حوار مع الناقد الإسلامي الكبير الدكتور حلمي محمد القاعود
«الحب يأتي مصادفة» أذاقتني طعم السعادة
حاوره: أ.د. حسين علي محمد
.....................
(القسم الأول)
"حلمي محمَّد القاعود" اسم يعرفه العاملون على الساحة الإسلامية، كما يعرفه خصوم الإسلام من المثقفين العرب أيضاً، هو حاضر في أذهان الجميع بما يكتبه من آراء جريئة، وأفكار قوية، ومقالات حادة لا تعرف المراوغة أو المداورة.
في المجال الأدبي، هو ناقد أصيل وكبير. منذ بداياته، وصفه الأديب الكبير "وديع فلسطين" في مجلة "الثقافة" التي كانت تصدر في السبعينيات من القرن الماضي بأنه أفضل النقاد الشبان، وفي عام 1968م فاز في مسابقة مجمع اللغة العربية، التي كان يتنافس عليها كبار الأدباء والكتَّاب، وكان عمره آنذاك لا يزيد عن الثانية والعشرين، وفي عام 1974م فاز في مسابقة "يوم الأرض" الخاص بالشعب الفلسطيني ببحث عن شعراء المقاومة الفلسطينية، وهي المسابقة التي كان يقيمها المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية (المجلس الأعلى للثقافة الآن).
ومع أنه يقف من المؤسسة الثقافية موقفاً مخالفاً؛ فقد رأت أنه لا بدَّ من تكريمه بوصفه أبرز أدباء محافظة البحيرة، وذلك في مؤتمر أدباء مصر الذي انعقد بمدينة دمنهور عام 1998م، وأهدته درع التفوق.
في حياته الجامعية، يمثِّل صورة للأستاذ الجامعي الجاد، الصارم من غير قسوة، الحازم في غير شدة، وخاصة في مجال الدراسات العليا، حيث يأخذ طلابه بالعمل الدؤوب، والبحث المستمر، والاهتمام بالجزئيات مثل الاهتمام بالكليات، وهو كذلك أيضاً في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، حيث تكون مناقشاته ـ كما شهد زملاؤه وطلابه ـ درساً تطبيقياً وعملياً، يعلِّم الطالب كيف يصل ببحثه إلى التفرد والإضافة.
"القاعود" صدر له مؤخراً كتاب مهمّ يعدُّ مرجعاً في بابه، هو "الرواية التاريخية في أدبنا الحديث" عن هيئة قصور الثقافة في أكثر من ستمائة صفحة، وصدر عنه كتاب في سلسلة "أصوات معاصرة" بعنوان: "نحو أدب إسلامي: قراءة في رواية "الحب يأتي مصادفة" من تأليف "ثروت مكايد عبد الموجود"، كما صدر له كتاب ثالث بعنوان: "الإسلام في مواجهة الاستئصال"، وكانت هذه الإصدارات، بعد فترة انقطعت فيها إصداراته الأدبية والفكرية، مدخلنا إلى لقائه وسؤاله عن أثر صدور هذه الكتب بالنسبة له فقال:
ـ في الحقيقة، فإنني ـ مع ظروفي الصحية المضطربة كما تعلم ـ لم أتوقف أبداً عن القراءة والكتابة، إلا لضرورة قاهرة، وطوال السنوات الست الماضية، صدرت لي بعض الكتب القليلة، منها كتاب "دفاعاً عن الإسلام والحرية" عن دار الاعتصام، وكتاب "حوار بين الرواية في مصر وسورية"، وقبلهما صدر كتاب "الرواية الإسلامية المعاصرة"، كما صدر كتاب "الأقصى في مواجهة أفيال أبرهة" عن الانتفاضة الثانية، ولديَّ بعض المخطوطات لكتب أخرى، ولكن تصفية دار النشر، التي كانت تنشر لي باستمرار، لأسباب مالية، فضلاً عن تراجع سوق الكتاب، وعزوف الناشرين عن الكتب الأدبية، أو الكتب التي لا تدرّ ربحاً كبيراً، أو الكتب التي لا تعبِّر عن وجهة نظرهم، جعلني استرخي في البحث عن ناشر يعوِّض ناشري الأول، وكما تعلم فالمؤسسة الثقافية الرسمية لا تنشر لأمثالي؛ لأنَّها تريد كتَّاباً بمواصفات خاصة، لا تتعلق بالكتابة أو الموضوع، وهي مواصفات لا تتحقق في شخصي..
بالطبع نشر الكتب السابقة في أواخر العام الفائت أسعدني للغاية؛ لأنَّ ما كتبته يصل إلى الناس وقد يؤثر في بعضهم، أو يثير لديه الرغبة في مناقشة قضايا أدبية أو ثقافية أو فكرية بصفة عامة، ولا أخفي أن الكتاب الذي ظهر عن روايتي "الحب يأتي مصادفة" أدهشني، فقد أعادني إلى ما يقرب من أربعين عاماً، كنت أكتب القصة القصيرة والمسرحية والرواية بمفهوم إسلامي قبل أن تظهر الدعوة إلى الأدب الإسلامي من خلال رابطته العالمية. الأكثر إدهاشاً أن الكاتب "ثروت مكايد" الذي قرأ روايتي وكتب مؤلفه حولها، أعاد إلى نفسي الثقة في كتابة الرواية مرة أخرى، فقد قرأها بحب شديد، ووجه إليها بعض الانتقادات السلبية، ولكنه أبرز جوهرها وإيجابياتها بطريقة رائعة، ومن المفارقات، أنَّ اليساريين شنوا حملة ضارية على هذه الرواية إبَّان ظهورها في مجلتهم التي كانت تسمَّى "الطليعة"؛ لأنَّ أحد شخوصها ـ أي الرواية ـ كان يسارياً فاشلاً ومتهافتاً .. ومع ذلك فقد أشارت صحف عديدة في مقدمتها "الأهرام" بالرواية، واحتفت بها حفاوة شديدة، ولكن كتاب "ثروت" أذاقني طعم السعادة بطريقة أفضل.
ومن خلال هذه الإجابة، وبمناسبة إشارة الدكتور "القاعود" إلى المؤسسة الثقافية، سألناه:
ولكن يا دكتور، كتابك "الرواية التاريخية" الذي صدر مؤخراً نشرته المؤسسة الثقافية الرسمية "هيئة قصور الثقافة".. فلماذا تأخذ موقفاً ـ لا أقول معادياً، ولكن مخالفاً لهذه المؤسسة؟
أجاب بهدوء:
ـ تعلم أنَّ المؤسسة تأخذ مني ومن كل المنتمين إلى الإسلام منهجاً وتطبق موقفاً معادياً، فالفريق المهيمن عليها ممَّن يسمَّون باليسار، أو اليسار المتأمرك لا يحبون الإسلام، فهم الآن أكثر ولاء للولايات المتحدة وخططها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وقد تأصلت لديهم كراهية الإسلام شكلاً وموضوعاً منذ قام "هنري كورييل" الصهيوني بتشكيل أول حزب شيوعي فعَّال في مصر فترة الأربعينيات من القرن الماضي. وهذه المجموعة في سيطرتها على نشر الكتب أو المجلات أو الصحف، أو على الإدارات الثقافية المختلفة، لا تفتح المجال إلا أمام التابعين لها فكراً وسلوكاً، أو اللائذين بها من أصحاب المصالح والمنافع، وأنا لست من هؤلاء بالتأكيد.. وقد نشرتُ عشرات المقالات في الصحف المصرية منذ أوائل التسعينيات ـ كما تعلم ـ لكشف أوجه القصور والفساد في حركة هذه المؤسسة، وسأضرب لك مثالاً واحداً: كيف تقبل بوصفك مواطناً أياً كان انتماؤك ـ أن تحتفل باحتلال وطنك على يد الغزاة الأجانب؟ إنَّ المؤسسة الثقافية جعلت احتلال نابليون لمصر مناسبة للاحتفال، وغطت على الجريمة بالقول: إنَّها علاقات ثقافية.. يعني إيه؟ إني لا آخذ موقفاً مخالفاً أو معادية من المؤسسة.. بل هي التي تتخذ موقفاً معادياً من الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية.
بخصوص كتابي، فقد ظلَّ في الهيئة التي نشرته أكثر من تسعة أعوام، وقال بعض الموظفين الرسميين إنه لن ينشر "ولو على جثته"، وقد اضطررت لخوض معركة ثقافية طويلة المدى، حتى تدخل بعض الفضلاء لنشر الكتاب، وتم نشره بعد السنوات التسع! قارن ذلك بالكتب التي يتم تجميعها لكتَّاب السلطة ـ وهي عبارة عن مقالات رديئة لا فكر فيها ولا جهد ولا موهبة ـ وتنشر بأخطائها وخطاياها، ويكافأ أصحابها بمكافآت ضخمة.
*إذاً القضية هي قضية موقف، وصراع بين اتجاهات فكرية؟
ـ بالتأكيد هي كذلك في جانب مهم منها، ولكن الجانب الآخر يعبِّر عن جانب سلوكي، يرتبط بالانتهازية الرخيصة التي يمارسها البعض، ويفرض على الآخرين أن يمارسوا النفاق والتملق كي يستفيدوا من المؤسسة الرسمية، وعليك أن تتذكر أنَّ قيادات المؤسسة تنتمي إلى اليسار المتأمرك الذي جعل همَّه التشويش على الإسلام وتصوراته، بل واستئصاله إذا استطاع، وأظنك تذكر ما جرى في مؤتمر التحديات الثقافية الذي انعقد في أول يوليو 2003م تحت رعاية وزارة الثقافة، وما قيل في هذا المؤتمر من رفض للإسلام، والدعوة إلى العلمانية.
* لكن، ما هو تقويمك للواقع الثقافي الآن، والواقع الأدبي بصفة خاصة؟
ـ لعلي فيما سبق من كلامي أشرت إلى رأيي بصفة عامة في الواقع الثقافي والأدبي، إنه باختصار واقع فاسد؛ لأنَّه يحارب الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية، ويدعو إلى الثقافة الاستعمارية وخاصة في جوانبها السلبية، تسليع المرأة، تفتيت الأسرة، رفض التشريع الإسلامي في الأحوال الشخصية، الدعوة إلى الإباحية، رفض وجود ثوابت في الإسلام، محاربة الحجاب، الدعوة إلى التبعية للغرب الرأسمالي، تصفية القضية الفلسطينية لحساب العدو النازي اليهودي، التقليل من قيمة القدس العتيقة، التشهير بالجهاد والحركات الإسلامية المقاومة في فلسطين، الدعوة إلى إخراج التصور الإسلامي عن مجال القضية الفلسطينية.. وهكذا..
وفي المجال الأدبي، يتم الإلحاح على قضيتين أو مسألتين: الأولى: الترويج للإباحية في الأعمال الإنشائية، والأخرى: التشجيع على الطعن في المقدسات الإسلامية بحجة كسر "التابوهات"، وسوف نلاحظ أنهم لم يقتربوا من "تابو" السياسة أبداً؛ لأنهم يعرفون المصير الذي ينتظرهم! لذا لم نر أدباً تنشره المؤسسة الرسمية ذا قيمة في الأغلب الأعم.
حتى مكتبة الأسرة فرَّغوها من مضمونها، ونشروا كتباً معظمها تافه أو محدود القيمة، لتحقيق أغراض شخصية، أما الكتب الجيدة والمهمة فقد كانت قليلة، ولجؤوا أحياناً إلى تشويه بعضها، بالحذف، كما جرى لكتاب "وحي القلم" لمصطفى صادق الرافعي.
ولا تنس أنهم في مجال النقد الأدبي ألحوا على مذاهب الحداثة وما بعدها مثل البنيوية والتفكيكية والشكلانية والنسوية والنقد الثقافي، وهي بنت بيئتها التي لا تتلاءم مع أدبنا وظروفنا، وتغتال المعنى اغتيالاً تاماً في معظمها لحساب ثقافة وحشية مدمرة، ولعلك قرأت كتاب "الخروج من الـتيه" ـ دراسة في سلطة النص ـ لعبد العزيز حمودة، الذي صدر قبل شهور في سلسلة "عالم المعرفة"، إنه يفضح هذه النظريات ويكشف تهافتها وتهافت من يروّجون لها في واقعنا الثقافي، الذي صار فاسداً في مجمله، غريباً عن فطرة الشعب والأمة جميعاً.
وبهذه المناسبة سألنا الدكتور "القاعود":
* كنتم ممن هاجم "الحداثة"، وأصدرتم كتيباً حولها، فما رأيكم الآن فيما صارت إليه الحداثة التي يتنافس حول ترويجها الآن بعض الكتَّاب والنقاد؟
ضحك الدكتور القاعود، وأجاب:
ـ لقد انتهت الحداثة منذ زمان يا دكتور، وانتهى ما بعد الحداثة، وها هي العولمة تدق الأبواب من جديد لتعيد سيرة الاستعمار الصليبي العسكري الذي توارى مع منتصف القرن الماضي، ففيم يتنافسون الآن؟ اسمع: هناك بعض الناس حتى الآن لا يعرفون معنى الحداثة، ويفهمونها على أنها تعني التجديد، والتجديد مطلوب في كل زمان ومكان؛ لأنَّه التطور الطبيعي للأشياء وفق سنن الله التي فطر الناس عليها، ولكن الحداثة التي يريدون استنباتها في بلادنا العربية المسلمة تعني الانقطاع، أي ترك الدين والتاريخ والعادات والتقاليد..الخ، وبناء عالم جديد يقوم على التجربة والواقع، وعلى الحداثي أن يخطّ طريقاً جديداً بعيداً عن الوحي والمواريث مهما كانت مقدسة! أي لا مكان للإله ولا للعقيدة الدينية، وقد نشأت نظريات ما بعد الحداثة لتجعل الفرد هو سيّد نفسه في كل شيء، وخاصة إذا كان أوربياً أو أمريكياً، وها هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تؤكد على نظريات جديدة تنسف ما سبق، وتعلن جهاراً نهاراً أنَّ العالم قرية واضحة، يجب أن يخضع كلّ من فيها لهيمنة القوة التي تملك المال والسلاح ووسائل الاتصال، كما يجب أن تفتح أبواب الدول والعواصم لمنتجات هذه القوة دون رسوم أو جمارك أو حوائل، وإلا فالعصا الغليظة كفيلة بتأديب من يقف في مواجهتها، والذرائع ملقاة في الطريق: أسلحة الدمار الشامل، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاقتصاد الحر، معاداة السامية، دعم الإرهاب.. والعراق وأفغانستان من أوضح الأمثلة والنماذج التي ترفع أمام كل من تسوّل له نفسه أن يتجاوز حدوده.
الذين يتنافسون حول الحداثة الآن إما غير فاهمين لمعناها الحقيقي، أو بسطاء يتعاركون حول السراب! وقد انتهت الحداثة، وما بعد الحداثة، ودخلنا في عصر جديد! لن يبقى فيه إلا من يحافظون على هويتهم ويفتدونها بالدم والدموع والعمل والإيمان.
*سؤال آخر.. يرتبط بهذا الموضوع، وهو النقد السائد في الساحة الأدبية، هناك من يقول بأزمة خانقة في النقد تسيطر على الساحة بأسرها، فهل ترى حقاً أنَّ هناك أزمة نقدية؟
ـ إذا أدركنا الخلل الذي يحكم الحياة الأدبية بصفة عامة، استطعنا أن نقول إنَّ هناك أزمة نقدية حقيقية، فالفساد الذي يخيِّم على الواقع الأدبي، من خلال المؤسسة الرسمية، حوَّل الأدباء إلى جماعات وشلل متنافسة، ليس على الإبداع أو خدمة الثقافة، وإنما على المغانم والمكاسب التي يمكن جنيها من هذه الجهة أو تلك، ومن ثم فقد روَّجت كل "شلة" لأعضائها، ووجدت النقاد الخاصين بها، وهم عادة نقاد يكتبون بلغة غير مفهومة، ولكنها دائماً تكرس أعمال الشلة، وترفعها إلى أعلى عليين.. من ليست له شلة أو جماعة لن يذكره أحد، فضلاً عن أن ينقده، وبعض الأدباء تحوَّل إلى رجل علاقات عامة ليسوّق أعماله أو كتاباته لدى الصحف وأجهزة الدعاية من تلفزة وإذاعة وندوات ومحاضرات وغيرها، ويستكتب النقاد ـ خاصة في الصحافة ـ الذين يملكون مساحات أو نوافذ دائمة.. الأغلبية التي لا تملك القدرة على العلاقات العامة، ماتت كمداً وحسرة، وخاصة إذا كانت ذات توجه إسلامي واضح.
وقد رأيت ما جرى بالنسبة لجيلكم، حيث سيطر "الهالوك" على مرافق النشر والنقد والدعاية، ولكن النتيجة كما توقعت أنهم ذهبوا، ولم يبق من آثارهم شيء، وبقى "الورد" هو الأقدر على التعبير، والأقدر على الإنشاد، مع أنه كان ضعيف الصلة بالمؤسسة الرسمية والجماعة أو الجماعات المهيمنة عليها.
* أعدتنا إلى "الورد والهالوك" كتابك الذي أحدث ضجة كبيرة عند صدوره، وتناولت فيه فريقين من شعراء السبعينيات أحدهما سمَّيته فريق الأصالة، والآخر فريق الهالوك أو المتسلقين.. ترى ما هو تقويمك الآن لما وصلت إليه في هذا الكتاب؟ وهل يمكن أن تقدم كتاباً يثير قضية مماثلة؟
ـ كتاب "الورد والهالوك" من الكتب التي كتبتها بدمي إن صحَّ التعبير، فكل جملة، بل كل كلمة، بل كل حرف، كان وراءه فكري وأعصابي ودمي، وقد واجهت تياراً هادراً يملك كل شيء، الصحافة والإذاعة والتلفزة والمؤسسة الثقافية بكتبها ومجلاتها وصحفها، وندواتها ومحاضراتها وجوائزها، ونقادها ومؤتمراتها، وكان الترويج لأفراد هذا التيار لا يتم داخل الحدود وحسب، ولكنه كان يتجاوزها إلى أرجاء العالم العربي والصحف والمجلات ودور النشر في لندن وباريس وقبرص، وتاهت الحقائق، وضاع الفن، ووسط الضجيج الصاخب الذي يروِّج لشعر يخلو من مقومات الشعر شكلاً وموضوعاً، بل تعدى إلى إهدار كل قيمة مضيئة فنياً وإنسانياً، في الوقت الذي تقوم فيه كوكبة من الشعراء على امتداد قرى مصر ومدنها الصغيرة بدور صامت في التعبير عن هموم الأمة من خلال فن جميل أصيل متجدد، دون أن يلتفت إليها أحد، أو يقدرها أحد.. وهنا كان دوري لأواجه التيار وأسبح ضده، وأنشر الحقيقة، وقلت رأيي واضحاً وصريحاً وجريئاً بفضل الله، وصحَّ كل ما توقعته.. واليوم لم يبق إلا شعراء الأصالة.. أمَّا الهالوك فقد جفَّ وأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً.
تسألني: هل أستطيع أن أقدم اليوم كتاباً آخر مثل "الورد والهالوك"، أقول لك: بعون الله أستطيع، بل إني أقدم بالفعل، ولكن في مجال الرواية ذات المنظور الإسلامي، حيث أكتب عن كتَّابها المهمَّشين وأقدمهم إلى الناس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولعلك تذكري كتابي "الرواية الإسلامية المعاصرة" الذي قدَّمت فيه شباباً ممتازاً يكتبون الرواية الإسلامية باقتدار، من المغرب وفلسطين وغيرها، وهناك كتاب جديد، أسأل الله أن يظهر قريباً، قدمت فيه أصواتاً روائية إسلامية جديدة أيضاً.. ثم إني أواجه "الرواية المضادة" التي تعادي التصور الإسلامي وتدعو إلى ثقافة بديلة عن الثقافة الإسلامية، ولعلّ ذلك يظهر مستقبلاً ـ إن شاء الله ـ في كتاب..
إني أحاول دائماً أن أضع يدي على الحقيقة، ولا أعبأ بالضريبة التي أدفعها.. المهم أن يكون هناك رأي فني مخلص، ولتكن النتائج ما تكون.
(يتبع)
«الحب يأتي مصادفة» أذاقتني طعم السعادة
حاوره: أ.د. حسين علي محمد
.....................
(القسم الأول)
"حلمي محمَّد القاعود" اسم يعرفه العاملون على الساحة الإسلامية، كما يعرفه خصوم الإسلام من المثقفين العرب أيضاً، هو حاضر في أذهان الجميع بما يكتبه من آراء جريئة، وأفكار قوية، ومقالات حادة لا تعرف المراوغة أو المداورة.
في المجال الأدبي، هو ناقد أصيل وكبير. منذ بداياته، وصفه الأديب الكبير "وديع فلسطين" في مجلة "الثقافة" التي كانت تصدر في السبعينيات من القرن الماضي بأنه أفضل النقاد الشبان، وفي عام 1968م فاز في مسابقة مجمع اللغة العربية، التي كان يتنافس عليها كبار الأدباء والكتَّاب، وكان عمره آنذاك لا يزيد عن الثانية والعشرين، وفي عام 1974م فاز في مسابقة "يوم الأرض" الخاص بالشعب الفلسطيني ببحث عن شعراء المقاومة الفلسطينية، وهي المسابقة التي كان يقيمها المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية (المجلس الأعلى للثقافة الآن).
ومع أنه يقف من المؤسسة الثقافية موقفاً مخالفاً؛ فقد رأت أنه لا بدَّ من تكريمه بوصفه أبرز أدباء محافظة البحيرة، وذلك في مؤتمر أدباء مصر الذي انعقد بمدينة دمنهور عام 1998م، وأهدته درع التفوق.
في حياته الجامعية، يمثِّل صورة للأستاذ الجامعي الجاد، الصارم من غير قسوة، الحازم في غير شدة، وخاصة في مجال الدراسات العليا، حيث يأخذ طلابه بالعمل الدؤوب، والبحث المستمر، والاهتمام بالجزئيات مثل الاهتمام بالكليات، وهو كذلك أيضاً في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، حيث تكون مناقشاته ـ كما شهد زملاؤه وطلابه ـ درساً تطبيقياً وعملياً، يعلِّم الطالب كيف يصل ببحثه إلى التفرد والإضافة.
"القاعود" صدر له مؤخراً كتاب مهمّ يعدُّ مرجعاً في بابه، هو "الرواية التاريخية في أدبنا الحديث" عن هيئة قصور الثقافة في أكثر من ستمائة صفحة، وصدر عنه كتاب في سلسلة "أصوات معاصرة" بعنوان: "نحو أدب إسلامي: قراءة في رواية "الحب يأتي مصادفة" من تأليف "ثروت مكايد عبد الموجود"، كما صدر له كتاب ثالث بعنوان: "الإسلام في مواجهة الاستئصال"، وكانت هذه الإصدارات، بعد فترة انقطعت فيها إصداراته الأدبية والفكرية، مدخلنا إلى لقائه وسؤاله عن أثر صدور هذه الكتب بالنسبة له فقال:
ـ في الحقيقة، فإنني ـ مع ظروفي الصحية المضطربة كما تعلم ـ لم أتوقف أبداً عن القراءة والكتابة، إلا لضرورة قاهرة، وطوال السنوات الست الماضية، صدرت لي بعض الكتب القليلة، منها كتاب "دفاعاً عن الإسلام والحرية" عن دار الاعتصام، وكتاب "حوار بين الرواية في مصر وسورية"، وقبلهما صدر كتاب "الرواية الإسلامية المعاصرة"، كما صدر كتاب "الأقصى في مواجهة أفيال أبرهة" عن الانتفاضة الثانية، ولديَّ بعض المخطوطات لكتب أخرى، ولكن تصفية دار النشر، التي كانت تنشر لي باستمرار، لأسباب مالية، فضلاً عن تراجع سوق الكتاب، وعزوف الناشرين عن الكتب الأدبية، أو الكتب التي لا تدرّ ربحاً كبيراً، أو الكتب التي لا تعبِّر عن وجهة نظرهم، جعلني استرخي في البحث عن ناشر يعوِّض ناشري الأول، وكما تعلم فالمؤسسة الثقافية الرسمية لا تنشر لأمثالي؛ لأنَّها تريد كتَّاباً بمواصفات خاصة، لا تتعلق بالكتابة أو الموضوع، وهي مواصفات لا تتحقق في شخصي..
بالطبع نشر الكتب السابقة في أواخر العام الفائت أسعدني للغاية؛ لأنَّ ما كتبته يصل إلى الناس وقد يؤثر في بعضهم، أو يثير لديه الرغبة في مناقشة قضايا أدبية أو ثقافية أو فكرية بصفة عامة، ولا أخفي أن الكتاب الذي ظهر عن روايتي "الحب يأتي مصادفة" أدهشني، فقد أعادني إلى ما يقرب من أربعين عاماً، كنت أكتب القصة القصيرة والمسرحية والرواية بمفهوم إسلامي قبل أن تظهر الدعوة إلى الأدب الإسلامي من خلال رابطته العالمية. الأكثر إدهاشاً أن الكاتب "ثروت مكايد" الذي قرأ روايتي وكتب مؤلفه حولها، أعاد إلى نفسي الثقة في كتابة الرواية مرة أخرى، فقد قرأها بحب شديد، ووجه إليها بعض الانتقادات السلبية، ولكنه أبرز جوهرها وإيجابياتها بطريقة رائعة، ومن المفارقات، أنَّ اليساريين شنوا حملة ضارية على هذه الرواية إبَّان ظهورها في مجلتهم التي كانت تسمَّى "الطليعة"؛ لأنَّ أحد شخوصها ـ أي الرواية ـ كان يسارياً فاشلاً ومتهافتاً .. ومع ذلك فقد أشارت صحف عديدة في مقدمتها "الأهرام" بالرواية، واحتفت بها حفاوة شديدة، ولكن كتاب "ثروت" أذاقني طعم السعادة بطريقة أفضل.
ومن خلال هذه الإجابة، وبمناسبة إشارة الدكتور "القاعود" إلى المؤسسة الثقافية، سألناه:
ولكن يا دكتور، كتابك "الرواية التاريخية" الذي صدر مؤخراً نشرته المؤسسة الثقافية الرسمية "هيئة قصور الثقافة".. فلماذا تأخذ موقفاً ـ لا أقول معادياً، ولكن مخالفاً لهذه المؤسسة؟
أجاب بهدوء:
ـ تعلم أنَّ المؤسسة تأخذ مني ومن كل المنتمين إلى الإسلام منهجاً وتطبق موقفاً معادياً، فالفريق المهيمن عليها ممَّن يسمَّون باليسار، أو اليسار المتأمرك لا يحبون الإسلام، فهم الآن أكثر ولاء للولايات المتحدة وخططها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وقد تأصلت لديهم كراهية الإسلام شكلاً وموضوعاً منذ قام "هنري كورييل" الصهيوني بتشكيل أول حزب شيوعي فعَّال في مصر فترة الأربعينيات من القرن الماضي. وهذه المجموعة في سيطرتها على نشر الكتب أو المجلات أو الصحف، أو على الإدارات الثقافية المختلفة، لا تفتح المجال إلا أمام التابعين لها فكراً وسلوكاً، أو اللائذين بها من أصحاب المصالح والمنافع، وأنا لست من هؤلاء بالتأكيد.. وقد نشرتُ عشرات المقالات في الصحف المصرية منذ أوائل التسعينيات ـ كما تعلم ـ لكشف أوجه القصور والفساد في حركة هذه المؤسسة، وسأضرب لك مثالاً واحداً: كيف تقبل بوصفك مواطناً أياً كان انتماؤك ـ أن تحتفل باحتلال وطنك على يد الغزاة الأجانب؟ إنَّ المؤسسة الثقافية جعلت احتلال نابليون لمصر مناسبة للاحتفال، وغطت على الجريمة بالقول: إنَّها علاقات ثقافية.. يعني إيه؟ إني لا آخذ موقفاً مخالفاً أو معادية من المؤسسة.. بل هي التي تتخذ موقفاً معادياً من الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية.
بخصوص كتابي، فقد ظلَّ في الهيئة التي نشرته أكثر من تسعة أعوام، وقال بعض الموظفين الرسميين إنه لن ينشر "ولو على جثته"، وقد اضطررت لخوض معركة ثقافية طويلة المدى، حتى تدخل بعض الفضلاء لنشر الكتاب، وتم نشره بعد السنوات التسع! قارن ذلك بالكتب التي يتم تجميعها لكتَّاب السلطة ـ وهي عبارة عن مقالات رديئة لا فكر فيها ولا جهد ولا موهبة ـ وتنشر بأخطائها وخطاياها، ويكافأ أصحابها بمكافآت ضخمة.
*إذاً القضية هي قضية موقف، وصراع بين اتجاهات فكرية؟
ـ بالتأكيد هي كذلك في جانب مهم منها، ولكن الجانب الآخر يعبِّر عن جانب سلوكي، يرتبط بالانتهازية الرخيصة التي يمارسها البعض، ويفرض على الآخرين أن يمارسوا النفاق والتملق كي يستفيدوا من المؤسسة الرسمية، وعليك أن تتذكر أنَّ قيادات المؤسسة تنتمي إلى اليسار المتأمرك الذي جعل همَّه التشويش على الإسلام وتصوراته، بل واستئصاله إذا استطاع، وأظنك تذكر ما جرى في مؤتمر التحديات الثقافية الذي انعقد في أول يوليو 2003م تحت رعاية وزارة الثقافة، وما قيل في هذا المؤتمر من رفض للإسلام، والدعوة إلى العلمانية.
* لكن، ما هو تقويمك للواقع الثقافي الآن، والواقع الأدبي بصفة خاصة؟
ـ لعلي فيما سبق من كلامي أشرت إلى رأيي بصفة عامة في الواقع الثقافي والأدبي، إنه باختصار واقع فاسد؛ لأنَّه يحارب الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية، ويدعو إلى الثقافة الاستعمارية وخاصة في جوانبها السلبية، تسليع المرأة، تفتيت الأسرة، رفض التشريع الإسلامي في الأحوال الشخصية، الدعوة إلى الإباحية، رفض وجود ثوابت في الإسلام، محاربة الحجاب، الدعوة إلى التبعية للغرب الرأسمالي، تصفية القضية الفلسطينية لحساب العدو النازي اليهودي، التقليل من قيمة القدس العتيقة، التشهير بالجهاد والحركات الإسلامية المقاومة في فلسطين، الدعوة إلى إخراج التصور الإسلامي عن مجال القضية الفلسطينية.. وهكذا..
وفي المجال الأدبي، يتم الإلحاح على قضيتين أو مسألتين: الأولى: الترويج للإباحية في الأعمال الإنشائية، والأخرى: التشجيع على الطعن في المقدسات الإسلامية بحجة كسر "التابوهات"، وسوف نلاحظ أنهم لم يقتربوا من "تابو" السياسة أبداً؛ لأنهم يعرفون المصير الذي ينتظرهم! لذا لم نر أدباً تنشره المؤسسة الرسمية ذا قيمة في الأغلب الأعم.
حتى مكتبة الأسرة فرَّغوها من مضمونها، ونشروا كتباً معظمها تافه أو محدود القيمة، لتحقيق أغراض شخصية، أما الكتب الجيدة والمهمة فقد كانت قليلة، ولجؤوا أحياناً إلى تشويه بعضها، بالحذف، كما جرى لكتاب "وحي القلم" لمصطفى صادق الرافعي.
ولا تنس أنهم في مجال النقد الأدبي ألحوا على مذاهب الحداثة وما بعدها مثل البنيوية والتفكيكية والشكلانية والنسوية والنقد الثقافي، وهي بنت بيئتها التي لا تتلاءم مع أدبنا وظروفنا، وتغتال المعنى اغتيالاً تاماً في معظمها لحساب ثقافة وحشية مدمرة، ولعلك قرأت كتاب "الخروج من الـتيه" ـ دراسة في سلطة النص ـ لعبد العزيز حمودة، الذي صدر قبل شهور في سلسلة "عالم المعرفة"، إنه يفضح هذه النظريات ويكشف تهافتها وتهافت من يروّجون لها في واقعنا الثقافي، الذي صار فاسداً في مجمله، غريباً عن فطرة الشعب والأمة جميعاً.
وبهذه المناسبة سألنا الدكتور "القاعود":
* كنتم ممن هاجم "الحداثة"، وأصدرتم كتيباً حولها، فما رأيكم الآن فيما صارت إليه الحداثة التي يتنافس حول ترويجها الآن بعض الكتَّاب والنقاد؟
ضحك الدكتور القاعود، وأجاب:
ـ لقد انتهت الحداثة منذ زمان يا دكتور، وانتهى ما بعد الحداثة، وها هي العولمة تدق الأبواب من جديد لتعيد سيرة الاستعمار الصليبي العسكري الذي توارى مع منتصف القرن الماضي، ففيم يتنافسون الآن؟ اسمع: هناك بعض الناس حتى الآن لا يعرفون معنى الحداثة، ويفهمونها على أنها تعني التجديد، والتجديد مطلوب في كل زمان ومكان؛ لأنَّه التطور الطبيعي للأشياء وفق سنن الله التي فطر الناس عليها، ولكن الحداثة التي يريدون استنباتها في بلادنا العربية المسلمة تعني الانقطاع، أي ترك الدين والتاريخ والعادات والتقاليد..الخ، وبناء عالم جديد يقوم على التجربة والواقع، وعلى الحداثي أن يخطّ طريقاً جديداً بعيداً عن الوحي والمواريث مهما كانت مقدسة! أي لا مكان للإله ولا للعقيدة الدينية، وقد نشأت نظريات ما بعد الحداثة لتجعل الفرد هو سيّد نفسه في كل شيء، وخاصة إذا كان أوربياً أو أمريكياً، وها هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تؤكد على نظريات جديدة تنسف ما سبق، وتعلن جهاراً نهاراً أنَّ العالم قرية واضحة، يجب أن يخضع كلّ من فيها لهيمنة القوة التي تملك المال والسلاح ووسائل الاتصال، كما يجب أن تفتح أبواب الدول والعواصم لمنتجات هذه القوة دون رسوم أو جمارك أو حوائل، وإلا فالعصا الغليظة كفيلة بتأديب من يقف في مواجهتها، والذرائع ملقاة في الطريق: أسلحة الدمار الشامل، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاقتصاد الحر، معاداة السامية، دعم الإرهاب.. والعراق وأفغانستان من أوضح الأمثلة والنماذج التي ترفع أمام كل من تسوّل له نفسه أن يتجاوز حدوده.
الذين يتنافسون حول الحداثة الآن إما غير فاهمين لمعناها الحقيقي، أو بسطاء يتعاركون حول السراب! وقد انتهت الحداثة، وما بعد الحداثة، ودخلنا في عصر جديد! لن يبقى فيه إلا من يحافظون على هويتهم ويفتدونها بالدم والدموع والعمل والإيمان.
*سؤال آخر.. يرتبط بهذا الموضوع، وهو النقد السائد في الساحة الأدبية، هناك من يقول بأزمة خانقة في النقد تسيطر على الساحة بأسرها، فهل ترى حقاً أنَّ هناك أزمة نقدية؟
ـ إذا أدركنا الخلل الذي يحكم الحياة الأدبية بصفة عامة، استطعنا أن نقول إنَّ هناك أزمة نقدية حقيقية، فالفساد الذي يخيِّم على الواقع الأدبي، من خلال المؤسسة الرسمية، حوَّل الأدباء إلى جماعات وشلل متنافسة، ليس على الإبداع أو خدمة الثقافة، وإنما على المغانم والمكاسب التي يمكن جنيها من هذه الجهة أو تلك، ومن ثم فقد روَّجت كل "شلة" لأعضائها، ووجدت النقاد الخاصين بها، وهم عادة نقاد يكتبون بلغة غير مفهومة، ولكنها دائماً تكرس أعمال الشلة، وترفعها إلى أعلى عليين.. من ليست له شلة أو جماعة لن يذكره أحد، فضلاً عن أن ينقده، وبعض الأدباء تحوَّل إلى رجل علاقات عامة ليسوّق أعماله أو كتاباته لدى الصحف وأجهزة الدعاية من تلفزة وإذاعة وندوات ومحاضرات وغيرها، ويستكتب النقاد ـ خاصة في الصحافة ـ الذين يملكون مساحات أو نوافذ دائمة.. الأغلبية التي لا تملك القدرة على العلاقات العامة، ماتت كمداً وحسرة، وخاصة إذا كانت ذات توجه إسلامي واضح.
وقد رأيت ما جرى بالنسبة لجيلكم، حيث سيطر "الهالوك" على مرافق النشر والنقد والدعاية، ولكن النتيجة كما توقعت أنهم ذهبوا، ولم يبق من آثارهم شيء، وبقى "الورد" هو الأقدر على التعبير، والأقدر على الإنشاد، مع أنه كان ضعيف الصلة بالمؤسسة الرسمية والجماعة أو الجماعات المهيمنة عليها.
* أعدتنا إلى "الورد والهالوك" كتابك الذي أحدث ضجة كبيرة عند صدوره، وتناولت فيه فريقين من شعراء السبعينيات أحدهما سمَّيته فريق الأصالة، والآخر فريق الهالوك أو المتسلقين.. ترى ما هو تقويمك الآن لما وصلت إليه في هذا الكتاب؟ وهل يمكن أن تقدم كتاباً يثير قضية مماثلة؟
ـ كتاب "الورد والهالوك" من الكتب التي كتبتها بدمي إن صحَّ التعبير، فكل جملة، بل كل كلمة، بل كل حرف، كان وراءه فكري وأعصابي ودمي، وقد واجهت تياراً هادراً يملك كل شيء، الصحافة والإذاعة والتلفزة والمؤسسة الثقافية بكتبها ومجلاتها وصحفها، وندواتها ومحاضراتها وجوائزها، ونقادها ومؤتمراتها، وكان الترويج لأفراد هذا التيار لا يتم داخل الحدود وحسب، ولكنه كان يتجاوزها إلى أرجاء العالم العربي والصحف والمجلات ودور النشر في لندن وباريس وقبرص، وتاهت الحقائق، وضاع الفن، ووسط الضجيج الصاخب الذي يروِّج لشعر يخلو من مقومات الشعر شكلاً وموضوعاً، بل تعدى إلى إهدار كل قيمة مضيئة فنياً وإنسانياً، في الوقت الذي تقوم فيه كوكبة من الشعراء على امتداد قرى مصر ومدنها الصغيرة بدور صامت في التعبير عن هموم الأمة من خلال فن جميل أصيل متجدد، دون أن يلتفت إليها أحد، أو يقدرها أحد.. وهنا كان دوري لأواجه التيار وأسبح ضده، وأنشر الحقيقة، وقلت رأيي واضحاً وصريحاً وجريئاً بفضل الله، وصحَّ كل ما توقعته.. واليوم لم يبق إلا شعراء الأصالة.. أمَّا الهالوك فقد جفَّ وأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً.
تسألني: هل أستطيع أن أقدم اليوم كتاباً آخر مثل "الورد والهالوك"، أقول لك: بعون الله أستطيع، بل إني أقدم بالفعل، ولكن في مجال الرواية ذات المنظور الإسلامي، حيث أكتب عن كتَّابها المهمَّشين وأقدمهم إلى الناس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولعلك تذكري كتابي "الرواية الإسلامية المعاصرة" الذي قدَّمت فيه شباباً ممتازاً يكتبون الرواية الإسلامية باقتدار، من المغرب وفلسطين وغيرها، وهناك كتاب جديد، أسأل الله أن يظهر قريباً، قدمت فيه أصواتاً روائية إسلامية جديدة أيضاً.. ثم إني أواجه "الرواية المضادة" التي تعادي التصور الإسلامي وتدعو إلى ثقافة بديلة عن الثقافة الإسلامية، ولعلّ ذلك يظهر مستقبلاً ـ إن شاء الله ـ في كتاب..
إني أحاول دائماً أن أضع يدي على الحقيقة، ولا أعبأ بالضريبة التي أدفعها.. المهم أن يكون هناك رأي فني مخلص، ولتكن النتائج ما تكون.
(يتبع)
تعليق