الروائي محمد جبريل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #61
    وثمة ظاهرة لا تخطئها عين في حوار الأسوار، أعنى: شيوع أساليب الاستفهام شيوعا تبرره- أولا - طبيعة المكان " المعتقل " الذي يعد من أخصب الأماكن الحاضنة لهذا النوع من أساليب التخاطب؛ فإن التحقيقات التي تجرى على أرضه لا تعدو أن تكون مجموعة من التراكيب الاستفهامية0 ويبرره- ثانيا- ما يفعم النزلاء من ضيق وذهول وإحساس بالعجز عن فهم أو تفسير ما يجرى من حولهم0 ويبرره- أخيرا- نزوع محمد جبريل إلى تأريق المتلقي وبعثه على الإحساس بمأساة النزلاء وتحريره من سلبية التلقى .
    إن ما يفعم بكر رضوان من رفض لنتيجة القرعة، ومن ذهول إزاء استسلام الأستاذ لهذه النتيجة ، ومن ثقة في أن الأستاذ لم يرتكب أية جريمة، كل أولئك لم يأتنا عن طريق الأسلوب الخبري، بل عن طريق تراكيب استفهامية تواترت على لسانه تواترا سريع الإيقاع، نسمعه يخاطب الأستاذ: " كلماتك هي الوقود الذي يضرم إرادة النزلاء00 فلماذا تسلم نفسك إلى المصير الرهيب؟ لماذا لا تحرص على حياتك إن كان لها لديك قيمة0؟هل قتلت0؟هل سرقت0؟هل زنيت0؟ هل شهدت زورا0؟هل أقسمت كذبا0؟ أنت لم تفعل شيئا من ذلك. لم تفعل شيئا على وجه التحديد. فلماذا السكوت على النهاية البشعة0؟ هل أصبحت الكلمات الطيبة طريقا إلى الموت0؟ " (85 ) إن الإلحاح على تكرار"هل " الاستفهامية ست مرات، و"لماذا " ثلاث مرات، لا يمكن إلا أن يقحم المتلقي إقحاما في مأساة الأستاذ، ويدفعه دفعا إلى أن يشاطر بكر رضوان حيرته وذهوله أمام هدوء واستسلام الأستاذ من ناحية، وأمام إصرار إدارة المعتقل على حرق الأستاذ مع أنه لم يسرق أو يزن أو يقتل أو يشهد زوراً أو يقسم كذبا ، من ناحية أخرى .
    وكما تواتر الاستفهام على لسان بكر رضوان في الاقتباس الآنف، تواتر على ألسنة غيره من الشخوص الذين استحصدت حيرتهم فأفرغوها في تساؤلات لم ينتظروا عنها جوابا فى أغلب الأحيان ، نجد مثلا لذلك المقطع التالي:
    " قال وهيب تادرس:
    - يا أستاذ00 أنت تمثل صوتا واحدا00 ونحن نريد الخروج من المأزق00 فلماذا لا تعطينا الفرصة0؟
    - ولماذا قبلنا القرعة من البداية. ؟
    - هل كنا نرى الغيب ؟
    أضاف على الشامي:
    - وهل كنا نتوقع الخيانة ؟
    قال أنور عبد الحفيظ متسائلا:
    - الجزاء لابد أن يكون مقابلا لجريمة00 فما جريمتك.؟(86 )
    إن الأربعة الشخوص الذين ضمهم المقطع الآنف لم يكن حوارهم
    إلا تساؤلات يفضى بعضها إلى بعض، وحقا لا نجد بينهم من ينتظر من الآخر جوابا، لكن السؤال كان دوما بداية الوعي0 إن تواتر الأسئلة ، دون انتظار جواب ، يشف عن ضيق في الصدور، ورفض لما تخطط له إدارة المعتقل ، وافتقاد اليقين الذى يمكن الشخصية من تقديم إجابات عما يوجه إليها من أسئلة .
    وقد عبرت أساليب الاستفهام عن مأزق النزلاء، وتمزق نفوسهم إزاء اتهامات يعجزون عن تفسيرها ولا يستطيعون الاعتراف بها، ها هو توفيق عزوز يفرغ تمزقه وعجزه عن الفهم في تساؤله التالي: " هل أعترف بتهمة لا أعرفها " (87 ) .
    وتخلصت أكثر أساليب الاستفهام من دلالتها الوضعية، وخرجت إلى فضاءات دلالية جديدة أريد بها إنشاء معان ثوان، كالسخرية،التحقير،الدهشة، الاستبعاد، التعجب، التمني، الاستبطاء، التهويل، والتحريض؛ أما السخرية فقد خرج إليها الاستفهام في قول المأمور معلقا على التفاف النزلاء وبعض الحراس حول الأستاذ: " هل هذه عظة الجبل .؟ "( 88 ) المأمور على يقين من أن الأستاذ ليس المسيح عليه السلام، وأن النزلاء والحراس الملتفين حوله ليسوا الحواريين، وأن المكان " المعتقل " غير المكان " الجبل "0وإذن فهو يهدف بسؤاله لا إلى طلب العلم بما يجهل، بل إلى السخرية من جدوى عظات الأستــــــاذ فيمن حوله، وكأنما يقول للجميع: إنكم تحرثون في النهر.
    ومما خرج من أساليب الاستفهام إلى التحقير، قول الصول سعيد أثناء تعذيبه بكر رضوان:" نزلاء هذا المعتقل من النساء .. فما اسمك ؟" ( 89 ) ؛ فالمستفهم " الصول سعيد" لا يطلب العلم بما يجهل، بل يهدف باستفهامه إلى إذلال المستفهم منه " بكر رضوان" ، والمبالغة في تحقيره ، وإجهاض ما تبقى في نفسه من صلابة، وحمله على أن ينسى اسمه وماضيه ويستأنف داخل الأسوار حياة جديدة0
    وإلى التحقير أيضا خرج الاستفهام التالي، الذي جاء على لسان الأستاذ في واحد من حواراته مع مجاهد الغزالي، قبل أن تتحد إرادتهمـا: " من أنت حتى أطمع بالزعامة عليك .. ؟" ( 90 )
    ومما خرج من أساليب الاستفهام إلى الدهشة، قول مجاهد الغزالي مخاطبا الأستاذ:"هل لك عينان مثلنا وأذنان ويدان وقدمان؟"( 91 ) لا شك أن المستفهم "الغزالي" على يقين من أن الأستاذ- كغيره من الناس- له عينان وأذنان ويدان وقدمان، لكن سؤاله مفعم بالدهشة من قدرة الأستاذ على الاستئثار بمحبة الجميع؛ ذلك أن الذين لهم عيون وآذان وأياد وأقدام كالأستاذ، لم يؤتوا من القدرة على التأليف بين القلوب مثلما أوتي ، وفى هذا ما حرض المستفهم على التساؤل ، وما أخرج تساؤلــــه عن دلالته الوضعية ودفع به إلى فضاء الدهشة .
    وإلى الاستبعاد خرج الاستفهام في قول جابر الرأس: " وهل خلا
    المعتقل من الرجال ؟ "( 92 ) ؛ فالمستفهم "جابر الرأس" يدرك أن المعتقل ليس فيه إلا رجال، لكنه يستبعد أن يكونوا رجالا فقدوا مروءتهم، وانغمسوا في مستنقع الخيانة والأنانية ، وغدوا بالنساء أشبه.
    ومن أساليب الاستفهام التي خرجت إلى التعجب ، قول الأستاذ في حوار كان المأمور طرفه الثاني: " ألا أعلم تهمتي؟ " ( 93 )
    ومما خرج من أساليب الاستفهام مخرج التقرير، قول بكر رضوان مخاطبا سلامة القاضي: " ألم تقل للمباحث إنه أحد تلاميذك".(94 ) ؛ ذلك أن المستفهم إنما يريد أن ينتزع من سلامة القاضي اعترافا بصواب ما يسأل عنه0
    وإلى التمني خرج استفهام الأستاذ قبيل نهاية الرواية: " أليس الأجدى أن نناقش مأساة موتنا البطيء داخل هذه الأسوار؟ " ( 95 ) .
    كذلك خرج الاستفهام إلى الاستبطاء في قول مجاهد الغزالي: " فهل يظل لهيب الشمس قدرنا إلى ما لا نهاية ؟ " ( 96 ). وواضح أن المستفهم استطال مدة الاعتقال، واستبطأ مجيء الإفراج، وأعرب عن سآمته من الواقع الذي يعيشه خلف الأسوار، لكنه لم يخبر عن شيء من ذلك صراحة، بل دس هذه المعاني في طيات استفهامه.
    وإلى التهويل خرج الاستفهام التالي ، الذي جاء على لسان توفيق عزوز: " وما الحل إذا كفت الإدارة على الخبر ماجورا، ولم يعلم أحد بما حدث.. ؟( 97 ) ؛ فالمستفهم" توفيق عزوز" يستهول المستفهم عنه "الحل" ؛ لأن سلطة المعتقل تستطيع ببساطة أن تفرض على أخبار وحياة النزلاء ستارا حديديا لا يمكن اختراقه0 هنا تجدر الإشارة إلى أن الكاتب يتناص ، في الاستفهام الآنف، مع المثل الشعبي " اكف على الخبر ماجورا" ، وأنه برغم سمة القصر التى تلف الجمل الحوارية فإن الحشو تسرب إلى الاستفهام الآنف ؛ لأن جملة :" ولم يعلم أحد بما حدث" لم تضف إلى دلالة المثل بعدا جديدا0ويبدو أن خوف الكاتب من خفاء دلالة المثل على بعض المتلقين الذين ليس لهم معرفة كافية بأمثال العوام، أوقعه في هذا الحشو. وبغض النظر عن مبعث الخوف، فإن المتلقي الذي أوكل إليه الكاتب سد الثغرات الدلالية المفتوحة عمدا، ومتابعة أقوال غير مسبوقة بأسماء قائليها ، وقراءة رواية يتقاطع فيها السرد مع الحوار، والحوار مع المناجاة والمونولوج، لن يعجزه أن يفهم دلالة المثل: " كفت الإدارة على الخبر ماجورا"، ولن يكون بحاجة إلى زوائد مثل: " ولم يعلم أحد بما حدث" ولاسيما أن أمثال العوام إن لم تكن شائعة بلفظها ومعناها على ألسنة العربي أينما كان، فهي شائعة بمضمونها مع شيء من التحوير في لفظها 0أيضا تجدر الإشارة إلى أن مبنى المثل الشعبى تعرض لشىء من التحوير عبر عملية التناص .
    وإلى التحريض خرج الاستفهام في قول خليل عبد النبي مخاطبا أمين سالم:" وما يمنعك من إطلاق رغباتك ؟.... " ( 98 ) ؛ فالمستفهم لا يريد أن يعرف من أمين سالم أسباب عدم تحقق رغباته، بل يحرضه على الانتفاع بما طرأ على المعتقل من تغيير كان من ثماره أن" اختفت طوابير العمل، وطقوس التعذيب، ولحظات الخوف والقلق والتوتر" ( 99 ) وهى تغييرات تهييء للمستفهم منه " أمين سالم" أن يطلق لرغباته العنـان دون خوف، وتجعل الاستفهام أدل على التحريض منه على طلب المعرفة0
    وإلى الاستمالة خرج الاستفهام في قول المأمور: " كيف حالك يا حلمي عزت" (100 ) ؛ ذلك أن حال المستفهم منه لا يعنى المستفهم " المأمور" في شيء، وإنما أراد المستفهم أن يستميل حلمي عزت؛ ليعرف منه اسم الذى حرض النزلاء على الصراخ، ولولا هذا الهدف لما استدعاه إلى مكتبه بداهة، ولما دعاه إلى الجلوس على المقعد بدلا من الجلوس على الأرض. هنا تجدر الإشارة إلى دور السياق في تعزيز دلالة الاستفهام الآنف على الاستمالة، وهذا الدور يتضح بجلاء عند نزع التركيب من سياقه والاكتفاء بالنظر إلى السؤال والجواب، ففي هذه الحال يبقى الاستفهام حبيس دلالته الوضعية على طلب العلم بما هو مجهول للسائل ، وهى دلالة مجردة من الاستمالة.
    ومن أساليب الاستفهام ما لا يمكن حمله على دلالته الحقيقية. وأي حقيقة يمكن أن نحمل عليها تساؤل نزلاء عنبر ثلاثة:" ماذا يفيد الغنم إذا فقدت راعيها؟ "( 101 ) ونحن نعلم أنه ليس فى المعتقل غنم ولا راع على التحقيق، وما الأغنام إلا كناية عن النزلاء، وما الراعي إلا كناية عن الأستاذ، وإنما أراد النزلاء بالاستفهام أن يحذروا من لا جدوى موت الأستاذ بسبب قرعة دبرت إدارة المعتقل نتيجتها سلفا.
    ومن الأساليب ما لا يمكن حمله إلا على حقيقة معناه ، كالاستفهام: " ما اسمك ؟ ( 102 ) " الذى ورد غير مرة على ألسنة المحققين .
    وتخلصت بعض أساليب الاستفهام من الأداة، واعتمدت على المقام والتنغيم، ولا غرو؛ فإن" الاختيارات الأسلوبية لا تحكمها ظواهر اللغة الخالصة فحسب، بل تحكمها كذلك محددات المقام، ونعنى بها الخصائص التي تحدد الظرف الاجتماعى- المادي socio- Physical Envelopالذي سيق في إطاره الكلام؛ سواء أكان منطوقا أم مكتوبا"0( 103 )
    ومن الاستفهام المؤسس على النغة والمقام، ما جاء في الأنموذج التالي : " ضرب وهيب تادرس كفا بكف، وقال في غضب :
    - ها هي المشكلة الحقيقية" أمين سالم مذنب أم بريء " ( 104 )
    فقد حذف الكاتب أداة الاستفهام من صدارة الجملة مستعيضا عنها بالسياق والنغمة الصوتية الصاعدة التي تفيد الاستفهام، مجاريا في ذلك الاستعمال اللغوي المعاصر، الذي ألف الاستفهام بالنغمة الصوتية عوضا عن الاستفهام بأحد أدوات الاستفهام التقليدية.( 105 )
    ويعتمد الكاتب على النغمة والسياق في إقامة استفهام يشف عن الرفض والحيرة، على نحو ما يلوح في الاقتباس التالي:
    " قال وهيب تادرس في نفاد صبر:
    - الأستاذ رفض كل الحلول00 فهل يشير علينا بما يراه؟
    قال :
    - رفض القرعة خطأ 0
    - والخيانة ؟ 00
    - التعلل بالخيانة خطأ00" ( 106 )
    إن جملة: " والخيانة" لم تسبقها أو تليها أداة استفهام، وإنما تستمد دلالتها الاستفهامية من نغمة المتكلم بها: " وهيب تادرس " ، ومن إشارة السارد إلى نفاد صبر وهيب تادرس، ومن الجملة الاستفهامية:" الأستاذ رفض كل الحلول00 فهل يشير علينا بما يراه0؟ "
    ومن الملاحظ أن بعض أساليب الاستفهام تكرر ذكرها على ألسنة المحققين وبعض النزلاء؛ أما ما تكرر على ألسنة المحققين فمنه:" ما هي المؤامرة؟"،( 107 )،"أين زملاؤك؟"( 108 )"أين زملاء التنظيم؟"( 109 )، وأما ما تكرر على ألسنة بعض النزلاء فمنه:" ماذا تريد منى؟ ". (109 )
    إن تكرار هذه الأساليب يتسق مع طبيعة المكان" المعتقل"، ويــوحي بإفلاس القائمين على التحقيق إذ يجعلهم بالببغاوات الــــتي تكتـــفـي بترديد ما تلقنته أشبه0
    ما أخلص إليه هو أن أسلوب الاستفهام يضاعف الإنتاج الدلالي للجملة الحوارية في الأسوار، ولو شاء الكاتب أن يعبر بالجمل الخبرية، عن المعاني التي عبر عنها بالجمل الاستفهامية، لاحتاج مئات الصفحات، مع ما يستتبع ذلك من ترهل يقلص قدرة الرواية على إغراء المتلقي العصري بالقراءة0 هذه خلاصة0
    الثانية: أن تسلط بنية الاستفهام على الحوار يعكس حرص الكاتب لا على تكثيف الجملة الحوارية فحسب، بل على جذب انتباه المتلقي، ودرء الملل عنه، وإثارة فضوله، ولا غرو؛ فالأديب" يوظف الاستفهام توظيفا فنيا للتعبير عن المعنى الذي يريد الإفضاء به، غير أنه يتوجه به غالبا إلى المتلقي لإثارة انتباهه، أو حفزه لقبول فكرة000 بطريق تخلو من المباشرة، كما أنه يستخدم للتعبير عن الذات المبدعة حين تدهش من الأشياء ولا تستطيع الحسم تجاهها، وحين تواجه بالاختيارات، وتتردد أمام الموقف باحتمالاته العديدة0" (111 )
    الثالثة : أن الأسلوب اختيـار، وانحياز الكاتب إلى أسلوب الاستفهام ينطوي على تفضيله بعض طاقات اللغة على بعضها في لحظة محددة من لحظات الاستخدام اللغوي ، ويشف عن طريقة الكاتب فى التفكير، وطبيعة انفعالاته، ونظرته إلى الأشياء وحكمه عليها0
    الرابعة : أن أكثر أدوات الاستفهام انتشارا في حوار الأسوار هي الأداة " هل " التي استخدمها محمد جبريل خمسا وخمسين مرة0 أما أقل الأدوات استخداما فهي " كم، متى " فمعدل استخدام كل أداة منهما لم يتجاوز المرة الواحدة، ولعل ضآلة وجود هاتين الأداتين راجع إلى دلالتهما الزمنية. وفى مكان خانق كالمعتقل، وبين نزلاء لم يعد يعنيهم تتابع الأيام والساعات والشهور والسنين، يصبح الاستفهام عن الزمن بالأداتين كم، متى) غير ذي جدوى.
    الأخيرة : أن الاستفهام المفضي إلى استفهام آخر، يشف حينا عن فتور الرغبة في استمرار الحوار، ويشف حينا آخر عن حيرة النزلاء وعجزهم عن تقديم إجابات لما يلقى على أسماعهم من أسئلة. وعندما يكون السؤال: "ما هي المؤامرة0؟ " ويكون الجواب:" أي مؤامرة0؟ " فإن عجز المستفهم منه عن فهم مقاصد المستفهم وعن تقديم إجابة شافية عن الاستفهام ، وكذلك استخفافه بالمستفهم ، كل هذا يشكل جملة الناتج الدلالي الذي يوحى به التركيب0
    5- الخاتمة والنتائج:
    يمكنني في نهاية هذا البحث أن أوجز، فيما يلي، أهم ما توصلت إليه من نتائج:
    أولا- نتائج تتصل بالمؤلف :
    1- يؤمن محمد جبريل بالتراسل بين الفنون؛ بدليل استفادته بعدد من التقنيات السينمائية، كالسيناريو،القطع والوصل،الفلاش باك0وكذلك استفادته بالحوار وهو- في الأصل- تقنية مسرحية أكثر من الاعتماد عليها ، حتى إن مقاطع حوارية عديدة غدت بالسيناريو المعد لأحد أفلام السينما أو العروض المسرحية أشبه .
    2- تأثر محمد جبريل، في استهلال الأسوار، بأحد تقاليد كتاب المسرح، وهو بدء الأحداث من نقطة تأزمها، وكانت نقطة التأزم التي انطلقت منها الأحداث مركبة من عنصرين: أحدهما معرفة الخائن"حلمي عزت" وبواعثه على الخيانة، ولماذا استهدف بخيانته الأستاذ دون غيره من النزلاء 0 ؟
    والآخر:هو تنازع رغبات النزلاء حول تنفيذ نتيجة القرعة المشكوك في نزاهتها، أو إعادة إجراء قرعة نزيهة بغض النظر عمن تصيب بنتيجتها، وهو تنازع بالغ الضراوة؛ لأنه لا يعدو كونه تنازعا حول الإقدام على الموت أو الفرار منه إلى الحياة 0
    (يتبع)

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #62
      (القسم الأخير)
      ....................
      ثانيا- نتائج تتصل بالنص:
      1- يأتي الاستهلال في الأسوار مباينا لمألوف الاستهلال في السرد الروائي العربي حتى أوائل السبعينيات . إنه بدون أية تمهيدات سردية ، يجد القارىء نفسه أمام خمسة اقتباسات، ومقطع حواري يناقش أزمة متفاقمة بسبب خيانة لا يعلم من أمرها شيئا .
      2- إن المباينة تمتد إلى مناطق عديدة من الأسوار ، كتلك المناطق التى يشتبك فيها السرد بالحوار، أو الحوار بالمناجاة والمنولوج . هذا إلى أشكال التناص المتعددة،كالاستدعاء بالاسم :"كامي"،والاستدعاء بالقول : "الدين أفيون الشعوب"، وتوظيف الأمثال الشعبية بعد تحويرها:"وماذا لو كفت الإدارة على الخبر ماجورا؟ " أواستخدامها كما تجري على ألسنة العوام :" اللي مكتوب ع الجبين،لازم تشوفه العين" إلى غير ذلك من أشكال التناص التي تجعل الأسوار إحدى طلائع الروايات العربية المنفتحة على غيرها من النصوص .
      3- وقد خلخلت الأسوار الثنائية التقليدية التي تقسم الشخصيات إلى شخصية رئيسة تستأثر بكل الأضواء - تبنى ألان روب جرييه وناتالى ساروط وكلود سيمون وميشال بوتور ، الدعوة إلى موت البطل وتوزيع الأضواء ، التى كان يستأثر بها فى الرواية التقليدية ، على بقية الشخصيات - وشخصيات ثانوية مجندة لخدمة البطل؛فليس للأستاذ- برغم تأثيره الحاسم- ثمة امتياز على غيره من الشخصيات،بل إنه أقلهم كلاما0
      وبرغم كثرة شخصيات الرواية ، فإن شخصية لم تنسخ أخرى ،وقلما نجد شخصية غير نامية ، بل إن نمو شخصيات مثل مجاهد الغزالي وحلمي عزت كان بالانقلاب المسرحي أشبه .
      4- وهناك ثمة تشابه بين مثالية الأستاذ فى الأسوار و مثالية " الأب جوريو " عند بلزاك . كما أن طالب الطب " وهيب تادرس " فى الأسوار يحمل من الضمير الحى وشجاعة المواجهة ما يذكرنا بطالب الطب " بيونشون " فى رواية " الأب جوريو " .
      5- إن رائحة الوجودية تفوح فى أرجاء الأسوار؛ فعيش النزلاء في خطر،وارتقابهم الموت،وتطلعهم إلى الحرية ، واستعدادهم للتضحية من أجلها ، والوعي الذي أنطق الصامتين وأسقط الممنوعات التى فرضتها إدارة المعتقل ، كل أولئك من روائح الوجودية0
      6- هناك سمتان أسلوبيتان تميزان الجمل الحوارية فى الأسوار ، إحداهما : نزوع الجمل إلى القصر ، والأخرى : غلبة أساليب الاستفهام. وكلتا السمتين تعبر عن ضيق الشخوص بالمكان وذهولهم من هول ما يقع حولهم . وقد خرجت أكثر أساليب الاستفهام إلى فضاءات دلالية بعيدة عن استخداماتها الحقيقية .

      ثالثا : نتائج تتصل بالقارئ :
      1- إن القارئ العادى يضطر،منذ العتبات الأولى للأسوار ،إلى التخلى عن الكثير من التقاليد التى تربى عليها فى قراءة النصوص السردية، وخاصة بعد تقليص مهام السارد ، وتناقص العون الذى طالما قدمه إلى قراء الرواية التقليدية .
      2- ثمة وظائف جديدة يقوم بها قارئ الأسوار ، مثل تقدير المحذوف من عناصر الجملة الحوارية ، ومعرفة المتكلم من كلامه فيما جاء من الجمل غير مسبوق باسم المتكلم ، والفصل بين الكلام المنطوق والكلام الصامت ، بين الحقيقى من الاستفهام والمجازى ، بين الاستفهام بالنغمة والاستفهام بالأداة .
      3- إن أشكال التناص ، فى الأسوار ، تفرض على القارئ أن يتسلح بثقافة غير تقليدية ؛ ليعرف مغزى انفتاح الرواية على غيرها من النصوص ، ومغزى استدعاء شخصيات مثل " كامى " . ولو اكتفى القارئ العادى بثقافته التقليدية فلن يكون بوسعه - مثلا - الاستدلال بمقولة " الدين أفيون الشعوب " على ماركسية المتحدث بها " سلامة القاضى " .
      الهوامش:
      (85) الأسوار ، ص 26 .
      (86) الأسوار ، ص 63 .
      (87) الأسوار ، ص 52 .
      (88) السابق ، ص 23 .
      (89) الأسوار ، ص 54 .
      (90) السابق ، ص 76 .
      (91) نفسه ، ص 75 .
      (92) الأسوار ، ص 97 .
      (93) السابق ، ص 36 .
      (94) نفسه ، ص 36 .
      (95) نفسه ، ص 122 .
      (96) نفسه ، ص 48 .
      (97) الأسوار ، ص 47 .
      (98) الأسوار ، ص 96 .
      (99) السابق ، ص 94 .
      (100) نفسه ، ص 80 .
      (101) الأسوار ، ص 99 .
      (102) السابق ، ص 38 . وانظر نماذج أخرى للاستفهام الحقيقى ، ص 54 ، 64، 83.
      (103) د. سعد مصلوح ، فى النص الأدبى " دراسات أسلوبية إحصائية " ص 36 : 37 ، ط: الثالثة ، عالم الكتاب ، القاهرة ، 1422 هـ : 2001 م .
      (104) الأسوار ، ص 23 .
      (105) انظر، د. يوسف أبو العدوس ، همزة الاستفهام بين المفهومين النحوى والبلاغى ، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، المجلد الثانى، العدد الثانى ، كانون الأول ،1987، ص 170 : 171.
      (106) الأسوار ، ص 7 .
      (107) تكرر فى الأسوار ، ص 64 ، 83 .
      (108) تكرر فى الأسوار ، ص 83 ، 85 .
      (109) تكرر فى الأسوار ، ص 65 ، 84 .
      (110) تكرر فى الأسوار ، ص 84 .
      (111) انظر ، د. عبد الفتاح عثمان ، الأسلوب القصصى عند يحيى حقى ، ص 205 : 206 ، مكتبة الشباب ، القاهرة ، 1990 م .



      المصادر والمراجع والدوريات
      أولا – المصادر والمراجع :
      1 – ابن يعيش :
      شرح المفصل ، ط : عالم الكتاب ، بيروت ، د-ت .
      2 – أنجيل بطرس سمعان " الدكتورة " :
      دراسات فى الرواية العربية ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1987 م .
      3 – حامد أبو أحمد " الدكتور " :
      مسيرة الرواية فى مصر ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000 م .
      4 – رشاد رشدى " الدكتور " :
      فن كتابة المسرحية ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1998 م .
      5 – روبرت همفرى :
      تيار الوعى فى الرواية الحديثة ، ترجمة : د. محمود الربيعى ، ط : الثانية، دار المعارف ، القاهرة ، 1975 م .
      6 - رينيه ويلك – أوستن وارين :
      نظرية الأدب ، ترجمة : د. محيي الدين صبحى ، ط : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، 1987 م .

      7 – سعد مصلوح " الدكتور " :
      فى النص الأدبى " دراسات أسلوبية إحصائية " ، ط : الثالثة ، عالم الكتاب، القاهرة ، 1422 هـ - 2001 م .
      8 – شعيب حليفى :
      شعرية الرواية الفانتاستيكية ، ط : المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 1997 م .
      9 – صلاح فضل " الدكتور " :
      منهج الواقعية فى الإبداع الأدبى ، ط : الثالثة ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت ، 1406 هـ - 1986 م .
      10 – طه وادى " الدكتور " :
      دراسات فى نقد الرواية ، ط : الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1989 م .
      11 – عبد الفتاح عثمان " الدكتور " :
      الأسلوب القصصي عند يحيى حقي ، ط: مكتبة الشباب، القاهرة، 1990م .
      12ـ عبد الفتاح عثمان"الدكتور":
      بناء الرواية ، ط : مكتبة الشباب ، القاهرة ، د ـ ت.
      13ـ عبد المحسن طه بدر" الدكتور":
      نجيب محفوظ : الرؤية والأداة، ط: دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة، د ـ ت.
      14ـ عبد الملك مرتاض"الدكتور":
      في نظرية الرواية، سلسلة عالم المعرفة، العدد"240"، الكويت، شعبان 1419هـ ـ 1998م.
      15- محمد جبريل :
      الأسوار " لحظات مصيرية " ط : الأولى ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 1973 م .
      16ـ محمد يوسف نجم" الدكتور":
      فن القصة، ط: الأولى، دار صادر، بيروت ، دار الشرق، عمان، 1996م.
      17ـ نبيل راغب" الدكتور":
      موسوعة الإبداع الأدبي،ط: الأولى، لونجمان، 1996م.
      18- نبيلة إبراهيم " الدكتورة " :
      فن القص فى النظرية والتطبيق ، ط : مكتبة غريب ، القاهرة، د- ت .

      ثانيا- المراجع الأجنبية :
      19- J. Milton Cowan, Hans , Wehr. Macdonald and Evans Ltd , London , 3 rd Ed . 1980
      20 -Roger Caillois , G. Gruneaun : le Reve et les sociètès humaines , Gallimard , 1967 .

      ثالثاـ الدوريات :
      21ـ حميد لحمدانى :
      عتبات النص السردي، مجلة علامات، دورية يصدرها النادي الأدبي الثقافي بجدة، العدد 12، شوال 1423هـ ـ ديسمبر 2002م.
      22ـ طه محمود طه" الدكتور":
      القصة في الأدب الإنجليزي ، مجلة القصة، السنة الأولى، العدد الثاني، القاهرة، فبراير 1964م.
      23ـ فرانسوا مورياك :
      الروائي وأشخاص روايته، ترجمة:عادل الغضبان، مجلة الكتاب، ديسمبر 1952م.
      24ـ يوسف أبو العدوس"الدكتور":
      همزة الاستفهام بين المفهومين اللغوي والبلاغي، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، المجلد الثاني، العدد الثاني، كانون الأول 1987م.

      (انتهت الدراسة)

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #63
        «أخبار الوقائع القديمة» مجموعة جديدة لمحمد جبريل

        «أخبار الوقائع القديمة» مجموعة قصصية جديدة لمحمد جبريل، أصدرتها الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «أصوات أدبية».
        تضم المجموعة القصصية إحدى عشرة قصة قصيرة، نُشر معظمها في صحيفة «الأهرام» ومجلة «أكتوبر»، هى: انكسارات الرؤى المستحيلة، كيف أذوق حلاوة ما لا أعرفه، أخبار الوقائع القديمة، الحصار، مساحة الظل، الهدف، صدى البوح، بكائية للزمن القديم، ضالة المريد، الحكواتى، السجادة.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #64
          *نختار لكم هذه القصة من المجموعة:

          *انكسارات الرؤى المستحيلة*
          .........................


          قال أحمد أنيس وهو يضع رزمة النقود على مكتبى :
          ـ ثلاث ساعات وأنا أتنقل بين البنك المركزى وبنط مصر وبنك فيصل ..
          أودعت رزمة النقود درج المكتب:
          ـ ما فعلته جزء من عملك ، فلم تشكو ؟
          رسم على وجهه ابتسامة معتذرة :
          ـ لم أقصد الشكوى ، لكننى أشرح ما حدث ..
          لما ضاق وقتى عن استيعاب مسئولياتى ، عهدت إلى أحمد أنيس بأن يقدم لى من وقته بدلاً من وقتى الذى لم يكن بوسعى أن أضيعه . مكانتى تفرض الحاجة إلى الوقت . أختلف مع ما يحتاجه أحمد أنيس . هو لا يريد إلا الأجر الذي ينفق منه على احتياجات يومه ..
          كنت أضيع الوقت فى انتظار المصعد، دوري أمام شباك السينما ، وفى مكتب شركات الطيران، وداخل البنك ، وصالة الاستقبال بعيادة الطبيب، والوقوف بالسيارة في إشارة المرور، والوقوف في طوابير وصفوف، انتظاراً لشيء أطلبه. واللقاءات الشخصية، وأحاديث التليفون، والتوقيع على أوراق مهمة، وبلا قيمة. وكان الطريق يبتلع أكثر من ساعة بين البيت في مصر الجديدة، والمكتب في المهندسين ..
          ماذا يحدث لو أنى لم أعترف بالوقت ؟ لو أنى أنكرت وجوده أصلاً ؟.. أصحو وأعمل وأنام. لا يرتبط ما أفعله بشروق الشمس ولا غروبها، ولا أيام السبت والأحد إلى نهاية الأسبوع . حتى الساعة انزعها من يدي، فلا يشغلني ما فات ولا ما أترقبه. لكن الآخرين يصرون على السنة والشهر والساعة واللحظة. يصرون على الوقت ..
          هذا ما أفعله بالضرورة ..
          الوقت الذى لا يضيع ، لا يمكن أن أسترده ، أو أعوضه . حرصت على أن أختصر من عاداتى ما يضيف إلى وقت الإنجاز . لم أعد أحلق ذقنى صباح كل يوم . ربما أخرت حلاقتها إلى صباح اليوم الثالث . تبينت أنه لم تعد الذقن غير الحليقة تليق بمكانتى . أوصيت على ماكينة كهربائية ، أستعملها فى الأوقات الضائعة ، فى جلستى وراء السائق . وكنت أرجئ تنفيذ بعض ما يجب إنجازه ، فأنهيه فى وقت واحد ..
          قرأت أن الوقت هو الرمز النهائى للسيادة، وأن هؤلاء الذين يسيطرون على وقت الآخرين لديهم القوة. من يملكون القوة يسيطرون على وقت الآخرين ..
          أريد أن أفيد من كل ساعة، كل دقيقة ، كل ثانية . لدى الكثير مما يهمنى أن أنجزه. الحياة قصيرة إن لم نحسن استغلالها . نضيف إليها وقت الآخرين، ما نحصل عليه من وقتهم . لن تمضى حياتى على النحو الذى أطلبه، ما لم تأخذ من حياة الآخرين . إنهم يجب أن يضيفوا إلى حياتي، يعملون لها ..
          أزمعت أن أحصل على الوقت الذى أحتاج إليه من رجل ، شاب ، عنده الفائض من الوقت ..
          أطلت الوقوف على باب الحجرة ، حتى رفع أحمد أنيس رأسه من الأوراق والملفات المكدسة على المكتب :
          ـ أفندم يا سعادة البك ..
          سعدت للذهول ـ وربما الخوف ـ الذى نطق فى ملامحه ..
          لم أتردد على مكتبه، ولا أى مكان فى المبنى . المرئيات ثابتة منذ الباب الخارجي، وصعودي السلمات العشر ، ثم الميل إلى اليمين، والسير فى الطرقة المفروشة بالمشاية الحمراء ، الطويلة ، على جانبيها لوحات أصلية ، وإضاءة خافتة . شندى الساعى ـ فى نهاية الطرقة ـ يسرع إلى فتح الباب. تطالعنى الحجرة الواسعة، المطلة على النيل: الأبواب والنوافذ ذات النقوش البارزة ، والزجاج المتداخل الألوان، والأرفف الخشبية رصت فوقها كتب وأوراق وأيقونات صغيرة وشمعدانات، والأرض فرشت سجادة تغلب عليها النقوش الحمراء، فوقها كنبتان متقابلتان ، يتخللهما طاولات وكراسى، والمكتب الضخم فى الوسط ، من الأبنوس والصدف ، وقبالة الباب مرآة هائلة تغطى معظم مساحة الجدار ، وتدلت من السقف نجفة كريستال هائلة ..
          بدا أحمد أنيس مرتبكاً ، لا يدرى إن كان عليه أن يظل فى وقفته أم يقبل ناحيتى ..
          أشرت إليه ، فلم يغادر موضعه . أهملت ما ينبغى على رئيس العمل أن يحرص عليه . يستدعى مرءوسيه ولا يذهب إليهم . تأتيه أخبارهم ، ويضع جداراً غير مرئى بينهم وبينه ..
          قلت :
          ـ أحيى إخلاصك ..
          ـ هذا هو عملي ..
          فاجأته بالسؤال :
          ـ هل المرتب يكفيك ؟
          وهو يغالب الارتباك :
          ـ أدبر نفسي ..
          ـ ما رأيك في عمل بعد الظهر ؟
          وشى صوته بالانفعال :
          ـ سيادتك ..
          ثم فى استسلام :
          ـ أنت الرئيس ومن حقك ..
          قاطعته :
          ـ لا شأن لهذا العمل برئاستى .. إنه عمل آخر .. إضافى ..
          رنوت إليه متملياً : القامة القصيرة ، المدكوكة ، الجبهة الواسعة ، الوجنتين البارزتين ، الأسنان التى اختلط فيها السواد والصفرة ، البشرة الدهنية ، دائمة التفصد بالعرق ..
          حدست السؤال الذى لابد أنه سيخاطب به نفسه : لماذا اخترته دوناً عن بقية الموظفين ؟
          فتشت عن الكلمات لأشرح له بواعث اختيارى . ثم تنبهت إلى أنه ليس من حقه أن يسألنى ، ولا أن يناقشنى فيما أختار ..
          تركت له معظم الوقت الذى كان يسرقنى . تحكم فيه بما أثار إعجابى ، وربما حسدى . أجاد كل ما أسندته إليه ..
          لم يكن يمارس عملاً واحداً ، هو سكرتير ، وسائق، وطباخ، وخادم. أدهشنى بما يعرفه فى الأبراج وعلوم الفلك وقراءة الطالع، وفهمه لقوانين الألعاب الرياضية ، وحفظه لفرق الوقت فى مدن العالم ، وللنكات الحديثة ، وإجادته تلخيص الروايات والمسرحيات والأفلام بما لا يخل بالمعنى، وتقديم المعلومة التى تعوزنى فى اللحظة التى أطلبها. ربما لجأت إليه فى أوقات الليل يسرى عنى بحكاياته الغريبة، المشوقة ..
          وفر لى النجاح فى استثمار الوقت ساعات أخرى : يعرفنى مفتشو الجمارك ، فيتركون حقائبى بلا تفتيش . لا يفتحون الحقائب أصلاً . يتعرف على التاجر ، ويعرفنى بنفسه ، يجرى لى ما لم أكن طلبته من خصم على ما اشتريته . وكان يخلص ـ بلا متاعب ـ أذون الشحن ، ويتذوق الطعام الجيد ، ويشير بالأماكن المريحة ، ويجيد تقليد الأصوات والحركات ، ويجيد اختيار الطاولة القريبة من " بيست " الملهى الليلي، ويحسن التصرف فى الأوقات السخيفة، وينقل فضائح المجتمعات الراقية، ويتحمل العبارات التى يمليها الغضب ..
          ما وصلت إليه من مكانة ، يدفع من ألتقى بهم إلى انتظاري، فلا يشغلنى انتظارهم. ينتظرون حتى الموعد الذى أحدده. من المسموح لى أن أضيع وقتهم، وليس من حقهم أن يضيعوا وقتى . أعتذر بالقول: أنا مشغول الآن .. هل يمكن إرجاء هذا الأمر إلى وقت آخر؟.. هذه المشكلة تحتاج إلى مناقشة ليس الآن مجالها .. سأحدثك عن ملاحظاتى فى فرصة قادمة .. أملى القرار ، لا أتوقعه، لا أنتظره ..
          عاودت النظر إلى ساعة الحائط . تثبت من الوقت فى ساعة يدى . يدخل الخادم بالصحف فى التاسعة صباحاً . أطالعها ، أو أتصفحها ، حتى التاسعة والنصف ..
          علا صوتى :
          ـ أين الصحف ؟
          ـ سألخصها لسيادتك ..
          لم أفطن إلى وجوده فى الفراندة المطلة على الحديقة الخلفية . اعتدلت بحيث واجهته :
          ـ لكننى أقرأها بنفسى ..
          ـ الأخبار المهمة سألخصها بنفسى ..
          ثم وهو يربت صدره :
          ـ هذا عملى ..
          تبادلت كلاماً ـ لا صلة له بالعمل ـ مع أصدقاء فى الكازينو المطل على النيل . أفيد من فائض الوقت، ولا أعاني قلته. تحدثنا فى السياسة ، والأغنيات الجديدة ، ومباريات الكرة، وتقلبات الجو ، وفوائد السير ـ كل صباح ـ على طريق الكورنيش ..
          لم يعد هناك ما يشغلنى . أحمد أنيس تكفّل بكل شئ . يتابع تنفيذ القرارات دون أن يستأذننى فى إصدارها. حتى المكالمات التليفونية يسبقنى إلى الرد عليها . يؤكد وجودي، أو يلغيه . يتمازج الإشفاق والود فى ملامحه:
          ـ نحن أولى بالوقت ..
          علا صوتى ـ بعفوية ـ حين دفع باب حجرة المكتب ، ودخل . تبعه ما يقرب من العشرة . يحملون كاميرا وحوامل وأوراق وأشرطة تسجيل ..
          أشار أحدهم ـ دون أن يلتفت ناحيتى ـ إلى مواضع فى المكتب يرى أنها تستحق التصوير ..
          لم أكن مشغولاً بقراءة ولا متابعة ، ولا أستمع إلى الإذاعة ، أو أشاهد التليفزيون. كنت أتأمل لوحة الجيوكندا، وسط الجدار ، أحاول تبين ما إذا كانت نظرة الموناليزا تتجه ـ بالفعل ـ إلى كل من ينظر إليها ..
          وضع فمه فى أذني:
          ـ هذا برنامج للتليفزيون .. عن مشوار حياتك ..
          ـ لكننى غير مستعد لهذا البرنامج .. لست مستعداً لأي شئ ..
          دفع لى بأوراق :
          ـ عليك فقط أن تتصفح هذه الكلمات ..
          وقلت له ـ ذات مساء ـ بلهجة معاتبة :
          ـ يفاجئنى الأصدقاء بالشكر على رسائل تهنئة وهدايا ..
          وهو يدفع نظارته الطبية على أرنبة أنفه :
          ـ عندى قوائم لكل المناسبات السعيدة للأصدقاء .. وأتابع أنشطتهم الاجتماعية جيداً ..
          مددت شفتى السفلى دلالة الحيرة :
          ـ أخشى أنهم يفطنون لارتباكى ..
          وواجهته بنظرة متسائلة :
          ـ لماذا لا تبلغنى بهذه المناسبات قبل أن ترسل تهانيك وهداياك ؟
          ـ وقتك أثمن أن تبدده فى هذه التفاصيل الصغيرة ..
          أعدت النظر إلى ما كنت أطلبه من أحمد أنيس .
          لم أعد أرفض قيامه بشىء ما دون أن يبلغنى به. كان يرد على الرسائل دون أن يتيح لى قراءتها، ويبلغ المتحدث على التليفون بما يرى أنها تعليماتي، ويبعث بالمذكرات إلى من ينتظرونها ، ويوافق على الدعوات التى يثق فى ترحيبى بها، ويرفض ما يثق أنى سأرفضه ..
          طويت الجريدة ، ووضعتها على الطاولة أمامى :
          ـ أنا لم أقل هذا الكلام ..
          بدا عليه ارتباك :
          ـ لكنه يعبر عن آرائك ..
          ثم وهو يرسم على شفتيه ابتسامة باهتة :
          ـ هل فيه ما ترفضه ؟
          ـ بالعكس .. لكنه ينسب لي ما لم أقله ..
          أحنى رأسه بالابتسامة الباهتة :
          ـ دع لى مسألة الحوارات والأحاديث ، لأنها تأخذ من وقتك ما قد تحتاجه للراحة أو التأمل ..
          وأنا أعانى إحساس المحاصرة :
          ـ إذن ناقشنى فى الأفكار التى ستقولها ..
          تهدج صوته بالانفعال :
          ـ هذا ما سأفعله حين يصادفنى ما أحتاج لمعرفته ..
          بدا لى أن العالم رتب أموره بدونى. لم يعد لدى ما أفعله سوى التأمل واستعادة الذكريات . مللت ما أحبه من أغنيات ، فأهملت سماعها . سئمت مشاهدة الأفلام التى وضعها فى الفيديو . فارقنى القلق والتوقع والتخمين . تنبهت لانشغال يدى بمسح زجاج المكتب بمنديل ورقى . رنوت ناحية الباب الموارب ، أتأكد إن كان أحداً قد رأى ما فعلت ..
          قلت :
          ـ أنت تأخذ قرارى ؟
          ارتعشت أهدابه :
          ـ أنا أحدس رأيك ..
          غالبت نفسى فلا يبين ما أعانيه :
          ـ ماذا أفعل أنا إذن ؟
          ـ أنت تخطط وتشرف .. وأنا أنفذ ..
          حدجته بنظرة تفتش عن معنى غائب :
          ـ هذا لم يعد يحدث ..
          حدثنى عما لم أكن أعرفه فى نفسى . أبتعد بنظراتى ، ولا أميل إلى المجتمعات ، ولا أصلح للخطابة ، أو التحدث فى اللقاءات العامة . لا يجتذبنى ما قد يثير الآخرين ، وأعانى التردد فى الاختيار ، وفى اتخاذ القرار ، والمجازفة ..
          أومأت على ملاحظاته بالموافقة . لم أحاول السؤال ، أو مناقشة التصرفات التى جعلتنى ذلك الرجل فعلاً ..
          أتابعه بنظرة ساكنة وهو يتحرك فى حجرات البيت . يرفع الصور واللوحات من أماكنها على الجدران. ينقلها إلى مواضع أخرى. لا يعنى حتى بأن يلمح ـ فى ملامحى ـ انعكاس ما يفعله . يبدى إشفاقه، فيغلبنى التأثر. يغادر الفندق ـ فى رحلاتى خارج البلاد ـ إلى الجولات الترفيهية، وزيارة أماكن السياحة والتسوق ..
          لم أعد أعرف القرار الذى يجدر بى أن أتخذه ، ولا ما يجب عليه هو كذلك . اختلطت الرؤى ، وتشابكت ، فلا أعرف إلا أنه ينبغى أن أسلم نفسى للهدوء ، وما يشبه الاستسلام . أكتفى بالمتابعة الصامتة ، الساكنة . لا أفكر ، ولا أتكلم ، ولا أقدم على أى فعل . حتى التصور لم يعد يطرأ ببالى . أحمد أنيس وحده هو الذى يفعل كل شئ ..

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #65
            صورة «الأستاذ» في رواية «الأسوار» لمحمد جبريل (1 ـ 3)

            بقلم: أ.د. حسين علي محمد
            .......................

            (1)
            بطل رواية «الأسوار» (1973م) رجل بلا اسم، ولا ملامح. لقَّبه المؤلف وشخصيات الرواية بـ« الأستاذ» . سنتعرّف عليه من البداية حانياً، كبير القلب، يرفض القهر. وحينما يرى أن تلاميذه دخلوا السجن واحداً فواحداً يوقن أن دوره آت:
            «توقّع الضربة، وأعدَّ لكل شيء عدته، منذ تقله العربة الصغيرة، حتى تُدخله الباب الضخم لمبنى المباحث العامة. حتى الأسئلة التي تصوّرها أعدَّ لها الأجوبة اللازمة، وأدار في رأسه كل التهم التي يُمكن أن تُوجَّه إليه»(1).
            أما السبب الذي يُفضي به إلى السجن فيأتي في كلمات مركزة سيقت في حوار دار بينه وبين زوجته «زينب»:
            ـ ذلك هو المصير يا زينب، اخترتُ النضال ولا مفر. وإذا لم أكن أفعل شيئاً الآن، فإن ملفاتي تكفل لي التنغيص الدّائم حتى أموت. تلامذتي يودعون السجون والمعتقلات .. وماداموا قد أفلحوا في الإمساك بالجسد فلابد أن يأتي الدور على الرأس يوماً»(2).
            لعلّه كان مُناضلاً قديماً، ناضل حتى أتى ثوّار الستينيّات(3)، وورثوا معتقلات الأربعينيّات وورثوا ملفات مخابراتهم أيضا.
            ويوحي كلام «الأستاذ»: «وإذا لم أفعل شيئاً الآن فإن ملفاتي تكفل لي التنغيص الدائم»، بأنه كان صاحب دور ما في الحراك الاجتماعي والسياسي المصري، ولكن المؤلف لم يقل لنا شيئاً عن هذا الدور ولم يُلمح إليه، كما لم يقل لنا: مَنْ تلاميذه؟ وأية أفكار حملوها؟ ولِمَ دخلوا السجن؟
            لكن بعد دخول الأستاذ السجن استطعنا أن نرى بطولة متميزة: تجمع بين الزعامة والقيادة؛ فقد استطاع أن يضم إليه كل شخوص المعتقل الذين يؤمنون بأفكاره، ويُسلمون له مصيرهم وحياتهم كأنه الأمل المضيء لهم في ظلمات اليأس المُهلِكة داخل الأسوار، فأحبوه على أنه رمز الخلاص من الاستعباد والقهر»(4). ويصور ذلك هذا النص في لقطاته السريعة المكثفة:
            «قبل أن تنقضي على نزوله في المعتقل أسابيع، بدأت السلطات النفسية لفتوات العنابر تذوب وتنتهي. حل محلها حب دافق ومودة بينه وبين النزلاء الذين أسرهم إليه ذلك الشيء الذي يبدو في عمق نظرات عينيه أقرب إلى القوة الغريبة الغامضة المسيطرة ... وأحبوا الأستاذ ووجدوا في أحاديثه متعة حقيقية ... أحبه الجميع: الوفدي، والسعدي، والإخواني، والشيوعي، والنشال، والقوّاد، وطالب الثأر، والقاتل، وبائع المخدرات»(5).
            لقد أثَّر «الأستاذ» في النزلاء، ثوّرهم فثاروا ضدَّ حياة العبودية التي يعيشونها ويُعانون منها. هاهم ـ على يديه ـ يكتشفون أن فيهم قوة، من الممكن أن تُغَيِّر أحوالهم ـ في عنابر السجن ـ إلى الأفضل:
            «دوّت في العنابر ـ بلا مقدمات ـ مئات الحناجر الصاخبة: تغني وتهتف وتصرخ، يختلط صداها بأقدام الجنود التي تعدو في غير اتجاه. اجتاحت العنابر موجات كاسحة من الصراخ والأنين والملل. لم تعد الأفواه التي فتحت عن آخرها، وانطلقت منها أصوات صاخبة مفزعة ومتشنجة، ما لبثت أن تبلورت في صيحة واحدة:
            ـ الإفراج .. الإفراج »(6).
            وفي ثورة النزلاء هذه أرسلوا تلغرافين إلى الحكومة، واستطاعت هذه الثورة أن تُحسِّن من حال النزلاء قليلاً. يقول بيومي الدكر أحد نزلاء «الأسوار» في رسالة ـ تم تهريبها ـ إلى زوجته:
            «أعرفك بأنه قد زارنا صباح اليوم مسئول عظيم الشأن، يرتدي بدلة حرير، ونظارة ملونة، ويضع في إصبعه خاتماً يزيد ثمنه على عشرة جنيهات. وكان رقيقاً جدا .. تحدث إلينا كما لو كنا أصدقاءه ... وقال إن الله سيفعل ما فيه الخير .. أعرفك بأنه عندما سأل « الأستاذ» مسئول الحكومة عن الموعد الذي سنُغادر فيه المعتقل. قال المسئول: إن الحكومة تأثّرت جدا بالتلغرافين اللذين بعثنا بهما، نشرح الحال، ونطلب الإفراج العاجل ... أعرفك بأن إدارة المعتقل سمحت لنا منذ ثلاثة أيام أن نسهر في العنابر حتى منتصف الليل، بعد أن كانت الأنوار تُطفأ في الساعة العاشرة فنضطر إلى النوم، أو أن نسهر في الظلام»(7).
            لكن النسيان يرجع يحتويهم، فيتفتق الذهن المحاصر المكدود عن فكرة مجنونة كحل أخير، يتمثل في اختيار واحد منهم بالاقتراع ليُحرَق بالبنزين حتى يشعر العالم بهم وبقضيتهم، وأنهم مظلومون في وضعهم داخل الأسوار.
            «بدت الفكرة اقتراحاً مجنوناً في بادئ الأمر ... لكن الليل البارد والشمس الحارقة، والأسوار، والصحراء التي يحدها الأفق، ولدغات العقارب، والعذاب، والغربة، والحراس، والوحشة، والشوق، والملل ... ذلك كله جعل من الاقتراح المجنون ـ في أقل من يوم ـ حلا مقبولاً»(8).
            لكن تجربتهم مع الإضراب عن الطعام جعلتهم يخشون ألا تبلغ هذه الفكرة المجنونة مداها، فلا يستجيب مسئول لطلباتهم.
            « مشط توفيق عزوز لحيته:
            ـ وما الحل إذا كَفَتْ الإدارة على الخبر ماجوراً. ولم يعلم أحد بما حدث؟ ..
            هز الغزالي رأسه مؤكداً:
            ـ إذا كانت الإدارة نجحت في إخفاء إضرابنا عن الطعام فإنها لن تنجح هذه المرة »(9).
            وأقدموا على إجراء الاقتراع، وكانوا يخشون أن تُصيب القرعة زعيمهم «الأستاذ» رمز الخلاص من الأسوار وعالمها المُقبض.
            «يقول له بكر رضوان:
            ـ لو أن يداً تجاسرت على إيذائك .. فسأموت قبلك»(10).
            ولكن الاقتراع يُصيب الأستاذ، ويقع عليه الاختيار ليكون فداءً لجميع النزلاء.
            « ضرب علي الشامي كفا بكف، وقال متعجباً:
            ـ الغريبُ الغريب أن القرعة تصيب اسم الأستاذ من بين كل هؤلاء الغنم.
            قذف خليل عبد النبي الأوراق من عبه:
            ـ طُويت الأوراق على اسم واحد.
            قال الأستاذ:
            ـ أعرف»(11).
            لقد شك أحد النزلاء في القرعة، وبدأ في كشف جميع الأوراق المطوية، فإذا بها جميعاً قد طويت على اسم «الأستاذ». ويرفض الجميع مبدأ الخيانة ويصرون على أن يُعيدوا القرعة من جديد، إلا أن «الأستاذ» نفسه يصر على أن يمضي في الأمر إلى نهايته، وأن يقدم جسده فداء لجميع نزلاء السجن، قائلاً في مثالية نادرة:
            ـ إذا كان محتماً عليَّ أن أُواجه الموت في غدي .. فلن يُغير من واقع الأمر أن أُواجهه بالخيانة.
            ـ ولماذا تُقاسي الموت في سبيل هؤلاء الغنم؟
            في استسلام غريب:
            ـ تعلمت ألا أُناقش الحقائق.
            استطرد كأنه يُخاطب مجهولاً:
            ـ ربما كُتِب عليَّ ذلك»(12).
            (2)
            يُعد الواقع هو الأرضية التي يتحرّك عليها محمد جبريل في روايته «الأسوار» ومن ثم بطله «الأستاذ».
            و«الواقع» يمد محمد جبريل ببذرة الأحداث والشخوص، وعليه هو أن يستنبتهما في إطارهما الفني / الروائي في شراسته الجميلة، أو جماله الشرس.
            إنه في مقالته « الأسوار: تجربة ذاتية»(13) يذكر شهادته عن روايته الأولى وملابساتها التي قابلته يوماً، في بداية عمله الصحفي في جريدتي «الجمهورية» و«المساء»، فيقول:
            «يوماً طلب مني الجويلي(14) أن أُجري حواراً مع شاب ارتكب ثلاثاً وعشرين حادثة سرقة سيارة، قبل أن يكتشف أمره في الحادثة الرابعة والعشرين. وروى لي الشاب عن ظروفه الاجتماعية وعن أجواء المعتقل الذي قضى فيه أعواماً .. حتى تم الإفراج عنه في ظروف بالغة القسوة والغرابة: فقد ألح نزلاء المعتقل في طلب الإفراج. أرسلوا برقيات إلى المسئولين، وأضربوا عن الطعام، وتظاهروا، وتشاجروا إلى حد الاقتتال مع حراس المعتقل، ثم لجأوا إلى وسيلة بشعة لتأكيد مطلبهم في الإفراج، أجروا قرعة في أسماء كل النزلاء، واختير عشرة أسماء تعرض أصحابها للموت حرقاً، علانيةً في ساحة المعتقل، وكانت تلك الوسيلة القاسية هي الباعث لاهتمام المسئولين، ودراسة حالتهم للإفراج عن غالبيتهم»(15).
            إن الأحداث التي رواها جبريل في مقالته هذه هي التي تشكل العمود الفقري للأحداث، وإن اختلفت في النص الروائي بالطبع عن الواقع الحادث.
            ....................
            الهوامش:
            (1) محمد جبريل: الأسوار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1973م، ص43.
            (2) المصدر السابق، ص43.
            (3) الستينيات هي المهاد التاريخي الذي أبدع فيه المؤلف هذا النص المفتوح، وهي الواقع الذي شهدت سنواته أحداث هذا النص (انتهى المؤلف من كتابته في 17/2/1970م، المصدر السابق، ص107، ونشره في 10/12/1973م، ينظر: محمد جبريل: الأسوار: تجربة ذاتية، مقالة ضمن كتاب: محمد جبريل وعالمه القصصي، كتاب «أصوات معاصرة» 3، مكتب منيرفا للطبع، الزقازيق 1982م، ص151.
            (4) علي عبد الفتاح: قراءة نقدية في رواية «الأسوار»، مجلة «مرآة الأمة»، العدد (743)، الصادر في 7/5/1986م، ص64.
            (5) محمد جبريل: الأسوار، ص72.
            (6) السابق، ص77.
            (7) السابق، ص92، 93.
            (8) السابق، ص46.
            (9) السابق، ص47.
            (10) السابق، ص102.
            (11) السابق، ص10، 11.
            (12) السابق، ص 150 .
            (13) مقالة ضمن كتاب «محمد جبريل وعالمه القصصي»، مرجع سابق، ص ص 135-151.
            (14) كمال الجويلي: صحفي، وفنان تشكيلي مصري، كان يشرف على صفحة « كل الناس» ـ الصفحة الأخيرة في جريدة «المساء» ـ التي بدأ محمد جبريل عمله الصحفي فيها في بداية الستينيات بعد تجربة غير مجدية استمرّت ثلاثة شهور مع سعد الدين وهبة في صفحته «صباح الخير» بجريدة «الجمهورية»، المرجع السابق، ص142، 143.
            (15) محمد جبريل: الأسوار تجربة ذاتية، المرجع السابق، ص143، 144.
            (يتبع)

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #66
              صورة «الأستاذ» في رواية «الأسوار» لمحمد جبريل (2ـ 3)

              بقلم: أ.د. حسين علي محمد
              .......................

              وليست الأحداث فقط هي تلك التي استوحى بذرتها من «الواقع»، ولكن بعض الشخصيات أيضاً.
              إن الفتوة «بيومي الدكر» ـ لاحظ دلالة اللقب ـ كل جريمته أنه «كبس طربوش المدير في رأسه»(16) لأن «الحال المايل لا يعجبه»(17)، وهذه الشخصية مستوحاة من شخصية حقيقية هي شخصية الفتوة السكندري «حميدو فارس» الذي عرفه محمد جبريل في طفولته في الأربعينيات. يقول محمد جبريل في مذكراته:
              «كان أبلغ ما يعتز به حميدو فارس ... أنه كبس طربوش المحافظ على رأسه لسبب تصور أنه يمس كرامته»(18).
              وإن الواقع يتقاطع مع مكونات محمد جبريل الثقافية، التي تمثّلت في شخصية البطل حيث رسمه في صورة أقرب إلى صورة السيد المسيح عليه السلام.
              وقد لمس هذا بعض من كتبوا عن الرواية.
              يقول عبد العال الحمامصي: و«الأستاذ» هو الشخصية الرئيسة في الرواية، لا نسمع صوته، ولا نُتابع تصرفاته السرية والمُعلنة ... لكننا نلمح تأثيراته في حياة هؤلاء الذين أخلصوا في محبته مُقابلاً لإخلاصهم في مجتمعهم، فهو أقرب إلى شخصية السيد المسيح، وهم أقرب إلى حوارييه»(19).
              ويقول محمد الراوي: «.. و«الأستاذ» شخصية رئيسة في رواية محمد جبريل ... وهو خير واحد فيهم، هو الذي يرعاهم، هو الذي يحدثهم ويُفسر لهم كل شيء، لكنه لا يعترض ويُقدِّم نفسه ليكون الضحية بعد أن أفهمهم أن عملية الاقتراع تدخلت فيها الخيانة ... ومن مشهد العشاء الأخير، وآخر موعظة ألقاها في ذلك العشاء ... نشعر بنفس الجو الإنجيلي: ألفاظه ونصه وروحه»(20).
              ويُشكل تقاطع الحدث «الواقعي» مع «البطل (التاريخي)» أرضية الرواية التي كتبها بشكل قد تتقاطع فيه المقتطفات التاريخية المُختارة بوعي مع نص الكاتب المسترسل دون فواصل وعناوين، فكأن الرواية فصل واحد يتتابع دون انقطاع.
              تبدأ الرواية بمجموعة من المقتطفات التراثية، أولها للمسعودي:
              «... فقيل لـه: من أول من سكن مصر؟ فقال: أول من نزل هذه الأرض مصر بن بيصر بن حام بن نوح. ومر في أنساب نوح الثلاثة وتفرقهم في الأرض ... ولمصر أخبار عجيبة من الدقائق، وما يوجد من الدفائن من ذخائر الملوك التي استودعوها الأرض، وغيرهم من الأمم ممن سكن تلك الأرض، وتدعى بالمطالب إلى هذه الغاية»(21).
              فهذا المقتطف من المسعودي «يُحدد تماماً الخط الدرامي الأساسي الذي ستجري فيه الأحداث والمواقف فيما بعد، وبالتالي فإن الدلالة التاريخية تتوقف لتحل محلها الدلالة الدرامية لأن اختيار محمد جبريل لهذا المقتطف بالذات ... يدل على أنه استقطع هذه الشريحة لمعناها الدرامي الوظيفي، وبالتالي فإنها تنفصل تماماً عن المسعودي لتذوب في كيان رواية محمد جبريل، والوظيفة الدرامية هنا تؤكد الدور الحضاري الذي قامت به مصر منذ فجر التاريخ الإنساني، مما يُؤكد الخلفية الفكرية والاجتماعية التي ستتحرّك أمام الأحداث فيما بعد»(22).
              وفي داخل السياق تتعامد النصوص ـ كما أشرنا ـ لتُكسِب النص بُعداً تاريخيا يُثري الواقع، ويُعيد اكتشافه لنا، ويُعمق رؤيتنا لشخصية البطل، الذي يقترب في ملامحه من «السيد المسيح عليه السلام». ومن ثم رأينا استحضاره بعض المقتطفات في البداية لتُعطي الجو الديني الذي سيغلف شخصية البطل بظلال تقترب من الزعامة الروحية، ومنها:
              *«مصر ظل الإله على الأرض، وهي أقدس أقداس العالم، وحاضرة الأديان» ـ من مؤلف مكتوب في عهد الإمبراطور ثيودوسيوس.
              *«لا يكن لك آلهة أخرى أمامي » من الوصية الأولى ـ الوصايا العشر.
              *« نؤمن بإله واحد، الله، ضابط الكل، خالق السموات والأرض، ما يُرى وما لا يُرى، ونؤمن برب واحد ... قانون العقيدة المسيحية الذي نادى به المجتمع النيقاوي.
              *«لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد». ـ قرآن كريم(23).
              ولم تقتصر المقتطفات على دورها البنائي في إضاءة الحدث ورسم شخصية البطل، بل إضاءة الشخوص الآخرين، وتعميق دورهم في النص.
              فبدلاً من أن يقول لنا المؤلف إن كل المسجونين في المعتقل يحبون مصر ويتفانون في حبها، يورد نصا من اعترافات سجين سياسي مصري قبل ثورة 1952م، لتُضيء النص وتكشف زواياه:
              «أنا عاشق ولهان، وقد عذبني الحب، وملكت الحبيبة عليّ مشاعري، فأنا أراها في كل وقت، وفي كل مكان. وأراها على وجه الخصوص إذا سجى الليل. ولكن ليلاي ليست ليلى العامرية، ولا ليلى الأخيلية، ولا ليلى المريضة بالعراق، بل ولا ليلى مراد. وإنما هي ليلى المصرية. ليلى الهيفاء السمراء. ذات الشعر الفاحم والعيون الصحاح العِراض. إنها سعادتي وبلائي، وشقوتي وهنائي. أحبها حبا يقترب من الجنون، وأغار عليها غيرة المفتون. وإن أشقى ما يشقيني أن أرى إلى جانبها أجنبيا أشقر ذا عيون زرق(24) يُغازلها، ويُحاول أن يصل إلى قلبها. ويل له مني. والله لأقتلنه أو يبتعد عن طريق ملاكي» ـ من اعترافات السجين السياسي محمود يحيى مراد في حادثة قتل أمين عثمان(25).
              إن شاعرية هذا النص، التي تُعطينا بُعداً تاريخيا، قادرة على التحليق فوق نثرية الحوار اللاهث عن خيبة السجناء في نتيجة «الاقتراع» الخائنة! وكأنما كانت هذه الخيبة التي وقعوا فيها نتيجة حبهم الشديد، وصفاء طويتهم، وعدم توقعهم الخيانة من داخل الأسوار أو خارجها.
              ونرى مثل هذا أثناء حديثه عن «بكر رضوان» «المثقف الذي شغلته الميتافيزيقا زمناً قبل أن يهتم بحياة الصيادين الذين يعيش بينهم في حي الأنفوشي بالإسكندرية»(26).
              فبعد أن يُحدثنا المؤلف عنه، ويُرينا كيف صار من زوار المعتقلات الدّائمين، لا يكاد يخرج منه إلا ليدخله ثانية، يقتطف هذا النص التراثي (لم يقل من صاحبه):
              « ... وهي أولى سني الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور، وترادف الأمور، وتوالي المحن، واختلاف الزمن، وانعكاس المطبوع، وانقلاب الموضوع، وتتابع الأحوال، واختلاف الأحوال، وفساد التدبير، وحصول التدمير، وعموم الخراب، وتواتر الأسباب »(27).
              لقد عبر محمد جبريل في هذا النص «عن وجهة نظره دون أن يقع في المباشرة أو التقريرية، وأدان عصراً بأكمله، وشجب مواقف السلطة من أصحاب الفكر، لأن هذا هو بداية الفساد الذي يُدمِّر كل شيء»(28). وفي الوقت نفسه الذي أعطانا بعداً إنسانيا عاما، عن تاريخية القهر في مصر، واستمرار أحقابه وتتابعها.
              (3)
              هذه الرواية الفاتنة من أبدع ما أنتجه جيل الستينيّات من روايات تُحاول أن تتجاوز مرحلة نجيب محفوظ، من خلال ما اعتمده نجيب محفوظ في رحلته الروائية الطويلة: روايات تشتبك مع الواقع، في الوقت الذي تقدم فيه لغة روائية مذهلة.
              ورواية «الأسوار» رواية فاتنة لأنها تنبئ عن وعي الكاتب الاجتماعي بمفردات عصره، وموقفه منها، ورؤيته لمجتمعه التي يُريد أن يُطلعنا عليها، من خلال نص روائي مُتقن، ذي لغة حديثة؟
              لقد كان هذا العصر ـ الذي تتناوله الرواية ـ يُعامل السجين السياسي مُعاملة القوّاد والمرتشي، والنشّال:
              « قال الشاويش عبد المعطي:
              ـ هل نُخلي للإيراد (29)السياسي عنبراً خاصا؟
              قال المأمور:
              ـ مادامت الأوامر لم تأت بذلك .. ضعهم في أي مكان.
              تنحنح الشاويش بلا مبرر:
              ـ ولكن هؤلاء أولاد ناس.
              بان الغضب في عيني المأمور:
              ـ أولاد ناس .. أولاد كلب .. من يأت إلى هنا يُعامل كمجرم »(30).
              بل إن هذا العصر كان يتدنى في نظرته للسجين السياسي، فيجعله مجرد رقم ليس من حقه التمرد أو الثورة أو حتى المُطالبة بحقوقه الإنسانية البسيطة، وإلا فسيكون القتل المهين تحت إطار العربات هو النهاية المحتومة!
              «قال الرجل، وهو يضع تحديه في نظرة ثابتة، يطوق بها على نصف الدائرة أمامه:
              ـ أنتم هنا الآن لا تزيدون عن أرقام .. العالم الخارجي فترة من حياتكم لن تعود. خير لكم أن تًسقطوها من الحساب ... المعتقل سيظل هو بيتكم الذي لا سبيل إلى مُغادرته. أما إذا حاول أحدكم أن يرفع صوتاً، أو يرفض الأوامر الصادرة إليه فسيلقى النهاية تحت إحدى العربات لأننا مطالبون بتوفير الذخيرة.
              واستطرد من بين أسنانه:
              « وربما تجد الكلاب طعاماً طيباً في سفح الجبل»(31).
              في مثل هذا العصر الذي لا يستمع إلى «الآخر» السياسي ولا يُحاوره، ويُعامله هذه المُعاملة المتدنية، كان لا بد أن يجيء البطل المحب للناس، المُتسامح حتى مع من تآمروا عليه، الحالم بغدٍ أفضل، والقادر على احتواء المجرمين وإعادة صياغتهم أفراداً صالحين في المجتمع(32).
              …………………
              الهوامش:
              (16) محمد جبريل: الأسوار، ص90.
              (17) السابق، ص36.
              (18) محمد جبريل: بحري، فصل مخطوط من سيرة ذاتية، ص7.
              (19) عبد العال الحمامصي: انطباعات غير نقدية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة د.ت. ص184.
              (20) محمد الراوي: محمد جبريل في الأسوار: الفنان من خلال عمله، مقالة ضمن كتاب «محمد جبريل وعالمه القصصي» مرجع سابق، ص 123 .
              (21) محمد جبريل: الأسوار، ص90.
              (22) نبيل راغب: الأسوار، مقالة ضمن كتاب «محمد جبريل وعالمه القصصي» مرجع سابق، ص 80 ، 81 .
              (23) محمد جبريل: الأسوار، ص 9، 10 .
              (24) الصواب: ذا عينين زرقاويْن.
              (25) السابق، ص50، 51 .
              (26) محمد السيد عيد: رواية الأسوار محاولة ناضجة للتعامل مع التراث، جريدة «الراية» (قطر)، في 25/2/1981م، ص7 وانظر: محمد جبريل وعالمه القصصي، مرجع سابق، ص 103 ، 104 .
              (27) محمد جبريل: الأسوار، ص57.
              (28) محمد السيد عيد: مرجع سابق، ص104 .
              (29) كلمة «الإيراد» توحي بكثرة المعتقلين السياسيين (زمن إنجاز النص كتابةً ونشراً: 17/2/1970م ـ 1/12/1973م).
              (30) محمد جبريل: الأسوار، ص58 .
              (31) السابق، ص58 ، 59.
              (32) يقول بيومي الدكر في رسالة إلى زوجته: «أعرفك بأن «الأستاذ» طالبني بأن أنسى الجريمة تماماً، وفي رأيه أني لم أكن مجرماً في يوم من الأيام ... والمهم الآن أني أنتظر الإفراج القريب بإذن الله، لأعود إليكم وإلى الأولاد. وننسى كل ما حدث» المرجع السابق، ص92.
              (يتبع)

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #67
                صورة «الأستاذ» في رواية «الأسوار» لمحمد جبريل ( 3 ـ 3)

                بقلم: أ.د. حسين علي محمد
                ........................

                (4)
                ظفرت رواية «الأسوار» بكتابات نقدية عدة(33) حاولت أن تقترب من هذا العمل وتفسره حسب رؤية كل ناقد، ولعل من أعجبها كتابة د. مراد عبد الرحمن مبروك، الذي جعل من « الأستاذ» بطل رواية «الأسوار» قناعاً لشخصية تاريخية هي شخصية «طومان باي». يقول الناقد تحت عنوان جانبي « 3-شخصية تُراثية مقنعة»:
                « ويُعنى بها الشخصية التراثية التي تكون قناعاً لشخصية روائية في نسيج الرواية، كأن يتناول الكاتب شخصية ما، ثم يربطها بشخصية تُراثية معينة، فتكون الشخصية التراثية قناعاً للشخصية الأخرى. مثل أن يرمز الكاتب لشخصية «الأستاذ» مثلاً بشخصية «طومان باي» كما في رواية «الأسوار» لمحمد جبريل، أو يرمز لشخصية «ضحى» بإيزيس في رواية «قالت ضحى» لبهاء طاهر. وهذه الشخصية على عكس الشخصية التراثية الحقيقية، لأن الشخصية التراثية الحقيقية يصرح الكاتب باسمها التراثي الحقيقي، ولا يربطها بشخصيات معينة في الرواية، بل يحملها دلالات معاصرة للتعبير عن الواقع الحاضر، بينما الشخصية التراثية المقنعة يصرح الكاتب باسمها التراثي الحقيقي لكنه يربطها بشخصية واقعية في الرواية، فتكون الشخصية التراثية بمثابة القناع للشخصية الواقعية الواردة في الرواية»(34).
                ويشرح الكاتب مفهومه تطبيقيا من خلال نص «الأسوار» فيقول: «ففي رواية «الأسوار» (سنة 1970م) لمحمد جبريل تُعاني شخصية «الأستاذ» من القهر والتعذيب داخل السجن، ويتوقّع «الأستاذ» الخطر والقبض عليه في أية لحظة، لذلك يُحضر لزوجته كل ما تحتاجه لأن تلاميذه في المعتقل، ولا بد أن الدور قد جاء عليه»(35). وعندما يبغون قتله يستحضر الكاتب شخصية السلطان سليم وهو يُشيد بشهامة طومان باي ويقول:
                «فقال السلطان سليم للجميع:
                ليس من العدل قتل رجل صادق شهم كهذا الرجل»(36)، فيُحدث ذلك التحاماً بين شخصيتي الأستاذ وطومان باي، فمثلما عانى طومان باي في سبيل الدفاع عن مصر ضد العثمانيين، فقد عانى الأستاذ في سبيل الحرية والعدل من ظلم الحكام وسجونهم ومعتقلاتهم في الستينيات. حيث يعرض كل ألوان التعذيب والقهر التي عاناها الوطنيون في السجون، وكان الأستاذ أحد هؤلاء المساجين.
                لذلك يستدعي شخصية «طومان باي» أيضاً حينما يدور حوار بين أحد المساجين والحارس، يقول:
                « ـ لست بملوم يا سلطان الروم، فالذنب أ كل الذنب على الخونة »(37).
                فتتوحّد شخصية طومان باي في شخصية الأستاذ، وتصبح الدلالة واحدة، فما كان يُعانيه أحدهما يُعانيه الآخر، برغم تباين الشقة الزمانية. ويستمر الكاتب طوال الرواية مجسداً انهزامية «الأستاذ» داخل السجن ويُحمِّل هذه الشخصية قناعاً تُراثيا، كما يُحمِّل شخصية «طومان باي» قناعاً مُعاصِراً، ويربط بينهما في الرواية من خلال استحضاره للماضي، فكل منهما كان ضحية الفساد القائم في المجتمع، وكل منهما عانى من سوط وكرباج السلطان ونعال العسكر والجنود داخل السجن»(38).
                وهذا الحكم النقدي ليس دقيقا، لأن المؤلف في روايته لم يستدع شخصية «طومان باي» فحسب، بل استدعى شخصيات أخرى من خلال أقوالها ومحاوراتها في مقتطفات تاريخية منها الحكيم المصري إيبو(39)، وسعد زغلول(40)، وطرفة بن العبد(41)، وعنترة(42)، وهرقل(43)، والأب مينا(44)، ومحمود يحيى مراد(45) ... وغيرهم.
                كما استدعى نصوصاً من القرآن الكريم(46)، ومن الإنجيل(47)، واستدعى نصوصاً لمؤرخين قدامى كالمسعودي(48)، ومحدثين كالجبرتي(49)، ومن ثم فإن عقد مُشابهة بين «طومان باي» و«الأستاذ» لمجرد ذكر اسم «طومان باي» تفسير قاصر لعمل فني ثري.
                وفي الحقيقة فإن شخصية «الأستاذ» شخصية مثالية تقترب من شخصية «السيد المسيح» عليه السلام، وقد أشار إلى ذلك بعض من كتبوا عن الرواية، وسوف نكتفي بإشارات أربع:
                *القاص عبد العال الحمامصي في مقالته «الأسوار: لحظات مصرية» يقول:
                «و«الأستاذ» هو الشخصية الرئيسة في الرواية لا نسمع صوته، ولا نُتابع تصرفاته السرية والمُعلنة، لكننا نلمح تأثيراته في حياة هؤلاء الذين أخلصوا في محبته مُقابلاً لإخلاصهم في مجتمعهم، فهو أقرب إلى شخصية السيد المسيح، وهم أقرب إلى حوارييه ... ولعله من هنا تتسم الرواية بالخصوصية في الأسلوب، فهو أسلوب إنجيلي في بعض المواضع»(50).
                *الروائي محمد الراوي في مقالته «محمد جبريل في «الأسوار»: الفنان من خلال عمله» يُشير إلى الإطار الذي يتحرك فيه البطل فيقول:
                «نستشف من رهافة فن محمد جبريل مشهد العشاء الأخير وآخر موعظة ألقاها المسيح في ذلك العشاء، نستشف نفس المشهد في الرواية، بل نرى هالة التضحية والفداء والنبوة، كلما التف المساجين حول أستاذهم يستمعون ويُنصتون إليه. إننا نشعر بنفس الجو الإنجيلي، ألفاظه ونصه وروحه في حوار «الأستاذ» مع المساجين من حوله، وفي حواره مع نفسه، ويخيم على الرواية جو شفاف رهيف، بل هو جو ديني مشبع بروح مأساوية»(51).
                *الروائي والناقد الدكتور نبيل راغب في مقالته «الأسوار» يقول:
                «كما أحسسنا من أول الرواية أن شخصية «الأستاذ» بها الكثير من ملامح الثورة السلمية التي أعلنها «السيد المسيح»، نجد محمد جبريل يستمد اللمسات الأخيرة لروايته من وصف الإنجيل لليلة الأخيرة التي قضاها المسيح»(52).
                *الناقد محمد السيد عيد، وإن كان لم يُشر صراحة إلى أن شخصية «الأستاذ» قناع معاصر لشخصية السيد المسيح ـ عليه السلام ـ إلا أنه قال:
                «أما الفقرات المأخوذة من الإنجيل فقد أسهمت في تطوير بطل القصة «الأستاذ»:
                « إن ابن الإنسان لم يأت ليُخدَم، بل ليخْدِمْ، وليبذل نفسه عن كثيرين» (متى 20/28).
                « ألا تعلمون أنه خير لكم أن يموت رجل واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها» (يوحنا 11/50).
                ومن هذه الإشارات السابقة، نعرف أن شخصية «الأستاذ» في مثاليته ونبله من شخصية السيد المسيح ـ عليه وعلى نبينا السلام.
                ...............................
                الهوامش:
                (33) انظر على سبيل المثال كتاب «محمد جبريل وعالمه القصصي» مرجع سابق، مقالات «قراءة في أدب محمد جبريل» لمحمد قطب، ص 15 وما بعدها، و«الفناء بلا خلاص» لمحمد محمود عبد الرازق، ص61 وما بعدها، و«الأسوار» لنبيل راغب، ص78 وما بعدها، و«رواية الأسوار محاولة ناضجة للتعامل مع التراث» لمحمد السيد عيد، ص101 وما بعدها. و«الفارس فوق مساحة الأزمنة الممتدة» للداخلي طه، ص 108 وما بعدها، و«محمد جبريل في الأسوار: الفنان من خلال عمله» لمحمد الراوي، ص 122 وما بعدها.
                (34) د. مراد عبد الرحمن مبروك: العناصر التراثية في الرواية العربية في مصر: دراسة نقدية (1914-1986م)، دار المعارف، القاهرة 1991م، ص124 .
                (35) الصياغة غير جيدة في هذه العبارات، فكان على الناقد أن يبدأ بجملة يتوقع الأستاذ الخطر ... قد جاء عليه، ثم يضع عبارة «وتعاني شخصية «الأستاذ» من القهر ... حتى يكون الترتيب منطقيا متوائماً مع الفكرة التي يريد توصيلها إلينا.
                (36) السابق، ص44.
                (37) السابق، ص63.
                (38) السابق، ص125.
                (39) محمد جبريل: الأسوار، ص16 .
                (40) السابق، ص16 .
                (41) السابق، ص40 .
                (42) السابق، ص40 .
                (43) السابق، ص40 .
                (44) السابق، ص50 .
                (45) السابق، ص51 .
                (46) السابق، ص10.
                (47) السابق، ص46، 69.
                (48) السابق، ص9، 61 .
                (49) السابق، ص63، 64، 88 .
                (50) عبد العال الحمامصي: انطباعات غير نقدية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة د.ت. ص184.
                (51) محمد الراوي: محمد جبريل وعالمه القصصي، مرجع سابق، ص123 .
                (52) د. نبيل راغب: المرجع السابق، ص86 .

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #68
                  مؤتمر المثقفين

                  بقلم: محمد جبريل
                  ...............

                  قد لا يعلم الكثيرون أن مؤتمر المثقفين الذي دعت إليه وزارة الثقافة في مايو القادم. سبقت الدعوة إليه منذ عشر سنوات. وأذكر أني قدمت إلي مقرر لجنة القصة بالمجلس الأعلي للثقافة الصديق الروائي إدوار الخراط باعتبار عضويتي في اللجنة آنذاك محاولة لمناقشة المشروع الثقافي. وقد اشتملت المحاولة علي العديد من النقاط التي ترسم صورة مستقبلية للواقع الثقافي في بلادنا.
                  لقد تكرر منذ 23 يوليو 1952 علي سبيل المثال احتفالنا بقيام ثورة يوليو. وهي كما تري فترة طويلة. مع ذلك. فإن الأمية لها السيطرة علي الغالبية من أبناء الشعب المصري.
                  وعلي الرغم من زيادة عدد المعاهد والكليات والجامعات. فإن دورها شاحب في تنمية المجتمع ثقافيا.
                  يتصل بذلك عجز هيئة قصور الثقافة عن تحقيق أهدافها علي النحو الذي نأمله. وعجز الوزارة عن استعادة بعض العصر الذهبي الذي كانت تعيشه السينما المصرية. واستعادة النهضة المسرحية التي تحققت في الستينيات علي أيدي توفيق الحكيم ونعمان عاشور وألفريد فرج وسعد الدين وهبة ومحمود السعدني ومحمود دياب وميخائيل رومان وغيرهم. وكما نعرف. فقد تحول الكثير من المسارح ودور السينما إلي بنايات تجارية. أو صالات للأفراح.
                  ويقوم البرنامج الثقافي بالاذاعة بدور يجب الثناء عليه. لكن هذا الدور يظل قاصرا ومحدودا في ظل عدم وصول البث الاذاعي إلي المتلقي العربي في مختلف أقطاره. هذه دعوة قديمة. وتنتظر التحقيق.
                  ونحن نقدر مشروع القراءة للجميع. لكن ينبغي أن تنهض بالمشروع كل دور النشر. من خلال توزيع الدعم عليها. لا قصره علي هيئة الكتاب التي قد لا تعطي الناشرين حقوقهم. وتضاعف كميات الكتب المودعة في مخازنهم.
                  والملاحظ أن عملية النشر في الهيئتين التابعتين للدولة لا تصدران عن خطة عملية تلبي احتياجات البيئة. إنما هي تنشر ما يقدمه لها المؤلفون. والمفروض أن يقترن ذلك بخطة واضحة. يكلف المؤلفون بتنفيذها في ضوء الاحتياجات الفعلية لبيئة المجتمع الثقافية.
                  ولعل أرقام التوزيع المتدنية بعيدا عن كتب القراءة للجميع تستدعي وجوب إعادة النظر في مبيعات الكتب. مع ضرورة العمل علي إصدار المجلة الثقافية التي توزع علي مستوي الوطن العربي. أسوة في الأقل بما يصدر عن بعض العواصم العربية.
                  تقلصت كمية التوزيع التي كانت تطبع من كل كتاب. إلي ألفين أو ألف. وقد تقتصر الكمية علي بضع مئات من النسخ. رغم تضاعف عدد المواطنين. وعدد المتعلمين. وارتفاع متوسط الدخل. وتوقع زيادة عدد القراء بالتالي.
                  والترجمة من العربية إلي اللغات الأجنبية. ومن اللغات الأجنبية إلي العربية. هدف يجب أن تكون له الأولوية. وهو ما تحرص عليه كل الدول المتقدمة. والمعروف أن إسرائيل تترجم إلي أربع لغات ما متوسطه كتاب من بين كل أربعة كتب تصدرها المطابع. وحتي الآن. فإن المركز القومي للترجمة أمنية جميلة.
                  ولأننا جزء من العالم الثالث. فإن علينا أن نعني بالتواصل مع ثقافات العالم الثالث في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. بالاضافة طبعا إلي ثقافات الغرب وآدابه.
                  ومع تعدد الجوائز العربية التي ينالها في الأغلب مبدعون ودارسون مصريون. فإن مصر لم تخصص حتي الآن جائزتها العربية التي تليق بمكانة مصر وحضارتها وثقافتها.
                  ومن المهم أن يرتبط النشاط الثقافي بالتقدم العلمي والتكنولوجي الذي يحياه العالم منذ خمسينيات القرن الماضي. فلست أتصور مبدعا ولا ناقدا أو دارسا يستطيع العمل بمعزل عن كل تلك الانجازات المهمة. إنها دليله إلي المستقبل. ولعلي أجد في جامعة العلوم. التي أعلن عن إنشائها مؤخرا مؤشرا ايجابيا.
                  هذه تصورات تشغلني. ووسائل تحقيقها تأتي وفقا لخطط زمنية. تراعي التوفيق بين الأولويات والامكانات. وهو شأن الجهات التنفيذية.
                  ..................................................
                  *المساء ـ في 16/1/2010م.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #69
                    البطل في الرواية التاريخية (1 ـ 2)
                    رواية «من أوراق أبي الطيب المتنبي» نموذجاً(1)

                    بقلم: أ. د. حسين علي محمد
                    ........................

                    (1)
                    أصدر محمد جبريل خمس روايات تاريخية، هي «إمام آخر الزمان» (1984م)، و«من أوراق أبي الطيب المتنبي» (1988م)، و«قلعة الجبل» (1991م)، و«اعترافات سيد القرية» (1994م)، و«زهرة الصباح» (1996م).
                    ولسنا معنيين ـ كما قلنا في المقدمة ـ بالبطل في الروايات التاريخية، أو البطل في قصصه القصيرة، لكننا آثرنا حتى تكتمل الصورة أن نخصص هذا الفصل للرواية التاريخية.
                    ولن نستطيع أن نتناول خمس روايات في فصل واحد، ومن ثم فقد فضلنا أن نتناول روايته « من أوراق أبي الطيب المتنبي »، هنا لعدة أسباب:
                    1-أنها من رواياته التاريخية التي للبطل فيها دور بارز على مستوى فنه الروائي جميعاً.
                    2-وهي تستخدم شكلاً فريداً ـ من بين رواياته جميعاً ـ فقد اختار الروائي لها شكل الكتاب التراثي المحقق.
                    وأنها تُظهر صورة جديدة لمُطاردة البطلـ، لم تأت في رواياته المُعاصرة أو قصصه القصيرة.
                    (2)
                    تمثل شخصية «أبي الطيب المتنبي» في رواية «من أوراق أبي الطيب المتنبي»، دور المثقف الانتهازي / المُطارد الشاهد على العصر.
                    أما أنه انتهازي؛ فلأن ما يشغله هو تحقيق «الأنا» الضخمة، ويتجسّد تحقيق هذه «الأنا» عنده في رغبته في أن يُعطيه «كافور» ـ حاكم مصر ـ ولايةً يكون أميراً عليها.
                    يقول المتنبي في بداية الرواية:
                    «الطريق وحيدة، وواضحة، إلى الفسطاط. الأمن والأمان. الحكم والسلطان. لا بد أن يلقاني الأستاذ أبو المسك هارون بما يليق بمنزلتي. ما أتيتُ إلى مصر إلا وقد شُغِلت بي الألسن، وعمّرت قصائدي مجالس الأنس، واستعانت بي أقلام الكتاب وأقوال الخطباء، ولحون القوّالين والمغنين، وسهرت فيها الأعين، وكثر الناسخ لشعري، الغائص في بحري، المفتش عن جمالي ودري، فشرّق شعري حتى ليس للشرق مشرق، وغرّب حتى ليس للغرب مغرب. تكفي ثلاث قصائد وربما قصيدتان. أتحدث عن مناقب الأستاذ ومآثره، يهبني ما عجزت مدائحي في سيف الدولة عن تحقيقه، وما كان تلميح رسل الأستاذ به ويبدو تصريحاً: ولاية عسكرية في صيدا، أو في ... »(2).
                    في النص السابق نلمح شخصية المتنبي في الرواية. شخصية انتهازي مُطارد من نفسه ومن أهوائها، نفسه التي تُريه أنه الشاعر الأكبر، والطريق وحيدة وواضحة إلى الفسطاط: الأمن والأمان. الحكم والسلطان». إن نفسه ـ الأمارة بالسوء ـ تُطارده، وتزين له الحكم والسلطة، فهو ليس أقل من هؤلاء الحكام الذين يتربعون فوق كراسي السلطة، يقولون فتسمع لهم شعوبهم، ويأمرون فتقابلهم شعوبهم بالطاعة. فلماذا لا يكون واحداً منهم؟ أليس هو أجدر بالولاية من كافور؟ .. بلى، إنه الأجدر أن يكون حاكماً، ولو لمجرد ولاية صغيرة. وكأن هذا من طبيعة الأشياء فيتكلم بلغة خبرية واثقة « الطريق وحيدة، وواضحة»، وكأنها لا تُفضي إلى طريق غير هذا الطريق! فمادامت إمكاناته ضخمة ـ كما تقول نفسه ـ لدست الحكم، فهو يبرر رغبته في أن يكون أميراً (أو حاكماً) لولاية بعدة مبررات: « شغلت بي الألسن، وعمرت قصائدي في مجالس الأنس، واستعانت بي أقلام الكتاب وأقوال الخطباء ولحون القوّالين والمغنين، وسهرت فيها الأعين، وكثر الناسخ لشعري، الغائص في بحري، المفتش عن جماني ودري » وهو يعي مقدرته الفذة على الكلام الحسن، والشعر الجميل المؤثر الباقي «شرّق شعري حتى ليس للشرق مشرق، وغرّب حتى ليس للغرب مغرب».
                    إن شعره قد وصل إلى أقاصي الأرض وأطرافها، أفليس من حق نفسه الأمارة بالسوء والطامعة في الملك والراغبة في الولاية رغبةً يراها مشروعة وحقا مؤكداً له .. نقول أليس من حق هذه النفس ـ التي تُطارده ـ أن تطمح في حكم مجرد ولاية، وليس حكم الأرض جميعاً؟
                    والروائي في هذه الرواية لا يختلف عن رؤية دارسي الأدب والمحققين.
                    يقول العلامة محمود محمد شاكر في كتابه «المتنبي» عن سبب مجيء المتنبي مصر:
                    «لم يجد بدا من أن يحمل نفسه على مدح هذا الأسود الخصي عله يصيب عنده ما فاته عند غيره من الفحول البيض، وعزى نفسه بذلك، ... وألقى على شعره ظلا من الحزن والفجيعة والحسرة واليأس، ولكنه كان مع ذلك يجتهد في أن يظفر من كافور بولاية من الولايات يقوم عليها ... بعد أن أخفق في عقد آماله على غيره»(3).
                    وتحس أن نفس المتنبي الطامعة في الإمارة / المُطارِدة له هي التي جعلته يوصف بالانتهازية، حيث نلمحه في النص الروائي ـ قبل القطيعة بينه وبين كافور ـ يصف كافور بـ« الحاكم الصالح، الذي يبتعد عن مواطن الشبهات وما يُغري بالفساد، ويستمع إلى شكايات الناس، ولا يُقدِم على شيء فيه مساس بالحرمة أو الخلق الكريم، ويصدع بالحق، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المُنكر»(4)، فإذا ما فشل في الحصول على الولاية انقلبت الصورة البيضاء إلى السوداء القاتمة. وهذا ما تشي به معظم صفحات الرواية.
                    وفي لحظة من لحظات الكشف يعترف المتنبي بانتهازيته، ومُطاردة رغبته له، وأن الولاية هي هدفه الأسمى، وفي سبيلها دمَّر كل شيء من دين أو أخلاق أو عُرف، فهجا من لا يسحقون الهجاء من أهل مصر؛ كأنه يطلب منهم على حد تعبير «ابن رشدين» ـ إحدى الشخصيات الروائية ـ أن يُحققوا ما عجز عن نيله من ولاية.
                    ويسأله عبد الرحمن السكندري: «هل لو وليت صيْدا أو مُقاطعة في الصعيد كنت تهجو المصريين؟»(5).
                    إن هذه الرغبة الأكيدة في نفسه بالولاية، وهذه المُطاردة جعلته مفتح العينين شاهداً على العصر ـ عصر إنتاج الرواية، لا عصر المتنبي التاريخي، والأمثلة كثيرة، لكننا سنتوقف أمام أربعة شواهد:
                    1-الجماعات الوافدة / إسرائيل:
                    «المتنبي» في الرواية، يقص في يومياته نبأ الجماعات الوافدة التي جاءت تُهدد حدود مصر الشرقية. يُسجل في أوراقه همجية هذه الجماعات، وعدوانيتها، وحبها للسيطرة.
                    «شنّت الجماعات الوافدة هجمة مُفاجئة على إحدى قرى الحدود، باغتوا الحامية المصرية فقتلوا أفرادها، ونهبوا البيوت والدور، وسَبَوْا الأطفال والنساء، تلاغطت الأحاديث عن الجماعات الوافدة، تُضايق الناس في معاشهم، وتنغص عليهم حياتهم بإغاراتها المتعددة، تُروِّع الآمنين، وتسلب الدور، وتُدمِّر المحاصيل، وترتكب جرائم السلب والنهب والإيذاء، وتُوسِّع من دوائر نفوذها»(6).
                    والروائي يقصد بهذه الجماعات الوافدة دولة إسرائيل التي أُقيمت على أرض فلسطين 1948م بمباركة الدول الكبرى مثل أمريكا وروسيا، وإذا كان هناك من سيعترض على وجود جماعات وافدة تُهاجم مصر من جهة الشرق في عهد المتنبي، فإن المؤلف ـ الذي اختار لروايته صورة الكتاب المُحقق تراثيا يقول في الهامش: «تخلو كل المصادر التاريخية من ذكر الجماعات الوافدة، وما سببته من مضايقات دفعت كافوراً إلى حربها، للحد من شرورها، ثم الدخول معها في مُعاهدة صُلح. ولعل تلك الأحداث من صنع خيال أبي الطيب، أو لعلها كانت أحداثاً هامشية مع بعض القبائل الرُّحَّل جسّمها المتنبي لتألمه من الإخشيدي ـ على هذا النحو»(7).
                    ويأخذ هذا الحدث اهتماماً كبيراً من الرواية، بل يكاد يكون هاجسها الأساسي، وتُعنى الرواية بتسجيل خواطر الناس ومشاعرهم من خلال عيني أبي الطيب المتنبي الثاقبتيْن ـ عن هذا الكابوس الذي هاجم المصريين من الشرق:
                    «ضاعف من كمد الناس وإشفاقهم وحسرتهم، إحساسهم بالخضوع لهذه الجماعات التي أتت من مناطق بعيدة تنشر الدمار والموت الأسود، وتبشر ـ عجباً ـ بالمدنية والتقدم والعلم، غريبة عن البلاد وناسها ودينها، إلا ما كان منها أسافل المجتمع إلى سنوات قريبة، كانوا رقيقاً أو كالرقيق، وإن استطاعوا ـ في غفلة من الدهر أن يستولوا على ما ليس لهم»(8).
                    ويتحدث عن فترة ما بين الحربيْن 1967-1973م، فيُشير إلى أهوال وفظائع ارتكبتها الجماعات الوافدة، كما يتناول الاستعداد للحرب التي تضع نهاية لهذه الجماعات:
                    يقول في الورقة ذات الرقم (97) من أوراق أبي الطيب: «دخلت أحاديث الحرب للمرة الأولى ـ مجلس الأستاذ. جاءت الأخبار بأن الجماعات الوافدة قد تحرّكت على البلاد من ناحية الحدود، فوصلت إلى ما بعد العريش. كانت المناطق فيما يلي غزة ـ في يدي العصابات الوافدة، تقطع على المسافرين الطريق، تأخذ أموال الناس، تشن الغارات المُفاجئة على مناطق الحدود. قتلت هذه المرة جماعات كثيرة من الجند والأهالي المصريين. بدا كأنها تتهيّأ لمواصلة السير داخل الأراضي المصرية. أمر الأستاذ فاتخذ قادة الجند حيطتهم بتشييد القلاع والحصون على الحدود، وفي مدن الداخل، وإقامة المراكز العسكري، وشراء السلاح والذخائر، وتجنيد الأمراء. ولبست الجند آلة الحرب »(9).
                    ثم يتحدث عن بدء المعركة بين جند مصر والجماعات الوافدة، وكيف أن الشعب كله كان يُريد الجهاد في سبيل الله:
                    يقول في الورقتين (109، 110)
                    «تواترت الأنباء عن معارك في الحدود بين الجند المصريين والجماعات الوافدة، نودي في مصر ونواحيها بأن النفير عام في سبيل الله تعالى، ورسم بشدِّ الخيول، ولبس آلة الحرب. خرج الرجال والشبان إلى الميادين والشوارع والأخطاط يتصايحون بالحرب، وقدم إلى مصر الفسطاط كثير من أهالي الإسكندرية والصحراء ومدن الصعيد إلى أسوان، ويطلبون المُشاركة في ردع الغُزاة»(10).
                    ثم يتناول بعد ذلك بالتفصيل فرحة الشعب بتحقيق أول نصر على الجماعات الوافدة: «قتلوا أعداداً كبيرة، وأسروا أعداداً أخرى، وغنموا غنائم عظيمة من خيول وسلاح وأمتعة وغير ذلك، وأفلحوا في طرد العدو إلى خارج الحدود»(11)، ولقد أظهر الناس فرحاً زائداً، ومما زاد في فرحتهم أن هذه كانت أول هزيمة عرفت للجماعات الوافدة منذ استوطنت مناطق الحدود. طالما شنوا الهجمات المُباغتة، وخالفوا شروط السلم، ونقضوا الاتفاقات، وقتلوا وسلبوا ودمّروا وحرقوا واستلبوا الثروات، واعتمدوا على أباطيل في الاستيلاء على أرض ليست لهم»(12).
                    ب-الانتفاضة الشعبية في يناير 1977م:
                    (أو انتفاضة الجياع / انتفاضة الحرامية):
                    في يناير 1977م انتفض المصريون في المدن الكبرى ـ القاهرة ـ بسبب الغلاء الذي أصاب بعض المواد التموينية؛ فهاج الناس ودمّروا المحلات والعربات وأحرقوا دور الصحف، مما جعل الحكومة تسرع بالرجوع عن قراراتها حتى تحتوي هذه الانتفاضة العاتية ـ التي كان سببها سوء الأحوال الاقتصادية، وسمّاها بعض رجال السياسة من المُعارضين «انتفاضة الجياع»، في حين سمّاها رجال الحكم « انتفاضة الحرامية»(13).
                    وتتناول الرواية هذه الانتفاضة في عدة أوراق:
                    ففي الورقة (283) من أوراق أبي الطيب المتنبي نجد:
                    « ... علا صوت الغلاء فأصمّ الآذان، وشحطت الغلال، وارتفع الخبز من الأسواق، ووقفت الأحوال. أعلن الناس سخطهم لارتفاع الأسعار، وتعسف الكتبة والجباة، وخرج العامة في مظاهرات، يصنعون كلاماً ويُلحنونه، معناه وفحواه فقدان الحيلة أمام ارتفاع الأسعار. وصلوا إلى الجامع العتيق في يوم جمعة، وازدحموا عند المحراب، فمات العديد تحت الأقدام»(14).
                    وفي الورقتين (399 ، 340):
                    « حمل الأهالي أسلحتهم، ولازموا السهر بالليل في الشوارع والحارات والأزقة، وعلى أبواب البيوت. يطوفون في الأرجاء بالنبابيت والشوم، يلعنون ظلم الإخشيدي وفساده»(15).
                    وفي الورقتين (352 ، 353) يبين إلى أي حال وصلت الأمور، فقد «عمّت الفوضى، واضطربت الأحوال، وأحرق المتظاهرون الكثير من الدور والأبنية، وسودت جدران البيوت والمقابر والمساجد بعبارات ضدّ السلام الوشيك»(16).
                    (يتبع)

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #70
                      البطل في الرواية التاريخية (2 ـ 2)
                      رواية «من أوراق أبي الطيب المتنبي» نموذجاً

                      بقلم: أ. د. حسين علي محمد
                      ........................

                      ولم تنته هذه الثورة العارمة، ولم تلُح بوادر الحل في الأفق إلا حينما أبدى كافور مرونة كبيرة حينما أمر بالقضاء على مسبباتها ودوافعها حتى لا تقضي على كل شيء:
                      «أمر المخصيّ أعوانه، فنادوْا في الناس بالأمن والأمان، والبيع والشراء، شاركهم في المناداة بذلك حملة العمائم لما لهم من سطوة وتأثير .. سار في الشوارع والأخطاط رجل على فرس يقرأ من ورقة أن الأستاذ قد أزال المظالم، وهو يأمر الناس بتقوى الله، وطاعة أولي الأمر .. ونودي بالأمان ... والماضي لا يُعاد»(17).
                      لكن كافوراً بعد ذلك ـ أصبح يُسمي في أدبياته هذه الانتفاضة في خطبه وتصريحاته «غضبة اللصوص»، و«رفض تفسير ابن رشدين بأن ما جرى كان تعبيراً عن «غضبة الجياع» على الظروف الصعبة»(18).
                      ج-الانفتاح البشع:
                      ويتناول ذلك في الورقتين (329-322):
                      « تفاقمت الأحوال .. وحصل للناس من العنت والضرر ما يفوق الوصف .. كثر الخوف من الحاضر ومن قادم الأيام. بدا الناس في غاية الذل من الفقر والحاجة. وتضاعفت أعداد المتسولة في الشوارع والأسواق، وخرج الجميع إلى الصحراء: أهل الدولة وأرباب السيف والقلم والعلماء والصلحاء والفقراء والرجال والنساء .. روى لي محمد عن الناس في الأسواق: اشتروا طعاماً فاسداً لا تأكله القطط أو الكلاب. تحادث الناس أن أحد أعوان التهامي تقاضى مقابلاً ضخماً لقاء تفويتها ونزولها في الأسواق»(19).
                      وهذه الفقرة تُشير إلى ما حدث منذ منتصف السبعينيّات في مصر:
                      *فقد ازدادت الأحوال المعيشية سوءاً في مصر منذ ذلك الوقت، وما زالت تُعاني الأسر المصرية حتى الآن(20).
                      *الهجرة إلى خارج مصر للعمل، وهذه الهجرة شملت جميع الفئات «أهل الدولة وأرباب السيف والقلم والعلماء والصلحاء والفقراء والرجال والنساء».
                      *ما اشتهر عن كبار المستوردين الجشعين الذين استوردوا الطيور الجارحة، وقالوا للناس إنها لحوم صالحة للأكل، وهي طعام فاسد، «لا تأكله القطط والكلاب».
                      *الرُّشا التي تُدفع لبعض المسئولين فيغضون الطرف عن المخالفات « تحادث الناس أن أحد أعوان التهامي تقاضى مقابلاً ضخماً لقاء تفويتها ونزولها إلى الناس».
                      د-كثرة الديون وكثرة النهب:
                      يشير الروائي إلى كثرة الديون التي غرقت فيها مصر في السبعينيات، واستدانتها من الغرب (النصراني) والشرق (الملحد)، ويُشير إشارات خفية في نهاية الفقرة إلى تفنن «ابن حنزابة » في سرقة المال العام: « شحّت الغلال والبضائع بما أحدثه نقص مياه النيل. قلّت الأموال بالتالي، فصارت القروض المادية والعينية واجبة، من بلاد مُجاورة وبعيدة تدين بالإسلام والنصرانية، وبعضها تدين شعوبها بالكفر والزندقة. فلما أفلح ابن حنزابة في تأجيل دفع أقساط الديون في مواعيدها ذهبت الأموال في تعويض النتائج التي أحدثها غياب وفاء النيل»(21).
                      وهناك إشارات أخرى لكافور، وكيف تسلل إلى حكم مصر، والطبقات المُساعدة له، والتعذيب للمعارضين وصوره البشعة، كلها تشي بأن «المتنبي» كان قناعاً لوجه بطل مُعاصر، مُطارَد بأحلامه وأهواء نفسه في السيطرة والمُلك، ولكنه استطاع أن يرى عصره، وأن يكون شاهداً عايه، لا تفلت منه همسة أو نأمة.
                      (3)
                      من الطبيعي أن دور المثقف الانتهازي (المُطارَد بأهواء نفسه)، والذي يقنع بدور الرائي لما يدور في عصره دون أن يكون جزءاً فاعلاً فيه أو جزءاً من حركته الفاعلة يكون دوراً هامشيا.
                      فالمتنبي في هذا النص الروائي معني بإثبات ذاته، وهو يبدو كالأبطال الرومانسيين ـ غير قادر على إحداث التغيير، وغير قادر على التكيف مع مجتمعه. وما يشغله هو تحقيق ذاته، أو إثبات « الأنا » منذ مجيئه إلى مصر.
                      لقد حرص على أن يدخل مصر في هيئة مميزة رغم أن أحداً لا يعرفه فيها برسمه:
                      «حرصتُ على ركوب الحصان، حرصتُ على الأمر نفسه لأتباعي: ولدي محسَّد وتابعي محسود، وقلة من الخدم والعبيد، حنى لا نبدو في الأعين كالآلاف من السابلة والعامة وذوي المهن الحقيرة. أمرت فأحسن الخدم اختيار جوادي وطهمته وطهرته وكسوته، قبدا مليحاً يسر الناظرين، مشاعر الإعزاز تمور في داخلي للنظرات المتطلعة المشوبة بالإعجاب. تتقلّص يداي على المقود، وأطمئن إلى الأتباع والأمتعة في جياد أخرى خلفي، لا يعرفون أبا الطيب، وإن حدّسوا عظمة هذا الوافد»(22).
                      وطبيعي بعد ذلك أن يهتم المتنبي في أوراقه بوصف صورته في أعين الناس ومدى حفاوتهم به، فهو المتنبي الشاعر الأشهر، مالئ الدنيا وشاغل الناس:
                      «تسابق الناس إلى لقائي، أظهروا بشاشةً وودا، غمرتني مشاعر الانبساط لما استمعتُ إلى قصائدي من أفواههم»(23).
                      وطبيعي ـ أيضاً ـ أن مثل هذه الذات المتضخمة، التي تشعر بتفوقها وتميزها، والمطاردَة بأهوائها في السلطة والسلطان .. لا تشعر بالآخر، ولا تُقيم له وزناً، بل تسخر من مجرد محاولة الآخر اقتحام تخوم هذه « الأنا » المتضخمة.
                      سألني ابن القاسم ظهر اليوم وهو يُرافقني في طريق العودة إلى البيت:
                      ـ على من تنبأت؟
                      ـ على الشعراء.
                      ـ لكل نبي معجزته .. فما معجزتك؟
                      ـ قلتُ هذا البيت:
                      ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى .:. عدوا له ما من صــداقتهِ بُدُّ(24)
                      وكانت النتيجة الحتمية لهذه الذات المتضخمة أن تُقابل أعداءً كُثراً، ولا تحقق ما ترجوه في مصر، كما لم تحقق أحلامها في حلب، وكان على المتنبي في النهاية أن يقنع من الغنيمة بالإياب.
                      في الطريق قال لي صاحبي ابن يوسف:
                      ـ وما رأيك في الجولة القادمة يا أبا الطيب؟ .. لقد هجرت سيف الدولة وهجوته .. وها أنت ذا تهجر كافوراً، وستهجوه .. أقول: ترى إلى أين سيحل بك المطاف؟
                      قلت: لم يبق ـ يا ابن يوسف ـ بعد أن يئست من الملوك، وبعد أن سدوا أبوابهم دوني ـ إلا أمران، لا ثالث لهما: إما أن أنزل من القمة التي صعدتُ إليها بعد جهد وكد، وأعود إلى ما كنتُ عليه في بداية أمري، فأستجدي بشعري صغار الناس وطغامهم، أو أن أعود إلى الكوفة، فأقبع في داري، وأهجر الناس جملة، وأقيم بيني وبين الملوك سدا، فقد كفاني ما لقيت منهم، وكفاهم ما لقوا مني. ولي الآن ثروة تكفل الراحة والنعيم وهناء العيش »(25).
                      وهكذا ينتهي دور المثقف الانتهازي / المُطارَد بأحلامه في السلطة، والحكم بالعودة إلى الوحدة، ومحاولة الاستمتاع بالمال الذي قد يكفل له الراحة والنعيم وهناء العيش.
                      فهل يستطيع؟
                      (4)
                      تميزت رواية «من أوراق أبي الطيب المتنبي» ببنية فنية مبتكرة حيث قدّمها الروائي من خلال شكل الكتاب التراثي المُحقق، ولذا حمل العنوان مع كلمة «رواية» تلك الإشارة الدالة «تحقيق وتقديم: محمد جبريل» وليس «بقلم» أو «تأليف».
                      والرواية تعد الأولى في محاولة اتخاذ شكل التحقيق (التاريخي)، وإن كانت قد سبقتها رواية تتخذ من التحقيق (الأسطوري) إطاراً لها، هي رواية « من التاريخ السري لنعمان عبد الحافظ » لمحمد مستجاب.(26).
                      وقد نجح محمد جبريل في استخدام التحقيق التراثي شكلاً فنيا في روايته، لأنه أعطى الهوامش أهمية فنية، فبالإضافة إلى أنها توهم القارئ بالتحقيق استغلّها جبريل لوصف شخوصه ظاهريا ونفسيا، معتمداً على الصدى التاريخي الحقيقي لأكثر الشخصيات، وهذا يُساعد القارئ على تكوين خلفية واضحة تُساعده على معايشة أبطاله بانفعال وعن قرب، ومن هنا فالهوامش ليست لعبة تحديث فقط، ولا تُمثِّل وحدات سرد ثانوية، وإنما هي في مجملها وحدات سرد أساسية ذات إيحاءات دلالية تتصل مباشرة بالسرد الروائي الصاعد»(27).
                      وفي النص المحقق لم يلجأ محمد جبريل إلى وضع تواريخ لأرقام صفحاته، ويُعلل ذلك في الهامش بقوله:
                      «لاحظنا أن المتنبي لم يُشر إلى تاريخ كل حادثة بتوقيتها، ربما لأن كتابة المذكرات والسير الذاتية ـ بصورتها الحالية ـ لم تكن معروفة آنذاك، وقد فصّلنا بديلاً لذلك أن نشير إلى الأوراق بأرقامها المسلسلة »(28).
                      وتحقيق محمد جبريل للمتن ـ كما يقرر الدكتور عبد الحميد إبراهيم ـ « قد توافرت له كل المظاهر العلمية، يذكر التواريخ، ويحدد أوراق المخطوطة، ويتحدث عما فيها من طمس أو حذف، ويورد الهوامش الكثيرة التي تُعرِّق بالأعلام والأماكن، وتُعلِّق على الأحداث، وتُرجِّح بعض الآراء، وتُشير إلى المُلابسات التاريخية ... ويتخذ لذلك خلال روايته أسلوباً علميا تقريريا يتعمّد فيه أن يخلو من الزخرفة البيانية، وأيضاً من المسحة الشعرية التي تتناسب ولغة المخطوطات. إنه أسلوب سهل يعمد إلى هدفه بأقصر الطرق، ويقوم على الافتراض وتقليب الآراء، وترجيح بعضها، ومحاولة الاستنتاج »(29).
                      ولعلنا نعلل أن عدم وضع تواريخ للصفحات والاكتفاء بذكر أرقامها وإسقاط بعضها كان لجعلها قادرة على الانطلاق من إسار العصر الذي من المُفترض أنها كُتبت فيه وتُعالج همومه، لتُخاطب عصرنا ـ عصر إنتاج الرواية، ولتكون أكثر حرية وقدرة على البوح والإشارة إلى أشياء مُعاصرة وضّحناها من قبل.
                      وما أكثر القضايا العصرية التي عالجتها الرواية من خلال عيني الشخصية الروائية الأولى في هذا النص: شخصية« المتنبي»، البطل الروائي المُطارَد بأحلام السلطة والحُكم، والمثقف الانتهازي الذي جعله محمد جبريل قادراً على أن يكون شاهداً على عصرنا نحن باقتدار ومهارة.
                      ........................
                      الهوامش:
                      (1) فصل في كتابنا: «صورة البطل المُطارد في روايات محمد جبريل»، دار الوفاء لدنيا الطباعة، الإسكندرية 1999م.
                      (2) محمد جبريل: من أوراق أبي الطيب المتنبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1988م، ص 16 .
                      (3) محمود محمد شاكر: المتنبي، ط3، مطبعة المدني، القاهرة 1407هـ-1987م، ص 362 .
                      (4) محمد جبريل: من أوراق أبي الطيب المتنبي، ص 25 .
                      (5) يُنظر النص، السابق، ص 146 ، 147 .
                      (6) السابق، ص 44 .
                      (7) السابق، ص 44 .
                      (8) السابق، ص 44 .
                      (9) السابق، ص 56 ، 57 .
                      (10) السابق، ص 60 .
                      (11) السابق، ص 62 .
                      (12) السابق، ص 64 .
                      (13) فهمي عبد الفتاح المتولي: استلهام المتنبي في الأدب العربي المعاصر، رسالة ماجستير (مخطوطة)، كلية الآداب ـ جامعة الزقازيق 1413هـ-1992م، ص 178 .
                      (14) محمد جبريل: من أوراق أبي الطيب المتنبي، ص 97 .
                      (15) السابق، ص 113 .
                      (16) السابق، ص 115 .
                      (17) السابق، ص 117 .
                      (18) السابق، ص 121 .
                      (19) السابق، ص 108 ، 109 .
                      (20) أشار البنك الدولي في تقرير له إلى أن ربع سكان مصر يعيش تحت خط الفقر المصري المقرر بـ 35 دولاراً في الشهر، والأخطر من ذلك أن سبعة ملايين مصري يعيشون في دوامة الفقر المدقع، فضلاً عن ستة ملايين عائلة تحصل على دخل شهري لا يزيد على 45 دولاراً، وكلها مؤشرات تدل على أن الفقر وصل إلى مستوى مرتفع نسبيا». انظر دراسة الاقتصادي المصري: عبد الفتاح الجبالي: الآمال معلقة على الصندوق الاجتماعي للتنمية، صحيفة « الحياة » (لندن)، العدد (11083) الصادر في 18/6/1993م، ص 12 .
                      (21) محمد جبريل: من أوراق أبي الطيب المتنبي، ص118 .
                      (22) السابق، ص 12 ، 13 .
                      (23) السابق، ص 23 .
                      (24) السابق، ص 43 .
                      (25) السابق، ص 133 ، 134 .
                      (26) في مناقشة الشكل في رواية محمد مستجاب يُنظر: د. عبد الحميد إبراهيم: الرواية المصرية والبطل الوغد، مجلة «إبداع »، السنة (3)، العدد (1)، يناير 1985م، ص 120 .
                      (27) د. محمد نجيب التلاوي: الرغبة والتحقيق في رواية «من أوراق أبي الطيب المتنبي»، مجلة «الجنوبي»، المنيا، العدد الأول، أكتوبر 1988م، ص 33 .
                      (28) محمد جبريل: من أوراق أبي الطيب المتنبي، ص11 .
                      (29) د. عبد الحميد إبراهيم: الوسطية العربية: مذهب وتطبيق، ج4: نحو رواية عربية، دار المعارف، القاهرة 1995م، ص 408 .

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #71
                        من المحرر
                        الإخوة الأعداء

                        بقلم: محمد جبريل
                        ................

                        في أول الستينيات. قدم أستاذنا يحيي حقي مجموعة قصصية باسم "عيش وملح" لستة من أدباء الجيل. عبرت -في غالبيتها- عن مواهب حقيقية ومغايرة.
                        كانت الصداقة الإبداعية هي التي جمعت بين مبدعي الجماعة أما الصداقة الشخصية. فقد لاحظت أن بعض أفرادها كانوا يلتقون ليخوضوا معارك كلامية. تبدأ بالمعايرة وتنتهي بالشتم. وكنت أعجب لتلك الروح العدائية التي يلتقي في حلبة صراعاتها من اختاروا لمجموعتهم القصصية الأولي تسمية "عيش وملح"!
                        استعيد تلك الأيام البعيدة. أتذكر التعبير "تسخين الأذن" كلما نشأ الخصام بين مجموعة أصدقائي الجدد.
                        يهاتفني أحدهم. يتكلم. يعيد ويزيد. ينسب إلي صديقه -الذي صار عدوا - كل الأخطاء والخطايا. فمؤامراته لا تنتهي. وهو المسئول عن إفساد الحياة الثقافية!
                        يطول الوقت أنصت إلي ما يغلق الأبواب تماما بين الأصدقاء. لا يكتفي الصديق بأن يتركها مواربة. بل هو يخوض فيما يبتعد عنه أشد الأعداء خصومة. أحاول النصح: أنتم مبدعون. والناس تتابع كتاباتكم. والأجيال الطالعة تجد فيكم القدوة. يواصل كلامه. يتكلم ويتكلم حتي ينفد الصبر فألجأ إلي التعبير: سخنت أذني!
                        تكون أذني قد سخنت بالفعل. كلام كثير يصعب متابعته. بل ولا أحسن فهمه. يأتي الصوت منفعلا ومتحمسا: يجب أن تعرف حقيقة ذلك الذي تظنه صديقا!.
                        يكلمني أحدهم عن أول مؤتمر للرواية نظمه المجلس الأعلي للثقافة. والجهد الذي بذله صاحبه حتي تظفر أعماله بمناقشات المؤتمر. مقابلا لحجب أعمال محدثي. ويروي لي آخر ما يجري في الأركان الهامسة في مقهي الجريون: فلان يعاني ركنة الظل. لا بأس من بقعة ضوء.. فلان أخذ أكثر من حقه. ينبغي أن نعتم عليه.. وتصرفات أخري غريبة يصعب تصورها في عمل درامي!
                        اعتدت المكالمات المفاجئة. والعبارات التي تشكو. وتدين. وتلاحظ معايب علي طفولة "الصديق" ونشأته. والصراعات التي خاضها حتي تحققت له مكانة في قبيلة المبدعين!
                        أغلق السماعة بعد عناء. أتناسي الأمر حتي أنساه. وتطالعني الأيام بما تناسيته ونسيته يقفز الإخوة الأعداء فوق الأسوار أو يحطمون الأبواب التي أغلقوها جيدا ويعود كل شيء إلي ما كان عليه قبل العداء المطلق.
                        لأن المسألة بدت مثل الاسطوانة المشروخة صداقة مقحمة تشكو أصدقاء آخرين. ثم عودة كل شيء إلي ما كان عليه. قبل أن تنشأ العداوة الطارئة! ما ذنب الآخرين ليدخلوا بين البصلة وقشرتها؟!
                        يرفع من في البيت سماعة التليفون. يقولون: فلان. أعرف أن الصداقة العميقة. بل والشللية. غابت لسبب سأعرفه حالا.
                        وأتذكر التعبير الذي اختاره كازنتزاكس لواحدة من أجمل رواياته: الإخوة الأعداء!
                        ...............................
                        *المساء ـ في 26/2/2010م.

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #72
                          محمد جبريل والتغيير
                          قراءة فى "هل؟"

                          بقلم: أيمن حسن
                          ..................

                          حاولت أن أقرأ ( هل ؟ ) كمجموعة قصصية ، ففشلت ، عندئذ بدأت أجمع الخيوط من جديد فبدا ثوبا أشبه ما يكون بالتكوين الروائى الذى يعتمد على تطور فكرة معينة كخيط يربط وحدات العمل أو قصص العمل ، هذه الفكرة هى "التغيير". وفكرة التغيير تعتمد على وجود واقع يرفضه الكاتب ويرغب فى تغييره إلى واقع أفضل، وهنا أقول "التغيير" ولا أقول "الثورة"؛ لأن ما يبحث عنه الكاتب تغيير هادئ له اسمه وعوامله وأفكاره وليس ثورة سريعة تقلب الأوضاع من الظاهر.
                          من هذا المنطلق سأبدأ بعنوان العمل ( هل ؟) الذى ببساطة جعلنا نفكر معه فى الإجابة، وببساطة أكثر أشركنا فى مسؤولية الإجابة عن السؤال ، فصارت قضية التغيير ، قضيتنا ، بل أشرك الكاتب الأجيال القادمة لخطورة القضية ، فقال: "إلى الآتى"، وهذا يؤيد أننا بإزاء تغيير يتم على مراحل فكرية وزمنية، ولسنا بإزاء ثورة سريعة نقوم بها.
                          شرح لنا الكاتب هذا الواقع المرير فى قصته "التحقيق" حيث وضعنا أمام إنسان يؤخذ من حجرة نومه ويشترك المجتمع بطوائفه فى قتل الإنسان بداخله: يشترك فى الجريمة مسؤول الأمن "الضابط"، والباحث عن الحقيقة "وكيل النيابة"، ومسئول الأمن النفسى "الدكتور"، وأبسط الناس "العسكرى". هنا يفر الإنسان من واقعه المرير فى قصة "العودة"، لكنه فى خروجه من وطنه يفقد ذاته.
                          "اختار الوقوف على نقطة الصفر لينتهى الأمر على نحو ما. تساوت لديه البداية والنهاية وردود الأفعال مهما كانت قاسية" ( العودة ص 14 ، 15 ) وهنا يجب أن يعود ليجد ذاته:
                          "أنت !؟
                          ارتمى فى حضن أمه وأجهش بالبكاء" ( العودة ص 20 ).
                          وهذه العودة تؤكدها العبارة الأخيرة فى قصة "تسجيلات على هوامش الأحداث بعد رحيل الإمام":
                          " قالوا : دولة الإسلام هى المطمح ، فلماذا الهجرة ... والعودة – مرة ثانية – فاتحين؟ لماذا لا نوفر الجهد فتقوم دولة الإسلام فى بلد الدعوة، ليخرج منها المسلمون بعدها فاتحين؟" ( تسجيلات على هوامش الأحداث ص 60 ").
                          فى هذه القصة يصور الكاتب عالمين متناقضين، عالم ملئ بالشرور وعالم ينعم بالخير والسلام ، ولقد فشلت فكرة الإمامة فى القضاء على الشرور، وهى فكرة أن الحاكم هو الذى يغير واقع شعبه أو وطنه ويجب ألا ينسى أن التعليق كان بعد رحيل الإمام. إذن ما البديل؟ عند محمد جبريل أحس أن عامة الناس وأبسطهم هم الذين سيغيرون الواقع، ولكنهم محتاجون للمثقفين والمبصرين ليأخذوا بأيديهم، ومن هنا نصل إلى أخطر القضايا عند الكاتب وهى (قضية التواصل بين المثقف ومجتمعه)، والتى تشغل حيزا كبيرا من العمل.
                          هنا سنبدأ أولا بمناقشة دور المثقف عند محمد جبريل.
                          أكد محمد جبريل فشل وكذب دور المثقف فى التبشير والإتيان بحاكم وتقديمه كهدية للناس، أكد هذا فى "إمام آخر الزمان"، أما فى (هل؟) فقد طرح الدور الطبيعى للمثقف، وهو قيادة الناس والتواصل معهم ومحاولة تغييرهم من الداخل على مراحل زمنية وفكرية، والنتيجة الطبيعية هى قيام الناس بإعادة صياغة واقعهم بصورة أفضل.
                          فى قصة " المستحيل" يرى أن حتمية التواصل مع المجتمع سيفرض وجوده ومشاكله وقضاياه عليه .
                          "التف حول نفسه، وتضاءل، وانكمش، حاصرته الوحدة فبكى. أطلق صيحة فزع لما تهاوى الأثاث وراء النافذة ، وأطل المجهول فى الظلام – بنظرات ثابتة " ( المستحيل ص 95 ). فبطلنا حاول أن يعزل نفسه عن العالم خارج حجرته، لكنه كان يحاول أن يفعل المستحيل.
                          وبعد أن وصلنا إلى حتمية التواصل نناقش جزئية أخرى هى " أشكال ، التواصل " .
                          طرح محمد جبريل – كما أزعم – شكلين من أشكال التواصل هما "التسلل" إلى قلب المجتمع فى محاولة للسيطرة عليه ، وأكد الكاتب فشل مثل هذا النوع من التواصل ، فى قصته "حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى " ها هو السمان تسلل إلى حياة الناس حتى لاحظوا أنهم لم يعودوا يتصرفون، بمثل ما اعتادوا وتنبهوا – وإن كان متأخرا – إلى ملايين الأعين والأنفاس القريبة، والمقاسمة فى المكان مهما كان شخصيا" (حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى ص 71 ) رغم أنه فى البداية استفاد الناس من حياة السمان بصورة مؤكدة، النظام والهدوء وحب العمل والكسب والميل إلى عدم السهر" حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى " ص71 .
                          وهذا الشكل من أشكال أو محاولات التواصل "التسلل" يصل إلى أن "السكوت عن المقاومة – رغم كل شيء – طريق إلى الجنون" حدث استثنائى فى أيام الأنفوشى ص71 . أما النوع الآخر من التواصل فهو "التواصل المباشر" النظيف الذى يبدى فيه المثقف الاهتمام بقضايا مجتمعه، ويشارك فى حلها كخطوة للتواصل مع الناس وإحداث التغيير فيهم وبهم . ويطرح الكاتب هذا النوع من التواصل فى قصة "القرار" فها هو الكاتب يقدم لنا فرحة الشعب بتواصل مثقفيه معه فى فرحة زوجة البواب على لسان البطل. تحدثت عن طبيب الطابق الأول الذى دفعت له – فى غيابه – قيمة إيصال النور ونجاح أطفال الطابق الثانى فى امتحان الفترة وعذوبة أدائى لأذان المغرب فى مسجد سيدى على تمراز وفتح الشرفة المطلة على ... "القرار " ص 88.
                          هذا هو شكل التواصل الذى يبحث عنه الكاتب، شكل ينبع من المشاركة الإيجابية فى مفردات الحياة اليومية البسيطة، بعيدا عن أشكال التعقيد الفلسفى أو الخداع، أو التسلل ، وهذا الشكل التواصل يؤدى إلى "قمت من فراشى وفتحت النافذة" (القرار ص 89 ) ويكون ندا له "قررت أن أحيا" (القرار ص 89 ). والقرار فى القصة هو – كما أزعم – قرار الزواج، وهنا يكون الزواج رمزا للتواصل الشرعى المباشر مع المجتمع .

                          ***************
                          حتى الأذان ننسى أننا بصدد قضية " التغيير " التى تفرع منها موضوع التواصل مع المجتمع ، لكن على الجانب الآخر سنقف وقفة قصيرة مع أحد – وأهم – عوامل التواصل ألا وهو " اللغة " ، ولا أقصد هنا لغة الكاتب القصصية ، بل أقصد اللغة بمعناها الشامل ، أو لغة التعامل الحياتية .
                          من البديهيات أن وظيفة اللغة الأساسية هى التعامل مع الناس ، أى أن اللغة عامل من عوامل التواصل ، لكن عند محمد جبريل أخذت اللغة شكل العائق أمام التواصل.
                          هنا نلمح أحد مساوئ حياتنا " زيف الكلمات " . دعونا نستدل عل هذه النقطة من بعض القصص ، فى قصة " العودة" على لسان البطل : " ـ وتلك الكلمات الغريبة التى لا أستطيع فهمها ؟
                          - لا يتحدث عنها سواك
                          - أنت تتحدث بها أحيانا
                          - وهم ( العودة ص 9 )
                          أين يكمن " الوهم " حقيقة ، هل فى نفس وعقل بطلتها أم فى نفس وعقل محدثه أم فى اللغة ذاتها ؟
                          لكن فى أى من الحالات نصل إلى نفس النتيجة وهى الانفصال لا التواصل .
                          وأيضا فى قصة " تكوينات رمادية " يقول البطل " إذا نسيت اللغة ، نسيت كل ما أعرفه من أسرار .. وهذا ما لن أمنحه لهم ؟ .." تكوينات رمادية ص 25.
                          هنا تأخذ اللغة عند الكاتب بعداً أعمق من مجرد التعامل العادى ، إنها طريق التواصل الداخلى ، وليس مجرد تبادل كلمات وأحاديث ، لكن بطل قصة " تكوينات رمادية " قتله الكم الهائل الذى يعرفه من أسرار اللغة ، فلم يتواصل به بل تقاعد وحجب نفسه عن المجتمع ، بمعنى آخر قتله وهم الحفاظ على كنز لا يزيد إلا بالتبادل والتعامل .
                          والآن بعد أن ناوشنا موضوع التواصل بين المثقف ومجتمعه عند الكاتب ، يسير خطوة أخرى على طريق التغيير الذى هو محور كلامنا ، هذه الخطوة تتم فى قصة " الأستاذ يعود إلى المدينة " فالأستاذ قد استطاع التواصل مع مجتمعه ، لكن القصة لا تقف عند هذا الحد بل تنقلنا لشيء آخر هو " البديل " لفكرة ( الأمانة ) الفاشلة فى تغيير صورة الواقع السيئ ، وهذا البديل هو عشق الأبناء للأرض فى عملية التغيير ويقوم بها ، إن لم نستطيع نحن ، فالأرض " سلسبيل " يعشقها الأبناء المخلصون " عمال البناء " ويتم اللقاء لتكون الثمرة جيل قادم ، هنا بالضبط نفهم كلمة محمد جبريل فى صدر العمل " إلى الآتى " .
                          والآن سأخاطر بتناول قصة "الطوفان" كوحدة من وحدات التكوين فى ( هل ؟) ولكن ما وجه المخاطرة؟
                          أقول إن القصة "الطوفان" لها طابع الثورة، وهو البديل السريع الفظ غير العاقل للتغيير الهادئ القوى العميق ورغم ذلك أحس أن جوهر القصة عنصر آخر لا ينبغى أن يفوتنا، يبدو هذا العنصر فى هذه العبارة "وفى تلك الأيام التى بدا فيها المخلوق جزءا ثابتا من حركة الحياة حوله، انتفض ..." الطوفان ص 78.
                          فى هذه الجملة يرسل الكاتب إنذاراً بأنه لا استهانة بالشعب، مهما بدا "ثابتا وجامداً".
                          ............................
                          مجلة «الرافعى» ـ العدد الثامن ـ 1988م

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #73
                            من المحرر:
                            حسن الروس!

                            بقلم: محمد جبريل

                            شخصية حسن الروس في رائعة نجيب محفوظ "بداية ونهاية" تهبنا مثلا للخفة والشطارة والفتونة والبلطجة في آن. وهو ما أجد تماهيا له في شخصيات نعرفها في مجالات الحياة. هؤلاء الذين يتوهمون في أنفسهم قدرات لا يملكونها. ويحاولون فرضها بالإملاء والغصب. أذكر العديد من المقالات التي كتبتها عن حسن الروس في حياتنا الأدبية.
                            الروس كما تعلم هو الشخصية الشهيرة التي قرنت الغناء بالفتونة. ونالت بأذاها كل من يهتف بعدم الاعجاب!
                            المبدعون من نوعية حسن الروس اضافوا إلي أنفسهم نقادا علي شاكلتهم. يقرظون ما يكتبون حتي من قبل أن ينشر. وربما من قبل أن يبدأوا كتابته.
                            لا أبالغ. فقد نشرت مجلة أسبوعية علي سبيل المثال تحقيقا عن أهم الأعمال التي صدرت في سنة ما. ولأن مبدعي ناقد الشلة لم يكونوا قد كتبوا شيئا. فقد كتب أن مبدعيه لم يؤلفوا شيئا خلال السنة. ولم يشر إلي ما صدر للآخرين بالفعل. باعتبار أنهم ليسوا من قبيلة حسن الروس.
                            سألت الناقد الكبير الدكتور الطاهر مكي: أين متابعاتك للإصدارات الجديدة؟. قال ببساطة: دلني علي مساحة تخلو من سيطرتهم لم يحدد من هم! وأنا أكتب ما أراه موضوعيا.
                            تصدي صديقي الناقد الراحل سيد النساج لمهمة إعادة رسم الخارطة الإبداعية. لصياغتها علي النحو الصحيح. وكتب عدة مقالات في "الهلال". أثاروا بها الدنيا دنياهم! عليه. فلم تقعد.
                            كتب نقادهم يتهمون الرجل في علمه وشخصه. لم يتركوا نقيصة دون أن يحاولوا إلصاقها به. وبلغ الأمر حد ايقاظ النساج من نومه في ساعات الليل المتقدم. ليوجهوا إليه وصائل ردح من النوع الثقيل. لمجرد أن الرجل رحمه الله حاول تصويب الخطأ.
                            لكن النساج واصل ما بدأ. مقتنعا بفجاجة بضاعتهم. ومقتنعا في الوقت نفسه بقيمة ما يحاولون التعتيم عليه. حتي أوقف المرض. فالموت. مشروعه الذي لو أنه اكتمل فإنه كان سيبدل في الصورة ملامح كثيرة!
                            النقاد الملاكي أخطر من مبدعي قبيلة الروس. إنهم يروجون بضاعة يدركون فسادها. لكن ما يشغلهم هو المصلحة والفائدة الشخصية والتبادل المنفعي.
                            الإبداع الحقيقي فكرة جميلة ينبغي ألا تجاوز اطارها. الابداع الذي يكتبون عنه. ويقرظونه لا نقد في المسألة ولا يحزنون! هو إبداع القبيلة بصرف النظر عن التشوه الذي يلحقه النقد الملاكي بإبداعنا المصري بعامة.
                            أذكر رسالة الصديق الناقد التونسي الدكتور محمد بدوي يسألني. هيئاتكم الرسمية تتبني كتب الاصدقاء وأفراد الشلة. متي يصلنا إبداعكم الحقيقي؟
                            .............................................
                            *المساء ـ في 13/3/2010م.

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #74
                              من المحرر:
                              الدين .. والشخصية المصرية

                              بقلم: محمد جبريل
                              ........................

                              الثابت - تاريخياً - أن الشعور القومي لمصر أي الشعور بالانتماء الوثيق إلي هذا الوطن ذي المقومات المعروفة المحددة بكل أبعاد هذا الانتماء ظل ممتزجاً امتزاجاً قوياً بالشعور الديني أي بالانتماء إلي دار الإسلام الواسعة بكل ما يفرضه هذا الانتماء من التزامات وهو انتماء بمعني المواطنة دون أن يفرق بين مسلم وقبطي عاني المصريون حكم العثمانيين علي امتداد أربعة قرون ولم يخرجوا عليهم بثورات جماعية لا لتقاعس ولا لغياب إرادة المقاومة وإنما لأن مصر كانت جزءاً من الدولة العثمانية وفي المقابل فقد تلاحقت ثورات المصريين - لاعتبارات معلنة! - ضد الاحتلال الفرنسي ثم الاحتلال الانجليزي.
                              أنت تجد الدين في كل مكان في الأذان الذي يصلك - في مواعيد الصلوات الخمس - في أي مكان تصادف وجودك فيه مدينة أو قرية أو حتي الصحراء في الآيات القرآنية والتعبيرات المأخوذة من الكتاب المقدس والدعوات الملصقة في وسائل المواصلات بدءاً بالسيارة الملاكي وانتهاء بالعربة الكارو في المصحف الذي يتصدر واجهات المحال والمكاتب والسيارات الأمر نفسه بالنسبة لصور العذراء وفي بدء الحديث أو الكتابة أو المشوار باسم الله الرحمن الرحيم.
                              ولجوء الإنسان المصري إلي الله بالقسم وبالدعاء وبالاتكال علي الله والإيمان بالغيب وبالأمل في حل ما يطرأ علي حياته من مشكلات.. هذا اللجوء يعكس عجز الإنسان المصري عن مواجهة ما لا قبل له بمواجهته فهو يرجع إلي الله كل تلك المشكلات هو العليم الخبير ومالك القدرة علي تحقيق النصفة.
                              واللافت أن الكثير من الأمثال ذات مصدر ديني مثل: اسع يا عبد وأنا أسعي معاك ملك منظمة سيدة اللي يجيبه ربنا كويس. كلنا ولاد آدم وحوا. الخيرة فيما اختاره الله. دع الملك للمالك. ربنا بيرزق الدودة في الحجر. ربنا خلق الدنيا في سبع تيام. ربنا عرفوه بالعقل. ربنا يطعمه خيرهم ويكفيه شرهم. شفاعة النبي تبلع الذنوب. الشكوي لغير الله مذلة. شربة الميه للعطشان تتحسب بقيراط في الجنة. الشيطان شاطر. عين المؤمن تشرف قبة السلطان.
                              مع ذلك فإن السماحة في مقدمة السمات الأصلية التي تميز الشخصية المصرية وهي سمة حضارية تستمد مقوماتها من الديانات التي اعتنقها الشعب المصري في امتداد تاريخه وأذكر أنه كان من بين جيراننا في شارع إسماعيل صبري بحي بحري بالاسكندرية: أسر قبطية. وأسرة يهودية وكان الصغار يلعبون في الشارع الخلفي أمام جامع سيدي علي تمراز. لا تشغلنا ديانة أي منا وإن كان المسلمون يترددون علي الجامع لأداء الصلاة أو لاستخدام دورة المياه أحياناً أما الأقباط فكانوا يتحدثون إلينا عن زيارات القساوسة إلي بيوتهم والصلاة التي تقيمها الكنيسة المرقسية صباح كل أحد.
                              يتصل بظاهرة الاستغراق الديني ظاهرة أخري مناقضة هي ظاهرة الانفصام الديني التي تعد في مقدمة سلبيات الشخصية بذلك الانفصام ما تنسحب عليه التسمية في أمور حياتنا نحن نرفع الشعارات ونمارس نقيضها نتحدث عن النظام ونتصرف في فوضي وعن العدالة ونمارس التفرقة وعن رفض الفساد والشللية والمحسوبيات ونغض الطرف عن ذلك كله ربما مسايرة لمقولة جحا الشهيرة عن العيب الذي لا يشغله مادام بعيداً عن بيته!
                              من المهم أن نمارس ما نؤمن به. ما نعلنه. وندعو الأخرين إلي ضرورة تطبيقه.
                              ..................................
                              *المساء ـ في 20/3/2010م.


                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #75
                                رؤية في عالم جبريل القصصي

                                بقلم: حسني سيد لبيب
                                ................................

                                تتجه معظم كتابات محمد جبريل القصصية والروائية إلى البحر. ونستطيع القول إنه يغمس ريشته في مداد البحر الصاخب، كما يمكننا القول إن جماليات القصة القصيرة عنده تتطلع إلى البحر في مده وجزره. وعلى سبيل المثال يمكننا القول إن قصة "أفق البحر" (*) . تمثل القصة النموذج التي يتجه فيها إلى الوصف، وصف المكان، والارتداد إلى الماضي القديم. ومن جمالياتها أيضا حديثه إلى القارئ عن صمت البنايات، وواجهة المدينة، وارتفاع طوابق العمائر، بحيث يسد على البحر أفقه المترامي الواسع. وفي القصة رغبة حارة في دخول المدينة من أي طرف من أطرافها، من أي زاوية من زواياها، وراوي القصة، وهو يتطلع إلى دخول المدينة، يلحظ تغيرها عن ماضيها، ويقف عند البوابة من يحول بينه وبين دخولها. حيث يمنعه هذا الشرطي ـ أيا كانت صفته ـ ما لم يكن معه تصريح أو إذن بالدخول. هنا المدينة أسيرة، محاصرة، وساكنوها أسرى المكان المغلق. تلعب المحاورة والمداورة بعدا جماليا آخر، يساعده في ذلك أسلوب متميز هادئ، أسلوب كاتب يتقن أداته الفنية ويتميز بالأناة والدربة. كما يمكننا القول ـ إن الكاتب ـ ربما ـ يقصد اغتيال مدينة تحت الحصار. أيا كانت التفسيرات، فإن القصة تتحمل شتى الوجوه، وهذا سر روعتها.
                                ـــــــــــــــــــــــــ
                                قصة "أفق البحر لمحمد جبريل" ـ جريدة الأهرام 26 مارس 2010م



                                تعليق

                                يعمل...
                                X