الدكتور حلمي محمد القاعود

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #16
    حوار مع الناقد الإسلامي الكبير الدكتور حلمي محمد القاعود
    «الحب يأتي مصادفة» أذاقتني طعم السعادة

    حاوره: أ.د. حسين علي محمد
    .....................

    (القسم الأول)

    "حلمي محمَّد القاعود" اسم يعرفه العاملون على الساحة الإسلامية، كما يعرفه خصوم الإسلام من المثقفين العرب أيضاً، هو حاضر في أذهان الجميع بما يكتبه من آراء جريئة، وأفكار قوية، ومقالات حادة لا تعرف المراوغة أو المداورة.
    في المجال الأدبي، هو ناقد أصيل وكبير. منذ بداياته، وصفه الأديب الكبير "وديع فلسطين" في مجلة "الثقافة" التي كانت تصدر في السبعينيات من القرن الماضي بأنه أفضل النقاد الشبان، وفي عام 1968م فاز في مسابقة مجمع اللغة العربية، التي كان يتنافس عليها كبار الأدباء والكتَّاب، وكان عمره آنذاك لا يزيد عن الثانية والعشرين، وفي عام 1974م فاز في مسابقة "يوم الأرض" الخاص بالشعب الفلسطيني ببحث عن شعراء المقاومة الفلسطينية، وهي المسابقة التي كان يقيمها المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية (المجلس الأعلى للثقافة الآن).
    ومع أنه يقف من المؤسسة الثقافية موقفاً مخالفاً؛ فقد رأت أنه لا بدَّ من تكريمه بوصفه أبرز أدباء محافظة البحيرة، وذلك في مؤتمر أدباء مصر الذي انعقد بمدينة دمنهور عام 1998م، وأهدته درع التفوق.
    في حياته الجامعية، يمثِّل صورة للأستاذ الجامعي الجاد، الصارم من غير قسوة، الحازم في غير شدة، وخاصة في مجال الدراسات العليا، حيث يأخذ طلابه بالعمل الدؤوب، والبحث المستمر، والاهتمام بالجزئيات مثل الاهتمام بالكليات، وهو كذلك أيضاً في مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، حيث تكون مناقشاته ـ كما شهد زملاؤه وطلابه ـ درساً تطبيقياً وعملياً، يعلِّم الطالب كيف يصل ببحثه إلى التفرد والإضافة.
    "القاعود" صدر له مؤخراً كتاب مهمّ يعدُّ مرجعاً في بابه، هو "الرواية التاريخية في أدبنا الحديث" عن هيئة قصور الثقافة في أكثر من ستمائة صفحة، وصدر عنه كتاب في سلسلة "أصوات معاصرة" بعنوان: "نحو أدب إسلامي: قراءة في رواية "الحب يأتي مصادفة" من تأليف "ثروت مكايد عبد الموجود"، كما صدر له كتاب ثالث بعنوان: "الإسلام في مواجهة الاستئصال"، وكانت هذه الإصدارات، بعد فترة انقطعت فيها إصداراته الأدبية والفكرية، مدخلنا إلى لقائه وسؤاله عن أثر صدور هذه الكتب بالنسبة له فقال:
    ـ في الحقيقة، فإنني ـ مع ظروفي الصحية المضطربة كما تعلم ـ لم أتوقف أبداً عن القراءة والكتابة، إلا لضرورة قاهرة، وطوال السنوات الست الماضية، صدرت لي بعض الكتب القليلة، منها كتاب "دفاعاً عن الإسلام والحرية" عن دار الاعتصام، وكتاب "حوار بين الرواية في مصر وسورية"، وقبلهما صدر كتاب "الرواية الإسلامية المعاصرة"، كما صدر كتاب "الأقصى في مواجهة أفيال أبرهة" عن الانتفاضة الثانية، ولديَّ بعض المخطوطات لكتب أخرى، ولكن تصفية دار النشر، التي كانت تنشر لي باستمرار، لأسباب مالية، فضلاً عن تراجع سوق الكتاب، وعزوف الناشرين عن الكتب الأدبية، أو الكتب التي لا تدرّ ربحاً كبيراً، أو الكتب التي لا تعبِّر عن وجهة نظرهم، جعلني استرخي في البحث عن ناشر يعوِّض ناشري الأول، وكما تعلم فالمؤسسة الثقافية الرسمية لا تنشر لأمثالي؛ لأنَّها تريد كتَّاباً بمواصفات خاصة، لا تتعلق بالكتابة أو الموضوع، وهي مواصفات لا تتحقق في شخصي..
    بالطبع نشر الكتب السابقة في أواخر العام الفائت أسعدني للغاية؛ لأنَّ ما كتبته يصل إلى الناس وقد يؤثر في بعضهم، أو يثير لديه الرغبة في مناقشة قضايا أدبية أو ثقافية أو فكرية بصفة عامة، ولا أخفي أن الكتاب الذي ظهر عن روايتي "الحب يأتي مصادفة" أدهشني، فقد أعادني إلى ما يقرب من أربعين عاماً، كنت أكتب القصة القصيرة والمسرحية والرواية بمفهوم إسلامي قبل أن تظهر الدعوة إلى الأدب الإسلامي من خلال رابطته العالمية. الأكثر إدهاشاً أن الكاتب "ثروت مكايد" الذي قرأ روايتي وكتب مؤلفه حولها، أعاد إلى نفسي الثقة في كتابة الرواية مرة أخرى، فقد قرأها بحب شديد، ووجه إليها بعض الانتقادات السلبية، ولكنه أبرز جوهرها وإيجابياتها بطريقة رائعة، ومن المفارقات، أنَّ اليساريين شنوا حملة ضارية على هذه الرواية إبَّان ظهورها في مجلتهم التي كانت تسمَّى "الطليعة"؛ لأنَّ أحد شخوصها ـ أي الرواية ـ كان يسارياً فاشلاً ومتهافتاً .. ومع ذلك فقد أشارت صحف عديدة في مقدمتها "الأهرام" بالرواية، واحتفت بها حفاوة شديدة، ولكن كتاب "ثروت" أذاقني طعم السعادة بطريقة أفضل.
    ومن خلال هذه الإجابة، وبمناسبة إشارة الدكتور "القاعود" إلى المؤسسة الثقافية، سألناه:
    ولكن يا دكتور، كتابك "الرواية التاريخية" الذي صدر مؤخراً نشرته المؤسسة الثقافية الرسمية "هيئة قصور الثقافة".. فلماذا تأخذ موقفاً ـ لا أقول معادياً، ولكن مخالفاً لهذه المؤسسة؟
    أجاب بهدوء:
    ـ تعلم أنَّ المؤسسة تأخذ مني ومن كل المنتمين إلى الإسلام منهجاً وتطبق موقفاً معادياً، فالفريق المهيمن عليها ممَّن يسمَّون باليسار، أو اليسار المتأمرك لا يحبون الإسلام، فهم الآن أكثر ولاء للولايات المتحدة وخططها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وقد تأصلت لديهم كراهية الإسلام شكلاً وموضوعاً منذ قام "هنري كورييل" الصهيوني بتشكيل أول حزب شيوعي فعَّال في مصر فترة الأربعينيات من القرن الماضي. وهذه المجموعة في سيطرتها على نشر الكتب أو المجلات أو الصحف، أو على الإدارات الثقافية المختلفة، لا تفتح المجال إلا أمام التابعين لها فكراً وسلوكاً، أو اللائذين بها من أصحاب المصالح والمنافع، وأنا لست من هؤلاء بالتأكيد.. وقد نشرتُ عشرات المقالات في الصحف المصرية منذ أوائل التسعينيات ـ كما تعلم ـ لكشف أوجه القصور والفساد في حركة هذه المؤسسة، وسأضرب لك مثالاً واحداً: كيف تقبل بوصفك مواطناً أياً كان انتماؤك ـ أن تحتفل باحتلال وطنك على يد الغزاة الأجانب؟ إنَّ المؤسسة الثقافية جعلت احتلال نابليون لمصر مناسبة للاحتفال، وغطت على الجريمة بالقول: إنَّها علاقات ثقافية.. يعني إيه؟ إني لا آخذ موقفاً مخالفاً أو معادية من المؤسسة.. بل هي التي تتخذ موقفاً معادياً من الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية.
    بخصوص كتابي، فقد ظلَّ في الهيئة التي نشرته أكثر من تسعة أعوام، وقال بعض الموظفين الرسميين إنه لن ينشر "ولو على جثته"، وقد اضطررت لخوض معركة ثقافية طويلة المدى، حتى تدخل بعض الفضلاء لنشر الكتاب، وتم نشره بعد السنوات التسع! قارن ذلك بالكتب التي يتم تجميعها لكتَّاب السلطة ـ وهي عبارة عن مقالات رديئة لا فكر فيها ولا جهد ولا موهبة ـ وتنشر بأخطائها وخطاياها، ويكافأ أصحابها بمكافآت ضخمة.
    *إذاً القضية هي قضية موقف، وصراع بين اتجاهات فكرية؟
    ـ بالتأكيد هي كذلك في جانب مهم منها، ولكن الجانب الآخر يعبِّر عن جانب سلوكي، يرتبط بالانتهازية الرخيصة التي يمارسها البعض، ويفرض على الآخرين أن يمارسوا النفاق والتملق كي يستفيدوا من المؤسسة الرسمية، وعليك أن تتذكر أنَّ قيادات المؤسسة تنتمي إلى اليسار المتأمرك الذي جعل همَّه التشويش على الإسلام وتصوراته، بل واستئصاله إذا استطاع، وأظنك تذكر ما جرى في مؤتمر التحديات الثقافية الذي انعقد في أول يوليو 2003م تحت رعاية وزارة الثقافة، وما قيل في هذا المؤتمر من رفض للإسلام، والدعوة إلى العلمانية.
    * لكن، ما هو تقويمك للواقع الثقافي الآن، والواقع الأدبي بصفة خاصة؟
    ـ لعلي فيما سبق من كلامي أشرت إلى رأيي بصفة عامة في الواقع الثقافي والأدبي، إنه باختصار واقع فاسد؛ لأنَّه يحارب الثقافة الوطنية والقومية والإسلامية، ويدعو إلى الثقافة الاستعمارية وخاصة في جوانبها السلبية، تسليع المرأة، تفتيت الأسرة، رفض التشريع الإسلامي في الأحوال الشخصية، الدعوة إلى الإباحية، رفض وجود ثوابت في الإسلام، محاربة الحجاب، الدعوة إلى التبعية للغرب الرأسمالي، تصفية القضية الفلسطينية لحساب العدو النازي اليهودي، التقليل من قيمة القدس العتيقة، التشهير بالجهاد والحركات الإسلامية المقاومة في فلسطين، الدعوة إلى إخراج التصور الإسلامي عن مجال القضية الفلسطينية.. وهكذا..
    وفي المجال الأدبي، يتم الإلحاح على قضيتين أو مسألتين: الأولى: الترويج للإباحية في الأعمال الإنشائية، والأخرى: التشجيع على الطعن في المقدسات الإسلامية بحجة كسر "التابوهات"، وسوف نلاحظ أنهم لم يقتربوا من "تابو" السياسة أبداً؛ لأنهم يعرفون المصير الذي ينتظرهم! لذا لم نر أدباً تنشره المؤسسة الرسمية ذا قيمة في الأغلب الأعم.
    حتى مكتبة الأسرة فرَّغوها من مضمونها، ونشروا كتباً معظمها تافه أو محدود القيمة، لتحقيق أغراض شخصية، أما الكتب الجيدة والمهمة فقد كانت قليلة، ولجؤوا أحياناً إلى تشويه بعضها، بالحذف، كما جرى لكتاب "وحي القلم" لمصطفى صادق الرافعي.
    ولا تنس أنهم في مجال النقد الأدبي ألحوا على مذاهب الحداثة وما بعدها مثل البنيوية والتفكيكية والشكلانية والنسوية والنقد الثقافي، وهي بنت بيئتها التي لا تتلاءم مع أدبنا وظروفنا، وتغتال المعنى اغتيالاً تاماً في معظمها لحساب ثقافة وحشية مدمرة، ولعلك قرأت كتاب "الخروج من الـتيه" ـ دراسة في سلطة النص ـ لعبد العزيز حمودة، الذي صدر قبل شهور في سلسلة "عالم المعرفة"، إنه يفضح هذه النظريات ويكشف تهافتها وتهافت من يروّجون لها في واقعنا الثقافي، الذي صار فاسداً في مجمله، غريباً عن فطرة الشعب والأمة جميعاً.
    وبهذه المناسبة سألنا الدكتور "القاعود":
    * كنتم ممن هاجم "الحداثة"، وأصدرتم كتيباً حولها، فما رأيكم الآن فيما صارت إليه الحداثة التي يتنافس حول ترويجها الآن بعض الكتَّاب والنقاد؟
    ضحك الدكتور القاعود، وأجاب:
    ـ لقد انتهت الحداثة منذ زمان يا دكتور، وانتهى ما بعد الحداثة، وها هي العولمة تدق الأبواب من جديد لتعيد سيرة الاستعمار الصليبي العسكري الذي توارى مع منتصف القرن الماضي، ففيم يتنافسون الآن؟ اسمع: هناك بعض الناس حتى الآن لا يعرفون معنى الحداثة، ويفهمونها على أنها تعني التجديد، والتجديد مطلوب في كل زمان ومكان؛ لأنَّه التطور الطبيعي للأشياء وفق سنن الله التي فطر الناس عليها، ولكن الحداثة التي يريدون استنباتها في بلادنا العربية المسلمة تعني الانقطاع، أي ترك الدين والتاريخ والعادات والتقاليد..الخ، وبناء عالم جديد يقوم على التجربة والواقع، وعلى الحداثي أن يخطّ طريقاً جديداً بعيداً عن الوحي والمواريث مهما كانت مقدسة! أي لا مكان للإله ولا للعقيدة الدينية، وقد نشأت نظريات ما بعد الحداثة لتجعل الفرد هو سيّد نفسه في كل شيء، وخاصة إذا كان أوربياً أو أمريكياً، وها هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تؤكد على نظريات جديدة تنسف ما سبق، وتعلن جهاراً نهاراً أنَّ العالم قرية واضحة، يجب أن يخضع كلّ من فيها لهيمنة القوة التي تملك المال والسلاح ووسائل الاتصال، كما يجب أن تفتح أبواب الدول والعواصم لمنتجات هذه القوة دون رسوم أو جمارك أو حوائل، وإلا فالعصا الغليظة كفيلة بتأديب من يقف في مواجهتها، والذرائع ملقاة في الطريق: أسلحة الدمار الشامل، الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاقتصاد الحر، معاداة السامية، دعم الإرهاب.. والعراق وأفغانستان من أوضح الأمثلة والنماذج التي ترفع أمام كل من تسوّل له نفسه أن يتجاوز حدوده.
    الذين يتنافسون حول الحداثة الآن إما غير فاهمين لمعناها الحقيقي، أو بسطاء يتعاركون حول السراب! وقد انتهت الحداثة، وما بعد الحداثة، ودخلنا في عصر جديد! لن يبقى فيه إلا من يحافظون على هويتهم ويفتدونها بالدم والدموع والعمل والإيمان.
    *سؤال آخر.. يرتبط بهذا الموضوع، وهو النقد السائد في الساحة الأدبية، هناك من يقول بأزمة خانقة في النقد تسيطر على الساحة بأسرها، فهل ترى حقاً أنَّ هناك أزمة نقدية؟
    ـ إذا أدركنا الخلل الذي يحكم الحياة الأدبية بصفة عامة، استطعنا أن نقول إنَّ هناك أزمة نقدية حقيقية، فالفساد الذي يخيِّم على الواقع الأدبي، من خلال المؤسسة الرسمية، حوَّل الأدباء إلى جماعات وشلل متنافسة، ليس على الإبداع أو خدمة الثقافة، وإنما على المغانم والمكاسب التي يمكن جنيها من هذه الجهة أو تلك، ومن ثم فقد روَّجت كل "شلة" لأعضائها، ووجدت النقاد الخاصين بها، وهم عادة نقاد يكتبون بلغة غير مفهومة، ولكنها دائماً تكرس أعمال الشلة، وترفعها إلى أعلى عليين.. من ليست له شلة أو جماعة لن يذكره أحد، فضلاً عن أن ينقده، وبعض الأدباء تحوَّل إلى رجل علاقات عامة ليسوّق أعماله أو كتاباته لدى الصحف وأجهزة الدعاية من تلفزة وإذاعة وندوات ومحاضرات وغيرها، ويستكتب النقاد ـ خاصة في الصحافة ـ الذين يملكون مساحات أو نوافذ دائمة.. الأغلبية التي لا تملك القدرة على العلاقات العامة، ماتت كمداً وحسرة، وخاصة إذا كانت ذات توجه إسلامي واضح.
    وقد رأيت ما جرى بالنسبة لجيلكم، حيث سيطر "الهالوك" على مرافق النشر والنقد والدعاية، ولكن النتيجة كما توقعت أنهم ذهبوا، ولم يبق من آثارهم شيء، وبقى "الورد" هو الأقدر على التعبير، والأقدر على الإنشاد، مع أنه كان ضعيف الصلة بالمؤسسة الرسمية والجماعة أو الجماعات المهيمنة عليها.
    * أعدتنا إلى "الورد والهالوك" كتابك الذي أحدث ضجة كبيرة عند صدوره، وتناولت فيه فريقين من شعراء السبعينيات أحدهما سمَّيته فريق الأصالة، والآخر فريق الهالوك أو المتسلقين.. ترى ما هو تقويمك الآن لما وصلت إليه في هذا الكتاب؟ وهل يمكن أن تقدم كتاباً يثير قضية مماثلة؟
    ـ كتاب "الورد والهالوك" من الكتب التي كتبتها بدمي إن صحَّ التعبير، فكل جملة، بل كل كلمة، بل كل حرف، كان وراءه فكري وأعصابي ودمي، وقد واجهت تياراً هادراً يملك كل شيء، الصحافة والإذاعة والتلفزة والمؤسسة الثقافية بكتبها ومجلاتها وصحفها، وندواتها ومحاضراتها وجوائزها، ونقادها ومؤتمراتها، وكان الترويج لأفراد هذا التيار لا يتم داخل الحدود وحسب، ولكنه كان يتجاوزها إلى أرجاء العالم العربي والصحف والمجلات ودور النشر في لندن وباريس وقبرص، وتاهت الحقائق، وضاع الفن، ووسط الضجيج الصاخب الذي يروِّج لشعر يخلو من مقومات الشعر شكلاً وموضوعاً، بل تعدى إلى إهدار كل قيمة مضيئة فنياً وإنسانياً، في الوقت الذي تقوم فيه كوكبة من الشعراء على امتداد قرى مصر ومدنها الصغيرة بدور صامت في التعبير عن هموم الأمة من خلال فن جميل أصيل متجدد، دون أن يلتفت إليها أحد، أو يقدرها أحد.. وهنا كان دوري لأواجه التيار وأسبح ضده، وأنشر الحقيقة، وقلت رأيي واضحاً وصريحاً وجريئاً بفضل الله، وصحَّ كل ما توقعته.. واليوم لم يبق إلا شعراء الأصالة.. أمَّا الهالوك فقد جفَّ وأصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء مقتدراً.
    تسألني: هل أستطيع أن أقدم اليوم كتاباً آخر مثل "الورد والهالوك"، أقول لك: بعون الله أستطيع، بل إني أقدم بالفعل، ولكن في مجال الرواية ذات المنظور الإسلامي، حيث أكتب عن كتَّابها المهمَّشين وأقدمهم إلى الناس ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، ولعلك تذكري كتابي "الرواية الإسلامية المعاصرة" الذي قدَّمت فيه شباباً ممتازاً يكتبون الرواية الإسلامية باقتدار، من المغرب وفلسطين وغيرها، وهناك كتاب جديد، أسأل الله أن يظهر قريباً، قدمت فيه أصواتاً روائية إسلامية جديدة أيضاً.. ثم إني أواجه "الرواية المضادة" التي تعادي التصور الإسلامي وتدعو إلى ثقافة بديلة عن الثقافة الإسلامية، ولعلّ ذلك يظهر مستقبلاً ـ إن شاء الله ـ في كتاب..
    إني أحاول دائماً أن أضع يدي على الحقيقة، ولا أعبأ بالضريبة التي أدفعها.. المهم أن يكون هناك رأي فني مخلص، ولتكن النتائج ما تكون.
    (يتبع)

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #17
      (القسم الثاني)
      ............
      * لعل هذا يقودنا إلى سؤال عن الأدب الإسلامي، هل أنت راضٍ عمَّا يقدَّم من نماذج أدبية للأدباء الإسلاميين، وعن مستوى الأدب الإسلامي بصفة عامة؟
      ـ هذا السؤال جيد للغاية، فهناك من يشنِّع على الأدب الإسلامي، بل هناك من ينفي وجوده أصلاً، ولعل أكثر المقولات رواجاً في هذا السياق، أنَّ الأدباء الإسلاميين لم يكتبوا أدباً، وإنما كتبوا كلاماً وعظياً يصلح للمنابر فقط! ولكن الحقيقة غير ذلك. الأدب الإسلامي شعراً ونثراً موجود، وله نماذجه الجيدة والجميلة، وهي تفوق ـ من وجهة نظري ـ كثيراً من النصوص التي يكتبها الآخرون، ولكن المشكلة أنَّ هذه النماذج قليلة نسبياً في الشعر، وقليلة إلى حدّ الندرة في الفنون السردية، القصة القصيرة والرواية والمسرحية، مع أنَّ هذه الفنون هي الأكثر رواجاً الآن، ويتقبلها الناس بصورة ملحوظة.
      قبل سنوات، كانت الفنون السردية الإسلامية شبه غائبة، ولكن مسابقات رابطة الأدب الإسلامية العالمية أحدثت تطوراً جيداً في هذا المجال، فقد أفصحت المسابقات عن كتابٍ مستواهم جيد في كتابة الرواية الإسلامية، وقصص الأطفال، ويبقى أن تعلن الرابطة عن مسابقات في المسرح الإسلامي، وتكرر مسابقاتها في مجالات الرواية وقصص الأطفال والقصة القصيرة؛ لأنَّ المسابقات تكشف المواهب المخبوءة، وتشجع المواهب الراسخة، وتساعد بصفة عامة على زيادة الإنتاج الأدبي، وخاصة في المجال السردي.
      الأمور تتطور بشكل عام، والأدباء الإسلاميين يجوِّدون أدواتهم، ويسعون إلى الأفضل، وأتوقع في السنوات العشر القادمة ـ إن شاء الله ـ أن يكون لدينا وفرة في الإنتاج الأدبي الإسلامي شعراً ونثراً.
      * بالمناسبة، ما تقويمك لدور رابطة الأدب الإسلامي العالمية؟
      ـ الرابطة حدث مهم، جاء مع مطلع القرن الخامس عشر الهجري ونهايات القرن الرابع عشر، ودورها مهم في تجديد الأدب العربي بصفة عامة، فهي تعيده إلى طبيعته التي ظلَّ عليها إلى مطلع العهد الاستعماري في القرن الثامن عشر الميلادي، حيث تغيَّرت طبيعة الأدب العربي القائمة على التصور الإسلامي، إلى احتضان تصورات غربية مادية بعيدة عن روح الإسلام ومقاصده. وإذا عرفنا أنَّ المسلمين في عصرنا يعيشون الاضطهاد في أسوأ أنواعه على الصعيدين الخارجي والداخلي، وأنَّ الإسلام يعدُّ خطراً داهماً على المستعمرين الغزاة والمستبدين الطغاة، ويقرنونه بالإرهاب والإظلام، لدرجة أنَّ تجار المخدرات واللصوص الكبار والقوادين والعاهرات والقتلة والمفسدين؛ يلقون معاملة أفضل من دعاة الإسلام وأنصار تطبيقه في الحياة العامة.. إذا عرفنا ذلك فإنَّ وجود الرابطة في هذه المرحلة بدعوتها إلى الأدب الإسلامي يعدُّ أمراً مهماً، لأنَّها تمثل حائط صدّ يدفع بقدر طاقته عن هوية الأمة، ويسعى، ولو بخطوات محدودة، إلى نشر صور التسامح الإسلامي من خلال النماذج الأدبية الإسلامية.
      إنَّ البعض يطلب من الرابطة ما يطلبه من مؤسسة حكومية ذات إمكانات كبيرة، وهذا أمر فوق الطاقة؛ لأنَّها تملك إمكانات محدودة للغاية، ومع ذلك تنشر مجلة فصلية، وتقيم الندوات والمؤتمرات في إطار قدراتها، وتستفيد من المقترحات والرؤى التي يطرحها المخلصون في الساحة الأدبية، والأيام كفيلة ـ إن شاء الله ـ بدفعها إلى الأمام خطوات أسرع وأفضل.
      *نريد أن نتوقف عند الحركة الإسلامية والعمل الإسلامي، وبصفتك واحداً من العاملين المستقلين في هذا المجال، بما تنشره من مقالات أسبوعية وشهرية عديدة، وما تؤلفه من كتب ودراسات في المجال الإسلامي.. فما هو الصورة التي تراها الآن؟ وما مآخذك عليها؟
      ـ لا ريب أنَّ الإسلام هو محور حياة الأمة، شاء البعض أو أبى، والإسلام في صورته العملية التطبيقية يقود الأمة إلى الخير ـ إن شاء الله ـ لو أحسن التطبيق، وتمثَّل الناس روحه وجوهره، ولم يتوقفوا عند الشكل الخارجي أو المظاهر العامة فحسب. إنَّ العبادات وخاصة الصلاة مطلوبة، لتكون ـ في حال الإخلاص ـ صلة دائمة تصل العبد بربه وخالقه وسيد الكون بلا منازع. هذه الصلة هي التي تحرِّك الجماهير لبناء الحضارة وتنمية الموارد وتحسين الواقع الاجتماعي ومواجهة الأخطار وتحقيق الأمن والسلام. والأمة بعواطفها المشتعلة مع الإسلام قلباً وقالباً. والإسلام هو عنصر المقاومة الذي يخشاه الطغاة المستبدون والمعتدون المتوحشون. والحركة الإسلامية عنصر بعث للأمة وتجديد للإسلام ونشر له بفتح القلوب ودخول الصدور وإنعاش النفوس. ولا يتحقق ذلك إلا بفهم الإسلام فهماً عميقاً وشاملاً، على يد علماء داعين فاقهين مخلصين، لا يخافون في الله لومة لائم، حينئذٍ تكون الحركة الإسلامية قد اهتدت إلى الرشد، وركَّزت على الأولويات التي يتفق عليها جميع العلماء، وابتعدت عن عناصر الخلاف والفرقة والتشرذم والانحراف إلى مسالك تؤدي إلى أبواب مسدودة.
      إنَّ الساحة الإسلامية من الأطلنطي حتى الفلبين، مليئة بالجمعيات والحركات التي تسعى إلى خدمة الإسلام، ولكنها تواجه اليوم بالإعصار الصليبي الاستعماري الجامح، الذي يستغل ضعف الحكومات الإسلامية في ضرب هذه الجمعيات أو الحركات، والتضييق عليها، ووصمها بالإرهاب، مع أنه هو الذي صنع الإرهاب الأكبر، وصدَّره إلى بلاد المسلمين، ثم اخترق بعض الجماعات الإسلامية، ووجهها عن طريق "الريموت كنترول" لتسلك طريق العنف، ويقال إنَّه موَّل كثيراً من العمليات التخريبية في العالم الإسلامي، ليقول ـ بعدئذٍ ـ للعالم: هذا هو الإسلام: دم، وعنف، وشرّ، وجهل، وتخلف، وظلام!
      وقد نجح الإعصار الصليبي الاستعماري بالفعل في تحقيق نجاحات عديدة داخل بلاد المسلمين، بحيث صار "العمل الإسلامي" جريمة مؤثمة في العديد من البلدان الإسلامية، ويُحاكم المتهم بهذه الجريمة أمام محاكمة عسكرية لا تقبل استئنافاً ولا نقضاْ، وذلك بعد التعذيب الوحشي والملاحقات والمصادرات التي تصيبه وتصيب من معه.. كل هذا؛ لأنَّ الإعصار الصليبي الاستعماري يدفع بعض العاملين في الحركة الإسلامية، بقصد أو دون قصد، لانتهاج العنف رداً على المظالم والجرائم التي ترتكبها بعض الأنظمة.. فينسى الناس ـ عن طريق الدعاية المركزة والمستمرة ـ ما تفعله هذه الأنظمة ويتذكر فقط أنَّ الإسلام عنوانه موجود لدى حركات العنف، مما يعني أنَّ المسلمين لو أرادوا التقدم والتحرر فعليهم أن يتخلوا عن الإسلام، ويعيشوا كما يعيش الغرب الصليبي الاستعماري في حياةٍ؛ البقاء فيها للأقوى، مع نهب المتعة على حساب كل قيمة خلقية، حياة أقرب إلى الحياة الحيوانية الوحشية في الغابة، ولكن بطريقة مهذبة على الطريقة الاستعمارية المهذبة التي ترفع شعارات إنسانية، وهي تسحق وتقتل وتشرد وتنهب دون أن يهتزّ لها جفن!
      العمل الإسلامي، يحتاج إلى حكمة وصبر، وتجنب الدخول إلى المناطق الملغمة بالخلافات المذهبية والطائفية، واعتماد رحابة الصدر للمخالف في الفروع كما يقول الأصوليون؛ لأنَّ الخطر المحدق بالجميع، لن يفرِّق بين مذهب وآخر، أو طائفة وأخرى، بل إنه يتعامل مع كل من يحمل اسماً إسلامياً ولو لم تكن له علاقة حقيقية بالإسلام، على أنَّه مسلم يجب التخلص منه أو إخضاعه بالإذلال والتبعية.
      ثم إنَّ العمل الإسلامي يجب أن يعتمد السلوك والتطبيق لمفاهيم الإسلام الصحيحة في المنزل والشارع والمكتب والمدرسة والمصنع والحقل والعلاقة مع غير المسلمين. إنَّ الدعوة بالنموذج هي خير الأساليب، أعني النموذج الصالح المجتهد المتفوق الناجح، والاكتفاء بالخطابة والصوت العالي والزعيق لن يقدِّم هذا النموذج، ولكن حين يراه النَّاس يتحرَّك على قدمين يقلدونه ويتبعونه لأنهم يحبون الصالحين المجتهدين المتفوقين الناجحين.
      إني أحذر من الدعوة بوصفها مهنة تدرّ على صاحبها ربحاً، أو شهرةً، أو جاهاً، أو تجعله عنصرياً يشعر أنه الأفضل إسلاماً أو الأحقّ بتوجيه الآخرين ودعوتهم. الدعوة تحتاج إلى تجرّد وإخلاص وبذل وعطاء وتواضع وتوجه نحو الله وحده. العمل الإسلامي لا ينجح ولا يتقدَّم إلا تحت ظلال "إنكار الذات" ونسيان الأنانية، بهذا نجح السلف الصالح، وسينجح الخلف الصالح أيضاً بإذنه تعالى لو اقتدى به.
      هناك مخلصون كثيرون، ولكن يعوزهم التنسيق والإعداد والتخطيط والوعي بما يجري ويدور في الأفق الإسلامي وخارجه، ومعرفة فقه الأولويات الذي يقدم إطفاء الحرائق على كنس الدار!
      * خطر لي أن أسألك عن دور الصحافة الإسلامية في العمل الإسلامي، والأدب الإسلامي، فقد كنت تشارك في تحرير "الاعتصام" و"الدعوة" و"النور" و"لواء الإسلام" وغيرها من الصحف التي أغلقت أو التي تصدر الآن؟
      ـ لا شك أنَّ هذه المجلات، وخاصة "الاعتصام"، كانت تلعب دوراً مهماً في إيقاظ الوعي الإسلامي والدفاع عن الإسلام وقضايا المسلمين في شتى أرجاء الأرض. كان موقف هذه المجلات بصفة عامة، ولما يزل، موقفاً دفاعياً بالدرجة الأولى، وإن كانت لا تهمل الموقف البنائي الذي يعرِّف بأصول الدين وقيمه وتشريعاته، وعندما وقعت مصر اتفاقية الصلح مع العدو النازي اليهودي عام 1979م، كان مطلب الغزاة وسادتهم الأمريكان، هو إغلاق هذه المجلات، وبالفعل أغلق كثير منها بالتتابع، وفقاً لقانون الصحافة الذي صدر عقب توقيع الاتفاقية، ولم يتمكن أي من هذه المجلات من معادة الصدور بناء على القانون الجديد؛ لأنه يضع شروطاً مستحيلة التحقيق، الجريدة الوحيدة التي صدرت هي جريدة "وطني" التي يصدرها بعض النصارى، وتنطق باسم الكنيسة الأرثوذكسية، بل إنها في المرحلة الانتقالية ما بين وفاة صاحب الامتياز، وصدورها عن مؤسسة وفقاً للقانون، لم تتوقف عدداً واحداً، مما يؤكد أنَّ القانون مقصود به الصحافة الإسلامية تحديداً؛ لأنها تقود المقاومة الفكرية ضد الهيمنة الاستعمارية الأمريكية والغزو النازي اليهودي لفلسطين وما حولها.
      ومن المؤكد أن الصحافة الإسلامية تقوم بدور مهم للغاية في التعريف بموقف الإسلام من القضايا المطروحة، وتدافع عما يراد بالإسلام والمسلمين، وفقاً لإمكاناتها المادية والتحريرية.
      وبالنسبة للأدب الإسلامي، فقد كانت تنشر بين حين وآخر، بعض القصائد أو القصص، وقد أسستُ في "لواء الإسلام" المحتجبة باب "أدبيات" للعناية بالأدب الإسلامي وقضاياه، وكان في أول الأمر صفحتين، ثم امتد إلى أربع صفحات، وظلّ حتى احتجبت المجلة بفعل ظروف قاهرة، وهناك الآن في معظم المجلات الإسلامية التي تصدر في العالم العربي صفحات مخصصة للأدب الإسلامي، وإن كان المأمول أن تزداد هذه الصفحات عدداً، وترقى إعداداً، وتعظم مادة؟
      *سأحاول أن أصل إلى نهاية الحوار بسؤال أو سؤالين، حتى تستريح بعد هذه الجلسة الطويلة التي يبدو أنها أرهقتك، وأقول لنتوقف عند الجامعة.. كيف تراها بصفتك أستاذاً جامعياً ورئيس قسم اللغة العربية سابقاً، وعازفاً عن أي منصب جامعي كما أعلم؟
      ـ الجامعة مثلها مثل المجتمع، أصابها ما أصابه من ضعف وخلخلة وأمراض، تراجعت التقاليد الجامعية، وصارت القوانين والقرارات تحاصرها وتحاصر هيئة التدريس بقصد إبعادها عن أداء دورها تجاه المجتمع والأمة، وأعداد الطلاب الكبيرة تفوق طاقتها وقدراتها. هناك أكثر من مليون طالب جامعي أو في المرحلة الجامعية، بعض الكليات لا تتسع لنصف عدد طلابها، بل لربع عددهم، وهيئة التدريس أقل من العدد المطلوب بكثير، وعضو هيئة التدريس اليوم ـ في الغالب ـ لا يملك مقومات التدريس وتقاليده وقيمه، وبسبب التدخل من خارج الجامعة، ازداد الصراع بين الأساتذة على المناصب الإدارية، وسقط البعض في فخ العمل لحساب السلطة قبل العمل لحساب العلم، وأشياء أخرى كثيرة تثير الكثير من المواجع، قد أكتب عنها في يوم ما، وأمر الدراسات العليا سيء وأكبر من أن نعالجه هنا، ولكن شيئاً واحداً يجب أن نذكره، وهو أنَّ الجامعة التي كانت مستقلة وفاعلة في عهد الاستعمار البريطاني، فقدت اليوم استقلالها وفاعليتها، وصارت مطية لأصحاب الهوى الذين لهم أذرع غليظة وقبضات حديدية وقلوب حجرية!
      *اسمح لي أن أوجه إليك آخر سؤال حول أخبارك الأدبية الجديدة؟
      ـ يا سيدي أنا لست رجلاً مهماً يُسال عن أخباره، فأخباري التي يجب أن تسألني عنها تتعلق بالأمل في الله أن يرحم المسلمين من الهزائم والآلام المتلاحقة، وأن يوفقهم ولو إلى عمل واحد من أعمال الخير التي تهمهم جميعاً وتقرِّب فيما بينهم.
      أخباري ـ إن صحَّ أن يكون لي أخبار ـ تتمثَّل في رغبتي أن أنشر بعض الكتب الخاصة بالثقافة الإسلامية، والنقد الأدبي في الرواية والشعر، ولديَّ مشروعات كثيرة، لا أدري هل سأكتبها أم لا؟ أسأل الله أن يعينني على تنفيذها، أو تنفيذ بعضها.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #18
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد إبراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
        من دواعى الشرف أن أجد هذا الاسم الشامخ هنا بالصدفة البحتة
        للأستاذ حلمى محمد القاعود
        كان دكتورنا فى الجامعة
        على الرغم من أن دراستى آداب قسم اللغة الفرنسية
        إنما كنت أجلس أمامه و هو يحاضر أصدقائى الذين أحببت الحياة الجامعية معهم أمثال الشاعر الراقى و الواعد جدا ( الأبنودى الصغير ) صديق عمري ورفيق الدرب ابن خالتى الشاعر ( سعيد حامد شحاتة ) صاحب مدونة غناوى الدرويشhttp://said-shehata.maktoobblog.com/
        شكرا كل الشكر للأستاذ الدكتور حسين على محمد لتذكر الدكتور حلمى هنا و فى ملتقنا الذى ازداد تشريفا و تعظيما
        شكرا لك د.حسين
        شُكراً للأديب المبدع الأستاذ
        محمد إبراهيم سلطان
        على التعقيب والمُشاركة،
        مع موداتي.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #19
          كامل أمين.. شاعر الملاحم الإسلامية

          بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
          ............................

          قبل ربع قرن تقريباً، رأيت رجلاً أبيض الشعر، متواضع الهيئة، يدخل مكتب رئيس التحرير لإحدى المجلات الأدبية، ويتحدث حول أعماله الشعرية، وقصائده التي يرشحها للنشر، كان متحمساً حماسة الشباب، مع أنه كان في ذلك الحين يبدو قد جاوز الستين بسنوات، عرفت أن الرجل هو الشاعر "كامل أمين"، واسمه الكامل: "كامل أمين محمد"، وكان له موقف من الحياة والمجتمع، يقوم على التصور الإسلامي، ويرفض التصورات العلمانية والماركسية التي كانت سائدة في الواقع الثقافي آنئذ، وهو ما جعل القوم المهيمنين على الصفحات الأدبية في الصحف والمنابر الثقافية ودور النشر الرسمية، يقفون منه موقفاً سلبياً، ويرفضون نشر إنتاجه الشعري والأدبي.
          وفي مرحلة تالية، أتيح له أن يجد فرصة مناسبة لنشر بعض أعماله، سواء في الصحف أو المجلات أو دور النشر الرسمية، ولكن عودة الماركسيين والعلمانيين إلى الهيمنة مرة أخرى حجبه عن القراء وعن الساحة الأدبية بصورة شبه كاملة!
          وقبيل وفاته في الأسابيع الماضية اشتد به المرض، فتوسطت له كاتبة إسلامية عند بعض ذوي النفوذ من مثقفي السلطة وكتابها كي يعالج لدى المستشفيات المتخصصة على نفقة الدولة، ووعد هؤلاء بعلاجه، ولكن مر الوقت والمرض يرعى جسد الشاعر المسن الفقير، وتجاهل ذوو النفوذ من مثقفي السلطة وكتابها أمر الرجل، حتى قضى نحبه، دون أن تكلف الصحف الرسمية وغير الرسمية نفسها عناء نشر خبر في سطرين عنه، ولم تستطع أسرته أن تنشر نعياً له!! وبالطبع لم يكتب أحد عنه شيئاً، لا مقالاً، ولا تحقيقاً ولا متابعة، مما يحظى به صغار الأدباء اليساريين والعلمانيين، عندما يصابون بالكحة أو الأنفلونزا!
          وسمعت أن الكاتبة الإسلامية التي توسطت من أجل علاج شاعرنا الراحل، أعادت الكرة مرة أخرى من أجل نشر إنتاجه الشعري والأدبي الضخم، ولكن القوم لن يسمعوا لها لسبب بسيط جداً، وهو أن كامل أمين "ليس يسارياً ولا علمانياً"، وقبل ذلك وبعده، فهو يعبِّر عن تصور إسلامي يرفضه اليساريون والعلمانيون جميعاً!
          نشأته
          ولد كامل أمين، في مدينة "طنطا" عاصمة مديرية الغربية، في الخامس من يوليو سنة 1915م، وقد تلقى تعليمه في المدارس الفرنسية أولاً، وواصل دراسته بعدئذ في المدارس المصرية، واشتغل موظفاً في وزارة الري "الأشغال"، وعاش حياة متواضعة حتى أحيل إلى التقاعد، وقد منح تفرغاً لبعض الوقت من وزارة الثقافة.
          نشر الشاعر قصائده في المجلات الأدبية والإسلامية، وكانت "الرسالة" تتزين بقصائده، وبمطولاته، وفي المرحلة الساداتية كان ينشر في "الأهرام"، و"الثقافة"، و"الهلال" وغيرها، واتسم شعره بقوة السبك، ووضوح العبارة، وقرب الألفاظ، وإيثار الموضوع الإسلامي، والدفاع عن الفكرة الإسلامية في مواجهة خصومها.
          من بناة الملاحم في الشعر الحديث
          ويعد كامل أمين من الشعراء البناة للملحمة في الشعر العربي الحديث، وكما نعلم فالملحمة لم تكن معروفة في شعرنا العربي الذي تغلب عليه صفة الغنائية، أي المقطوعات والقصائد التي يعالج من خلالها الشاعر موضوعه أو تجربته. الملحمية كانت من سمات الشعر اليوناني القديم، والشعر الروماني القديم أيضاً، والشعر عند اليونان والرومان كان وسيلة للتعبير المسرحي والملحمي، بحكم معتقداتهم وتصوراتهم، حيث كانت تقوم على الوثنية وتعدد الآلهة، وصراع هذه الآلهة مع البشر، وخاصة أبطال وقادة اليونان والرومان. لقد امتزجت الوثنية عند هؤلاء بالأسطورة والخرافة، وهو ما عبر عنه شعراء الإغريق والرومان في أعمال ملحمية شهيرة ترجمت إلى معظم لغات العالم، ومنها: أجا ممنون، ألكترا، حاملات القرابين...
          ومع أن العرب قبل الإسلام كانوا وثنيين، وكانت لهم أساطيرهم وخرافاتهم، إلا أن طبيع تهم وبيئتهم ورحلتهم في المكان والزمان، جعلتهم ينتمون إلى القصيدة الغنائية دون المسرح والملحمة، وفي بدايات عصر النهضة، سعى "محب الدين الخطيب"، ليكون للعرب والمسلمين ملاحمهم التي تقوم على تاريخهم الحقيقي، وفيه من الصراع بين الحق والباطل، ما يفوق أساطير اليونان والرومان وخيالاتهم، وقد ذهب إلى "أحمد شوقي" أشهر شعراء العصر الحديث آنئذ، وعرض عليه فكرة نظم الملحمة إسلامياً، ولكن "شوقي" صمت ولم يعلن قبوله أو رفضه، فذهب الرجل إلى "أحمد محرم" وعرض عليه الفكرة، فقبلها على الفور، وبدأ في النظم ونشر الملحمة "الإلياذة الإسلامية" أو "مجد الإسلام"، في مجلة "الفتح"، على أجزاء، وكان محرم بذلك أول من راد هذا الطريق وعبّده لغيره من الشعراء العرب المحدثين، المفارقة أن "شوقي" فاجأ الناس بعد ظهور "إلياذة محرم" بنشر "مطولته" ولا أقول ملحمته المعروفة باسم "دول العرب وعظماء الإسلام"، ترصد حركة الإسلام منذ فجر الدعوة حتى أيامه، ولكن لم تكن لها قوة ملحمة "محرم".
          جاء "كامل أمين" ليحقق أول ملحمة عربية إسلامية مكتملة فنياً، ولم يكتف بملحمة واحدة فقط، ولكنه كتب أكثر من ملحمة، وساعده على ذلك قدرته الكبيرة على النظم وطواعية اللغة، ودراسته الجيدة للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.
          كانت أول ملحمة يكتبها هي ملحمة "السماوات السبع" عام 1957، وكانت بداية متواضعة من حيث المستوى الفني، تلتها ملحمة "عين جالوت"، وإني لأعدها أعظم ملاحمه على الإطلاق، ليس لضخامتها أو تعبيرها عن معركة خالدة في حياة الإسلام والمسلمين، حيث كان الانتصار كبيراً ورائعاً وفريداً على التتار الغزاة، ولكن لأنها استطاعت أن تبني فنياً لحظة من أروع لحظات التاريخ الإسلامي، وتثبت بحق أن تراثنا التاريخي فيه ثروة هائلة من الأحداث والوقائع الباهرة التي تفوق خيال اليونان وأساطيرهم، كما تفوق ما لدى نظرائهم من الرومان.. ومع أن الشاعر أنجز هذه الملحمة عام 1968 (العهد الناصري)، فإنها لم تنشر إلا عام 1975م (المرحلة الساداتية).
          تابع الشاعر كتابة ملاحمه التاريخية، فكتب ملحمة "القادسية" عام 1978م، عن المعركة العظيمة التي خاضها المسلمون ضد الفرس، وانتصروا عليهم فيها.
          وهناك ملحمة أخرى هي الملحمة "المحمدية" عام 1979م، وترصد السيرة النبوية، وقد تناولتها في كتابي "محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث".
          إن "كامل أمين" في احتشاده لكتابة الملحمة التاريخية الإسلامية ليعد صاحب جهد فريد وكبير ونادر، نقل الشعر العربي من الغنائية إلى الملحمية، وأغناه بهذا التراث، فضلاً عن توظيفه في ميدان جديد يبعده عن كثير من السلبيات التي تصاحب الشعر الغنائي.
          مجموعة دواوين
          ومع ذلك، فإن "كامل أمين" أصدر مجموعة من الدواوين التي تضم قصائد غنائية معظمها يدور حول الدفاع عن الإسلام واستنهاض الأمة وشحذ عزيمتها لمواجهة المحن والأزمات والصعاب والتغلب عليها.
          أصدر عام 1947م ديوانه "نشيد الخلود"، وفي عام 1964م أصدر ديوانه "المشاعل"، وأصدر عام 1979م ديوانيه: "مصباح في الضباب"، و"عندما يحرقون الشجر".
          ومن المؤكد أن أوراقه التي تركها بعد رحيله، تضم كما علمت شعراً كثيراً لم ير النور، في ظل الحصار المفروض على التوجه الإسلامي بصفة عامة، سواء كان شعراً ملحمياً أو غنائياً.
          ويحسن أن نتناول نموذجاً من شعره، قبل ختام هذه السطور؛ لعلنا نرى فيه بعض خصائص شعره، يقول في إحدى قصائده "صيحة مسلم"، مدافعاً عن اللغة العربية "لغة الضاد" وربط الهجوم عليها بالمؤامرة الكبرى على الإسلام والمسلمين:
          رحمة الله والسماء عليها / كانت الضاد للكتاب لسانا
          وبها كان يهبط الروح جبريل / ويوحى للمصطفى القرآنا
          أيها المفلسون من كل شيء / فارقونا وهرّجوا في سوانا
          كل تاريخنا ديون عليكم / لا تظنوا استرداده إحسانا
          كل وجه لكم بألف يهوذا / ألف قابيل واغلٌ في دمانا
          قد تركنا كتابنا فضللنا / بعد أن كان في الكتاب هدانا
          أيها المسلمون في كل أرض / التقوا حول دينكم حيث كانا
          ولعل تسمية القصيدة "صيحة مسلم"، تتناغم مع صوت الجهارة الذي يسودها، واللغة المباشرة التي لا تلجأ إلى المجاز كثيراً، والتعبير القوي العميق عن القضية التي يدافع عنها، ويستبسل في سبيل المنافحة عن حماها، فهو مستمسك بالضاد التي صنعت مجداً، وكانت وسيلة الخير الإلهي الذي أصاب المسلمين وهو القرآن الكريم، وبالإضافة إلى ذلك، فهو يرى أن الضاد طريقنا لاستعادة المجد، وتقدم الصفوف، أما الذين يحاربون اللغة، فهم "يهوذا" و"قابيل"، ويدلل على خسارة الأمة وضلالها بترك كتاب الله، ويوجه نداءه إلى المسلمين كافة بالالتفاف حول الإسلام والتمسك به؛ لأنه طوق النجاة.
          رحم الله "كامل أمين"، فقد استمسك بإيمانه وكرامته حتى مات في صمت، مؤمناً زاهداً كريماً.
          التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 12-03-2009, 07:13.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #20
            توابع نجاح الإخوان المسلمين

            بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
            ............................

            أصاب نجاح الإخوان المسلمين في المرحلة الأولى للانتخابات التشريعية الراهنة؛ كتائب الدعاية الحكومية بصدمة عنيفة أفقدتهم صوابهم ، وجعلتهم لايحترمون المنطق ولا المنهجية في مخاطبة الجمهور الذي يخاطبونه عبر الإذاعات المرئية والمسموعة والمقروءة، ولم يتورعوا أن يكذبوا على الناس دون خجل أو حياء بادعاء أمور غير حقيقية على الإخوان المسلمين والتيار الإسلامي بعامة .. يتربع خادم السلطة على كرسيه في التلفزيون مثلا ويأخذ في الهجوم على الجماعة المحظورة ، ويركز على كلمة المحظورة ليلفت الانتباه إلى أنها ليست قانونية ويجب معاقبتها على مشاركتها في الاهتمام بقضايا الشعب البائس وهمومه ، ثم ينتقل إلى الحديث عن شعارهم الغامض " الإسلام هو الحل" ، ويتحفنا بالكلام عما يحدث في أوربة من عدم الخلط بين الدين والسياسة مع أن ملكة انجلترا رئيس الكنيسة البروتستانتية ، وجورج بوش يرى أن السماء أرسلته ليحرر بلاد المسلمين من الإرهاب ويحول دون قيام إمبراطورية إسلامية من إندونيسيا إلى إسبانيا .... الخ
            أفراد كتائب الدعاية الحكومية يحاكون البهلوانات في دفاعهم عن النظام البوليسي الفاشي الذي يستخدمهم ويفتح لهم أكياس العطاء ، فهم يدعون أنهم مع التعددية واحترام الآخر وإتاحة الفرصة للجميع في منافذ التعبير والحرية ، ولكنهم في حقيقة الأمر يحاورون أنفسهم ، ولا يسمعون إلا صوتهم وصوت سادتهم المستبدين بدليل أن اللقاءات التلفزيونية والإذاعية والصحف الحكومية لاتتيح فرصة لوجود أي طرف إسلامي يدافع عن الإسلام أو أفكار التيار الإسلامي ، وإذا حدث ووجد هذا الطرف فهو واحد من اثنين إما مهمش في الحوار أو ساخط علي التيار الإسلامي لأسباب شخصية .. وهكذا تسقط دعاواهم ببساطة شديدة !!
            مشكلة السلطة وكتائب الدعاية التي تدافع عنها وعن حزبها المتسلط أنها تصادم الشعب المصري في أخص خصائصه الحياتية والإنسانية وهو الإسلام ..لقد تناسوا أن الدين بصفة عامة مكون أساسي من مكونات المجتمع ، وأن كل المحاولات المحمومة التي بذلت منذ احتلال نابليون لمصر والشام حتى اليوم لإبعاد الشعب المصري عن دينه وإسلامه قد باءت بالفشل الذريع ، وكلما ظنت السلطة وخدامها من التغريبيين وأشباههم أن الشعب يمكن أن يتخلى عن إسلامه، فاجأهم الواقع بغير ما يتوقعون .. وقد فاجأ الشعب المصري سلطته المستبدة وكتائب دعايتها بانتخاب أكثر من أربعين نائبا في ظل الحملة الشرسة التي شنتها السلطة المستبدة وأجهزتها المهيمنة .
            من المؤكد أن شعار "الإسلام هو الحل "ليس غامضا كما يتوهم رجال الدعاية السلطوية ، بدليل هذا الانتصار الكبير الذي حققه الإخوان في المرحلة الأولى من الانتخابات التشريعية الحالية ، وهو ما أثار الذعر في أوساط النظام الحاكم وتابعيه من كتائب الدعاية الكاذبة ، مما دفع بعض المراقبين إلى توقع تدخل السلطة في المرحلتين الثانية والثالثة بصورة أكثر شراسة وفجاجة لتزوير الانتخابات لحساب مرشحيه، وإسقاط مرشحي الإخوان المسلمين ومن يتعاطف معهم من مرشحي المعارضة ..
            إني هنا لاأدافع عن الإخوان ؛فهم أقدر على الدفاع عن أنفسهم ، ولكن ما أريد قوله هو أن الإسلام حقيقة واحدة لايمكن تجزئتها ، وهو ما يعني أن الشعار الذي يرفعه الإخوان أو غيرهم من الحركات الإسلامية ليس غامضا ، لأن التصور الإسلامي يؤسس لرؤية تناغي الحياة وتعمل لها كما تعبد الله وتعمل للآخرة ..
            وإذا كان الشعب المصري اليوم يجد في هذا الشعار حلما جميلا يمكن أن يعبر عن طموحاته في مواجهة القهر السياسي ، والفساد الشائع في كافة المرافق الاجتماعية ، والنهب المنظم الذي يقوم به كبار رجال السلطة تحت مظلات قانونية (!!) وخراب التعليم ، وضعف الرعاية الصحية والاجتماعية ، وازدياد الفوارق بين الأغنياء ( ومعظمهم من أهل السلطة وأشياعها ) والفقراء ، وانهيار الطبقة الوسطى التي كانت عماد المجتمع ، فضلا عن تفشي البطالة بدرجة غير مسبوقة في تاريخ الشعب المصري في العصر الحديث .. فهو يعود إلى فطرته التي يعبر عنها دينه خير تعبير ،ويعلم أنه دين العدل والرحمة والعفة والمساواة والأخوة والكرامة الإنسانية والمستقبل المضيء ..
            وأظن أن كتائب الدعاية للسلطة لاتلفت إلى أحلام الشعب وتطلعاته وأمانيه.. ولكنها تلتفت إلى مصالحها الخاصة وأنصبتها من المال العام ، الحرام عليهم وعلى مستخدميهم ؛ ولذا فهم يستميتون في الدفاع عن النظام البوليسي الفاشي وينحدرون في دفاعهم إلى درجة مشينة ومرفوضة من صاحب كل حس إنساني نقي ونظيف!!
            في السبعينيات رفع صديقي المرحوم "جابررزق" شعار " المسلمون قادمون"، وجعله عنوانا على غلاف مجلة الدعوة ، مما أغضب الرئيس الراحل أنور السادات .. وقد آن الأوان أن يأتي المسلمون ليحلوا مشكلات أمتهم ، وينتهي عصر استبعادهم من الحياة العامة ، ويكون لهم حق ارتفاق فهم ليسوا أبناء الجارية على أية حال !
            .....................
            *المصريون ـ في 18 - 11 - 2005 م.
            التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 12-03-2009, 07:15.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #21
              قراءة في كتاب "الحداثة تعود.." للدكتور حلمي القاعود

              عرض: أ.د. حسين علي محمد
              ...........................

              ارتبطت الحداثة العربية ـ في بعض تجلياتها ـ بالمُخالفات العقدية، والجرأة في استخدام اسم "الله" ـ جل وعلا ـ فيما لا يليق، ومن ذلك ما يقوله "نزار قباني" في قصائد عديدة، مجترئاً على عقيدتنا في وجوب تكريم الله وتنزيهه، فيصفه بما لا يليق في مثل قوله:
              (والله مات وعادت الأنصاب).
              وبقوله:
              (بلادي تقتل الرب الذي أهدى لها الخصبا).
              وقوله:
              (حين رأيت الله مذبوحاً في عمان).
              وقوله:
              (من بعد موت الله مشنوقاً على باب المدينة).
              وقوله:
              (ويتزوج الله حبيبته).
              يدور كتيب الحداثة تعود للدكتور "حلمي محمد القاعود" (56 صفحة من القطع الصغير) حول ظاهرة الحداثة في حياتنا الفكرية والأدبية، وهذا الكتيب موجّه لمخاطبة القارئ العادي "ليحذره من مغالطة شاعت في أوساطنا الثقافية فحواها أن الحداثة مرحلة من التطور والتجديد ضرورية لفكرنا وأدبنا جميعاً، وأنها أمر طبيعي يتسق مع تطور الحياة والمجتمعات".
              والحداثة كما يراها الغرب مصطلح term "يضم عدة اتجاهات خاصة ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين… ويعني عدم التواصل أو الانقطاع عن الماضي تاريخيا وجماليا، أو رفض كل القيم المرتبطة بالماضي". وهذا ما جاءت تُنادي به الحداثة العربية على أيدي عرّابها أدونيس (في مجلته "مواقف"، العدد 6 ، 1969) حيث يقول:
              "ما نطمح إليه ونعمل له كثوريين عرب (!) هو تأسيس عصر عربي جديد. نعرف أن تأسيس عصر جديد يفترض ـ بادئ ذي بدء ـ الانفصال كلية عن الماضي. نعرف كذلك أن نقطة البداية في هذا الانفصال ـ التأسيس ـ هي النقد: نقد الموروث، ونقد ما هو سائد وشائع. لا يقتصر دور النقد هنا على كشف أو تعرية ما يحول دون تأسيس العصر الجديد، وإنما يتجاوزه إلى إزالته تماماً".
              "إن ماضينا عالم من الضياع في مختلف الأشكال الدينية والسياسية والثقافية والاقتصادية. إنه مملكة من الوهم والغيب تتطاول وتستمر، هي مملكة لا تمنع الإنسان العربي من أن يجد نفسه وحسب، وإنما تمنعه كذلك من أن يصنعها".
              والدكتور "حلمي محمد القاعود" في تتبعه لـ "أدونيس" ومن لف لفه من الحداثيين يرى تعسر محاولة التفريق بين الحداثة الفكرية التي تعنى بإلغاء الماضي والانفصال عن التراث ومحاربة الإسلام من جهة والحداثة الأدبية، يقول:
              "لقد حاولت أن أُقنع نفسي باستخدام مصطلح "الحداثة الأدبية"، وإن كان داخلي غير مقتنع أصلاً؛ لسبب بسيط، وهو أن أية نظرة أدبية لا بد أن تنطلق من مفاهيم فكرية أو أسس أيديولوجية، أيا كانت هذه الأسس أو تلك المفاهيم".
              لقد ازدهرت الحداثة العربية ووراء ازدهارها:
              * الإلحاح الدؤوب والمستمر الذي جعل القيمة الأدبية للشكل الأدبي (النقد الشكلاني من البنيوية إلى الأسلوبية) وإغفال الإشارة ـ عمداً ـ إلى الموضوع الأدبي حتى لو كان إلحاداً صارخاً، أو جنساً مكشوفاً، أو شذوذاً فجاً.
              * التزوير والتزييف الذي يمارسه نقّاد الحداثة حيث يفسرون النصوص الحداثية التي لا تلتزم بأي تقليد فني تفسيرات غريبة وعجيبة، بل مضحكة في بعض الأحيان.
              * جذب أصحاب المواهب الضحلة وطلاب الشهرة ـ وهم كثر ـ وجواز مرورهم الإيمان بالحداثة أو الماركسية.
              ويختم المؤلف بحثه الموجز بسؤال:
              ـ وما العمل؟
              ويجيب:
              "لابد من التوعية والمتابعة: التوعية بخطورة الحداثة منهجاً فكريا، والمتابعة لمسيرتها تطبيقاً بشعاً يرفض الحرية والدين والجمال".
              لقد جاء كتاب الدكتور "حلمي محمد القاعود" في وقته فهو يكشف عن ظاهرة الحداثة الفكرية التي استشرت في حياتنا الأدبية، وأصبحت مرضاً لا يُمكن البرء منه، وظهرت تجلياتها واضحة في العديد من الأعمال الأدبية (كالشعر والقصة والرواية والمسرح)، وقُدِّمت الدراسات المطوّلة عن أصحابها الذين أصبح لهم منابرهم وإصداراتهم في العالم العربي من الماء إلى الماء (أو من الخليج إلى المحيط).
              لكننا لا نُوافق الدكتور "حلمي محمد القاعود" في أن "الحداثة الأدبية هي الحداثة الفكرية"؛ فقد جاء في آخر المعاجم الأدبية "معجم مارتن جراي" martin gray حول "مصطلح الحداثة":
              " تعتبر الحرب العالمية الأولى 1914-1918م بصفة عامة مستهل الفترة الحديثة في الأدب، و"الحداثة" هي التي تُميِّز بعض خصائص كتابات القرن العشرين فيما يتعلّق بمدى اختلافها عن الأعراف الأدبية الموروثة من القرن التاسع عشر … وأهم الملامح المميزة خاصية التجريب التي يُعتقَد أنها استجابة للحياة في عالم يتبنّى الطرائق العصرية، وقد حدثت الابتكارات التقنية الجذرية في جميع الأجناس الأدبية الرئيسة"
              وطبقاً لهذا التعريف لمصطلح "الحداثة" فنحن نختلف مع الدكتور "حلمي محمد القاعود" في جعله الحداثتين الأدبية والفكرية مصطلحاً واحداً "يضم تحت ردائه نخبة من أصحاب الفكر ومحترفي الأدب الذين يتفقون فيما بينهم على قطع صلة العربي المُعاصر بماضيه تماماً… سواء أكان هذا الماضي العقيدة الإسلامية أو التاريخ أو التراث، اللهم إلا ما اتفق من هذا التراث أو ذلك التاريخ مع مناهجهم، سواء تمثّل في الحركات الشعوبية أو الباطنية أو الإلحادية (الزنادقة)، أو غير ذلك ممّا يتناقض مع الإسلام وتصوُّره الصحيح"
              إنّ الحداثة في تصوّرنا حداثتان:
              الأولى: حداثة فكرية، وهذه نرفضها؛ لأنها تريدنا أن ننخلع عن الماضي، فأي ماضٍ لنا نخجل منه ونريد الانخلاع عنه؟!
              إن ماضينا الإسلامي بإشراقاته وانتصاراته مازال ماثلاً للعيون، ومازلنا نعيشه ونتمثله حتى لو امتلأت حياتنا بالإحباطات والمثبِّطات، فكيف ننخلع عن هذا الماضي الذي نعيشه بكل ذرة من كياننا؟
              الثانية: حداثة أدبية، وهي التي تُريد التجديد في أشكال الكتابة، فكيف نرفضها ونُلحقها بالحداثة الفكرية المرفوضة؟
              صحيح أن كثيراً من أهل الحداثة الأدبية يُمكن أن نُلحقهم بأهل الحداثة الفكرية، وهؤلاء مَن يملؤون الساحة ضجيجاً وصخباً
              لكن في المقابل هناك من يرتبط بالإسلام، وينطلق منه لمواجهة العالم وإشكالاته، بفنه "الحداثي"، ومن هؤلاء في الشعر: صابر عبد الدايم، وأحمد فضل شبلول، وعبدالرحمن العشماوي، ومحمد بنعمارة، وحسن الأمراني، ومحمد علي الرباوي، وجميل محمود عبد الرحمن، وعبد الله السيد شرف، ونشأت المصري، ومحمد سعد بيومي، ومحمود مفلح … وغيرهم.
              هؤلاء يكتبون قصيدة التفعيلة ـ وهي شكل حداثي للشعر ـ بجودة واقتدار، ويكتب بعضهم ـ نشأت المصري ـ قصيدة النثر، فلماذا نُلحقهم بركب المُعادين للأمة، من الحداثيين الفكريين، وهم منهم براء؟!

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #22
                العصا الغليظة!

                بقلم : أ.د. حلمي محمد القاعود
                ...........................

                كالعادة؛ أبت السلطة البوليسية الفاشية أن تتوب عن سلوكها القمعي الإرهابي ضد كل من يخالفها أو يحكم القانون والعقل والمنطق ؛ فأشهرت عصاها الغليظة في وجه قضاة مصر الشرفاء الذين أبرءوا ذمتهم أمام الله والناس ، وأعلنوا أن جريمة التزوير قد حدثت في دائرة بندر دمنهور الانتخابية ، وأن المرشح الخاسر قد أعلن فوزه في سابقة غير مسبوقة ولا مقبولة..كان إعلان القضاة من الجرأة والشجاعة مما جعل الأمة تحتفي بهم وتلتف حولهم، وأيضا كان إعلانا لتنقية ثوبهم الأبيض الذي يحرصون على بقائه ناصع البياض أيا كان الترهيب أو الترغيب الذي يمارسه النظام الديكتاتوري الحاكم !
                لقد أعلنت السلطة من خلال مجلس القضاء الأعلى التابع لها عن إجراءات عقابية ضد القضاة الذين تحدثوا عن التزوير ، وأبلغوا الأمة حقيقة ماجري في الدوائر الانتخابية عامة ، وبندر دمنهور خاصة ، ورأى المجلس أن قلة من القضاة دون العشرة تحدثت إلى الفضائيات ووصفت الانتخابات بأوصاف رديئة –يعني بالتزوير –مما يعرض البلاد للفتن ويعصف بالاستقرار ، وطلب المجلس تحويل القضاة المذكورين إلى التحقيق الفوري أمام النائب العام .
                هذا هو المضمون العام لبيان المجلس المذكور الذي جاء ليؤكد حرص السلطة على الاستمرار في ممارساتها الاستبدادية، بدلا من الرجوع إلى الحق والتحلي بفضيلة الاعتراف بالخطأ ، وتصحيح الوضع المقلوب الذي أعلن خسارة الفائز ، وفوز الخاسر.
                إن المستشار نهى الزيني التي بدأت الإعلان بضمير حي عن جريمة التزوير ، وتلاها نادي القضاة الذي أعلن من خلال لجنة متابعة الانتخابات التي شكلها عن شهادة سبعة وثلاثين ومائة قاض قالوا في شهادتهم بالأرقام أن هناك مايقرب من ستة عشر ألف صوت هي الفارق بين الفائز الرسمي والخاسر المظلوم.. لقد احتكم القضاة إلى الشعب وحمايته ، لأنهم رأوا أن السلطات المختصة تقر التزوير وتؤيده ، وأن الشكوى إليها هي من قبيل الحرث في البحر بل إن عواقب الاستعانة بها ستكون تنكيلا وحصارا ومطاردة!!
                كان من المفترض أن يهب المجلس لمعاقبة من شاركوا في جريمة التزوير ، ومن قبلوا إملاء السلطة المستبدة لإرادتها التي أهدرت كرامة القضاء ، وأزرت بنزاهة القضاة وحيدتهم ، ولكن المجلس آثر تهديد القضاة بالعصا الغليظة إن لم يغلقوا أفواههم متهما إياهم بالعمل السياسي !! في حين أنهم يعلنون رأيهم فيما وصلت إليه الأوضاع الانتخابية من استهتار بالقضاء ، واعتداء على القضاة، ومحاولة تحميلهم وزر التزوير الذي يجب فضحه وإعلانه على الملأ لأن ذلك من صميم عملهم واختصاصهم .. أليسوا المشرفين على سير العملية الانتخابية والحريصين على نزاهتها وشفافيتها ؟!
                لقد استنكرت ثماني منظمات لحقوق الإنسان بيان المجلس المذكور ، وحذرت أن يكون ذلك مقدمة لمذبحة جديدة للقضاة ، كما أعلنت قلقها من لغة التهديد التي تغلف البيان .. وهو مايعني أننا بصدد حملة تخويف لكل قاض يتحرك ضميره في اتجاه الحق والصدق والعدالة التي هي من صميم عمل القضاء في كل الظروف والأحوال .
                من المؤكد أن نادي القضاة قد أزعجه بيان العصا الغليظة ، ومن المؤكد أيضا أنه سوف يتخذ موقفا يناسب مضمون البيان ودلالاته ، ومن المؤكد كذلك أنه لن يرضخ للتهديد أو التخويف .
                أما مايخص الأمة فيجب أن تكون على مستوى الحدث ، وهى كذلك بالفعل لأنها تساند القضاة الذين يعبرون عن ضميرها وإرادتها ، وقد قدمت الأمة كثيرا من التضحيات في سبيل حريتها وكرامتها ، وهى لن تدخر جهدا في سبيل تقديم المزيد من هذه التضحيات.
                ولعل السلطة تتسق مع نفسها فيما تقول وتفعل ، فإذا كانت حقا تريد حياة ديمقراطية حقيقية فعليها أن تقبل بتبعات الديمقراطية الحقيقية من نزاهة وشفافية ، وقبول للفوز والهزيمة في الانتخابات ، وتداول سلمي للسلطة .. أما إذا كانت مصرة أن المسألة لاتعدو ديكورا ينصب ليراه العالم الخارجي ويعتقد أن لدينا ديمقراطية ؛ فلتعلن ذلك على الملأ . . وبعدها فليكن لشعبنا قراره الذي يراه ملائما سواء بالمشاركة في اللعبة أو التعبير عن إرادته الحقيقية بانتزاع الحرية من بين أنياب النظام المستبد الفاشي.
                تحية لكل صاحب ضمير في هذا الوطن سواء كان من القضاة أو من غيرهم .. والنصر للشعوب الحرة !
                ............................................
                *المصريون ـ في 28 - 11 - 2005م.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #23
                  وداعاً عميد الأدب الإسلامي المقارن

                  بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                  .............................

                  ودّعَنا يوم السبت الثامن والعشرين من شوال 1425ه، الموافق الحادي عشر من ديسمبر 2004م، علم من أعلام الأدب الإسلامي ودراساته المقارنة، وهو الأستاذ الدكتور "حسين مجيب المصري" عن عمر ناهز الثمانية والثمانين عاماً، قضاها في البحث والدرس والتعليم والإبداع.. وقد رحل الرجل كالعادة دون أن يذكره أحد في المجال الإعلامي والصحفي باستثناء "خبر صغير" نشرته إحدى الصحف مدفوناً وسط أخبار أخرى موسعة تتحدث عن أشباه أدباء وكتاب يهتمون بالدعاية أكثر من اهتمامهم بالتجويد والإخلاص.
                  عرفت الرجل قبل ثلاثين عاماً أو يزيد، ولعل الذي عرفني به صديقه الأديب الكبير الأستاذ "وديع فلسطين"، ولكنه شكا إليه ضعفاً في بصره، الذي فقده فيما بعد، مما اضطره إلى استئجار من يقرأ له ويكتب.
                  كان يرحمه الله يتحرك في غرفته نشطاً، يطلعني على بعض الكتب ويحدثني في بعض القضايا، ومع أني لم أمكث طويلاً، فقد خرجت ببعض كتبه القيمة ودواوينه الشعرية، وانطباع بتواضع الرجل وإخلاصه للعلم والبحث والأدب، دون أن يهتم بعرض الدنيا ومتاعها الزائل.
                  لم يكن الرجل يتقن فن العلاقات العامة الذي صار يتقنه أشباه الأدباء والكتاب، ولذا لم يرشح لأية جائزة ثقافية في بلده لا تشجيعية ولا تقديرية، مع أنه بمنطق العلم والأدب يستحق أن ينال أعلى جائزة يمنحها الوطن، ومن المفارقات، فإن دولاً إسلامية عديدة منحته جوائزها الكبرى ودرجة الدكتوراه الفخرية كما فعلت جامعة مرمرة في تركيا، والحكومة الباكستانية، ودولة قازاخستان وغيرها.
                  وفي الوقت الذي نرى فيه أدباء وكتاباً محدودي القيمة الأدبية والثقافية، على خريطة الأبحاث في الدراسات العليا بالكليات المختلفة، فإن حسين مجيب المصري لم يُطرح موضوعاً لرسالة ماجسيتر أو دكتوراه، والأمر نفسه فيما بتعلق بالحياة الثقافية، فلم يتناوله أحد من الكتاب أو النقاد، باستثناء بعض المقابلات القليلة القصيرة والمقالات وكتاب وحيد، أصدره صلاح حسن رشيد بعنوان: حسين مجيب المصري، تجربة فريدة في الشعر العربي الحديث، أصدرته مكتبة الآداب في القاهرة عام 2004م.
                  لقد تعرض لظلم كبير في عمله في الجامعة أيضاً ويبدو أن هذا قدر الذين يعكفون على العلم والبحث، فيظلمهم أهل "الفهلوة" والباحثون عن الدنيا والوجاهة والمناصب، ولا ريب أن ذلك كله قد أصابه بالإحباط وخلف في نفسه كثيراً من الأسى نراه عبر مقطوعات شعرية تقطر ألماً ومنها:
                  أنا من خبت في سعي
                  أنا من حرت في أمري
                  غثاء ضاع في سيل
                  وطير ضل عن وكر
                  هباء بين أرواح
                  ودمع سال في البحر
                  كلامي رجع أوتار
                  ولكن أين من يدري؟
                  وشعري نفح أزهار
                  ولكن من يرى شعري؟
                  ولد "حسين مجيب المصري" في مدينة القاهرة عام 1916م، وجده لأمه "محمد ثاقب باشا"، كان وزيراً للري في عهد الخديوي إسماعيل، وكان جده لأبيه حسني باشا المصري من كبار الأعيان في القطر المصري، التحق بالمدرسة الابتدائية ثم الثانوية وفيها قرأ كتب الرافعي وجبران ودواوين شوقي وحافظ وزهير وغيرهم من الشعراء، وسطعت موهبته الشعرية في مدرسة السعيدية الثانوية في الجيزة عام 1932 فنشر أولى قصائده بعنوان "الوردة الذابلة"، وكانت مرثية لابنة عم له توفيت، وكان رحمه الله يعتز بهذه القصيدة اعتزازاً كبيراً.. ويذكر أن حلاقاً كان بجوار بيتهم أثر فيه تأثيراً كبيراً، حيث كان يحفظ كثيراً من عيون الشعر العربي، ويلقيه على مسامعه وهو فتيً يافع، فحببه إلى الشعر وحبب الشعر إليه، مما أحدث نقلة كبيرة في حياته، فجعلته يعيش بالتنغيم والنظم والإيقاع، وهي ظاهرة واضحة في أشعاره التي نشرها، وضمتها دواوينه الستة.
                  لقد نظم الشعر بالفرنسية، وترجم الشعر عن الإنجليزية، وكانت مسيرته مع اللغات حافلة بالتفوق والجهد الكبير، لقد أجاد ثماني لغات إجادة تامة، وساعده على ذلك انتسابه إلى معهد اللغات الشرقية الذي درس فيه الأردية والإيطالية والألمانية والروسية، وكان يترجم منها إلى اللغة العربية ما يروق له من شعر ونثر.
                  وقد استخلص من دراساته المقارنة لآداب الشعوب الإسلامية أن الأدب العربي ركيزة أساسية ورصيد يستمد منه شعراء وأدباء هذه الشعوب كثيراً من المعاني والقيم، وهناك تشابه واضح بين الأدب العربي وآداب هذه الشعوب من حيث التأثر بالإسلام وقيمه، والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي، فنجد مثلاً في الشعر التركي ما يسمى بالرمضانيات يصف فيها الشاعر مظاهر الاحتفال في هذا الشهر، وكذا الحال في الشعر الأوردي والفارسي... وهو ما ينطبق على موقف هذه الآداب من قضية فلسطين والقدس.
                  إن اهتمام "حسين مجيب المصري" أستاذاً جامعياً وأديباً وشاعراً بآداب الشعوب الإسلامية، واطلاعه عليها في لغاتها الأصلية التي يجيدها، وكونه أول من اشتغل بالأدب الإسلامي المقارن جعله مرجعاً، ويعود إليه الأساتذة والطلاب، وجعل منه عميداً للأدب الإسلامي المقارن، فقد أخلص له، وبذل جهداً مادياً في البحث والتنقيب والاطلاع، في الوقت الذي كان زملاؤه وغيرهم يفضلون الطريق السهل، وهو التوجه نحو الآداب الأوروبية الأكثر رواجاً، والأفضل عائداً مادياً، ولكن "حسين مجيب المصري" آثر أن يشق طريقه في ميدان صعب ومجهد ومكلف، يبتغي من ورائه خدمة دينه وأمته الإسلامية، وكان هذا الطريق هو "الأدب الإسلامي المقارن"، الذي صار علماً عليه. وقد أنتج الرجل عشرات الكتب التي زادت على السبعين كتاباً.
                  وظل حتى آخر أيام حياته يعمل بجد ودأب وكان آخر كتاب ينوي نشره هو "بدائع إقبال في الأوردي"، وآخر كتاب كان ينوي أو يعمل في تأليفه كان حول المقارنة بين المدائح النبوية في الآداب الثلاثة: العربية والتركية والفارسية، ولا أدري هل انتهى منه أم لا؟
                  فوجئت به ذات يوم في العام الماضي يرسل إليَّ على عنواني البريدي رسالة رقيقة طلب فيها كتابي "محمد صلى الله عليه وسلم في الشعر العربي الحديث"، لأنه بصدد المقارنة بين المدائح النبوية في الآداب الثلاثة، لم أكن في مصر وأخبرتني الأسرة بمضمون الرسالة، فحمل له ولدي النسخة الوحيدة لدي وذهب بها إلى مسكنه واستقبله الرجل استقبالاً كريماً، والأهم بعد ذلك أنه أرسل إليَّ رسالة مليئة بالعاطفة الحارة العميقة، وكنت أود نشرها لكنها ليست تحت يدي الآن.. وهي في مجملها تدل على إخلاصه للعلم، والأدب، وتواضعه الجم، وزهده في الدنيا ومتاعها الفاني.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #24
                    قضية التماثيل .. ووطن الأماثيل!

                    بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
                    .............................

                    كتب مكرم محمد أحمد في الأهرام يوم الثلاثاء الماضي 4- 4- 2006م ؛ مقالا حول موقف مدير الجامعة الأميركية بالقاهرة ، من مواد الثقافة العربية التي قرر المدير إلغاءها من مقررات الدراسة بالجامعة ، وهي المواد المتفق عليها في " بروتوكول " بين الحكومتين المصرية والأميركية . ولم يستجب المدير لمناشدات الأساتذة والطلاب بالإبقاء على مواد الثقافة العربية مع هامشيتها وبساطتها ، وتخلى عن منهج الجامعة الذي يقوم على الحوار والتفاهم ..
                    واضح أن السيد مدير الجامعة الأميركية يتحرك وفقا لسياسة بلاده الصليبية الاستعمارية التي أعلنت الحرب على الإسلام ( وليس الإرهاب لأنها أول من صنعه ورباه وغذاه) ، وراحت بالصلافة والعجرفة تأمر الحكومات العربية والإسلامية بإلغاء الإسلام من إعلامها وتعليمها ، وثقافتها وفكرها ، تحت مسمى تغيير الخطاب الديني .. ولم تعبأ أميركا الصليبية الاستعمارية – وهى التي لا تتمسك بقيم المسيحية ولا تعاليم المسيح – بأية قواعد قانونية أو مواثيق دولية في حق الدول المختلفة في المحافظة على ثقافتها وهويتها ، ومن ثم جاء قرار مدير الجامعة الأميركية ، صادما للأمة بوقاحته واستفزازه وعنصريته..
                    هذا الحدث الجلل الذي يعبر عن هوان الأمة على نفسها ، لم يستوقف كتاب المار ينز في بلادنا ، ولكنهم هاجوا وماجوا لأن فضيلة المفتي أصدر فتوى تحرم التماثيل ، وتطوّح بعضهم في حلقة الذكر " الاستعماري" تعبيرا عن كراهيته للإسلام وثقافته، وراح يصف المفتي بممالأة السلفية ، والانتماء إلى طالبان ، ووصل الأمر بواحدة من إياهن إلى المطالبة أن يغلق شيخ الأزهر والمفتي فمهما ، ولا يتكلمان بل لا ينطقان بأية فتوى طالما هناك قانون ودستور يحكمان البلاد !
                    كتاب المار ينز موتورون من الإسلام وثقافته ، يتعاملون مع شرائع الأرض والسماء بود وتسامح ما عدا الإسلام . يعلموننا ليل ونهار أن الغرب ليس واحدا ، وأن اليهود الغزاة ليسوا واحدا ، ولكنهم يضعون الإسلاميين جميعا في تصنيف واحد، يطلقون عليه كل ما يحمله القاموس اللغوي من معان سلبية وشريرة ورديئة وبذيئة .
                    قبل فترة رفض الأنبا شنودة تزويج المطلقات والمطلقين من النصارى الذين تحكم المحاكم بانفصالهم ، لأن ذلك في رأيه مخالف للإنجيل ، ولم ينبس واحد من كتاب المار ينز ببنت شفة ، ولا أظنه يستطيع .. لسبب واحد ، وهو أن غير المسلمين يحمون شرائعهم ،ويستطيعون الرد المؤلم والموجع على من يتعرض لها . أما الإسلام فهو الحائط الواطئ الذي يقفز عليه كل سفيه وعميل وبائس دون أن يخسر شيئا ،أو يتأثر بشيء !
                    وكنا نتصور أن كتاب المار ينز – ومعظمهم من اليسار المتأمرك ومرتزقة النظام – يمكن أن يكون لديهم حد أدنى من الخجل والحياء ، فيوجهون أقلامهم إلى معالجة القضايا الحيوية التي يضج الناس منها على المستويات المختلفة كافة .. ولكنهم للأسف لا يستطيعون مواجهتها مواجهة جادة ومخلصة وصادقة . فهم يعملون لحساب من صنعوا مشكلات الوطن ومن فاقموا من أزمته ومتاعبه وآلامه.. والعبد لا يستطيع أن يرفع رأسه في وجه سيده.
                    لقد أصبحنا أمثولة بين أمم العالم في التخلف والعجز وقبول الذل والاستسلام لما يفعله الآخرون بنا ، وصرنا نخرج من مأزق إلى آخر ، ومن محنة إلى أخري ، وانظروا ما ذا جرى لنا على مدى شهرين فقط: موت ألف مصري في عبارة الرجل المحصّن- كارثة الطيور التي أذهبت الثروة الداجنة وأوقفت حال الناس وحرمت الفقراء من طعم اللحوم – اشتداد الغلاء وكان السكر في مقدمة السلع والتليفونات في مقدمة الخدمات ، ولن يكون الوقود الذي أعلنوا عن قرب رفع أسعاره آخر السلع ، لأنه سيشعل الأسعار تلقائيا – امتداد طابور البطالة – تبديد أموال الدولة في المظهريات وإنفاق المليارات فيما لا يفيد وفقا للجهاز المركزي للمحاسبات ...
                    القوم لم يتوقف سعارهم المحموم في حملتهم على فتوى المفتي بسبب التماثيل ، ولكنهم تجاهلوا ما يعانيه المصريون من قهر واستبداد ونظام فاسد ينتفش فيه الفاسدون والمنافقون ويستأسدون ..
                    إننا نتساءل : هل يأخذ كتاب المار ينز بكل الفتاوى في الأمور الإسلامية أساسا ؟ إن بعضهم لا يفيق من الخمر ، وبعضهم لم يركع ركعة واحدة .. وبعضهم لا يقبل أن يعطي فقيرا قرشا واحدا بدعوى أن الدولة مسئولة عنه، وبعضهم لا يهتز ضميره وهو يمارس الرذيلة أو يأخذ ما ليس له من أموال المسلمين .
                    لقد صرنا أمثولة الأمم .. بل أماثيل في سياستنا واقتصادنا وثقافتنا وواقعنا وأخلاقنا وحاضرنا ومستقبلنا .. ومع ذلك فالقوم مشغولون بقضية التماثيل التي أثاروها في العام الماضي ، وصنعوا من أجلها مناحة ملأت الدنيا لأن رئيس حي أو مدينة لم يضع تماثيل لآلهتهم المزعومة في إحدى الحدائق ..
                    ويا وطن الأماثيل .. لابد من فجر جديد.

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #25
                      عصام الغزالي.. هارب من الأضواء!

                      بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
                      ............................

                      هذا شاعر من طراز خاص، درس الهندسة، وتخرج في جامعة القاهرة، 1972م، ثم درس علوم الدين والشريعة الإسلامية، وتخرج في كلية أصول الدين بالرياض عام 1398هـ 1978م، فهو يمزج في ثقافته بين العلم والدين، وبين التجربة والوحي، ويملك بهذا أفقاً عريضاً ومتسعاً للرؤية والتصور، وإذا أضيف إلى ذلك حس فني مرهف وموهبة شعرية ساطعة، أدركنا لماذا هو شاعر من طراز خاص.
                      وأحمد عصام الدين الغزالي خليل، أو عصام الغزالي، كما يعرف بين الأدباء والشعراء، من شعراء السبعينيات في مصر، وينتمي إلى الشعراء الذين سميتهم "بالورد" في مقابل من سميتهم "بالهالوك"، وكان بودي أن أخصص له فصلاً في كتابي "الورد والهالوك" ـ صدرت منه طبعتان: 1993م، 1994م ـ لولا ظروف حالت دون أن تكون دواوينه تحت يديَّ.
                      وقد أنتج عصام الغزالي شعراً كثيراً ضمته خمس مجموعات طبعها جميعاً على نفقته الخاصة وهو من المميزات التي تجعله طرازاً خاصاً مع أن هناك من دور النشر فيما أعلم من يرحب بنشر إنتاجه، ولكنه آثر أن يوزع شعره من خلال دار الوفاء في المنصورة، وهي المدينة التي ولد فيها عام 1945م، ويعيش فيها حتى الآن.
                      ومجموعاته الخمس هي "الإنسان والحرمان" 1970م، "لو نقرأ أحداق الناس" 1978م، "أهددكم بالسكوت" 1994م، "دمع في رمال" 1995 (إصدار ثان) ثم "هوى الخمسين" 1999م.
                      وعصام الغزالي يأخذ موقفاً من الحركة الأدبية، أو تأخذ منه الحركة الأدبية موقفاً، فهو يعيش مثلي بعيداً عن أضواء القاهرة وصحافتها ونقادها، ويستشعر تبعاً لذلك أنه مظلوم، ومعه حق، مع أن كاتباً صحفياً كبيراً كتب عنه في عموده اليومي، ولكنه يحتاج مع ذلك إلى ناقد متخصص يغازل شعره أو يطارحه الدرس والنقد، ثم إن رؤيته الإسلامية التي تتضح في شعره تجعل الحركة الأدبية
                      ومعظمها مشدود إلى تصورات مغايرة تتجاهله ولا تحتفي بموهبته، وفي داخل هذه الحركة من لا يلتفت إلى التصورات أو القيمة الفنية أساساً، بل يعتمد على ما يمكن تسميته بالعلاقات العامة وخاصة في مجال النشر والتعريف، وعصام الغزالي من النوع الذي ينفر من هذه العلاقات... فهو يعتز بذاته اعتزازاً كبيراً، يجعله يترفع عن استجداء الاهتمام بشعره وطلب التعريف به.. هذا وغيره من الأسباب جعل شعر عصام الغزالي بعيداً عن قطاعات عديدة من الجمهور، وإن كانت القطاعات التي قرأته وعرفته قد تمسكت به شاعراً مرموقاً له خصائصه الشعرية، وسماته الفنية.
                      وبصفة عامة، فإن شعر عصام الغزالي يدور حول محاور عديدة، منها ما هو تقليدي مثل الغزل والرثاء والإخوانيات والتوبة والاستغاثة والهجاء والغربة، ومنها ما هو مستجد ومستحدث مثل المواجهات الثائرة الغاضبة الحالمة ضد عناصر القهر والاستبداد والطغيان ثم مطالبته بالعدالة الاجتماعية، ورفض العنصرية، ولا ريب أن الشاعر يعالج محاوره معالجات متفاوتة، منها ما هو أقرب إلى الرصد والتسجيل، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى طرح الحلول والإجابات، ولكن الرؤية بشكل عام محكومة بالتصور الإسلامي، الذي يصل بالشاعر أحياناً إلى حد الزهادة في الحياة. ويصوغ الشاعر تصوره أحياناً في إطار يذكرنا بشعراء الزهد في العصر العباسي، خاصة شعر أبي العتاهية، في قصيدته "قالت لي الريح" يقول:
                      لا شيء تحميه البيوت
                      الكل: من يحيا يموت
                      المد يتبعه انحسار والبريق له خفوت
                      الحال ظل، يستحيل له دوام أو ثبوت
                      في آخر اللحن المغرد سكتة.. قبر صموت
                      الرزق في بحر تصارع فيه ملاح وحوت
                      وكلاهما في البحر مبتلع وللأمواج قوت
                      والرؤية الإسلامية في شعر عصام الغزالي تستوجب دائماً الاستعانة بالحق سبحانه وتعالى، والتوبة والرجوع إليه، وما أكثر القصائد التي يبتهل فيها الشاعر إلى البارئ سبحانه أن يعينه ويلطف به، وأن يحميه من الفتنة، وأن يساعده على العفة، وأن يتمم له ومن معه النور:
                      غريبان طوبى لنا يا أبي
                      وفي عالم الظفر والمخلب
                      تعبنا وجئنا نريح الخطى
                      ونستاف عطراً بأرض النبي
                      فيا رب أتمم لنا نورنا
                      بأيماننا ساطع الكوكب..
                      وفي قصيدته "في نور التوبة" يقف أمام ملك الملوك، ويهرول ملبياً ويقول:
                      ملك الملوك أتيته ومهرولاً لبيته
                      من سار في طلب الهدى فالله هذا بيته
                      ألقٌ توضأ بالجلال من المهابة سمته
                      إنا يبشرنا كتابك، والكتاب تلوته
                      ودنوت للحجر الذي لولاك ما قبلته
                      وغمرت صدري من تدفق زمزم وعمرته
                      فاقبله سعياً في سبيلك دون ذنبي سقته
                      وانفحه نوراً ملء قبر موحد.. لك موته
                      واجعله عوناً للضعيف على صراطك فوته
                      ولا يعني ذلك أن الشاعر يعتزل الناس أو المجتمع، فزهده والتزامه باب الله، لا يمنعانه أن يغوص في أعماق الواقع غضباً وسخطاً وتمرداً وثورة، ولعل مجموعته "لو نقرأ أحداق الناس" تعطينا دليلاً على هذا الغوص، فقد كانت قصائد المجموعة قبل حرب رمضان 1393ه، تضج بالرفض للهزيمة العسكرية في جبهات القتال، والهزيمة الداخلية في الوطن، فضلاً عن هجاء المهزومين وتعرية سلبيتهم، وفضح تخاذلهم، ولنقرأ على سبيل المثال قصيدته: "برقية إلى ربان سفينة تغرق" التي كتبها ضمن منشورات اتحاد طلاب هندسة القاهرة عام 1972م يقول فيها:
                      زميلك وسَّع شرخ القنوط
                      و"مات" وعقّد كل الخيوط
                      وخلَّى الحمولة وشك السقوط!
                      إذا كان يمكن فتح الخطوط
                      توجّه سريعاً لأدنى الشطوط
                      تماسك.. تحرك قبيل الهبوط
                      أخاف عليك من "الأخطبوط"
                      وبالطبع، فإن الشاعر يعيش مثل جيله، غربة زمانية حادة، قسوتها تفوق قسوة الغربة المكانية، ويزيدها قسوة غربة الشعر أيضاً في "زمان غريب" فالشاعر يمزج بينه وبين الشعر حتى يصيرا كياناً واحداً:
                      أنا الشعر، أرخوا عليَّ الستارا
                      فإن الزمان الجميل استدارا
                      غريب أنا، في زمان غريب
                      كطفل رأى وجهه المستعارا
                      فبيني وبين المرايا قناع
                      وبيني وبين العيون الحيارى
                      فهذا زمان "الجناة الضحايا"
                      وهذا زمان "البغايا العذارى"!!
                      ولعل في النماذج السابقة، ما يكفي لبيان رؤية الشاعر وتصوره للعالم والكون من حوله، حيث يقدم لنا الشاعر القابض على الجمر الذي يدفع ثمن قبضة حريقاً وألماً، ولكنه لا يتراجع، في الوقت الذي نجد فيه من ينكرون شيئاً اسمه الوطن أو القيم، تفتح لهم أبواب النشر والمؤتمرات الخارجية والداخلية، ويحظون أيضاً بالدعاية الإعلامية!.

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #26
                        اللهو الخفي !: الفتاوى المتلفزة والفتاوى الفضائية

                        بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
                        ..........................

                        أعتذر إلى القراء الكرام لاستخدام هذا العنوان ؛ فهو مما يدور في الواقع الشعبي تعبيرا عن المتاعب والمصاعب التي تهبط على رءوس الناس ، دون أن يعرفوا لها مصدرا أو سببا ..وإن كان بعضهم يعرف مغزاها ومنتهاها!
                        و" اللهو الخفي"؛ هو أقرب التعبيرات إلى الدقة فيما تواجهه الأمة عامة ، ومصر خاصة في هذه الأيام ، حيث تجد قضايا تُطرح على نطاق واسع ، ولا تدري السر في ذلك .. أو الهدف من تفجيرها في هذا الوقت بالذات ؟
                        ومن هذا اللهو الخفي ما عرف بقضية " إرضاع الكبار " . من الذي كان وراءها بالضبط؟ ولماذا حظيت بهذا الزخم الإعلامي الكبير في التلفزة والإذاعة والصحافة والمستوى الشعبي العام ؟ ثم ذلك الإلحاح على ما يسمى بمسألة الفتاوى الفضائية وموضوعاتها الهامشية التي لاتعني جموع الناس ، ولا مصائرهم ، ولا مستقبلهم ؟
                        ولنفترض أن شخصا دفعه الهوى إلى تناول مسألة من هذه المسائل الهامشية التي تغطي على قضايا كبرى تهم جموع الناس وترتبط بقضاياهم اليومية في الطعام والشراب والأسعار الملتهبة وتوفير الضروريات الأساسية للأبناء والحصول على العلاج ،ومقاومة الأزمات التي يصنعها بالقانون كبار اللصوص والمحتكرين والفاسدين والمفسدين.. فماذا يعني إرضاع الكبير ليحل له الاختلاء بزميلته في العمل ، هل قضية هذه الزميلة أهم من من قضايا الوجود ذاته ؟
                        ومن هذا اللهو الخفى ، قضية مثل عروبة مصر أو فرعونيتها . ما معنى إثارتها في هذا الوقت الذي لا توجد فيه عروبة ولا فرعونية من أساسه ؟
                        إن الموجود فعلا أمة مستباحة من الغزاة النازيين اليهود والمستعمرين الصليبيين المتوحشين ، القادمين من وراء البحار ، يعيثون في أرضها فسادا وإفسادا ، وقتلا وتدميرا ، ونهبا وسرقة ؟ ثم إن هذه الأمة المستعبدة لا تملك من أمرها شيئا ، فقد وكلت مصائرها إلى طغاة مستبدين في معظمهم ؛ يستخدمون العنف والغدر والخسة والمكر للإجهاز على ما تبقى من من قيمها وكرامتها ورموزها ..
                        لنفترض أن كاتب مسلسلات حانقا على بعض العرب ، لأنهم لم يحققوا له ما يريد في مجال "البيزنس " المسلسلاتي ، فهل يستحق ذلك أن ننفى عن مصر عروبتها وإسلامها ، ونرفع المذكور إلى مرتبة سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم –الذي يفتري عليه المفترون بأنه غيّر من قراره ، وعدّل من رأيه وحوّل القبلة من القدس إلى مكة المكرمة ، كما افترى المفترون على عمر بن الخطاب ، وادّعوا أنه أوقف حد السرقة في في عام الرمادة، ومنع نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة ؟ أين وجه المقارنة بين كاتب المسلسلات صاحب "البيزنس " ، ونبي الإسلام – صلى الله عليه وسلم – الذي لاينطق عن الهوى ويمتثل في أقواله وأفعاله لوحي ربه ؟
                        ثم هل يملك عمر أو غيره أن يوقف حدا من حدود الله ؟ أم نفهم المسألة على وجهها الصحيح ؟ حيث لم تتوفر الأسباب لإقامة الحد على اللصوص ، ولم يعد هناك مؤلفة قلوبهم يستحقون الزكاة ؟
                        ومن هذا اللهو الخفى ما يثيره كتّاب غشاء البكارة والختان والعجز االجنسي من آن لآخر ، حول الإسلام وقيمه ، والتشكيك فيه بمناسبة وغير مناسبة , أحدهم ادعى أن طفله تعلم في حصة الدين بالمدرسة أن المغضوب عليهم في سورة الفاتحة هم اليهود والنصارى ، وأنه رجع إلى بعض التفاسير فوجد كلام الطفل الذي سمعه من مدرّسه صحيحا . وأقام صاحبنا مناحة من أجل تنقية كتب التفسير والتراث من هذه الآراء التي تدعو إلى الفتنة والتطرف والإرهاب !.
                        وبالطبع فإن صاحبنا لا يكلّ ولا يملّ من الكلام عما يسميه حرية الرأ ي، وحق التعبير ، وطلاقة الإبداع ، وكم تبنى الدفاع عن الأعمال المدنّسة التي تسبّ الله والرسول – صلى الله عليه وسلم – والإسلام والمسلمين ، وقد نشرت الصحيفة التي يكتب بها صاحبنا في العدد نفسه، نصف صفحة عن كاهن بإحدي الكنائس المصرية يلعن الإسلام والمسلمين ، وأظنه لن يجد في ذلك غضاضة لأنها حرية تختلف عما يفعله المسلمون الظلاميون في كتبهم ومؤلفاتهم !
                        وأسأله أولا : هل هناك حصة دين أصلا في مدارس مصر الإسلامية ؟ أم إنها انتهت تماما أيام وزير التنظيم الطليعى الذي جعل الإسلام مرادفا للإرهاب والقتل ، وحول مدرسى الدين الإسلامي إلى أعمال إدارية ، وجعل حصة الدين لا تُدرس ولا تضاف إلى المجموع ، وآخر ما تفكر فيه المدرسة ؛ لأنها حصة مستباحة لمدرسى الرياضيات والاجتماعيات والألعاب والرسم ..ومجموعات الدروس الخصوصية !
                        أما المغضوب عليهم ، فهم بالتأكيد يا كاتب الاستنارة ليسوا اليهود الغزاة النازيين الذين يقتلون الفلسطينيين والعرب والأسرى ( برفق وحنان ) ، ويدوسون بالدبابات على الأجساد الحية والميتة ، ويعذبون الآن أحد عشر ألفا من الأسري في سجونهم بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا ( ولكن في إنسانية زائدة عن الحد !).
                        وهم بالتأكيد أيضا ليسوا الصليبيين الاستعماريين الذين دمروا – وما زالوا – أفغانستان والعراق ولبنان ، ومزقوا السودان والصومال ، وزرعوا الفتنة في مصر والجزائر وتونس والمغرب واليمن ، وفعلوا كل ذلك بالدبابات بقنابلهم الذكية ( الجميلة ) وطيرانهم ( الوديع ) وصواريخهم ( الرشيقة ) ودولاراتهم( الخضراء)!
                        ومن قضايا اللهو الخفى التي تصل من خارج الحدود ما قام به وزير الثقافة التونسي ، حين منع ثمانية آلاف عنوان ( إسلامي ) من العرض في معرض الكتاب بتونس الخضراء ، وأعادها من حيث أتت !! ، لأنها – كما قال معاليه – كتب ظلامية !( أين أنتم يا بتوع حرية التعبير .. شكر الله سعيكم ) ،خادم سيده يقول إنه ليس ضد الكتاب الدينى ( كذا ! ) ، ولكنه ضد الكتب الظلامية ؟ ثمانية آلاف عنوان كلها ظلامية " يامفتري"؟ لا شك أن "خادم سيده" تعلم من سادة سيده أن الإسلام هو الإظلام كما سبق إلى ذلك مثقفو الحظيرة في بلادنا ، وقد اقتدي برفيقه الشيوعى المتأمرك في الرباط ( ويسمى الأشعرى !)في منع الكتب الإسلامية من العرض ، وسمح للكتب الصهونية في الوقت نفسه بالوجود !ولكن خادم سيده التونسي ، أضاف إلى ذلك منع المحجبات التونسيات وغيرهن من دخول المعرض أو شراء الكتب .
                        قضايا اللهو الخفى لا تنتهي ، ويفرضها علينا مجهولون أو معلومون مثل المجهولين ، كي ننسى أمورا في غاية ( البساطة !) ؛ مثل الاستمرار في تدمير أفغانستان والعراق ، وقتل شعبيهما بوساطة المرتزقة والقصف الجوي الذي لا يستثني مدنيا أو مقاوما ، مع هدم البيوت والمستشفيات والمساجد ، وذبح العلماء والمخطوفين بعد تعذيبهم بطريقة وحشية يعف عنها الحيوان .. مع سرقة البترول والتراث والثروات ، وزرع الفتنة الطائفية والعرقية ، وإنشاء الكيانات والكانتونات الانعزالية لإقامة دويلات جديدة في الوقت القريب المناسب .
                        ومثل تزويد آية الله محمود عباس رئيس مايسمي السلطة الفلسطينية في جمهورية دحلانستان بستين مليون دولار أمريكي، لاغتيال ( حماس ) وتدميرها ، وإيقاف صواريخ القسام ، كي لا تزعج ( غير المغضوب عليهم حتى لا يغضب كاتب غشاء البكارة ) ، وإنهاء قضية اللاجئين والقدس والمياه، اكتفاء بجمهورية دحلانستان !
                        ومثل – وهو الأهم – الانتهاء من قانون الأحكام العرفية الذي نصت عليه التعديلات الدستورية الأخيرة ؛ وهو القانون الذي سيجعل أمين شرطة يقبض على أمين الجامعة العربية دون إذن من النيابة ؛ بتهمة الإرهاب ،أو أية تهمة تعجب سيادته!!
                        وما زال الإعلام مشغولا بقضايا اللهو الخفى ، وطشة الملوخية ، ولحم البعرور ، وشرب البول ، وتجليات شرم الشيخ الشقيقة !

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #27
                          الأدب الأفغاني الإسلامي

                          بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                          ............................

                          يظل العالم العربي في حاجة إلى تعرف آداب الشعوب الإسلامية في آسيا وإفريقية ، على الأقل من باب الواجب المعرفي ، فقد اهتم الأدباء العرب ونقادهم بالانغماس في المركزية الأوربية وما يحيط بها من آداب تابعة لها بحكم الثقافة أو اللغة أو الدين ، ومن المفارقات أن الأدباء العرب مثلا يعلمون عن أدب أمريكا اللاتينية الكثير ، ولا يعلمون إلا القليل عن الأدب الفارسي والتركي ، وأعتقد أنهم لا يعلمون شيئاً ألبتة عن الأدب البنغالي أو الملايوي أو الإندونيسي ، بل إنهم لا يعرفون أدباً أو أدباء في بلاد تنتمي إلى الجامعة العربية مثل الأدب الصومالي أو الأدب الجيبوتي أو الأدب في جزر القمر . قد يكون الانبهار بالمركزية الأوربية من وراء إهمال الآداب في العالم الإسلامي ، وقد يكون توجه النخبة المعادي للثقافة الإسلامية عموماً من وراء البعد عن آداب شعوبها .. ولكن المحصلة في النهاية هي الجهل شبه التام بآداب الشعوب الإسلامية ، وخاصة ما صدر منها عن تصور إسلامي أو رؤية إسلامية .
                          ولعل المشروع الذي أخرجته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية إلى الوجود للتعريف بآداب الشعوب الإسلامية يعدّ الأول من نوعه في هذا المجال ، فقد رتّبت عمادة البحث العلمي لنشر سلسلة آداب الشعوب الإسلامية ، وبالفعل ظهر من هذه السلسلة عدة دراسات مهمة ؛ عن الأدب التركي، والأدب الأوردي ، و الأدب الأفغاني ، ورابعها عن الأدب الأوزبكي، وكلها تؤصل للأدب الإسلامي في تركيا والباكستان وأفغانستان .. وقد اخترت الدراسة الثالثة لأقدمها إلى القراء بحكم أن كثيرا من القراء العرب يفتقدون النصوص الأدبية الأفغانية الإسلامية بين أيديهم . وجدير بالذكر أنني قدمت منذ سنوات وعقب الاحتلال السوفياتي لأفغانستان الذي وقع عام 1979م دراسة حول شعر الشاعر الأفغاني العظيم " خليل الله خليلي " ، ومن خلاله عرّفت ببعض ملامح الأدب الأفغاني الإسلامي المعاصر ، وخاصة ما تعلّق منه بمقاومة العدوّ الشيوعي المستعمر ، وأتباعه من الشيوعيين الأفغان الذين نشروا الإلحاد والموت والقهر والدمار في شتى أرجاء أفغانستان !
                          الدراسة التي بين أيدينا من تأليف وإعداد وترجمة الدكتور " محمد أمان صافي "، وتنطلق من الوحدة الحضارية والثقافية للمسلمين بوصفها وحدة حضارية أصيلة وثقافة إسلامية مستقلة ، والأدب هو الشاهد على هذه الوحدة ، فروحه وتصوّراته ورؤاه تصدر عن منبع واحد هو الإسلام ، ولا يؤثر في ذلك ما تنتجه النخبة المتغرّبة في البلاد الإسلامية ، فأدبها هو الاستثناء المخالف الذي يثبت الوحدة الحضارية والثقافية للمسلمين .
                          لقد صمدت الأمة الإسلامية في وجه النكبات والغزوات التي ألمت بها ، وجعلتها شيعاً وأحزاباً؛ بفضل الله أولاً ، ثم بفضل أدبها الإسلامي الذي عبر عن فكرها المشترك ومشاعرها الواحدة ، وتاريخها الواحد ، وهو ما جعلها تستمد من هذا الأدب أصالتها ورسوخها في النضال والكفاح والصمود ، وتفوّت على الغزاة والطامعين فرصة إبعادها عن دورها الحضاري الإسلامي ، أو قطع صلتها بالتراث الإسلامي العظيم .
                          إن الأدب الأفغاني من أهم الآداب الإسلامية ، وأعظمها فائدة ، وأجملها متعة ، وأصدقها رواية ، ونصوصه كل شيء إسلامي للإنسان عامة، وللمسلم خاصة، تقدم البناء الفكري والسلوكي والذوقي ، وتقدم المتعة الجمالية، والقيم الإنسانية ، والمنفعة التعليمية ، والعذوبة الفنية ، والتسلية النفسية في بيان إسلامي ساحر جميل . إنه أدب جدير بالاهتمام ، وجدير بالترجمة .
                          وإذا كان الأدب العربي هو الجناح الأول للأدب الإسلامي ، فإن جناحه الآخر يتمثل في آداب الشعوب الإسلامية غير الناطقة بالعربية ، ولا يجوز أن يبقى الجناح الأول بعيداً عن الجناح الآخر ، أو العكس ، فبالجناحين يستقيم التحليق في الآفاق الأدبية الإسلامية ... وبالترجمة يمكن فتح باب جديد واسع في الأدب الإسلامي مازالت دروبه بكراً ، ومازالت دراساته وساحاته ميادين واسعة للباحثين والدارسين والمترجمين .
                          يحدد الدكتور " محمد أمان صافي " خصائص الأدب الأفغاني الإسلامي ومميزاته في النقاط التالية :
                          1 – هو أدب إسلامي عريق نشأ في ظلال الإسلام ، وتحت رعاية اللغة العربية ، وكانت العناية به إسلامية أفغانية ، وكانت نهضته وتطوره مبنيتين على الأسس والمبادئ الإسلامية . وقد نشأ نشأة إسلامية في منبت إسلامي طيب ، وفي شعب شديد التماسك بالإسلام يأمر الشعراء والأدباء والكتاب بالتقيد الشديد بالتزام قواعد الإسلام ، وتطبيقها في القول والفعل ، كما يأمرهم ويحضهم على الالتزام بالخلق القويم .
                          2 – وهو أدب ينطلق من التصوّر الإسلامي للخالق العظيم ، وللإنسان والكون المحيط بالإنسان ، وللحياة التي يعيشها ، ويدعو الإنسان إلى عبادة الخالق العظيم في هذه الحياة ، ليس هذا فحسب بل يقوم برسم معالم الطريق الرئيسة ليسلكها في رحلة حياته الطويلة ، فلا غرابة أن نرى الروح الإسلامية تسري في عروقه المعنوية والصورية ، إنه أدب يهتف في شعره ونثره بعظمة الإسلام ، ويدعو بقوة إلى التمسك بأهداب الدين الإسلامي حيث إنه طريق النجاة من الضياع .
                          3 – واقع الأدب الأفغاني واقع إسلامي ، منه يستقي قيمه وسلوكياته ، وعليه يعتمد في واقعه الأدبي ، حيث إنه لا يعرف العيش في أبراج عاجية بعيداً عن الحياة والناس . والحياة في منازل الأفغان حياة إسلامية ، والناس فيها مسلمون شديدو التمسك بالإسلام . ولابد للأدب أن ينفعل بالحياة والأحياء تأثراً وتأثيراً ، وقيود الواقع الحيّ تشدّه شدًّا إلى أن يقوم بتصويره وتجسيده ، فيصبح على واقع الحياة والأحياء ، حلوه ومرّه .. إنه أدب إسلامي حاول على مدى تاريخه العريق أن يقدم وصفاً مطابقاً للواقع ، وأن يعكف على دراسة مشكلات الحياة الإسلامية ، ومناقشة حلولها الإسلامية ، وجعل من واقع الحياة مصدراً استقى منه أعماله الأدبية بحيث يمكننا أن نرى فيه صورة صادقة وواقعية للحياة الإسلامية .
                          4 – الأدب الأفغاني مظهر من مظاهر الانتماء الإسلامي في أجلى صورة، ومظهر التغنّي بأمجاده ومآثره التاريخية الممتدة في جذور انتمائه إلى أعمال التاريخ ، وفي اعتزازه بالإسلام وبقيمه ومثله العليا . وقد واجه بقوة محاولات القضاء على مظهر الانتماء الإسلامي ، ولم تتمكن مظاهر التغريب من التغلب عليه ، بل قاومها ودافع عن المظاهر الإسلامية .
                          5 – الأدب الأفغاني الإسلامي أسهم في إقامة المجتمع الإسلامي وفي تكوين الفرد المسلم ، وفي غرس الولاء الإسلامي ، وفي تنمية المسؤولية الإسلامية، والحرص الشديد على الذوق الجمالي الإسلامي ومجابهة الأفكار الهدّامة ، وتأكيد العبودية لله ، والمشاركة في مظاهر بهجة المسلمين وسرورهم بالانتصارات في الفتوحات الإسلامية ، وفي تصوير تلك الفتوحات والانتصارات في القديم والحديث ، وقد وفق الأدب الأفغاني في تصوير هذه الغايات والأهداف النبيلة في الإطار الذي حدّده الدين الإسلامي ، وهي غايات وأغراض جميلة تدور حولها الدراسات الأدبية في عصرنا الحاضر . لقد ظل الأدب الأفغاني الإسلامي يؤدي دوره لخدمة الإسلام دون أن تحطمه حملات المذاهب المادية !
                          6 – إن الأدب الأفغاني الإسلامي في جملته أدب إسلامي الأساس والمنطلق ، إسلامي الواقع والمظهر والانتماء ، إسلامي الإسهام في إقامة المجتمع وتربية الفرد . ومع ذلك فإن بعض الأدب الأفغاني ضل الطريق وشذّ عن الجادّة الإسلامية ، ولا قيمة لهذا " البعض " أما رسوخ الأدب الإسلامي الذي يمثّل الصورة الغالبة . " ويكفيه فخراً أنه ليس في أدب الناطقين بالأفغانية مكان للكافر والكفر " !
                          هذه الخصائص والمميزات التي ذكرها الدكتور " محمد أمان صافي " يترجمها إلى واقع عبر صفحات دراسته من خلال النصوص الأدبية الأفغانية الإسلامية ، ومن خلال إطلالة ضافية تتناول تأثير الإسلام في نشأة اللغة الأفغانية ( البشتونية = البختونية ) وكتابتها بالحروف العربية بعد أن عادت إليها الحياة ودبت فيها الحركة ، وهجرت نهائيا الهجائية القديمة التي كانت تستخدم في كتابتها .. ثم تركّز الدراسة الحديث عن الشعراء والأدباء الأفغان الإسلاميين في كل فترة من تاريخ الأدب الأفغاني ، وبيان ما أجادوه في الأدب الإسلامي من الأفكار والتصوّرات والأخيلة ، وما صوروه في شعرهم من المعاني والمفاهيم الإسلامية ، مع الاعتماد على الشواهد الأدبية ، ونقلها من الأفغانية إلى العربية ، وهذا في الحقيقة يمثل رحلة الأدب الأفغاني عبر القرون .
                          ويمثل القسم الثاني من الدراسة لبّها وجوهرها ، أو نموذج الأدب الرفيع للأدب الأفغاني الإسلامي ، وبعد مقدمة تاريخية حول الجهاد الأفغاني الإسلامي ، فإن الدراسة تدعونا لمعايشة أجمل نماذج الشعر والنثر التي قالها الشعراء والأدباء الأفغان المسلمون ، خاصة في ظل الاحتلال الشيوعي الروسي وأتباعه من الشيوعيين الأفغان .
                          وكان من توفيق الباحث أنه وضع النصوص المترجمة باللغة البشتونية ، ليستزيد القراء والباحثون الملمّون بهذه اللغة من متعة الاطلاع عليها ، والتغلغل في جماليّاتها .
                          ويصعب في هذه الكلمات الموجزة أن نلمّ بجميع ما أورده الباحث من نماذج أدبية تتناول الجهاد الأفغاني قديماً وحديثاً ، ولكننا سنكتفي بالوقوف أمام بعض الشعراء والكتاب من الأدباء الإسلاميين الأفغان المعاصرين الذين آثروا أدب الجهاد الإسلامي بقصائدهم وكتاباتهم .
                          وينبغي أن نتذكر أن الشيوعية الأفغانية أشدّ الشيوعيات عداوة للأفغان ، وكرها للإسلام ، وحقداً على المسلمين ، تضع في طريق القيم الإسلامية ، والأفغانية كل العقبات والعراقيل ، وقد استعانت بالروس الغزاة ، وقامت بإنزال المحن بالمسلمين ، وأعدمت كثيراً من الأبرياء ، أو اعتقلتهم ، وشردت الآمنين ، وذلك بعد أن قفزت على كرسي الحكم في كابل ، وبعد أن احتل الروس أفغانستان بالقوة . وقد لعب الحزبان الشيوعيان : خلق وبرشام دور العملاء في هذه العمليات الإجرامية .
                          لم يكن أمام الشعب الأفغاني المسلم إلا القيام بالجهاد الإسلامي لمواجهة القهر والقمع والتنكيل التي تمت فيها ممارسة أشرس أساليب المقاومة الإسلامية ، وأشدّها فتكاً وتأثيراً . وبدأت مسيرة الجهاد الأفغاني إسلامية ، وانطلقت إلى كل الآفاق دفاعاً عن الدين والوطن .
                          لقد استشهد الباحث في سياق الجهاد الأفغاني الإسلامي المعاصر بأشعار وكتابات عدد كبير من الشعراء والأدباء ، منهم : عبد الله غمخور ( الحزين ) والشيخ عبد الباري غيرت ، وحبيب الله رفيع وديدار خان أحمدزي ، وجوهري ، وعبد المتين تسكين ، والصادق كل زرك زردان ، وغمجين ( الحزين المتألم ) ، ومحمد يونس خالص ، وقيام الدين كشاف ، وتوريالي زازي ، وعيسى محمد ، ومحمد عارف غزوال ، وسيد محيي الدين هاشمي وعبد رب الرسول سياف ..
                          كنت أتمنى أن يستعرض الباحث بعض أشعار " خليل الله خليلي " ، ومع أنه أشار إليه في سياق البحث ، ووصفه بالشاعر العظيم ، فقد كنت أتمنى أن يحظى منه ببعض الاهتمام وتقديم بعض النماذج الشعرية له . ولا أدري سبباً معقولاً يجعله يتجاوزه ، فقد غنّى الشاعر خليلي لأفغانستان غناء عذباً شجياً دامعاً ، وهو في مهجره بعيداً عن وطنه ، محروماً منه ، ملهوفاً عليه .
                          قدم الباحث الشعراء والأدباء الأفغان الإسلاميين من خلال نبذة قصيرة تتناول سيرتهم وإنتاجهم الأدبي ، مع تقديم نماذج شعرية أو أدبية ، واتسعت هذه النبذة أحياناً وضاقت في أحيان أخرى ، وفقاً لمستوى الشاعر أو الأديب ومقدار إنتاجه الشعري أو الأدبي .
                          وقد بدأ البحث المرحلة المعاصرة للجهاد الإسلامي الأفغاني بالشاعر عبد الله بن عبد الودود – الملقب بغمخور – أي الحزين – الذي يبدو أكبر الشعراء المعاصرين سنَّا حيث ولد عام 1921م = 1339هـ في ولاية كونر ، بمنطقة جميلة رائعة في أحضان الظلال الوارفة ، وعبير الأشجار الخضراء الناضرة .
                          عاش غمخور في بيت علم وزعامة ، وفي بيئة متوسطة الحال . اشترك والده الحاج عبد الودود، وعمه الشيخ عبد الرحمن في حرب الاستقلال في عهد الملك أمان الله خان ، الذي أعلنها ضد الإنجليز في الهند .
                          عمل غمخور في السلك الحكومي الإداري ، وخاصة إذاعة كابل ، وتشبع بعداوة الإنجليز، وبشعور العطف والشفقة على الناس ؛ وهذه المشاعر تبدو واضحة في شعره . ويمتاز غمخور بثقافة متنوعة تركت آثارها على إنتاجه الأدبي ، ونظراته النقدية ، ساعدته على إجادة الكتابة وقول الشعر، وإنتاجه الأدبي يجمع بين السلامة والقوة ، وبين وضوح الفكرة وعمقها . قال عنه الأستاذ " خليل الله خليلي " شاعـر أفغانستان العظيم : " إنه شاعر قدير ، زوّد الأدب الأفغاني بمجموعة من شعره النفيس " . وقال عنه " سيد شمس الدين مجروح " ، وزير العدل الأسبق في أفغانستان ، وأحد علمائها وأدبائها المشهورين : " يكمن في شعر عبد الله غمخور كثير من الدرر واللآلئ المبتكرة " . وقال عنه الأديب " هميش خليل " المؤلف والمحقق الأفغاني : " إن الشاعر عبد الله غمخور يدافع عن هوية بلاده بفمه وقلمه وقدمه .. إنه شاعر ومقاتل ومجاهد " .
                          (يتبع)

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #28
                            لقد صور واقع الجهاد الأفغاني الإسلامي بمنتهى الدقة والوضوح ، ودون مواربة ، ودعا المجاهدين إلى النهوض بمسؤولتهم ، وحمل الأمانة ، والاتحاد إن أرادوا النصر على الأعداء ، وقد انتقد كثرة الزعامات وإضاعة الوقت والهدف . يقول :
                            لقد كثر الكلام وتعدد الأفواه وفقد الهدف
                            زادت المؤتمرات وزادت الحكايات وفقد الغرض
                            ويقول :
                            لا تسألوا عن جنون الزعامة وهوسها
                            لقد فقد أصحاب القلوب ما يشغل القلوب !
                            فقد أصل " غمخور " في أشعاره المتنوّعة لفكرة الحماسة والجهاد من خلال التصور الإسلامي ، حتى في شعره الذي أنشأه في الموضوعات الوطنية :
                            إنني عبد الله ذاهب إلى التضحية بنفسي
                            لقد ثرت غيرة على الإسلام وغيرة على الأفغان
                            إنني قد قمت بصيحة التكبير لأجل الإسلام
                            وقمت بالرحيل مع الأسرة لأجل شعبي ..
                            وفي قصيدة بعنوان " اليوم الدامي " يصور شكواه المرة الحزينة التي أثارتها مشاهد الجرائم الوحشية التي ارتكبها الشيوعيون ضد شعبه . يقول فيها متحدثا عن حزب " خلق " الشيوعي :
                            كلتا يديه مخضبتان بدمائنا الوردية بوضوح
                            وكل أسنان فمه الفاغر محمرة بلحومنا
                            لا تقل ، إنها أعلام حمراء للشيوعيين " الخلقيين "
                            بل إنها ثياب صدورنا الحمراء التي قطعت
                            ليست قطع القماش وحدها تبدو ملونة بدمائنا القانية
                            بل الأسواق أيضا محمرة بدمائنا النازفة الغارقة
                            إن مصاصي الدماء ممن يعبدون لينين اعتدوا علينا
                            فاحمرت البيوت ، بل القرى والمساجد بدمائنا الوردية
                            ويستمر الشاعر في الإنشاد مستثمرا ببراعة المفارقة بين لون الدم ، وشعار الشيوعيين ، حيث يرى الحمرة صبغت كل شيء في أفغانستان ، لأنها صارت دما ينزف في كل شبر من أرجائها ، وليس مجرد راية حمراء يرفعها الشيوعيون .. حتى يصل في بعض أجزاء القصيدة إلى القول :
                            الآن مات المحراب والمنبر
                            لأن أعلام الملحدين المعلقة مصبوغة بالحمرة الدامية !
                            ويسجل " غمخور" آلام الهجرة والأنين الذي انتشر في حدائق الطيور ، والدماء القانية التي صارت رداء للوطن ، في قصيدة ملحمية طويلة تبشر بالأمل القادم والنصر الموعود ، والنور الذي سيشرق من جديد ، وسينجو العالم من براثن ذئاب لينين . ولا ينسى " غمخور " وهو يرصد الألم ويبشر بالأمل أن يلتفت إلى زعماء الجهاد وخلافاتهم المؤسفة ، فيبكتهم ويستنكر أفعالهم ويحذرهم من ضياع الدين والوطن :
                            لماذا تركتم الجهاد أيها الزعماء وبدلتموه
                            بصيحات ونعرات الاتحاد .. الاتحاد الفارغة ؟
                            يا جياع الثورة وعشاق المال اسمعوا القدر :
                            إن دين الأفغان ودنياهم قد ضاعا .. وضاعا !
                            ومع متابعة " غمخور " لحركة القادة المجاهدين وما يحدث بينهم من خلافات ، فإنه يشيد دائما بالمقاتلين المسلمين الأفغان ، ويبارك انتصارهم على الشيوعيين الملاحدة ، وله قصائد طويلة في هذا السياق منها قصيدته الجميلة التي يهنئ فيها الشعب في " كونر " بانتصاره وبطولاته ، يقول في ختامها :
                            أيها الفجر الجديد للحياة الجديدة ، لك التهنئة
                            لقد نفذت البطولة الكبرى ، فلك التهنئة .
                            وعندما انتصر الأفغان وتم طرد الروس بعد هزيمتهم الفاضحة ، قال " غمخور " مقطوعة قصيرة لها دلالتها العميقة مخاطبا المجاهد الأفغاني المسلم المنتصر :
                            أحدث سيفك وقع رجع الصدى في العالم ، بورك فيك
                            وأخرجت الروس من ترابك الطاهر ، بورك فيك
                            فأصبح بذلك دور " آريانا " التاريخي مفتوحاً يا ابن الأفغان
                            كيف أمكنك التغلب على هذا المارد ؟ ، بورك فيك
                            من الشعراء المهمين الذين ترجم لهم الكتاب ، الشاعر " غمجين " ، ومعنى اسمه : " الحزين المتألم " ، وهو من المتخصصين في الإنشاد في موضوعات الجهاد الأفغاني . وموضوعاته نماذج أدبية إسلامية سامية الهدف ، عالية الأسلوب ، وهي ألصق بالجهاد الذي أصبح من الحياة اليومية للأفغان .
                            وديوان " غمجين " الذي أسماه " جهاد جذبه = جاذبية الجهاد " مرآة لحياته الجهادية الصادقة ، تكمن فيه أبعاد شخصيته الأدبية ، وصراعات الجهاد وانتصاراته ، ولغته الشعرية التلقائية ؛ وهي لغة حية دافقة ، زاهية ولكنها بسيطة بساطة طبعه وحياته ، عميقة وصافية صفاء جوهره ، وفيها جميع عناصر الحياة من الجهاد بمشاهده ومناظره وانتصاراته . إنه كائن حيّ داخل تشكيلة الحياة الجهادية المتحركة بكل أبعادها وأشكالها وقوالبها المتأرجحة بين تقدم للهجوم وتأخر للإعداد .
                            إن جرأة التناول ، وطراوة الخيال ، واتساع الأفق بعض ما تميز به الشاعر " غمجين "، فقصائده ذات علاقة وثيقة وطيدة بالأجواء والأحوال السائدة في أفغانستان . وشعر " غمجين " الجهادي ممتلئ بتفاؤل عميق ، وهو مثل الشعراء الأفغان الآخرين ، يؤمن بأن النصر في النهاية من نصيب الجهاد ، وأن حكومة إسلامية ملؤها السعادة والإشراق ستنهض في بلاده ؛ لذا نراه يلح على الجهاد والمجاهدين والفدائيين .
                            وفي قصيدته " الفدائي الطاهر " يقول :
                            لا خوف عندي من قصف القنابل ولا من الغاز السام
                            مائة حسرة وأسف على الموت الذي يتم اليوم
                            عندما يلفظ الإنسان أنفاسه في حضن أمه بدلال
                            يا " غمجين " إن الصفقة لإحدى الحسنيين
                            الفدائي النقي الخالص إما أن يكون شهيدا ، وإما غازيا
                            ويتعجب " غمجين " ، خداع الشيوعيين المحليين ومكرهم ، فيكشف أساليبهم وألاعيبهم ، ويتحدث في قصيدته " لون البقرة أسود ولبنها أبيض " عن " نجيب الله " الحاكم الشيوعي وكلامه المعسول ، فيقول :
                            مهما يتحدث " نجيب " عن قصص الود والحب
                            الشائقة العذبة ذات الدلال واللطف الكثير
                            من أجل خداع عامة الناس بمكر وحيلة
                            وهي قصص مملوءة بالفساد ، وملونة للإضلال
                            يجد نفسه بأنه في عداد المسلمين من غير وضوء
                            ومن حوله يقف الروس الحمر يحملون السياط
                            كيف يمكنه إخفاء الشمس المشرقة بإصبعين
                            الكل يعلم أن لبن البقرة السوداء أبيض
                            ما دام هو يحمل في أذنه حلقة العبودية للروس
                            أقوم أنا " غمجين " فأشرب من الحزن دم مهجتي
                            ولا ريب أن حرارة الشعر لدى " غمجين " والشعراء الأفغان الإسلاميين ، ترتبط ارتباطا وثيقا بصدق مشاعرهم وصفاء أحاسيسهم وتعبيرهم عن التجربة الشعرية من داخلهم ، ولعل ذكر الشاعر لاسمه ، أو جعل نفسه طرفا في بناء القصيدة الإسلامية الأفغانية من وراء هذه " الحرارة الشعرية " .
                            يشغل النثر في دراسة الدكتور " محمد أمان صافي " حيزا محدودا ، ويتوقف عند الكتاب والأدباء الذين كتبوا المقالة وحدها ، لذا لم يقدم من النثر الأفغاني الإسلامي إلا نماذج للمقالة ، واختفت الأجناس النثرية الأخرى ، مثل القصة القصيرة والرواية والخطبة والخاطرة والمسرحية والحوارية ... وكان يمكنه أن يثري هذا الجانب لو قدم بعض النماذج أو أشار إليها بالعرض أو التلخيص ، وسبق أن قدمت " لمرال معروف " روايتين ، الهجرة إلى أفغانستان " التي ترجمها " محمد حرب " ، ورواية " معسكر الأرامل " التي ترجمتها " ماجدة مخلوف " وقد طبعتها رابطة الأدب الإسلامي ، وهما من الأدب الأفغاني الإسلامي المتميز .
                            تقدم الدراسة عددا من أدباء المقالة في أفغانستان ، منهم الزعيم محمد يونس خالص ، والشيخ قيام الدين كشاف ، والأديب توريالي زازي ، والأستاذ عيسى محمد ، والأستاذ محمد عارف ، والأستاذ سيد محيي الدين الهاشمي ، والأستاذ عبد رب الرسول سياف ، كما سبقت الإشارة .
                            يقدم من الكتاب الزعيم محمد يونس خالص ، ولعله أكبر الأدباء الناثرين سنّا ، فهو من موليد 1298هـ 1919م بولاية ننكرهار بشرق أفغانستان ، وهو من زعماء المجاهدين ، ويكاد أن يكون مدرسة تتعانق فيها أساليب القتال بأساليب الأدب .
                            قضى الشيخ محمد يونس خالص حياته في تدريس العلوم الإسلامية والعربية ، وإلقاء الخطب الدينية والإمامة في المساجد، بالإضافة إلى إذاعة الأحاديث الخاصة بتفسير القرآن الكريم من الإذاعة الأفغانية والكتابة في الجرائد والمجلات نثرا وشعرا .
                            وقد هاجر إلى بيشاور ، وانضم إلى " الحزب الإسلامي " بزعامة حكمتيار ، ثم انشق عليه عام 1979م ، وأسس حزبا خاصا به يحمل اسم " الحزب الإسلامي " أيضا . وشارك – مع تقدمه في السن – في كثير من عمليات الجهاد التي قادها بنفسه ، وإيمانه لا يتزعزع بانتصار الثورة الإسلامية الجهادية في أفغانستان ، وقيام حكومة إسلامية صحيحة فيها . وله مجموعة كبيرة من الآثار الأدبية والفكرية أهمها " الدرر الدينية ، وروح الاجتماع ، والدين والتمدن الإسلامي ، والإسلام بين العلماء الضعاف والشباب الجاهل ، ومن النماذج التي كتبها خالص مقالة " خائن الشعب " التي نشرها في مجلة " بيام حق " رسالة الحق التي كان مديرها المسؤول ؛ وجاء فيها :
                            " خائن الشعب هو الذي يقوم بالقضاء على لغة الشعب وعاداته المفيدة، وتقاليده الشعبية، ويقوده إلى تقليد الأجانب .
                            هو الذي يخلق التفرقة والحقد بين أفراد الشعب، ويفرق بينهم بتميزات مخالفة للعدالة .
                            هو الذي يقتل في الشعب مشاعره الدينية الحقة، ويقضي على الشعائر، والتعاليم، والمحاسن الدينية .
                            إنه ذلك الذي يضحي بأموال الشعب، وأعراضه، ودمائه في سبيل تلبية رغباته الشخصية، ومطالبه النفسية .
                            هو ذلك الذي لا يتحرك غيره على ناموس الشعب . إنه ذلك الذي يقضي على شخصيات الكثيرين لأجل رفع شأن شخصيته الخاصة .
                            هو الذي يتهم كثيرين من الأبرياء لينالوا الجزاء باسم المجرمين لإثبات مصالحه الخاصة . هو ذلك الذي يقوم في بلده بالدعاية للأجانب ، ويعمل لمصلحتهم .
                            إنه ذلك الذي لا يقدر الشخصيات البارزة في بلده ، وينظر إلى شخصيات الأجانب بتقدير واحترام، وهم لا شخصية لهم .
                            هو ذلك الذي ... "
                            وواضح من هذا النص أنه يشير إلى الحاكم الشيوعي لأفغانستان، أي حاكم، سواء كان طرقي، أو حفيظ الله ، أو كارمل، أو نجيب .. فهذه الصفات الواردة في المقالة تنطبق عليه وتختص به .
                            إن الأدب الأفغاني الإسلامي، يحتاج فيما أتصور إلى دراسات أخرى موسعة تتناوله بالدرس والتحليل، واستخراج مكنوناته ومميزاته ، والإضافة إلى ما كتبه الدكتور " محمد أمان صافي " ، بالبحث عن الشعراء والكتاب الذين لم يرد لهم ذكر أو نص في دراسته .
                            وتبقى هذه الدراسة خطوة مهمة على طريق التعريف بآداب الشعوب الإسلامية عامة ، والأدب الأفغاني الإسلامي خاصة، نأمل أن تتلوها خطوات أخرى موفقة إن شاء الله تعالى .

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #29
                              الكُتَّاب الماسون.. وإلغاء الشريعة!!

                              بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                              ........................

                              في ظل الحملة الصليبية العاتية التي تشنها الولايات المتحدة والغرب ضد أمتنا الإسلامية يقوم الماسون ومعهم الكتاب اليساريون المتأمركون بدور خائن بشع بل أشد بشاعة وخاصةً حين يعلنون أنَّ مصرَ المسلمةَ لا بد أن تتخلى عن دينها وتاريخها وتراثها، وتلحق بذيلِ المدنية الصليبية المتوحشة حتى يكون لها قيمة، ووجود حقيقي، في المستقبل المنظور وغير المنظور.
                              والقارئ الذي لم يسمع عن الماسونية قد يظنها حركةً مفيدةً تخدم المجتمعات مثل حركات المجتمع المدني الأخرى، والحقيقة أنَّ الماسونية حركة هدَّامة منذ نشأتها، وقد خدعت بشعاراتها في القرن التاسع عشر نفرًا من كبارِ القادةِ الإسلاميين والوطنيين الذين بهرتهم شعاراتها الإنسانية فظنوها بابًا للخير، بينما كانت في حقيقةِ الأمر أكبر مؤامرة على الإسلامِ والإنسانية جميعًا!
                              إنَّ الماسونيةَ ترفع شعار (الحرية والمساواة والإخاء)، وهو شعار برَّاق رفعته الثورة الفرنسية في الوقتِ الذي كانت فيه الدماء الفرنسية تجري أنهارًا وكانت المقاصل لا تتوقف عن الأزيز وهي تفصل الرءوس عن الأجساد، والمفارقة أنَّ الماسونيةَ لا تعمل في العلنِ إلا من خلال بعضِ المنظمات المشتبه بها مثل أندية الروتاري والأونرويل وغيرهما من الأنديةِ والمؤسسات التي تعمل في العلنِ بحجةِ جمع التبرعات لأعمالِ الخير مع أنها تستخدم معظم هذه التبرعات لإرغامِ المؤسسات الصحفية والإعلامية والسياسية والاجتماعية المؤثرة على عدم المساسِ بالصهيونية، وفي الوقتِ نفسه توجهها للدعوة إلى الإلحاد ومحاربة الأديان- عدا اليهودية طبعًا - ونشر الإباحية والتحلل، والمتاجرة بجسد المرأة وهدم الروابط الأسرية والعائلية.
                              إن تاريخ الماسونية غائرٌ في أعماق التاريخ، وقيل إنه يبدأ من عهد المسيح عليه السلام، وتجدد في القرن الثامن عشر وازدهر منذ هذه اللحظة حتى الآن، وخاصةً بعد قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، وللماسون برغم تنظيمهم السري للغاية فضائح تفجَّرت في بعضِ الدول الأوروبية، منها على سبيلِ المثال ما جرى في إيطاليا في الثمانينيات من خلال فضيحة المحفل الماسوني بي- 2.
                              ولأن الماسونية تعمل في الخفاء وتجند كبار رجال المجتمع من مختلف الفئات والتخصصات، فهي تتخذ من الشعارات والرموز ما يتوافق مع منهجها الشرير في الهدمِ والتخريب مثل استخدام النجمة السداسية والشمعدان ذي السبعة أفرع، ويقسم العضو الذي ينضم إليها بعد تحرياتٍ سريةٍ دقيقةٍ على التوراةِ والخنجرِ المدبب المتجه إلى الصدرِ في غرفةٍ مظلمةٍ حتى لا يرى الحاضرين من الأعضاءِ القدامى.
                              إنهم يستخدمون عبارة مهندس الكون الأعظم وهي عبارة وردت بالنص في التوراة .. وكل هذا وغيره يؤكد صلة الماسونية بالصهيونية صلة وثيقة وإستراتيجية.. وقد صدر في إنجلترا هذا العام 2005م كتاب جديد تحت عنوان "الأخوة" يُعدُّ أخطر كتابٍ يتمتع بالمصداقيةِ والمرجعية الموثقة يتناول فضائح الماسون وإجرامهم ويكشف عن بعضِ زعمائهم الذين أصابوا الإنسانية بشرٍ عظيمٍ؛ ومنهم على سبيل المثال الرئيس الأمريكي هاري ترومان الذي أمر بإلقاءِ القنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكي في اليابان في الحربِ العالمية الثانية مع أنَّ اليابان كانت على وشكِ الاستسلام!!
                              إنَّ الاستغراقَ في تاريخ الماسونية وممارساتها الإجرامية التي تتم في الخفاءِ وانكشف بعضها للناس يحتاج إلى مئات الصفحات، ولكن النتيجة الختامية تؤكد أنَّ الماسونيةَ مصدرُ شرٍّ كبير، وأنَّ شعاراتها مجرَّد خديعة كبرى للأغرار أو الذين لديهم استعداد نفسي للانحلالِ والجريمةِ والتمييز!
                              والمشكلة التي تواجه الأمة الإسلامية هي انجراف أعداد كبيرة من صناع القرار والكتاب المؤثرين والشعراء والمثقفين إلى المحافل الماسونية، وهدفهم الأساس ازدراء الإسلام وتحقيره والسعي لاستئصاله، وقد وافق ذلك هوى مع بعض الحكوماتِ في البلادِ الإسلامية التي تسعى لاستئصالِ الإسلام بحجةِ مقاومة الإرهاب في حين أنها تُريد استئصاله لهدفٍ آخر بوصفه عنصرَ المقاومة الباقي والأقوى ضد استبدادها ولصوصيتها وقسوتها على شعوبها.
                              والكُتَّاب الماسون- ومعهم الكُتَّاب اليساريون المتأمركون- غايتهم الأولى في معظمِ كتاباتهم هي التشهير بالإسلام سعيًا لاستئصاله أو إقصائه من الحياة العامةِ على الأقل، وإحلال البديل الماسوني الذي يقوم على نشرِ الإلحاد أو تحويل الإسلام إلى مجرَّد قشورٍ لا قيمةَ لها بحيث يكون التدين الشكلي بديلاً عن التدينِ الحقيقي، فضلاً عن نشرِ الإباحية والترويج لمفهومِ الفردية الذي يتناقض مع مفهوم الجماعة والتماسك الأسري والعائلي والوطني والقومي والإسلامي، والسعي للتمييز بين الطبقات الاجتماعية والفئات المهنية.. وبالنسبة للإسلام فقد كانوا في البدايةِ يُناقشون قضايا هامشية في الظاهر، مثل قضية ميكروفونات المساجد، والملصقات الإسلامية على السيارات، والحجاب، والختان والتربية الجنسية ونحوها ويطرحون من خلالها رؤى وتصوراتٍ تقترب من التصورات الصليبية والعلمانية التي تُشكك في حقيقةِ هذه القضايا إسلاميًّا وتُثير البلبلة لدى العامة الذين ليست لديهم دراية بحقيقةِ الدين وتعاليمه إلا من خلال السماع من العلماء وغيرهم.. ثم تشجعوا فيما بعد لينادوا بما يُسمَّى علمنة الدولة وحق المواطنة، والتعريض بنظام الجزية وعدها إنتاجًا إسلاميًّا.. ثُمَّ بعد ذلك تجرءوا على المناداة بإلغاءِ المادة الثانية من الدستور التي تنص على أنَّ دين الدولة الرسمي الإسلام وأنَّ الشريعةَ المصدر الأساسي للتشريع؛ مع المطالبة بحذف خانة الديانة في الوثائقِ الرسمية: البطاقات الشخصية والعائلية وعقود الزواج، ونحو ذلك مما تُصبح بعده الدولة لا هويةَ لها ولا شخصيةَ، ويجري فيها ما يجري في الدولِ الصليبية الاستعمارية من سلوكياتِ وممارسات لا تستند إلى دين ولا تمت إلى عقيدة.. ناهيك عن دعواتِ أخرى تصب في السياق ذاته مثل الدعوة إلى الجندر، وحق الشواذ، وسيادة الأقليات، وعد الإسلام غزوًا استعماريًّا، وتشويه صور الصحابة الذين فتحوا مصر وعدهم غزاة استعماريين...!!
                              ولا ريبَ أنَّ مصرَ المسلمةَ ما زالت متماسكة، وهي إنَّ كانت تصبر على دعواتِ الماسون وأشباههم من اليساريين المتأمركين، فإنَّ الخوفَ من انتفاضتها يظل قائمًا، فالمصريون يتسامحون طويلاً مع أشياء كثيرة ولكني أظنهم أمام استباحة دينهم؛ فإنهم ينتفضون ويدفعون الثمن مهما كان غاليًا.. فهل يدرك ذلك الماسون الذي لم يكتبوا كلمةًَ واحدةً عن مأساةِ الشعب الفلسطيني، بل كانوا مدافعَ مُوجَّهةً ضد مقاومته الباسلة الشريفة وعونًا غير مباشر للصهاينة؟!.

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #30
                                الكتاب: النقد الأدبي الحديث... بداياته وتطوراته
                                الكاتب: أ.د. حلمي محمد القاعود
                                الناشر: الرياض: دار النشر الدولي ـ 2006م.

                                يناقش الكتاب، في مستهله، نشأة النقد العربي القديم وصولاً الى بدايات النقد الحديث على يد حسين المرصفي وآخرين. ويتناول جماعة "الديوان" ورواد المذهب الرومانطيقي، معالجاً ما يسميه التوجه الوصفي التحليلي ونموذجه طه حسين. ويتطرّق أيضاً الى المذهب الواقعي في النقد، وجهود الناقد محمد مندور في هذا الإطار.
                                يتميّز الكتاب في ابتعاده عن السرد الكلاسيكي والتصنيف الجامد للمدارس النقدية. وهو يعزو الضعف العام الذي يتخلل تدريس هذه المادة الصعبة في الجامعات، الى ميل الأساتذة الى جعلها مقصورة، أما على مؤلفاتهم الذاتية، وإما على نصوص محددة تفتقر الى التنوّع وعمق التحليل والمقارنة الحيوية بين الأجناس الأدبية المختلفة. ويرى أن الخطوة الأولى المطلوبة في هذا الاتجاه، تكمن في تذليل الصعاب المتمثلة في الناحية النظرية التجريدية للنقد الأدبي ليتمكن الطلاب من استيعاب مرتكزاتها الأساسية.

                                تعليق

                                يعمل...
                                X