبع)
تعليق