يمشون على الأرض هونا!
بقلم: د. حلمي محمد القاعود
...........................
ينهض الشعب المصري ، وبالتالي الشعوب العربية ؛ إذا كان ارتباطه بالدين وثيقاً وصحيحاً . إذا ضعف هذا الارتباط ووهن وكان مزيفاً ، فإنه يهبط إلى الحضيض ، ويشرب الهزائم حتى الثمالة ، ويتحول إلى حالة من الرّق لا مثيل لها في العالم . لذا أدرك الغزاة والطامعون – على امتداد الزمان - أهمية تفكيك الدين أو تشويهه في وجدان الشعب والأمة !
والارتباط بالدين ، ليس مجرد أداء الصلوات والعبادات الأخرى أداءً آليا بارداً خاوياً من المعنى والمضمون أو الهتاف بها والتعبير عنها تعبيرا شكلياً لا روح فيه ، فهذا تدين شكلي بعيد عن حقيقة الدين ، والعبادات ، ليست كلها الإسلام ، وإن كانت مظهراً له ، فالعبادات جزء رئيسي من دين شامل تلعب فيه الأخلاق والسلوكيات والمعاملات والعلاقات الأسرية والاجتماعية دوراً أساسياً في تشكيل حياة المجتمع المسلم وصناعة مستقبله ووجوده .
ولا يتسق وضع المجتمع الإسلامي في ظل علاقات تقوم على الاستعباد والنفاق والولاء لغير الله ، فهذا المجتمع لا بد له من الحرية الكاملة التي ترتبط بالشهادتين ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، وهى حرية يتخلص فيها المسلم من العبودية لغير خالقه ، وإلا تحول إلى الشرك ومفارقة الإيمان ، ودخل في دائرة أخرى تختلف عن دائرة الإسلام الحق ..
هزائم الأمة الحضارية والعسكرية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبعد عن الإيمان الحقيقي . قد يقول قائل إن غير المسلمين يتفوقون وينتصرون ، وهذا صحيح ، لسبب بسيط ، وهو استمتاعهم بالحرية أو التوافق عليها ، فلا يعبد بعضهم بعضا ، ولا ينافق أحد منهم الآخر ، ولا يواليه .. أما شعبنا ، فإن انهزامه يأتي نتيجة لفقدانه الحرية التي يصنعها الإيمان ، ثم إنه – وفقاً للعبودية لغير الله – لا يستطيع أن يتوافق عليها ، وهنا تكمن مأساته وأحزانه أيضاً !
في المراحل التي يتحرر فيها الشعب من عبودية البشر ، أو الفراعنة كما يحبون تلقيب أنفسهم ، ينتصر ، ويُحقق أمانيه . تأمل انتصاراته على التتار والصليبيين واليهود ، والظروف التي أحاطت بها ، وأبرزها نهضة الإيمان ، التي وصلت ذروتها في الشهادة أو الرغبة فيها إرضاء للخالق قبل المخلوق .. ثم تأمل الهزائم وملابساتها التي ارتبطت بقوة مع القهر والعبودية للفراعين ، أيا كانوا ، وأيا كانت طبقتهم !
ولم يكن من قبيل البعد عن فكرة " الحرية " التي تعنى العبودية لله وحده في الإسلام ، أن تركز سورة الفرقان في القرآن الكريم على وصف عباد الرحمن بصفات شتى تجعلهم متحررين تماماً من كل متاع الدنيا ومغرياتها وشهواتها وطغاتها أيضاً :
تأمل مثلاً وصفه سبحانه لعباده بالمشي على الأرض هوناً " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " ( الفرقان : 36 – 66 ) .
إن المشي هوناً ، ومسالمة الجاهلين والبعد عن السفهاء ، ثم الحرص على السجود والقيام والدعاء بصرف العذاب ، قيم إسلامية تتسق مع الطبيعة الحرة للمسلم الذي يعبد الخالق وحده ، ولا ينحني لأحد سواه .. وتندرج مع ذلك القيم الأخرى التي وردت في الآيات التالية لوصف عباد الرحمن : " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " ( الفرقان : 67 ) ، فالاقتصاد في الإنفاق ، والتوسط فيه تعبير عن موقف حرّ يجعل المسلم لا يبذر ولا يقتر ، ولكنه يتحكم فيما يملك ، ويحافظ على الإرادة التي تحميه من السفه والبخل ، ثم تأتى الآية التي تُذكّر بالعبودية للخالق وحده ، ولا تجعل المسلم يعبد غيره ، مهما كان مستبداً طاغية ، متجبراً مستكبراً ، فهو في كل الأحوال لا يملك الرزق ولا العمر اللذين يملكهما الخالق ، ولا يملكهما أحد سواه ، وفى ذلك تمام الحرية ، حيث يستعيد المسلم وجوده الإنساني ، ويحرم الفرعون من تجاوزه لبشريته وتوهمه أنه إله يملك أقدار الناس ، وفى الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه : " قلت يا رسول الله ؛ أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله نداً ، وهو خلقك ، قلت ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزني بحليلة جارك .. " .
وقد نزلت الآيات التالية تصديقاً للحديث الشريف . قال تعالى :
" وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا " ( الفرقان : 68 – 71 ) .
وترتبط بحرية المسلم حرية الناس وحماية أرواحهم ؛ فلا يجوز لعباد الرحمن أن يقتلوا أحداً إلا بالحق ، لأن قتل النفس محرّم بأمر الله ، وكذلك الزنا ، لأن تحريمه على المسلم يمتد إلى تحريمه على الآخرين فلا يستبيحون حرمته ولا يلوثون عرضه .. ومن يخطئ فله عذاب مضاعف خالد فيه امتهان وإذلال ، وقد فتح الخالق باب التوبة للمخطئين عن جهل أو ضعف ، شريطة ألا يعودوا إلى الخطأ ، وأن يتأكد إيمانهم ويعملوا عملاً صالحاً ، لينالوا العفو والغفران والرحمة .
ثم تتوالى الآيات في بيان صفات عباد الرحمن فتتحدث عن الذين لا يشهدون الزور ، ويمرون باللغو كراما ، ويخرون سجداً حين يذكرهم بآيات ربهم إيماناً واحتساباً وليس صماً وعمياناً كما يفعل المنافقون المشركون . والزور في الآية موضع تفسيرات عديدة ، فهو الشهادة الباطلة ، وهو حضور مواضع الكذب ، وهو حضور كل موضع يجرى فيه مالا ينبغي ، وهو حضور مجامع الشرك والفسق وأهل الشر ، وهو حضور مجالس الزور التي يُقال فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله – صلى الله عليه وسلم – ومشكلتنا الرئيسية في بلادنا هي الزور بمعنى الكذب والنفاق ، ابتغاء منفعة أو مصلحة من الآلهة البشرية ، كبرت أو صغرت ، مما دفعنا إلى مؤخرة الأمم ، مع أننا خير أمة أخرجت للناس حين تلتزم بصفات عباد الرحمن ، وحين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، بالمفهوم الجامع وليس القاصر المحدود !
" وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا " ( الفرقان : 72 – 74 ) .
هذه هي الأمنية النهائية أو الغاية التي يتشوق إليها عباد الرحمن ، أن يكونوا قدوة للمتقين ، يقلدهم الناس ، ويأتمون بهم ، لما يتوفر فيهم من صفات النقاء والنضج والحرية ..
لا يمكن للمنافقين والأفاقين والمرتزقة أن يحسبوا أنفسهم على الإسلام ، وأن يكونوا من المؤمنين الصادقين ، لأنهم ببساطة شديدة يعبدون إلهاً غير من خلقهم ، وينتظرون منه منفعة أو مصلحة أو معيّة ..
المسلم الحقيقي حرّ يعيش في مجتمع أحرار ، يفيض بالطهارة والرقى والعمل الجاد والتراحم والتضامن والمساواة والأمل والقدوة وإمامة المتقين .
حاشية:
صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك يدعون بطولة زائفة لأنهم كانوا – بحسب خيالهم المريض – السبب في إنقاذ البلاد من كوارث محققة ، تتمثل في التهرب الضريبي لأحد المحلات الإسلامية ! بالقطع لا بد أن يكون للدولة موقف حاسم من أي متهرب من الضرائب ، لكن السؤال لماذا لا يجرؤ صبيان الكنيسة على الاقتراب من رجال الأعمال النصارى ؟ أم أن الدعوة لعدم ختان الذكور والدعوة لزواج المسلمات من النصارى وأن يلبس الرجال الذهب والحرير هي منتهى كتابات صبيان الكنيسة ؟ ليت الكنيسة تختار صبيانها بعناية !
................................
* المصريون ـ في 24/3/2009م.
بقلم: د. حلمي محمد القاعود
...........................
ينهض الشعب المصري ، وبالتالي الشعوب العربية ؛ إذا كان ارتباطه بالدين وثيقاً وصحيحاً . إذا ضعف هذا الارتباط ووهن وكان مزيفاً ، فإنه يهبط إلى الحضيض ، ويشرب الهزائم حتى الثمالة ، ويتحول إلى حالة من الرّق لا مثيل لها في العالم . لذا أدرك الغزاة والطامعون – على امتداد الزمان - أهمية تفكيك الدين أو تشويهه في وجدان الشعب والأمة !
والارتباط بالدين ، ليس مجرد أداء الصلوات والعبادات الأخرى أداءً آليا بارداً خاوياً من المعنى والمضمون أو الهتاف بها والتعبير عنها تعبيرا شكلياً لا روح فيه ، فهذا تدين شكلي بعيد عن حقيقة الدين ، والعبادات ، ليست كلها الإسلام ، وإن كانت مظهراً له ، فالعبادات جزء رئيسي من دين شامل تلعب فيه الأخلاق والسلوكيات والمعاملات والعلاقات الأسرية والاجتماعية دوراً أساسياً في تشكيل حياة المجتمع المسلم وصناعة مستقبله ووجوده .
ولا يتسق وضع المجتمع الإسلامي في ظل علاقات تقوم على الاستعباد والنفاق والولاء لغير الله ، فهذا المجتمع لا بد له من الحرية الكاملة التي ترتبط بالشهادتين ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ، وهى حرية يتخلص فيها المسلم من العبودية لغير خالقه ، وإلا تحول إلى الشرك ومفارقة الإيمان ، ودخل في دائرة أخرى تختلف عن دائرة الإسلام الحق ..
هزائم الأمة الحضارية والعسكرية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالبعد عن الإيمان الحقيقي . قد يقول قائل إن غير المسلمين يتفوقون وينتصرون ، وهذا صحيح ، لسبب بسيط ، وهو استمتاعهم بالحرية أو التوافق عليها ، فلا يعبد بعضهم بعضا ، ولا ينافق أحد منهم الآخر ، ولا يواليه .. أما شعبنا ، فإن انهزامه يأتي نتيجة لفقدانه الحرية التي يصنعها الإيمان ، ثم إنه – وفقاً للعبودية لغير الله – لا يستطيع أن يتوافق عليها ، وهنا تكمن مأساته وأحزانه أيضاً !
في المراحل التي يتحرر فيها الشعب من عبودية البشر ، أو الفراعنة كما يحبون تلقيب أنفسهم ، ينتصر ، ويُحقق أمانيه . تأمل انتصاراته على التتار والصليبيين واليهود ، والظروف التي أحاطت بها ، وأبرزها نهضة الإيمان ، التي وصلت ذروتها في الشهادة أو الرغبة فيها إرضاء للخالق قبل المخلوق .. ثم تأمل الهزائم وملابساتها التي ارتبطت بقوة مع القهر والعبودية للفراعين ، أيا كانوا ، وأيا كانت طبقتهم !
ولم يكن من قبيل البعد عن فكرة " الحرية " التي تعنى العبودية لله وحده في الإسلام ، أن تركز سورة الفرقان في القرآن الكريم على وصف عباد الرحمن بصفات شتى تجعلهم متحررين تماماً من كل متاع الدنيا ومغرياتها وشهواتها وطغاتها أيضاً :
تأمل مثلاً وصفه سبحانه لعباده بالمشي على الأرض هوناً " وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " ( الفرقان : 36 – 66 ) .
إن المشي هوناً ، ومسالمة الجاهلين والبعد عن السفهاء ، ثم الحرص على السجود والقيام والدعاء بصرف العذاب ، قيم إسلامية تتسق مع الطبيعة الحرة للمسلم الذي يعبد الخالق وحده ، ولا ينحني لأحد سواه .. وتندرج مع ذلك القيم الأخرى التي وردت في الآيات التالية لوصف عباد الرحمن : " وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " ( الفرقان : 67 ) ، فالاقتصاد في الإنفاق ، والتوسط فيه تعبير عن موقف حرّ يجعل المسلم لا يبذر ولا يقتر ، ولكنه يتحكم فيما يملك ، ويحافظ على الإرادة التي تحميه من السفه والبخل ، ثم تأتى الآية التي تُذكّر بالعبودية للخالق وحده ، ولا تجعل المسلم يعبد غيره ، مهما كان مستبداً طاغية ، متجبراً مستكبراً ، فهو في كل الأحوال لا يملك الرزق ولا العمر اللذين يملكهما الخالق ، ولا يملكهما أحد سواه ، وفى ذلك تمام الحرية ، حيث يستعيد المسلم وجوده الإنساني ، ويحرم الفرعون من تجاوزه لبشريته وتوهمه أنه إله يملك أقدار الناس ، وفى الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه : " قلت يا رسول الله ؛ أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله نداً ، وهو خلقك ، قلت ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزني بحليلة جارك .. " .
وقد نزلت الآيات التالية تصديقاً للحديث الشريف . قال تعالى :
" وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا " ( الفرقان : 68 – 71 ) .
وترتبط بحرية المسلم حرية الناس وحماية أرواحهم ؛ فلا يجوز لعباد الرحمن أن يقتلوا أحداً إلا بالحق ، لأن قتل النفس محرّم بأمر الله ، وكذلك الزنا ، لأن تحريمه على المسلم يمتد إلى تحريمه على الآخرين فلا يستبيحون حرمته ولا يلوثون عرضه .. ومن يخطئ فله عذاب مضاعف خالد فيه امتهان وإذلال ، وقد فتح الخالق باب التوبة للمخطئين عن جهل أو ضعف ، شريطة ألا يعودوا إلى الخطأ ، وأن يتأكد إيمانهم ويعملوا عملاً صالحاً ، لينالوا العفو والغفران والرحمة .
ثم تتوالى الآيات في بيان صفات عباد الرحمن فتتحدث عن الذين لا يشهدون الزور ، ويمرون باللغو كراما ، ويخرون سجداً حين يذكرهم بآيات ربهم إيماناً واحتساباً وليس صماً وعمياناً كما يفعل المنافقون المشركون . والزور في الآية موضع تفسيرات عديدة ، فهو الشهادة الباطلة ، وهو حضور مواضع الكذب ، وهو حضور كل موضع يجرى فيه مالا ينبغي ، وهو حضور مجامع الشرك والفسق وأهل الشر ، وهو حضور مجالس الزور التي يُقال فيها الزور على الله تعالى وعلى رسوله – صلى الله عليه وسلم – ومشكلتنا الرئيسية في بلادنا هي الزور بمعنى الكذب والنفاق ، ابتغاء منفعة أو مصلحة من الآلهة البشرية ، كبرت أو صغرت ، مما دفعنا إلى مؤخرة الأمم ، مع أننا خير أمة أخرجت للناس حين تلتزم بصفات عباد الرحمن ، وحين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، بالمفهوم الجامع وليس القاصر المحدود !
" وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا " ( الفرقان : 72 – 74 ) .
هذه هي الأمنية النهائية أو الغاية التي يتشوق إليها عباد الرحمن ، أن يكونوا قدوة للمتقين ، يقلدهم الناس ، ويأتمون بهم ، لما يتوفر فيهم من صفات النقاء والنضج والحرية ..
لا يمكن للمنافقين والأفاقين والمرتزقة أن يحسبوا أنفسهم على الإسلام ، وأن يكونوا من المؤمنين الصادقين ، لأنهم ببساطة شديدة يعبدون إلهاً غير من خلقهم ، وينتظرون منه منفعة أو مصلحة أو معيّة ..
المسلم الحقيقي حرّ يعيش في مجتمع أحرار ، يفيض بالطهارة والرقى والعمل الجاد والتراحم والتضامن والمساواة والأمل والقدوة وإمامة المتقين .
حاشية:
صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك يدعون بطولة زائفة لأنهم كانوا – بحسب خيالهم المريض – السبب في إنقاذ البلاد من كوارث محققة ، تتمثل في التهرب الضريبي لأحد المحلات الإسلامية ! بالقطع لا بد أن يكون للدولة موقف حاسم من أي متهرب من الضرائب ، لكن السؤال لماذا لا يجرؤ صبيان الكنيسة على الاقتراب من رجال الأعمال النصارى ؟ أم أن الدعوة لعدم ختان الذكور والدعوة لزواج المسلمات من النصارى وأن يلبس الرجال الذهب والحرير هي منتهى كتابات صبيان الكنيسة ؟ ليت الكنيسة تختار صبيانها بعناية !
................................
* المصريون ـ في 24/3/2009م.
تعليق