الدكتور حلمي محمد القاعود

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #61
    فتنة "عمارة" أم فتنة صحافة

    بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
    ...............................

    فى الوقت الذي يسعى فيه العقلاء إلى تطويق الفتنة والإثارة بين الأكثرية العددية ، والأقلية الدينية ، فإن هناك نفراً من أهل الإفك والبهتان ، وخاصة فى المجال الصحفي، لا يريدون بهذا الوطن خيراً ، ويعملون على إشعال النار فى سبيل مكاسبهم التافهة وأرباحهم القليلة ..
    اعتذر " محمد عمارة " عن كلمتين نقلهما عن الإمام الغزالي، التقطهما المتربّصون به وبكل صوت يدفع عن الإسلام ويذود ، فأقاموا الدنيا ولم يقعدوها ، وتقدم عمارة بشجاعة لا يملكها هؤلاء واعتذر عن عدم تحققه من النصّ المنسوب إلى حجة الإسلام الغزالى .
    ودعا كثير من العقلاء إلى طيّ صفحة الموضوع ، بعد أن أعلنت الجهة ناشرة الكتاب سحبه من السوق ، وحذف الكلمتين اللتين لم يقصدهما عمارة ، ولكن الفجور الصحفي لدى البعض أبى إلا أن يعيد ويزيد ، ويلت ويعجن ، وتجاوز الأمر الصحف الورقية إلى الصحف الإلكترونية ، وطرح الموضوع على القراء وسؤالهم عن رأيهم فيما كتبه عمارة ، مما فتح المجال أمام تعليقات مثيرة وضارة ، تعمّق التعصب وتزرع الفتنة خاصة لدى الجانب الذي يعتقد أنه معتدى عليه ، أو إنه مضطهد !
    إن كتاب عمارة يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية البناء الداخلي للأمة من الشروخ والانقسامات والتوترات من خلال ما يقوم به البعض مذهبياً أو طائفياً من تكفير للبعض الآخر ، وينتقد فى جرأة محمودة ، ما يقوم به بعض الشيعة أو بعض الوهابية أو بعض الصوفية من تكفير لغيرهم أو لمخالفيهم ، وفى إطار هذا الانتقاد يأتي بنصوص يُطلق عليها اسم " الفحش الفكري" ، لأنها تخالف جوهر الإسلام وقواعده وأصوله ؛ وتعبّر عن تعصّب بغيض ، ومراهقة فكرية لا يقبلهما الإسلام ، ولا يُقرّهما . وفى ثنايا كتابه يُصحح كثيراً من الأوهام والضلالات ، فضلاً عن إشارته إلى الدور الخارجي فى تأجيج الفتن وزرع الانقسامات لتحقيق مصالحة وغاياته الاستعمارية .. ويستشهد بكثير من الوقائع والأحداث ، للتدليل على صحة كلامه ، بل إنه يستشهد بكاتب نصراني مصري نشر وثائق فى جريدة " وطني "التي تعبر عن لسان الكنيسة المصرية فى 2/7/2006م تحت عنوان " المخططات الخطيرة " وذكر فيها أن " بونابرت " عندما جاء ليحتل مصر سنة 1798م راهن على الأقباط النصارى فى مصر ، وعلى اليهود فى فلسطين دون أن يكنّ أي احترام لا للأقباط ولا لليهود .. لقد تحدث بونابرت عما سماه " الأمة القبطية " فقال :
    " سوف يسعدني أن أحميها .. وأعيد لها الكرامة والحقوق التي لا يمكن فصلها عن الإنسان " أما " الثمن " الذي أراده من الأقباط ، فهو – بنص عبارته – " مطالبة أبناء الأمة القبطية بالكثير من الحماسة ، والإخلاص فى خدمة الجمهورية الفرنسية "!!
    ولنتدبر – جميعاً – كلمات بونابرت عن النصارى التي يقول فيها :
    " إنهم أناس لئام فى البلاد ، ولكن يجب مراعاتهم لأنهم الوحيدون الذين فى يدهم مجمل الإدارة للبلاد .. لقد حصلت على سجلات هائلة حول قيمة الضرائب المفروضة على مصر " !
    ويُعلق " عمارة " على هذا النص بقوله : ألا قاتل الله الطائفية .. واللعب بأوراقها ، ولعن الله الخبثاء الذين يسلكون سبيل المذهبية لخلخلة النسيج الاجتماعى فى مجتمعات الإسلام " ( ص 98 ).
    رجل يرفض الطائفية لا يمكن أن يدعو إلى استباحة دماء غير المسلمين ، فضلاً عن المسلمين المخالفين فى المذهب ، بل إن عنوان كتابه يحمل هذا المعنى " فتنة التكفير بين الشيعة .. والوهابية .. والصوفية " .
    لقد صدر الكتاب فى ذى الحجة 1427هجرية = ديسمبر 2006م ، أى قبل شهرتقريبا ، ومع ذلك ، فقد علا الضجيج بصورة مريبة ، ولم يتوقف الأمر عند محمد عمارة بل تجاوزه إلى الإسلام والتشريعات الإسلامية ، وتم تقديم الرجل إلى النيابة العامة ، وخضع للتحقيق ، ولم يُغن اعتذاره عنه شيئاً ، فى الوقت الذى لم يُحاكم فيه صاحب عبارة الموت الذى قتل أكثر من ألف شخص قبل عام حتى الآن !!
    ومن المفارقات أن أحد المحامين النصارى ممن يُقيمون فى أمريكا أرسل رسائل بالبريد الإليكترونى يسفر فيها عن وجه طائفى كالح وقبيح ، ويُهاجم الإسلام والمسلمين ، ويعدّهم غزاة لمصر يجب أن يرحلوا عنها ، ويُعلن أن النصارى هم أصحاب مصر الحقيقيين ، ولم يمض على هذه الرسائل أيام ، حتى خرج من يوصف بأنه سكرتير الأنبا يدعو إلى إلغاء المادة الثانية من الدستور المتعلقة بالدين الرسمى للدولة ومصدر التشريع ، انطلاقاً من أن النصارى " هم أصحاب البلد "! فى عبارات صريحة لا تقبل تأويلاً !
    وهذا الأمر لم يلفت نظر فريق " الفجور الصحفى " الذى يلعب بالورقة الطائفية ولا يترك فرصة إلا واهتبلها للتشهير بالإسلام والمسلمين ، لدرجة أن كذبوا على أحد قادة الإخوان وزعموا أنه سيُضاعف الجزية على النصارى حين يتولى الحكم ؛ وثبت بعد إذاعة كلامه أنه لم يشر إلى شيء من ذلك . ولكن فريق الفجور الصحفى ، أذاع ونشر ، وتوسع فى الإذاعة والنشر، وصدق الأكذوبة ، اعتقاداً منه أنه ينال من خصوم السلطة ، ولكنه فى الحقيقية ينال من الإسلام وتشريعاته ، ويُشوّه قيمه الرفيعة التى تحمل الرفق والرحمة والمودة والمسالمة !
    فريق " الفجور الصحفي "لا يتكلم أبداً عن الذين يؤصّلون للطائفية وللجيتو وينشرون فرية أنهم " أصحاب البلد "، وغيرهم غريبٌ غازِ مستعمرٌ ، يجب معاملته معاملة المحتل الذى تجب مقاومته حتى يرحل ، وتتحرر " الإسكندرية " كما تحررت " جوبا " وفقاً لتعبير أحدهم !
    نحن نريد من فريق " الفجور الصحفى " أن يُطالب هؤلاء بالاعتذار عن " اللعب بالنار " ، والاستقواء بعدوّ المصريين جميعاً .. وأعتقد أن فريق " الفجور الصحفى " لن يفعل ، لأن بحثه عن الارتزاق وإرضاء السلطة البوليسية الفاشية ، يمنعانه من العمل الصحفى النزيه ، ففى الوقت الذى تُتاح فيه الفرصة "لأصحاب البلد " للإدلاء بأقوالهم وتصريحاتهم وآرائهم المعادية للمجتمع وللإسلام وللمسلمين ، وللسلطة نفسها ، فإنها لا تُتاح للرد عليهم ومواجهتهم بالتى هى أحسن !
    فهل هذا موقف صحيح ، مهنيا على الأقل ؟
    بالتأكيد هو موقف مريب ، وغريب ، خاصة إذا ربطناه بتلك الحملة المسعورة على بعض الجماعات الإسلامية التى يُحاربها النظام ويسعى إلى استئصالها ، وهى حملة دفعت ببعضهم إلى وصف الإخوان المسلمين مثلا بأنهم أخطر من تجار المخدرات ! هل هذا معقول ؟
    إن الفجور الصحفى الذى يوقف كل أدبياته على تشويه الإسلام ومحاربته تحت مسميات حركية ( التقدم ، التنوير ، حرية التعبير ، المواطنة ...) ، وفى الوقت نفسه يدخل فيما يُسمى " حوارا" مع النظام ، نظير مكاسب سياسية هزيلة ورخيصة ، إنما يطرح ظاهرة غريبة على الصحافة والصحفيين ، الذين اشتهر العديد منهم بالوقوف فى صف الشعب ووحدته ، وتقدمه الحقيقى لا الإنشائى .
    هناك شخص اسمه "زكريا بطرس" يطل من إحدى الفضائيات ، يسبّ الإسلام والمسلمين منذ سنوات، ومع ذلك تفرد له بعض الصحف الورقية والمواقع الإليكترونية مساحات عريضة ليتقوّل ويتخرّص ويدّعى ..ولا يتيح لأحد أن يردّ عليه ويكشف ادعاءاته وتخرّصاته وتقوّلاته السفيهة !وهناك من أمثاله كثير!!
    وهناك مئات المواقع الإليكترونية التى تُهاجم الإسلام بصراحة ووقاحة وفجاجة ، ويتجاهلها فريق " الفجور الصحفى " الذى يصرّ على ذبح " محمد عمارة " وتقديمه قرباناً " لأصحاب البلد " !
    إن الذين يلعبون بالورقة الطائفية فى مصر أو غيرها من بلاد العرب والإسلام ، قد يكسبون بعض المكاسب مؤقتاً ، ولكنهم على المدى المنظور سيخسرون ، بعد أن يخسر الوطن كثيراً من أمنه ووجوده ومستقبله ..
    أناشد محرري "الفجور الصحفي" أن يحترموا المهنة والأخلاق ، وأن يوقظوا ضمائرهم ، ويتجهوا إلى العدوّ الحقيقى للأمة ، وهو عدوّ متوحش له أذرع عديدة ، لها أسماء عديدة منها : الاستبداد ، القهر ، التخلف ، الأمية ، الفقر ، الضعف ، الفساد ، التزوير ، الكذب ، النفاق ، الكسل ، الجبن ، السطحية ، الضحالة ، مثقفو الحظيرة ، اليسار المتأمرك ....
    .........................................
    *المصريون ـ في 30 - 1 - 2007م.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #62
      مسلسل الدالي .. وتشويه الرجال !

      بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
      .............................

      يحكى عثمان أحمد عثمان ، فى مذكراته التي نشرها المكتب المصري الحديث عام 1981م تحت عنوان : " صفحات من تجربتي " ، هذه الحكاية :
      " اتصل بي ذات يوم فى التليفون الأستاذ أحمد رجب – الصحفي المعروف ، يطلب منى تعيين رجل يعرفه .. وأخفى عنى أن هذا الرجل من ( أصحاب السوابق ) ، وإنه كان متخصصا فى ارتكاب جرائم النشل ، وله تسع وثلاثون سابقة .
      وأصدرت قرار تعيينه .. وعندما التقيت بالرجل حكى لي عن كل جوانب حياته .. بما لها وما عليها .. وأحسنت معاملته عندما عرفت ظروفه .. وتاب إلى الله .. وأدى فريضة الحج .. ولم يصبح موظفاً عادياً فى الشركة ، ولكن أصبح يعمل فى قسم خزائن "المقاولون العرب" يمسك بيده عشرات الآلاف من الجنيهات ..
      وكان أن اتصل بى أحمد رجب بعد فترة ، لكي يطمئن على الرجل الذي أخفى ظروفه ، وينبهني إلى ماله من سوابق .. فوجئ بأنني عرفت كل تفاصيل حياته ، وأنه كان يرتكب جرائم النشل .. ولكن المفاجأة الكبرى كانت لأحمد رجب عندما عرف أن هذا النشال أصبح أحد الأمناء على خزائن " المقاولون العرب " ..
      ويُضيف عثمان معلقاً على هذه الحكاية : " هذا هو الإنسان المصري الأصيل .. رغم انحرافه لأسباب اجتماعية خارجة عن إرادته ، عندما وجد من يتفهم ظروفه ، ويفتح له قلبه ، كشف عن طيب معدنه " ص 555
      هذه واحدة من الحكايات الكثيرة التي تضمنها كتاب عثمان أحمد عثمان ، أشهر مقاول فى العالم العربي ، على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين . ومن خلال هذه الحكاية وبقية الحكايات يكشف الرجل عن أسلوبه فى مواجهة ما يعترضه من ظواهر تبدو معوقة لحركته ، مصادمة لنشاطه ، بعيدة عن الاستقامة والسلوك ، سواء كانت الظاهرة فردية أو رسمية .
      وقد أثار المسلسل الذي تعرضه القنوات الفضائية باسم "الدالي" عاصفة من الغبار والتشويه حول الرجل الذي لا أعرفه ، وخدم بلاده أكثر من أربعين سنة خدمات جليلة ، فى الحياة المدنية أو المجال العسكري ، وكانت قصة حياته نموذجاً للعصامية والكفاح الشريف والتربية الإسلامية المضيئة .
      الفكرة الأساسية ، صعود الرجل من صاحب ملاليم إلى صاحب ملايين ، وبدلاً من تقديمها فى صورتها الحقيقية التي تكشف كيف تربى الرجل وتعلم ونجح وصار نائباً لرئيس الوزراء فى مصر ، ونقيباً للمهندسين ، وأشهر رئيس للنادي الإسماعيلي ، فضلاً عن كونه أشهر مقاول ، وصاحب أو مؤسس أكبر شركة مقاولات فى العالم العربي اسمها " المقاولون العرب " تضم خمسة وخمسين ألف عامل يملكون الخبرة والإرادة والإيمان ، فضلا عن عشرات الشركات الأخرى صناعية وزراعية وتجارية .. قدموا لنا رجلاً آخر أقرب إلى زعماء العصابات ، يعتمد على البلطجة والمكر والخداع والرشوة .
      وبدلاً من عرض مواقفه السياسية الحقيقية فى العهدين الناصري والساداتي ، قلبوا المواقف وجعلوها بالمعكوس ، وأضافوا إليها ما ليس منها ، لدرجة أننا شاهدنا مسلسلاً بوليسياً ، بدلاً من مسلسل اجتماعي تربوي ، يُقدم نموذجاً واقعيا ، يقتدي به أبناؤنا ، ويُقلّدونه فى شحذ العزيمة والهمة والإرادة ومواجهة الصعاب والعقبات .
      ومع أن تجار المسلسل نفوا أن يكون الدالي هو "عثمان أحمد عثمان" ، فكلامهم غير صحيح ، ولا أساس له فى حقيقة الأمر ، فلا يوجد مقاول ذهب مع الرئيس السادات إلى القدس غير عثمان ، ولا يوجد مقاول قاد عملية بناء السد العالي ودشم الصواريخ ، وحظائر الطيران ، ومدن القناة المدمرة ، ومدن القناة الجديدة : فيصل وزايد والصباح ، وقبل ذلك فى أوائل الخمسينيات " كفر عبده " ، فضلاً عن المدارس والمصانع والشركات والمساجد والمستشفيات والكباري العلوية .. غير عثمان ..
      وكان الأولى بتجار المسلسل أن يعرضوا التجربة الحقيقية من خلال كتاب عثمان الذي شوّهوه وفبركوا على أساسه عملاً أقرب إلى المسلسلات الأمريكاني منه إلى الواقع المصري الطيب.
      إن قصة الرجل كما رواها تحمل كثيراً من المواقف الدرامية الإنسانية التي تشدّ الناس أكثر من تلك المواقف المفتعلة التي تقوم على الحشو والتقليد ..
      إن الرجل يحكى ببساطة قصة صبى يتيم عمل ( صبى ميكانيكي ) ، وحرّر شهادة " فقر " ليُعفى من مصروفات كلية الهندسة ، وصنع دراجة بستين قرشاً لينتقل بها طوال دراسته الجامعية من باب الخلق إلى الجيزة ، وتلقى تربيته من أم بسيطة متدينة رفضت الزواج بعد وفاة أبيه لتقوم على شأنه وشأن إخوته ، وعرف دينه على يد الإمام حسن البنا ، الذي درّس له فى مدرسة الإسماعيلية الابتدائية ، وزوج شقيقته العالم الجليل الشيخ على حسب الله .. ثم شق طريقه بعد التخرج من خلال عمل المقاولات ، معتمداً على الله ، ثم الصدق والأمانة والجدية واليقظة مع الفجر ، وسبق العمال إلى مواقع العمل ، والمشاركة بيده والاستماع إلى آراء من يعملون معه ، ولو كانوا عمالاً بسطاء ، وكانت ذراعه اليمنى فى مسيرته شخصية مسيحية هي " رياض أسعد " الذي كان نعم الصديق الوفي ، وتحمّل معه متاعب العمل وصدماته بصبر وقناعة .. داخل البلاد وخارجها ..
      ويبدو أن تجار المسلسل ، وهم يسطون على كتاب عثمان وحياته ، ويشوهونهما ، كانوا يطمحون إلى غايتين : الأولى تحقيق المزيد من المكاسب المادية على حساب الرجل الذي لا يستطيع دفاعاً عن نفسه بعد رحيله ، والأخرى تجريده من علاقته بالإسلام ، فلم نره يصلى مرة واحدة ولا يقرأ القرآن الكريم ، ولا يسير وفقاً لمنهج القرآن فى تعاملاته وأعماله ، ولا يحتضن مئات من الإخوان المسلمين الذين حملوا معه عبء البناء والتعمير انطلاقاً من الضمير والأمانة والعفة والشرف .
      ليت الحكومة تقدم قصة حياة عثمان بعد اختزالها لطلاب المدارس ، وليت منتجين أصحاب رسالة حقيقية يقدمون مسلسلاً آخر يقوم على أساس هذه القصة ، ليرى أبناؤنا نموذجاً يُحفزهم على العمل والتمسك بالدين والقيم والأخلاق والتسامح .. وغفر الله لتجار مسلسل "الدالي"!
      --------------------------
      *المصريون ـ 9/١٠/٢٠٠٧م.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #63
        الطريق إلى مراكش الحمراء (1)

        بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
        ...........................

        كنت أحلم دائماً بالسفر والرحلة . أُتوق لرؤية العالم والتعرف عليه واكتشاف المزيد من أنماط الحياة وأنواع السلوك ، وحققت بعض الحلم ، دون أن تكون الرحلة غاية فى ذاتها ، والسفر هدفاً لذاته .. كان العمل ، أو العلم من وراء شدّ الرحال . أما الرحلة نفسها فلم تكن مقصودة إلا فى زمن بعيد . أيام كنت طالباً فى المرحلة المتوسطة أو الثانوية ، وكانت فى داخل مصر ، ونفذتها بقروش قليلة ، وكانت جميلة جمال الأيام الأولى فى حياة الصبا والشباب ..
        بعدها ، أخذتنا الدنيا ولم تفلتنا ! شدتنا وراءها فنسينا أنفسنا ، سعيا وراء غاية عامة أو خاصة ، ثم تكاثرت الهموم والآلام ، فجعلت الحركة محدودة ، والسفر مقيداً بالضرورة القصوى ، والإلحاح المضنى ..
        وحين عرفت أن " مراكش " هى المقصد فى أواخر أكتوبر 2007م ، استدعت ذاكرتى أياماً قديمة جميلة .. رأيت فيها اثنين من المغاربة يهبطان قريتنا فى شمال الدلتا ، لقد كانا فى طريقهما لأداء فريضة الحج ، وبقيا فى ضيافة أحد الجيران ، وكان خياطاً بلدياً – رحمه الله – فترة طويلة عاماً أو أكثر من عام ، حتى رحلا إلى أرض الحجاز تشيعهما دموع الأهالى البسطاء ، وذكريات الأيام الطيبة التى قضياها بين أهل القرية ..
        كان الرجلان من مراكش . لا أدرى من مراكش الدولة كما كانت تسمى المغرب آنئذ ، أو مراكش المدينة الحمراء كما تعرف الآن .. ولكن مراكش التى ترددت فى أسماعنا صغاراً ظل لها سحر غريب وعجيب ، يشدّنا إلى عالم بعيد ومجهول وشائق دلت عليه ملابسهما المميزة ، ولهجتهما الخاصة .. وهو عالم محبوب تمنينا أن ننتقل إليه ، ونتعرف عليه .. بيد أننا نحن القرويين الصغار – لا نملك إزاء ذلك شيئاً ..
        فى فترات لاحقة كانت الدكتورة عائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ ) تكتب فى " الأهرام " - الملحق الأدبى – مقالات تذكر فيها مراكش وتتحدث عن عملها فى جامعة القرويين ، وعن الأبحاث والمخطوطات التى تحققها هناك ، وتضيف إلى ذلك شيئاً من التاريخ القديم والحديث الذى يتعلق بأهل مراكش وكفاحهم وحضارتهم وعلاقتهم بالأندلس ..
        رسخت مراكش فى ذاكرتى .. ومع أننى زرت المغرب عام 2001م ، قاصداً مدينة أغادير الشهيرة على المحيط الأطلنطى ، فقد كانت مراكش مطروحة فى الأحاديث والأبحاث التى عرضت فى المؤتمر الذى كنت أحضره آنئذ ، وزاد من شغفى لرؤيتها أن بعض الزملاء تحمّلوا مشقة السفر ، وذهبوا إليها فى الوقت الضيق المخصص لزيارة المغرب .. وعدت أحمل مراكش فى وجدانى حلماً أسعى لرؤيته على أرض الواقع .
        ويوم جاءت الدعوة لزيارتها بعد سنوات ، كنت مجهداً أعانى آلاماً مزمنة ، اشتدت فى الفترة الأخيرة ، وظننت أنى لن أستجيب ولن أستطيع ، ومع التشجيع ورغبة الأحباب ، قاومت أوجاعى ، وتوكلت على ربى ، وكان القرار بالسفر .
        ليلة السفر ، غادرت قريتى فى منتصف الليل ، صحبنى بعض أولادى إلى المطار ، وقبيل الفجر كان كل شئ هادئاً فى الصالة القديمة . بقى على موعد الإقلاع ثلاث ساعات تقريباً ، وكان علينا أن ننتظر بعض الوقت حتى يبدأ العمل فى فحص التذاكر ووزن الأمتعة وتحديد الأماكن . بعد صلاة الفجر وانبلاج النور ، رأيت بعض الزملاء والمعارف ، وفى الطائرة تعرفت على زميل كان فى طريقه إلى كوناكرى فى جمهورية غينيا – وهى غينيا سيكوتورى كما كنا نسميها فى الستينيات نسبة إلى رئيسها أحمد سيكوتورى الذى لم يكن ينقطع عن زيارة القاهرة إلا نادراً – وكان الزميل متوجهاً إلى الدار البيضاء محطتنا الرئيسية ، ليقضى فيها بضع ساعات يستقل بعدها طائرة أخرى إلى كوناكرى حيث يمثل مع السفير المصرى فى غينيا وشيخا أزهريا الجالية المصرية هناك !
        سألته : ألا يوجد مصريون يعملون أو يتاجرون أو يقيمون ؟
        قال لى : لا .. نحن الثلاثة فقط . وأخبرنى أنه يعمل فى جامعتين . إحداهما اسمها جمال عبدالناصر والأخرى اسمها فرنسى ( نسيته الآن مع أنه اسم مشهور ، والعتب على الذاكرة الخربة ! ) . أخبرني أن العرب الموجودون هناك معظمهم لبنانيون ، وهم مقيمون إقامة شبه دائمة لأنهم يعملون بالتجارة .
        قضينا فى الطائرة الضيقة طراز بيونج 737 ما يقرب من ست ساعات ، نام فيها الناس كما لم يناموا . أما أنا وزميلى المسافر إلى غينيا ، فقد جفانا المنام . لا أستطيع النوم فى طائرة أو قطار أو سيارة ، أظل يقظاً حتى أعود إلى مقر الإقامة المؤقتة أو الدائمة .. ولكن ثرثرتى مع زميلى التى شرّقت وغرّبت أضافت إلىّ أشياء كثيرة .. أما زميلى المرافق إلى مراكش فقد استغرق ، وكان يستيقظ بين الحين والآخر ، ليُشارك معنا فى الثرثرة ، ثم يخلد إلى النوم .
        كان مطار الدار البيضاء يستقبل مع طائرتنا بعض الرذاذ الذى أخذت تبعث به السحب الخفيفة ، وكان المحيط بزرقته متعانقاً مع خط السماء فى مشهد بديع ، يصنع صبحاً جميلاً مفعماً بالهواء النقي الطري ..
        لم أر من ( كازبلانكا ) أو الدار البيضاء غير مطارها هذه المرة ، والطرق المحيطة به ، والمؤدية إلى مدن مغربية أخرى . وكانت السيارة التى تنتظرنا تقف على أهبة الاستعداد لتقطع حوالى عشرين ومائتى كيلومترا إلى مراكش الحمراء ..
        الطريق معبد وجديد ، محطات الخدمة جاهزة ، لا توجد محطة تدعى أن الكهرباء مقطوعة ، أو البنزين 80 غير موجود ، أو أنها تحولت إلى غسل السيارات فقط . الخدمة جيدة وسهلة وسريعة ، والسيارات تلتزم بحزام الأمان تلقائياً ؛ السائق ومن يركب إلى جواره لابد أن يرتديا الحزام ، وبوابات الطريق تُحصّل الرسوم من السيارات المارة فى آخر الرحلة . يسمونها محطات " الأداء " ، سألت عن معناها ، قالوا : إن الدولة تُحصّل تكاليف الطريق وإنشاءاته من مرور السيارات ، وعندما يتم تحصيل مجملها ، ترفع من على الطريق الذي يصير حرّاً ، ولا تدفع عليه أية رسوم بعد ذلك .
        وقفزت إلى ذهني صورة بوابات المرور عندنا على الطرق السريعة ، وأموالها التي ....؟
        ...................................
        *المصريون ـ في 20/11/2007م.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #64
          الطريق إلى مراكش الحمراء (2)

          بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
          .............................

          ابتلعت الكلام عندما عرفت من محدثي أن الحكومة المغربية ترفع بوابات الطرق بعد تمام تحصيل قيمتها وتوريدها إلى خزينة الدولة ، وتتركها حرة ، يستمتع بها الناس مجانا بعدئذ ، مع حرصها على صيانتها ونظافتها وتجديد اللافتات الإرشادية كلما حالت بفعل الجوّ وتقلباته .. على العكس مما يجرى عندنا .!
          كنت أستمع في الرحلة من الدار البيضاء ، إلى مراكش ، إلى نشرة الأخبار فى الإذاعة ، وكان الاهتمام بأخبار الشرق التعيس فى الصدارة إلى جانب أخبار الحكومة الجديدة التى ألفها " علال الفاسى " الحفيد .. فالجد بطل من أبطال الاستقلال ، ومدافع عظيم عن هوية المغرب الإسلامية فى مواجهة " الفرنسة " أو " الأسبنة " التى يفرضها باستماتة الغزاة المتوحشون ، ولكنها تواجه بمقاومة باسلة ، ما زالت قائمة حتى اليوم ، وتبدت مؤخراً فى " سبتة " و " مليلة " عند زيارة ملك إسبانيا الاستعمارية ، وتحديه لمشاعر الشعب المغربى المسلم الشقيق !
          مساحة الصحراء كبيرة ، وعلى جانبى الطريق تظهر القرى والمزارع ، فى سهول منبسطة أو فى أحضان الجبال العالية وبعضها ينتسب إلى سلسلة جبال أطلس ، والقوم هناك يزرعون الجبال بطريقة المدرجات ، والمحصول الملائم لها هو " التين الشوكى " الذى لا يحتاج إلى كثير عناء ، ولكنه إنتاج لا بأس به .. فهو لا يحتاج إلى ماء ولا تسميد ولا عناية زراعية ، أما الزراعات الأخرى فهى مماثلة لما عندنا فى مصر ، والمياه تأتى عن طريق بعض الأنهار أو النهيرات التى تتخلف عن الأمطار الغزيرة فى فصلى الخريف والشتاء ، أو من خلال حفر الآبار الارتوازية .. ويبدو أن مراكش الحمراء تكتفى زراعياً بمزارعها ..
          وتكتسب مراكش تسميتها بالحمراء من حمرة الجبال المحيطة بها ، وحمرة مبانيها ، فبيوتها حمراء ومبانى المؤسسات الحكومية والتجارية والفنادق والمحطات .. كلها حمراء ، ويُلاحظ أن الارتفاعات فى مبانى مراكش الجديدة ( الأحياء الحديثة ) ، بل والقديمة ، متوسطة ، ولا تزيد فى الغالب عن أربعة أدوار ، ولكن شوارعها عريضة للغاية ، وبها جزيرة خضراء ، مزروعة بالنخيل والزيتون واليوسفى الذى يسمى هناك بالليمون .. والقوم هناك يمتازون بالحرص على الخضرة والأشجار ، بل إن بعض الأشجار والنخيل تعترض بعض الشوارع الجديدة ، فيتغير المسار من أجل النخلة أو الشجرة مع تسويرها وإحاطتها بمساحة خضراء من النجيل الأخضر .. وهناك حديقة ضخمة وواسعة تسمى حديقة النخيل .. فى مدخل مراكش من جهة الدار البيضاء وتلقى عناية ملحوظة .. وقد استنّت الحكومة قانوناً رادعاً لمن يقطع شجرة أو نخلة دون إذن منها ، وتصل العقوبة إلى ثلاث سنوات سجناً مع غرامة كبيرة ..
          الخضرة ملمح رئيسى من ملامح مراكش الحمراء ، حدائق فى كل مكان ، وكل مساحة فضاء ، والمنازل فى كثير منها حدائق صغيرة ، وأشجار الزيتون تغزو مراكش وتفرض وجودها ، لدرجة أنه يمكن القول إن مراكش حديقة كبيرة فى قلب المغرب الشقيق .
          فى مبنى كلية اللغة العربية – جامعة القرويين ، التى كان ينعقد بها المؤتمر الذى دُعيت لحضوره ، الخضرة تكسو كل مكان داخلها وخارجها ، بل إن حولها حديقة خضراء تعد متنزها شعبياً ، يجلس فيها الباحثون عن البهجة والراحة ، ومزوّدة بمقاعد جميلة ، وأشجارها مبسوطة الظلال ، بما فيها أشجار الزيتون العتيقة .
          في الكلية التي أعمل بها هنا أخفقوا في إقامة المساحات الخضراء بعد زراعتها ، ومن ينظر إلى المحاولات التي تمت لتخضيرها ، يستشعر كأنها حصيد لم تغن بالأمس !
          وفى بلادنا قطع الأشجار هواية ، وتجريف الحدائق إدمان ، وتخريب البساتين مرض لا شفاء منه ، وقد تم القضاء على الأشجار المعمرة عندنا ( الجميز ، والتوت ، والكافور ، والصفصاف وغيرها ) ، واستوردوا لنا شجرا يُسمى " الفيكس " قزم فى شكله ، بخيل فى ظله ، عاطل عن الثمار ! وياله من شجر يتناسب مع زماننا البلاستيكى المزوّق .. كل شئ فيه غير طبيعى ، وغير معتاد !
          وصلنا إلى الفندق قرب العصر ، هناك سماحة فى التعامل ، وترحيب حقيقى بالنزلاء ، واهتمام غير مزيف ، فالقوم حريصون على ترك تذكار مع الضيف يرتبط بحسن المعاملة فى أبسط تعبير .. لا جهامة ولا عبوس ولا صلافة مكتومة تشعر النزيل بان موظفى الفندق يمنحونه من فيض كرمهم وجزيل عطائهم ، وينبغى أن ينحنى لهم ، ويقدم قرابين الولاء والطاعة .. أشقاؤنا المغاربة غير ذلك تماما ، لقد تعاونوا مع الزملاء الذين استعصى عليهم تغيير الجنيه ( المصرى ) بالدرهم المغربى ، وسهلوا لهم رغباتهم . وشركات الصرافة هناك لا تتعامل مع الجنيه المصرى – عليه واسع الرحمات – هناك بنك رئيسى فقط يتعامل معه فى الأوقات الرسمية وهى لا تشمل يومى العطلة ( السبت والأحد وفقا للنظام الفرنسى ) . تشعر بالحسرة حين يتحول الجنيه المصرى إلى ضيف غير مرغوب فيه ، أو ضيف ثقيل ، أو ضيف منزوع الهيبة والقيمة والوقار ! نحن لا نلوم المغاربة حين يرفضون الجنيه المصرى ، ولكن نلوم أنفسنا حين أصبحنا " معرّة " الدول اقتصادياً ، مع أن باشكاتب الدولة لا يكف عن إعلان الارتفاع فى نسبة النمو الاقتصادى ، وزيادة الدخل القومى .. وهو كلام يدحضه الواقع ويفنده المتخصصون فى الاقتصاد ، مما لا مجال للحديث عنه هنا .
          فى الفندق ، يحضر الأرابيسك والطراز الأندلسى أمام عينيك. والتراث القديم بصفة عامة يتجاوز الفندق إلى البيوت والجامعة والمؤسسات الرسمية ، حتى المقاهى الكثيرة ، التى يرددون عنها فكاهة أن بين القهوة والقهوة توجد قهوة ، تدليلاً على كثرتها وأهميتها فى حياة المغاربة ، وفى فترة العمل الرسمى فى النهار تكتظ بالزبائن ، مثلما تكتظ بهم ليلاً ، والسبب معروف ، وهو انتشار البطالة .. وهى بطالة ليست فى حجم البطالة عندنا بكل تأكيد ، ومن بينها بطالة البحث عن عمل أفضل .. وتقدم المقاهى الشاى الأخضر الذى يشتهر به المغرب ، وتوفر شاى " الليبتون " أو الفتلة أو الشاى الأحمر ، لمن يطلبه وهم قلّة تستوعب المصريين .. ويبدو المغاربة مولعون بقراءة الصحف على المقاهى لمتابعة الأحداث ، أو البحث عن فرص عمل .
          صعدت إلى غرفتى بالفندق ، بعد تناول الغداء على الطريقة الفرنسية الممزوجة بالأسلوب المغربى ، ( السلطة أولا ، ثم طبق آخر ، ثم الطاجن المغربى الشهير ، ثم الفاكهة ختام الغداء ) . صليت الظهر والعصر جمعاً وقصراً ، لم أجد سجادة صلاة ، ولا مصحفاً ( كنت قد نسيت مصحفى مما كدّرنى طوال الرحلة بسبب عدم تلاوة الورد اليومى ) .. ولكننى تدبرت أمرى ، ثم ألقيت بجسدى المتهالك على السرير ، ولم أفق إلا على صوت نداء ، يدعو إلى اجتماع بالقاعة الكبرى فى كلية اللغة العربية ، تمهيداً للمؤتمر وقضاياه ..
          ...................................
          *المصريون ـ في 27/11/2007م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #65
            الطريق إلى مراكش الحمراء (3)

            بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
            .............................

            " – ياويلى ! "
            قلتها لنفسى ، عندما استيقظت استجابة لنداء جماعة المؤتمر ، من أجل جلسة مسائية تسبق أعماله في الغد – لم أسترح ، ولم أنم من ليلتين إلّا ساعة وبعض ساعة دون أن أستغرق .. أعلم أنه لا مفر من المشاركة مهما كنت متعباً ومجهداً ، فعمدة المؤتمر مع أنه تخطى السبعين – أطال الله عمره – ويسبقنى بنحو عشر سنوات ، ويُعانى مثلى من متاعب صحية كثيرة ، إلا أنه – بفضل الله – نشيط ، ويغالب التعب ، ويُحرّك الآخرين بإقناع وحزم ، فهو يريد المؤتمر ناجحاً ومثمراً ..
            صليت المغرب والعشاء – وفقاً للرخصة الشرعية – جمعاً وقصراً ، وذهبنا إلى مبنى الكلية ، حيث قاعة الاجتماعات . كانت الحديقة الخضراء اليانعة تلّف الكلية الحمراء ، وتغمرها بالنضارة والروائح الزكية ، وجدت على الباب غرفة يجلس فيها موظف متواضع ، ولا أحد حوله .. تصوّرت أننى سأجد الأمن المركزي ( أو الدرك كما يسمى هناك ) المدجج بالخوذات والعربات اللورى الضخمة ، تدعم الحرس الجامعي ، كما هي الحال في الوطن التعيس ! لم أجد شبح عسكري واحد ، ولا أثر لحارس بمعنى الشرطة .. الموظف المتواضع يردّ السلام ويزيد عليه الرحمة والبركات .. التواضع والهدوء والرضا علامات يستشعرها من يدخل المكان .. ومع أن المغرب شهد حوادث عنف دامية ، ولكن لا أثر للدرك أو الشرطة فى المكان ، ولكنه النظام الأمنى الذى يعمل بذكاء ، ويظهر عند الضرورة من حيث لا يدرى أحد .. كانت القاعة مستطيلة ، وزاد عدد الحاضرين زيادة كبيرة ، فكان هناك صف ثان وثالث ، وبدأت الكلمات الترحيبية ثم التعارف ، ثم طرح الرؤى والتصوّرات الخاصة بقضايا الأدب ووسائل التعبير .. واستغرق ذلك وقتا غير قصير ، أحسست بعده بحرج شديد فى البقاء ، وعندما طرح مناقشة موضوعات أخرى ، وجدتها مناسبة لأطلب من رئيس الجلسة التأجيل إلى يوم تال ، نكون قد استجمعنا قوانا ، وعاد التركيز إلى الأذهان قوياً وحيّوياً .. لقد طلبت أن يطلق سراحنا بعد رحلة شاقة وطويلة .. وكانت استجابة جماعية كريمة لما اقترحته .
            فى أثناء التعارف لاحظت ظاهرة غريبة ، أن عدداً غير قليل من زملائنا المغاربة فى جامعات مختلفة ، يصفون أنفسهم بأنهم " مغادرون طوعاً " ، مع أنهم فى الخمسينيات من العمر ، أى بداية العطاء العلمى والأدبى .. قمة النضج التى تحرص عليها الأمم والحكومات ، وأصررت فيما بعد أن أعرف معنى " مغادر طوعاً " ، فوجدتها تساوى عندنا " المعاش المبكر " ، مع اختلاف يسير حيث يحصل المغادر طوعاً على مبلغ كبير يغريه بإنشاء مشروع إذا كان من هواة العمل الحر ، أو يكفيه لحياة معقولة ، يستطيع فى أثنائها أن يتعاقد مع جامعة مشرقية تستفيد بخبرته ونضجه .. صعدت إلى رأسى مشاهد عديدة . منها مثلاً أن بعض الحكومات العربية حريصة على إذلال أساتذة الجامعات فيها ، بالمرتبات الضئيلة ، أو إخضاعهم لهيمنة السلطة البوليسية الفاشية ، أو ترويضهم بالمناصب السياسية أو ما يُشابهها لتأييد الاستبداد وقوانينه الظالمة .. ومنها مثلاً إهمال الأساتذة بعد الستين ومعاملتهم " درجة ثانية " ، ليقهرهم تلاميذهم ويتحكموا فى مقدراتهم فلا تستفيد منهم جامعاتهم ولا أمتهم ، على النحو الذى يعرفه أعضاء هيئة التدريس .. ومنها الضغط على الأساتذة المنتجين ، حتى يهربوا ، ويخرجوا إلى بلد آخر ، يظلون فيه بقية حياتهم ، ويستفيد من عطائهم وجهدهم .. ومنها مثلاً ما فعله الغزاة الصليبيون المتوحشون عندما احتلوا العراق حيث كان الأساتذة هدفا أساسيا من أهدافهم ، فقد تم اغتيال أكثر من مائتى أستاذ ، وتهجير آلاف ، وتحويل من تبقى إلى شبه متسولين ، يبيع بعضهم كتبه أو مكتباته فى بغداد على أرصفة شارع الرشيد أو شارع السعدون !
            هل " المغادرة الطوعية " تدخل فى هذا السياق الكئيب ؟ لا أدرى ، ولم أعرف إجابة واضحة ، ولكن الذى أعرفه أن أساتذة الجامعة هم عماد البناء الحضارى فى أية أمة ، وقد كانت مصر فى بدايات نهضتها تستقدم أساتذة للتعليم العالي ؛ والثانوي أيضاً ، فى تخصصات عديدة لتحقق أملاً تسعى إليه وغاية تعمل من أجلها ، والسؤال هو : لماذا التفريط السهل فى الأستاذ الجامعى ؟ ولماذا التمسك القوى برجل الشرطة أو العسكرى بعد انتهاء خدمته الميدانية ، ليعمل في مجالات مدنية ، ومنها مجالات لا علاقة له بها مثل الثقافة ومحو الأمية والإذاعة والتلفزيون والمجالس النيابية والمحليات ووسائل المواصلات والاتصالات ؟ من يعلم الإجابة أرجوه أن يخبرنى ! .
            عدت إلى الفندق أجرّ نفسى جرّا ، وكان علىّ أن أبقى مرغماً للعشاء مع الزملاء ، وأتناول منه قدر ما أستطيع ، فلست متعوّداً على الأكل فى وقت متأخر .. وكان نوم مضطرب .. وكان استيقاظ متكرر .. حتى جاء الفجر ، موعد يقظتى المعتاد ..
            تمنيت أن أجد الفول فى الإفطار ، ولكن المطعم المفتوح فرنسى الهوى والسمات ، حتى الجبن لم يظهر إلا بعد طلبه من القائمين على شئون المطعم ، وكان هدفى الأول هو الشاى ..وحسناً فعل القوم حين جاءوا بعلبة شاى ليبتون وبجوارها السكر والماء الساخن ، بعد أن عرفوا أن المشارقة يُفضلونه على الشاى الأخضر ..
            فى جلسات الطعام ، يكون الأكل آخر هدف لأعضاء المؤتمر . الهدف الرئيسى هو الثرثرة المفيدة حول أحوال البلد المضيف ، وبلد الضيف .. أحوال الثقافة والتعليم والفكر والسياسة والأدب والاقتصاد وأيضاً ، العادات والتقاليد .. إنها ندوة مفتوحة ، وقد يجد المرء نفسه هو المحاضر فيها دون أن يفكر فى إعداد المحاضرة وصياغتها .. هى محاضرة عفوية تلقائية ، تنحو إلى الفصحى غالباً ، ليفهم الآخرون عنك وتفهم عنهم ، فاللهجة المغربية تبدو صعبة للغاية بسبب السرعة الشديدة واختلاف المصطلحات إلى حد ما ، لذا فهم حريصون على الفصحى بطريقتهم المميزة عند الحديث إلى المشارقة . ولا يجدون صعوبة فى التفاهم مع الفرنسيين بالفرنسيّة ، حتى يتكلمونها بإتقان كأهلها ..
            وقد لاحظت أن المطعم يغصّ بالأسر الفرنسية التى جاءت للسياحة ، وتسكن الفندق معنا ، ويتكاثرون فى وجبة الإفطار ، لأنها مجانية ضمن تكاليف الإقامة ، أما فى الغداء فيقلون ، ويكادون يتلاشون فى وجبة العشاء ، بسبب تناولهم لها فى الحىّ الشعبى الذى يعد رخيصاً بالنسبة للفندق ومراكش الجديدة ..
            لقد كانت جلسات المطعم مع الأعضاء والزملاء دافئة وحميمية ، وتعبر عن وحدة أمة ، فرّقتها الأحوال والظروف ..
            ...................................
            *المصريون ـ في 4/12/2007م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #66
              الطريق إلى مراكش الحمراء (4 )

              بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
              ..............................

              الشارع في مراكش منضبط ! حلم أن تكون شوارع أي مدينة مصرية منضبطة .. خليها على الله ، السيارات في شوارعنا من كل شكل ولون .. و " معلهش " أصل احنا بنتكلم " و " مصر حتتقدم بينا " ، ولكن المغاربة يلتزمون التزاماً صارماً بالقانون : المواطن والمسئول الذي ينفذ القانون . لا يمكن أن تجد ذلك الكرنفال الذي تعرفه شوارعنا وطرقنا السريعة والفرعية " تريللا " و " مقطورة " ، و " كارو " و " ملاكى " ، و " أجرة " ( عفاريت الأسفلت ) ، الدنيا مختلطة ، ويتوه رجال المرور مع المارة فى قلب الطريق ، وإذا أصرّوا على إثبات وجودهم توقفت حركة المرور ، وشعر الراكبون والناس جميعاً بالاختناق ! فى مراكش لا يستطيع أحد أن يقف فى الممنوع لحظة ، تنشق الأرض ويخرج رجل المرور ليُعاقب قائد السيارة أيا كان اسمه أو رسمه .. لا يوجد هناك : انت عارف أنا مين ؟ أوابن مين ؟ ورأيت بنفسى شخصية كبيرة تخضع لرجل المرور الحازم الصارم ، الذى لا يمدّ يده ، ولا ترتعد فرائصه أمام موظف كبير أو ابنه أو راقصة درجة ثالثة تهدد بنقله إلى حلايب وشلاتين !
              حركة المرور هناك – وعقبى للقاهرة وبقية المدن – تنساب بهدوء ، ودون عادم سيارات ، وإشارات المرور آلية ، لا يحركها شرطى ، ولا يُشرف عليها لواءات وعمداء وعقداء فى عرض الشارع ، وإذا قطع أحدهم الإشارة وجد المرور يمسكه من عنقه ، ويُعاقبه بالغرامة على الفور أو السجن مع الغرامة فى الحال ، لا تجدى التوسلات أو الرجاءات أو " معلهش " ..ولذا فكل الناس يحترمون نظام المرور .. حتى " الحنطور " الذى ما زال موجوداً ، ويلعب دوراً مهماً فى السياحة والتجوّل بالسائحين فى أرجاء المدينة .. وهو " حنطور " متحضر ، لا يُلوث الشارع ، لأنه يستخدم " البامبرز " الذى بشّر به " سنبل " فى " رحلة المليون " ! لا تضحكوا – والله العظيم يضعون تحت ذيل كل حصان قطعة قماش أو مشمع عريضة تنحنى من الطرفين لتسقط فيها فضلات الحصان ، حتى لا يتسخ الشارع .. ويلتزم الحنطور بالسير بجوار الرصيف دون أن يُغالب السيارات ، وله مواقف مخصصة له ..
              بيد أن الدراجات تمثل ظاهرة ملحوظة ، حيث يمتلئ الشارع بالدراجات العادية والبخارية ، ويُمكن لها أن تصعد الرصيف العريض وتمضى عليه ، والدراجات البخارية تحمل شخصين أو ثلاثة ، والمفارقة أن المحجبات يركبن الدراجات البخارية أيضا مثلهن مثل السافرات وكل واحدة وراءها اثنتان ، وفى الجامعة رأيت مكاناً واسعاً مخصصاً للدراجات إلى جانب السيارات .. ركوب الدراجة لا غضاضة فيه ، ويركبها موظفون وطلاب ومعلمون من الجنسين . سيارات الأجرة متوفرة ، وسائقوها مهذبون هادئون ، ويستخدمون العدادات ( عقبى لنا يارب ! ) ..
              وصلنا إلى مقر المؤتمر بجامعة القرويين فى التاسعة صباحا ، حضر رئيس الجامعة وعميد الكلية ورئيس رابطة الأدب الإسلامى العالمية ورئيس الرابطة فى المغرب .. بدأ افتتاح المؤتمر بالقرآن الكريم ، وتلاوة القارئ على طريقة " ورش " .. لا يتلون هناك بقراءة حفص .. قراءة " ورش " هى السائدة فى المساجد والصلوات والتعليم .. وقد اتخذ وزير شيوعى سابق من قراءة " ورش " سبباً منع بموجبه مئات العناوين من الكتب الإسلامية من المشاركة فى أحد المعارض الخاصة بالكتاب ! ومع ذلك لم نسمع لرفاقه فى مصر أى احتجاج على مصادرة الإبداع ، هم لا يتكلمون عن المصادرة إلا إذا أصابت كتابة ملحد أو شيوعى أو ساع للشهرة يكره الإسلام !
              رئيس الجامعة ، تحدث حديثاً رقياً عن الأدب وأهميته ، ودور المؤتمر فى ترسيخ قيمة الكلمة فى البناء والإصلاح ، وتوالت كلمات الجالسين على المنصة تؤكد دور الحروف المتوضئة فى تحقيق السلام الروحى والنفسى والوجدانى واختتمت الجلسة الافتتاحية بقصيدة جميلة للشاعر المغربى الكبير " حسن الأمرانى " – الذي غاب عن المؤتمر ألقاها نيابة عنه شاعر مغربى كبير آخر هو " محمد على الرباوى " .
              لاحظت أن المؤتمر فى جلساته التالية تمتع بقدر كبير من حسن التنظيم ، وخاصة فيما يتعلق بالحوارات التى كانت تتعلق بالبحوث الملقاة .. كانت هناك فرصة للتعقيب والرد عليه . كانت الحوارات على الطريقة التبادلية ( خذ وهات ) بما يُحقق قواسم مشتركة .. الصراحة سمة عامة ، فى إطار الاحترام الكامل لوجهات النظر المختلفة .
              كان عنوان المؤتمر : " نحو منهج إسلامى للرواية " ، وقد شارك فى المناقشات من يرفضون وجود الإسلام فى أى شئ خارج جدران المسجد .. ولكنهم كانوا أكثر نضجاً وتقبلاً للآخر ، ولا يجدون غضاضة فى قبول ما يقتنعون به .. على العكس من رفاقهم فى بلادنا البائسة ؛ الذين يستأصلون كل مخالفيهم ، وكل من لا يسير على خطاهم الضالة ، هل يرجع ذلك إلى تعوّدهم على قراءة أكثر من وجهة نظر ؟ أو يعود إلى أنهم يتمتعون بهامش حقيقى للحرية ، فلا يُقلدون من عندنا حيث يقولون مالا يفعلون ؟
              بالطبع ، ليست الصورة هناك وردية على الإطلاق ، فهناك شيوعيون وعلمانيون متعصبون للغاية ، أسوأ من نظرائهم عندنا ، ولكنهم يتحركون فى دائرة محدودة ، تسمح أن تقوم بجوارها دوائر أخرى ، وأذكر أن وزيراً يسارياً سابقاً ، كان لا يدعو إلى مؤتمر " أصيلة " وبقية المؤتمرات الأخرى التى تقيمها وزارته ، غير الشيوعيين المتأمركين عندنا وأشباههم !
              على كل حال ، فإن سير المؤتمر أو الملتقى كان جيداً ، وكانت مشاركة أساتذة الجامعة ( القرويين ) تدل على وعى مرتفع بقيمة التفاعل مع الأبحاث والمناقشات .. وأيضاً قيمة التعارف مع الباحثين المشاركين من خارج المغرب والاستفادة بهم فى لقاءات مفتوحة مع الطلاب فى المستويات المختلفة .
              حدثنى بعض أساتذة الكلية عقب انتهاء جلسة من جلسات المؤتمر والاستعداد لجلسة أخرى عن رغبتهم فى أن أخصص لهم وقتاً فى المساء لأتحدث فى موضوع " بلاغة المحاججة والخطاب الدينى " لطلاب المستوى الثالث .
              إن أساتذة كلية اللغة العربية – جامعة القرويين ، يُشعرون ضيوفهم بمودة مغدقة ، وتعاطف كريم ، وهو ما شهدناه فى العديد من اللقاءات والمناقشات .
              الظاهرة اللافتة فى المؤتمر أو الملتقى ، هى مشاركة المرأة مشاركة فعالة ومؤثرة .. سواء فى الأبحاث اللاتى شاركن بها أو المداخلات اللاتى علقن بها على القضايا المثارة ، أو القصائد اللاتى ألقينها ولقيت استحسان المستمعين أو المتلقين .. لم يمنعهن الحجاب من إثبات الوجود والحضور ..وهناك على المستوى العام تتعايش المحجبة ، وخاصة فى مجال العمل مع غير المحجبة ، والمشكلة هى التمييز الرسمى بينهما ، وخاصة فى المؤسسات التى تتعامل مع الجمهور فالبنوك مثلاً لا تسمح لمحجبة بالتعامل مع العملاء ، إنها تجلس فى الخلف ، على المكاتب الداخلية لإنجاز أعمال كتابية ونحوها ، أما غير المحجبة فهى التى تجلس أمام الجمهور لإنهاء معاملاته .. بالطبع غير مسموح للمحجبة أن تظهر مذيعة فى التلفزيون ، مثلما هو حادث فى مصر المحروسة ، حتى الإذاعة ممنوعة على المحجبات ، وقد نُشر مؤخراً إبعاد اثنتين من المحجبات من العمل فى الإذاعة إبعاداً تاماً ، أى فصلهن من الوظيفة بسبب الحجاب !
              ويبدو أن الحجاب لدى الدوائر الرسمية ، وبعض النخب المتغرّبة ، صار مزعجاً لدرجة دفعها إلى تصرفات مجافية للحرية الشخصية وحقوق الإنسان .
              ...................................
              *المصريون ـ في 11/12/2007م.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #67
                الطريق إلى مراكش الحمراء (5)

                بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
                ...........................

                في الوقت الذي تتنافس فيه الدول من أجل زيادة الإنتاج والسبق إلى نتائج متقدمة في البحث العلمي ، وبناء القوة العسكرية لحماية الاستقلال الوطني .. تنشغل بعض الحكومات العربية بقضية الحجاب والنقاب وتجييش الجيوش من الإعلاميين المرتزقة والصحفيين الكذبة ، لتصنع منها قضية ، غايتها الأساسية إلهاء الشعوب عن واقعها البائس المتردي في المجالات المختلفة كافة .. ولا أدرى ما الذي يحدثه وجود مذيعة محجبة أو ممرضة منتقبة في بناء الدولة وتقدمها وحركتها نحو المستقبل ؟!
                أليس وجود مذيعة محجبة أولى من وجود مذيعة دمية لا تملك لغة ولا ثقافة ولا فكراً ، وكل مؤهلاتها جسد عار ملطخ بالأصباغ والألوان لتثير المشاهدين ، وخاصة من المراهقين ؟
                أليس الاهتمام بوضع المستشفيات المتردى وعدم وجود أطباء أو أدوية أو أجهزة أولى من إشعال حريق دولى حول الممرضات المنتقبات ، يشارك فيه أنصار الاستبداد وخصوم الإسلام ؟
                لقد كان فصل مذيعتين محجبتين بالإذاعة المغربية ، مع أن الناس لا تراهما وتسمع صوتهما فحسب ، قراراً مثيراً للاستهجان على أكثر من مستوى .. وقد تساءل الجمهور :
                هل الحرية الشخصية ترتبط بالتعرى دون التغطى ؟
                كانت مفاجأة ، وأنا أقضى أمراً فى استقبال الفندق الذى كنا نقيم به ، أن أرى " فاطمة الزهراء " ، وهى إحدى موظفات الاستقبال ، تطل من الغرفة الملحقة به ، وكانت ترتدى " إسدالا " يُغطى جسمها كله عدا الوجه ، حيث كانت تصلى العصر . فاطمة من الموظفات المجتهدات ، ولكنها وفقا للنظام السائد لابد أن تكشف عن شعرها ، وتكون سافرة ، وإلا فلا مكان لها !
                الدنيا تتحرك .. والقوم فى بعض بلادنا العربية حريصون على إرضاء السادة الأفاضل قادة الاستعمار الصليبى المتوحش ، ولو جاء ذلك على حساب الدين والقيم !
                والمرأة العاملة فى المغرب ، تبدو مظلومة ، أكثر من أخواتها فى البلاد العربية الأخرى . رأيت العاملات والموظفات المغربيات فى معظم الأماكن يقمن بأعمال شاقة ومرهقة .. يكاد الرجال يعيشون رفاهية العمل ، والبطالة أيضا .. أما المرأة التى تبدو حاضرة دائماً فى معظم أماكن العمل ، فتحمل العبء الكبير فى التنفيذ والإدارة مع تواضع الأجور ، وواضح أن هذه المسألة لا تلفت نظر الجمعيات والهيئات التى تزعم أنها تدافع عن المرأة !
                ومهما يكن من أمر ، فإن الأوضاع الاجتماعية بالمغرب الشقيق ، بما فيه وضع المرأة ، مكشوفة وواضحة ، سواء كانت إيجابية أو سلبية ، إنهم هناك يتعاملون من خلال ما يُسمى عندنا بالشفافية ، لا تعتيم ولا استهانة ، وعشرات الصحف اليومية تتناول ما يحدث داخل المدن الكبرى والقرى الصغرى على السواء ، وللأحزاب جميعا ، والقوى الساسية المختلفة ، صحفها التى تنطق باسمها ، وتبدى رأيها فيما يجرى ويحدث مما يُعطى صورة متكاملة عن أى حدث أو موضوع .
                ويُلاحظ أن الأحياء الشعبية فى مراكش تحتفظ بطابعها التاريخى القديم ، وتجد إقبالاً منقطع النظير من جانب السيّاح والأجانب ، وخاصة فى المساء .. وتشبه إلى حد ما خان الخليلى فى القاهرة الفاطمية ..
                وأبرز مافى مراكش القديمة مسجد الفنا ، وقبر يوسف بن تاشفين ، وقبر المعتمد بن عباد الذي لم تتح لى الفرصة كي أزوره . والمسجد صورة من الحالة التاريخية التى كانت سائدة فى عصر الموحدين ، وهو عصر شهد مبادرات عسكرية وبطولات حربية كان بطلها يوسف بن تاشفين زعبم الموحدين المشهور ، وقد كان الأثر الحربى واضحاً فى أبنية مراكش القديمة ، حيث تميل المبانى إلى شكل الحصن الذى ينتظر الأعداء القادمين من كل مكان .
                فمسجد الفنا مثلاً ، تقوم مئذنته على هيئة مربعة ، تشق عنان السماء ، وطرفها العلوى يكاد يكون مختفيا داخل المربع ، الذى تظهر على جوانبه عدّة نوافذ ضيقة للغاية ، وكأنها مجرد وسيلة لمراقبة الفضاء المحيط .
                والمئذنة نموذج لبناء المسجد ذاته الذى يبدو على هيئة قلعة لا يتم تمييزها عن بقية المبانى إلا بالمثلثات التى تصطف على حواف جدرانه الأربعة العليا بما فيها حواف المئذنة أيضا .
                أما قبر يوسف بن تاشفين ، البطل الذى ظل قويا وصامدا فى فترة انهيار الأندلس واستقواء الصليبيين الهمج ، فهو قبر بسيط ، يُحيطه الإهمال ، وتعلوه آثار عوامل التعرية .. وكأن القبر يحدث الناس عن نفسه ، وعن صاحبه وأعماله التى لا يعرفها المسلمون المعاصرون ولا الذين سبقوهم حتى وفاة ابن تاشفين نفسه ، مسجد الفنا بداية للمكان الذى يمثل مركز مراكش القديمة ، وهو الساحة .. والساحة دائرة كبيرة مبلطة بالبلاط الأسود المستطيل الصغير ، الذى يشبه بلاط الحوارى القديمة فى القاهرة المعزّية ..
                والساحة فى النهار تبدو فارغة من الجمهور اللهم إلا مجموعات من الدكك والترابيزات الخشبية والنصبات الخاوية .. وتظل الساحة خالية حتى منتصف النهار ، عندما ينصرف الموظفون والعمال من مكاتبهم وأعمالهم .. وحينئذ تتحول إلى شئ آخر تماماً ..
                الساحة عندما تعمل ، تكتظ بالناس من كل الأجناس ، وليس المغاربة وحدهم ، هناك باعة الأطعمة المختلفة اللحوم والأسماك والفطائر ، وهناك الطعام الشعبى بدءًا من لحمة الرأس إلى الممبار ، والأسماك بأنواعها المختلفة ، مشوية أو مقلية ، وقد تعرضت لموقف صعب حين وقفت مع صديقى الشاعر المغربى الكبير " محمد على الرباوى " والدكتور " عبد العالى بوطيب " ، وكلاهما أستاذ جامعى ، واصرّا على أن أتناول معهما طبق الحلزون ( القواقع ) ! منظر الحلزون أزعجنى ، وجعلنى أتقزز ، وهما يضحكان ، ويُحاولان إقناعى بكل الوسائل أن أتذوقه ، مجرد تذوق ، ولكنى لم أستطع ، كان الرباوى يتناول ( شوربة ) الحلزون ، وهو يقهقه وعبدالعالى يستخدم الملعقة فى التهام اللحم الحلزونى بهمة ونشاط .. وأنا أرفض رفضاً قاطعاً ، كان يتكلمان عن فوائد الحلزون ، وتهافت الأزواج على استخدامه ، وأشياء أخرى ، ولكنى لم استجب لهما وهما يضحكان ، ربما لسذاجتى الريفية أو عدم خبرتى الحياتية ..
                من المفارقات أننى شاهدت تقريراً تلفزيونياً يتحدث عن مطعم خاص بالحلزون افتتح فى إحدى المدن الفرنسية ، يقوم صاحبه بالحصول على الحلزون وإعداده وتقديمه للزبائن بأسعار مرتفعة للغاية ، ويصدره إلى دول الاتحاد الأوروبى ! ولله فى خلقه شئون !
                إلى جوار مطاعم الساحة ، حلقات الحكواتى الذى يجلس مع فرقته الموسيقية ليحكى السيرة الشعبية وله جمهوره الذى يتفاعل معه ويندمج إلى درجة التماهى ، يذكرنا بشاعر الربابة قديماً فى مقاهى مصر وقراها ، وهناك حلقات عرض الثعابين ، وباعة الفواكه ، والتمور ، والياميش ..
                أما المحلات على حافة دائرة الساحة ، فهى متنوعة بتنوع أغراض الناس بدءاً من الملابس الجاهزة والهواتف المحمولة إلى المكتبات والفنادق .. وهذه المحلات لها نظامها المختلف تماماً عن الساحة . فالساحة مقصد الفقراء والأغنياء والسياح ، يأكلون ويستمتعون بدراهم معدودة ، أما المحلات على حافتها ، فهى مقصد القادرين وحدهم ، لأن أسعارها مرتفعة وتكاد تقترب من أسعار مراكش الجديدة .
                ...................................
                *المصريون ـ في 25/12/2007م.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #68
                  الطريق إلى مراكش الحمراء (6)

                  بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
                  ..........................

                  من الساحة قرب مسجد الفنا أو الكتيبة ، تبدو مجموعة من الشوارع الضيقة الطويلة ، التي لا تختلف كثيراً عن شوارع القاهرة المعزّية ، وتضم هذه الشوارع التي تتولد منها شوارع أضيق معظم التجار الذين يقومون على تجارة الجملة والتجزئة ولبعض محلاتهم أسماء مخالفة للأسماء الشائعة عندنا ، وإن كانت تتفق معها في المعنى اللغوي والدلالي ، على سبيل المثال ، تسمّى محلات العطارة بالمعشبة وهى مأخوذة من العشب الذي يعتمد عليه العطّار في جلّ بضاعته ، ومحل الجزارة يسمى الملحمة وهى من اللحم فهي مكان للحم أو لبيع اللحوم ، ومقر الهاتف العمومي يطلق عليه مستقر الهاتف أو المكان الثابت للهاتف ..
                  وظاهرة استخدام المشتقات / المغايرة واضحة في أكثر من مجال ، فسيارة الأجرة مثلاً التاكسي تكتب هناك أحيانا " الطاكسى " ، والشوارع الضيقة الطويلة يطلق عليها " رياض أو طريق ، والمحلات الصغيرة تسمى " طوالة " وهواتف المحمول والساعات والمسجلات والنظارات ، تجمع في تسميتها العربية والأجنبية .. وبدلاً من كلمة عالم يوضع مكانها فضاء ، فنجد مثلاً " فضاء إلكترونيك " وهاتف المحمول يسمى النقال وتاريخ الميلاد يسمى تاريخ الازدياد ، والمغسلة ( للملابس ) تسمى مصبنة ، نسبة إلى الصابون ، والبنوك يطلق عليها الأبناك ، وأحياناً تسمى المصارف ، وبوابة الرسوم على الطرق السريعة تسمى محطة الأداء .. وفى مجال التعليم ، مسميات عديدة مغايرة يمكن أن نجد تجلياتها في الكتب التي يترجمها الزملاء المغاربة عن الفرنسية – غالباً – وتكاد تأخذ طابع الأداء الفرنسي في تركيب الجملة الفرنسية وصياغتها .. ولعل هذا ما أدى إلى ضبابية كثير من المصطلحات الأدبية الحديثة ، وخاصة فى مجال النقد الأدبى على النحو الذي يعرفه المتخصصون ، وهو ما أدى إلى وجود فجوة كبيرة عندنا بين فريق من النقاد وقرائهم ، نتيجة لمتابعة الأولين للترجمات العربية القادمة من المغرب الشقيق .
                  وبعيداً عن أمر المعجم السائد فى مراكش الحمراء وغيرها من بلاد المغرب العربى ، يبدو أن الفضائيات العربية ، وخاصة السياسية ، قد نجحت إلى حدّ كبير فى التقريب بين المشتقات العربية أو التعريف بها فى سياق النشرات الإخبارية والبرامج الجادة ؛ إن الحى الشعبى الذى يصب فى الساحة ، يبدو عالماً مدهشا ، بما يتوفر فيه من حرفيين وتجار فى مختلف السلع واللوازم ، وخاصة فى الحارات الضيقة التى تشبه المتاهة ، وتؤدى نهايتها كما يتخيل الزائر إلى بداية أخرى لها نهاية تؤذن ببداية جديدة وهكذا .. واذكر أننى وقفت مع صديق فى أحد المحلات أو الطوالات ، لشراء شئ ما ، وطلبت من البائع الذى تعرّفنا عليه ، وجلسنا فى طوالته نحتسى الشاى الأخضر ، أن أحصل على شيء ما من مكان آخر ، فأرسل معي شقيقه الأصغر ، الذي أخذني ، ودخل بي من حارة ضيقة إلى أخرى أضيق ، ومن منعطف إلى منعطف ، حتى وصلنا المكان الذى كان على هيئة منزل قديم ، ولكنني فوجئت في الدور الأرضي بمعرض فخم للملابس ، وفى الدور الثانى بمعرض آخر للستائر وما يشبهها ، ثم كان الدور الثالث مطعماً شرقيا ، ولأننا كنا فى الصباح والمكان شبه خال ، سألت مرافقى ، هل يعرف الزبائن هذا المكان ؟ ، فقال لى : إن زبائنه يأتون من أنحاء المغرب والعالم ، وفى مقدمتهم السيّاح ، الذين يستمتعون بما يشترونه ويأكلونه هنا .. ومع التواضع الذى يبدو عليه المبنى الذى كنا فيه ، شأن بقية المبانى المجاورة ، إلا أن الداخل يختلف تماماً ، من حيث التنظيم والتنسيق والشكل العام ، فضلاً عن النظافة التى تبدو سمة عامة فى الأماكن العامة ، وخاصة " الحمامات " التى تعد قطعة من البللور النقى ولا أبالغ ، فلا توجد بها ذرة تراب أو أثر ، ولو كان بسيطا ، للإهمال أو القذارة ، بل إنها مزوّدة بأحواض تلمع ، ومرايا صقيلة ، ومنظفات من أرقى الأنواع ..
                  تذكرت الحمامات فى بلادى ، وخاصة فى الميادين والمساجد والمصالح الحكومية والمدارس والجامعات ، حتى تلك التى تخصص للسادة الكبراء ، ويحتفظ الحجّاب بمفاتحيها .. فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله .. صحيح أن الحضارة نظافة ، ويوم كان الهمج الهامج فى أوربا لا يعرفون الحمامات ولا كيف يستحمون ، كان هارون الرشيد – رحمه الله – يطلب من مساعديه أن يذهبوا بضيوفه من هؤلاء للاستحمام أولاً ، وكانوا يخافون أو يستشعرون نوعاً من الدهشة وهم يدخلون الحمّامات ، فيتولى المساعدون بيان كيفية استخدامها حتى يحدث الاطمئنان للقوم .
                  هل تستطيع أن تجد فى القاهرة الآن حماماً عاماً " معقول " النظافة ؟ بل هل تجد فى الأصل حمامات فى كثير من الأماكن ؟ لنا الله !
                  فى المحلات التجارية التى تبيع الأجهزة الكهربائية " الثلاجات والغسالات والمطابخ " قرأت اسم شركة مصرية على ثلاجة أو غسالة لا أتذكر . نبهنى إليه صديقى الذى كان يرافقنى فى رحلة التجول فى الحى الشعبى .. فرحت فرحاً شديداً ، لأن " رجل قروض " مصرى استطاع أن يصدّر " سلعة " مصرية إلى بلد عربى . أعلم أن هذه السلعة تجميع " كورى " أو تايوانى " ، ولكنها فى كل الأحوال عبرت عن حالة ذات قيمة ، وهى إنتاج بضاعة للتصدير على العكس من بقية رجال القروض الذين يريدون الاقتراض من البنوك المصرية حتى تجف ، ثم يهربون أو ينشئون مشروعات ترفيهية أو كمالية لا تسمن ولا تغنى من جوع ، ويطلقون القنوات الفضائية المبتذلة بقصد تغيير هوية البلد وأهله ولغته ، أو يحلمون بالسيطرة على البلد واقتصادها وسياستها وإعلامها فى ظل " المواطنة " التى تعنى الخروج من دين الإسلام والدخول فى عباءة الهمج الهامج من صناع الوحشية الاستعمارية !
                  على الأرصفة تباع أشرطة وأسطوانات مدمجة ، أغلبها فرنسى ، أو مصرى وتشمل الأغانى والأفلام والمسلسلات والمسرحيات والمباريات ، والقوم هناك يعرفون أسماء المطربين والممثلين ولاعبى كرة القدم ، و " أبو تريكة " و الأهلى ، لهما شعبية جارفة هناك ، وللزمالك أنصاره أيضا ، ويحتشد الناس هناك أمام الشاشة الصغيرة فى مباريات الفريقين الكبيرين فى الدورى المصرى أو الكأس المحلى أو الإفريقى .
                  فى محلات الأقمشة التى تملأ حارة ضيقة انطلق صوت أم كلثوم بأغنية جميلة من الخمسينيات ، وصاحبها يجلس فى محله الصغير منسجماً مع الصوت الذى ظننت أنه انتهى بعد موت صاحبته بأكثر من ثلاثين عاماً فى ظل هوجة " التغريب " و " الديسكو " والصخب التافه الذى صنعه مطربو الأيام السود ودمى الأجساد المتهرئة بالكولاجين !
                  كان على في آخر الجولة أن أحسم أمرى ، وأشترى " المحمول " الذى أوصتنى به " فاطمة ابنتى " أو أمى الغالية كما أناديها .. لابد أن يكون محمولاً بغطاء برقم معين من أحدث الأنواع .. أليس لها حق ، وقد حمل أشقاؤها أغلى " المحاميل " ؟ هل كونها أصغرهم لا تستحق محمولاً ؟ على عينى يا أمى ، ولكن تذكرى أن أباك " أستاذ الجامعة " على المعاش ، وليس تاجر مذكرات ، وجمال سلطان لا يعطيه " هُبراً " ولا عظاماً مما يدفعه لكتّابه كما زعم بعض القراء ، بل ضنّ على أبيك بنسخة من " المنار " لأنه ينسى !! على عينى يا أمى الغالية .
                  ...................................
                  *المصريون ـ في 1/1/2008م.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #69
                    الطريق إلى مراكش الحمراء (7)

                    بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
                    .............................

                    إذا كان المشهد الثقافي في المغرب بصفة عامة يتصدره " اليساريون " في صورة المسئولية الرسمية والتشكيلات الثقافية والأدبية المهيمنة ؛ فإن طبيعة المغرب الشقيق في صورتها الحقيقية تظل مرتبطة بالإسلام والقرآن والروح الشرقي . وصعود أهل اليسار في الثقافة المغربية ، لا ينفصل عن صعودهم في بقية البلاد العربية ، حيث أتاح لهم الاستبداد في معظم عواصمنا أن يقوموا بمهمة غير كريمة ، وهي إزاحة الإسلام المقاوم والمعارض الحقيقي من العقول والنفوس ، والتشكيك في قيمه وثوابته ، وخدمة الأنظمة الشمولية ، وتسويغ تغوّلها على حرية الأوطان والمواطنين ، في مقابل ما يلقى إليهم من فتات المناصب الحكومية والجوائز العينية ، والحضور الإعلامي في أجهزة الدعاية الحكومية ، والتمثيل الوطني في المهرجانات والندوات والمؤتمرات الخارجية ..
                    ومع ذلك ؛ فالمقاومة للتوحش اليساري ، وخاصة اليسار المتأمرك ، ومهمته التغريبية لا تتوقف ، والنخبة المثقفة ذات التوجه الإسلامي لا تتوانى عن العمل بإمكاناتها المحدودة الضعيفة ؛ لترسيخ المفهوم الإسلامي الصحيح في القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية ، ويساعدها الهامش المحدود للحرية في المغرب على العمل والممارسة .. إنه هامش محدود ولكنه حقيقي يسمح بانتخابات تشريعية حقيقية إلى حد كبير ، ويسمح بإصدار صحف ، وعقد ندوات ومؤتمرات ، والخطوط الحمراء لهذا الهامش واضحة وصريحة ، ويعر فها أهل المغرب ، فلا ادعاء بأزهى عصور الحرية والديمقراطية ، ولا زعم بأنه لن يقصف قلم ، أو تغلق جريدة .. لا شيء هناك من ذلك . الخطوط مرسومة ، وعلى العابرين أن يسيروا في حدودها ، ولا يتخطوها .. وهو أمر مرحلي مريح للطرفين على كل حال !
                    وأعود لأؤكد أن اليساريين المغاربة ، ليسوا بالصلف أو الادعاء الذي نراه عند نظرائهم في مصر ، أو كثير منهم ، فهم يراعون إلى حد ما العلاقات الإنسانية السائدة ، وإن كانوا لا يتوانون عن العمل في برنامجهم الاستئصالى الداعم للاستبداد على المستوى العام !
                    وفي الجانب الآخر ، هناك دفاعات باسلة عن الإسلام وحقائقه في حدود الإمكانات المتاحة ، وقد لفت نظري وجود شخصية لطيفة نشيطة ، ومع السنوات الطويلة التي يحملها على كاهله ، فهو لا تكف عن الحركة والعمل ، وطول أيام الملتقى الأدبي ، كان الشاعر " جلول دكداك " الذي تجاوز السبعين ، ويكلل رأسه الشعر الأبيض الناصع ، ينطلق في أرجاء القاعات والفندق مثل شاب في مقتبل العمر ، يسأل ويناقش ويتعرف ، ويوزع كتبا ودواوين ، ويتبادل العناوين ،ويقوم بالتصوير ، وكثيرا ما أجده على مائدة الإفطار أو الغداء أو العشاء ، أو في ردهات الفندق أو المؤتمر ينهض من مكانه ، ويميل علىّ ، ويسألني :
                    - سي حلمي ، ما رأيك في الموضوع الفلاني ؟
                    - سي حلمي ، هل قرأت كذا ؟
                    - سي حلمي ، خذ هذا .. ( قد يكون صحيفة ، أو موضوعا ، أو قصيدة ... )
                    صار " جلول " معلما من أهم المعالم المميزة للمؤتمر ، نفتقده إذا غاب لدقائق ، ولكنه كان حاضرا دائما في الأذهان والقلوب ، طيبته الفطرية ، ومودته الإنسانية ، وحرصه على مناغاة الضيوف ، جعل منه نجما بلا ريب ، ويصف نفسه بشاعر السلام الإسلامي ، وهو بالفعل يعيش في سلام مع نفسه ومع الآخرين ، وإن كان لا يكف عن الكتابة والعمل والنشاط . ذكرته برسائله وقصائده التي كان يرسلها إلى مجلة " الشعر " قبل ثلاثين عاما أو أكثر . كان الدكتور عبده بدوي – رحمه الله – قد نجح في إصدارها مرة أخرى عام 1976م على عهد " يوسف السباعي " – رحمه الله – وكنت أحرر بعض أبوابها ، وكانت تأتي رسائل " جلول " مفعمة بإنسانيته وطيبته الفطرية ، فأنشر القصائد وأرد على الرسائل ، ومع سنّه المتقدمة لم يزل ينشد لفلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والصومال ، وبلاد المسلمين المستباحة ، ويرد على أكاذيب أهل ( الحداثة ) المتغربين ، ويكتب المقالات ، ويصحح المصطلحات ، ويسعى لنصرة القرآن الكريم ، ويستوعب – بحب – كتابات الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – ويردد مقولته : " إن أخشى ما أخشاه على الإسلام والمسلمين ؛ هم المسلمون أنفسهم !" ..
                    و" جلول " يحتاج إلى صفحات للتعريف به ، وتناول كتاباته وأشعاره ، ولكنه يبقى نسمة ندية في صيف قائظ يصنعه خصوم الأمة . وتمتد هذه النسخة إلى آفاق أخرى ، وتتحول في أيام البرد العاصف إلى لمسة دفء وأمل ، عندما تلتقي أساتذة كلية اللغة العربية – جامعة القرويين ، في مراكش الحمراء ، بدءا من العميد ، حتى أصغر معيد ، بل إلى الطلاب أنفسهم .. هناك أمل في عالم آخر ، من أهل التعليم والثقافة ، يحترمون التقاليد ، ويحترمون بعضهم ، ويقدسون العلم والبحث ، ويشتاقون إلى المعرفة ، ويرجون ضيوفهم أن يتحدثوا إليهم في ندوات مفتوحة مع الطلاب ، أو يحاضرونهم في تخصصاتهم المختلفة ,, الطلاب ملتزمون بالحضور ، والمتابعة والمناقشة ، ودراستهم شاملة متكاملة ، فهم في قسم الدراسات العربية مثلا ( يسمونه مسلك الدراسات العربية ) ، يدرسون ستة فصول ، وتجد فيها مواد مختلفة بدءا من دراسة اللغة والأدب والسيرة وفقهها ، والمذهب المالكي ،والمكتبة الإسلامية وتقنيات التعبير والتواصل ، والنحو والصرف والبلاغة واللسانيات والتفسير ، والعقيدة والقانون والنقد وإعجاز القرآن والبلاغة النبوية والقراءات والسرد ، والعقود والالتزامات والمعلوميات والأدب الإسلامي والفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية والتداولية ، والأحوال الشخصية ، والأسلوبية ، ومنهجية البحث ، والتصوف الإسلامي ، وعلوم القرآن ، وتحليل الخطاب والسيميائيات والعروض ومناهج الدراسات الأدبية إلى جانب الفرنسية والإنجليزية ....
                    وإلى جانب الدراسات المنهجية ، هناك نشاطات مستمرة على شكل ندوات ولقاءات وإصدارات تعالج مختلف الموضوعات والقضايا ، ومن خلال رؤى متنوعة وتصورات شتى ..
                    كان وداعنا لمراكش الحمراء وداعا للحظات استثنائية في العمر ، عشناها بين أهلنا وأمتنا بعيد عن صخب المتاعب والمحن في مصر المحروسة التي لا نتوب عن حبها ولا نقدر ، مهما فعلت بنا ، وأزرت بوجودنا في ظل أوضاع استثنائية لا تجنح أبدا إلى الوضع الطبيعي الذي استقرت عليه أغلب الأمم ؛ حيث يكون الوضع الاستثنائي قصيرا تعود بعده إلى حالتها الطبيعية ، ولكن قدرنا أن نحيا في استثناء دائم ، وعذاب دائم حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .. وبلادي بلادي .. لك حبي وفؤادي ، وعذابي أيضا..
                    ...................................
                    *المصريون ـ في 15/1/2008م.

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #70
                      شهادة:
                      يا منصف الشعراء والأدباء

                      بقلم: مؤمن الهباء
                      ..................

                      رغم أنه صديقي إلا أنه مازال قادراً علي أن يدهشني بين آن وآخر.. قرب المسافات بين الناس يكسر حاجز الدهشة والإبهار.. لكن هذه القاعدة لا تنطبق علي صديقي الدكتور حلمي القاعود المبدع والناقد والاستاذ الجامعي.. يغيب ويحتجب ثم يفاجئني بما هو جديد ومثير.
                      وقد اعتاد د. القاعود ألا يساير الموجة.. فلا يهتف مع الهتافين.. ولا يصخب في صخب الصاخبين.. وإنما يفكر ويتأمل ويدرس ويقوم.. ثم يخرج بمفاجأة مدوية.. يقلب الموازين.. وينصف المظلومين.. ويجهر بكلمة الحق الثقيلة.. التي ربما تكون سبباً في الإضرار بصاحبها.. وتلحق الظلم به هو شخصياً.
                      ويعرف كثيرون أن د. القاعود ظلم كثيراً لأنه لم يقف في طابور الهتافين.. المتزاحمين علي المناصب.. المتفننين في التلون والتكيف من أجل الوصول إلي مواقع النفوذ والمال والجاه.. لكنه - فيما أظن - قد استراح إلي الطريق الذي ارتضاه لنفسه فأرضي ضميره.. وكسب أكثر بكثير مما خسر.. فكانت تجارته في المحصلة النهائية رابحة.
                      ولأنه مطمئن إلي هذه النتيجة فلا تكاد تلمس فيه اضطراباً.. أو اختلالاً في التوازن النفسي.. إنه الهادئ الوقور.. الذي لا يشي مظهره الطيب بما يصدر عنه من آراء وأفكار ومواقف تتسم بالتحدي والصلابة مثلما تتسم بالصدق والإخلاص.
                      وقد تطرقت مؤلفات الدكتور القاعود إلي العديد من المجالات.. فكتب في الإسلاميات 17 كتاباً.. وفي الدراسات النقدية والأدبية 18 كتاباً.. وكتب في الإعلام عن "الصحافة المهاجرة".. وله مجموعة قصصية بعنوان "رائحة الحبيب" ورواية بعنوان "الحب يأتي مصادفة".. وحصل علي جائزة المجمع اللغوي بالقاهرة عام 1968 وجائزة المجلس الأعلي للثقافة عام ..1974 وعمل استاذاً بكلية المعلمين بالرياض في السعودية لمدة خمس سنوات. من 1989 إلي 1994. ومع ذلك لم يزل يعيش في قرية "المجد" بمحافظة البحيرة.. نفس القرية التي ولد ونشأ بها.
                      حين قرأت في وقت مبكر كتابه "الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر" أدركت أنني أمام باحث جاد. قادر علي فرز الغث من السمين.. ولديه من الأدوات ومن الطاقات العلمية ما يعصمه من الزلل أو الشطط.. فهو قادر علي أن ينصف من لم تنصفه الأضواء والجوائز والمهرجانات.. وقادر ايضا وبنفس الدرجة علي أن يضع الآخرين في مكانهم الطبيعي.. وفي كل الأحوال يرتكز علي قواعد وحجج مقنعة.
                      إنه ذلك الفلاح الماهر الذي يستطيع أن يقتلع الهالوك من الحقل حتي لا يغطي علي الورد فيضعفه ويقضي عليه.
                      ويبدو أن هذا الكتاب الذي كشف براعته قد رسم له طريقاً أثيراً لديه.. لإنصاف من يستحقون الإنصاف من المبدعين الذين لا ينالون شيئاً من أضواء المهرجانات والجوائز في مناخ الشللية الثقافية التي يشكو منها الجميع.. لذلك جاء كتابه الأخير ليكمل المسيرة.. هذا الكتاب يحمل عنوان "شعراء وقضايا" وصادر عن دار العلم والإيمان بكفر الشيخ وليس من أية هيئة ثقافية رسمية.. وهو عبارة عن قراءة تكشف جوانب مهمة في الشعر العربي الحديث من خلال بعض شعرائه وقضاياه.
                      يقع الكتاب في 204 صفحات.. ويمارس فيه د. حلمي القاعود هوايته الأثيرة.. وهي محاولة إنصاف بعض الشعراء الذين ظلمهم الواقع الأدبي بالتجاهل والصمت.. أو التقليل من قيمة ما قدموه علي مستوي الفن والصياغة لأنهم لم يدخلوا في دائرة المرضي عنهم من القابضين علي زمام الحياة الأدبية والثقافية.
                      ولا يتحرج د. القاعود من أن يصدع بالحقيقة التي يؤمن بها.. وهي أن بعض هؤلاء الشعراء المظلومين يعد رائداً في مجاله.. عملاقاً في أدائه.. ولكن اختلال المعايير في الواقع الأدبي قلب الموازين.. وأعطي شهرة كبيرة لبعض من لا يستحقونها.. وحرم من يستحقون الإنصاف والعدل.
                      ولقد رأينا خلال الشهور القليلة الماضية أشهر نموذج لاختلال المعايير.. فالشاعر الذي لا يعرف عن الشعر شيئاً يحتفي به في مجلة حكومية يمولها دافع الضرائب.. لكي يصدم الناس بالغثاء الذي أراد فرضه فرضاً.. وعندما علت صيحات الاحتجاج ضده منح علي الفور جائزة الدولة حتي يبتلع الناس ألسنتهم.
                      وبناء علي قاعدة "وبضدها تتميز الأشياء" يضم كتاب د. حلمي القاعود "شعراء وقضايا" نماذج مناقضة لهذا اللون الفاسد والمتسلق.. نماذج لشعراء لهم قضايا من بلدان عربية شتي.. تبدأ من العراق إلي الخليج وتنتهي عند المغرب علي المحيط.. فيري القارئ روحاً عربية واحدة تكاد تسري بينهم جميعاً.. تحمل هما مشتركاً.. وعاطفة مبثوثة في وجدان العرب كلهم.
                      في هذا الإطار يمكن أن تري نازك الملائكة إلي جانب عبده بدوي وحسن عبدالله القرشي ومحجوب موسي وخليفة الوقيان.. كما تجد عصام الغزالي إلي جانب محمد الرباوي وعبدالمنعم عواد يوسف وأحمد بهكلي ونشأت المصري وناجي عبداللطيف وعبدالله شرف.. وغيرهم.
                      لقد أدهشني د. القاعود فعلاً ب "شعراء وقضايا" مثلما أدهشني من قبل ب "الورد والهالوك" وأخذني معه في طريق الإنصاف لمن لم تنصفه الحياة الأدبية.. وقد وجدت أن أول من يجب علينا إنصافه هو د. حلمي القاعود نفسه.
                      ليتني أكون قد بدأت أول سطر في كتاب إنصافه.
                      ...........................................
                      *المساء الأدبي ـ في 8/6/2009م.

                      تعليق

                      • يسري راغب
                        أديب وكاتب
                        • 22-07-2008
                        • 6247

                        #71
                        الاستاذ الكبير
                        الدكتور حسين علي محمد
                        احترامي
                        روائع من الكتابه قدمتها لنا على صفحات تستحق التزيين والتخصيص
                        حيث نتوقف على محطات من والى مراكش ومتابعات فنيه وادبيه واجتماعيه وسياسيا للقدير الكبير الدكتور حلمي قاعود نتمنى الاستفاده منها في مختلف اقسام الملتقيات التي ستجد فيها غذاء للمبدعين وزادا وفيرا من الابداع
                        كل الاحترام والتقدير لشخصك النبيل الكريم
                        والاحترام لكاتب كبير في قامة الدكتور حلمي قاعود

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #72
                          حكمة العائلة المجنونة‏!

                          بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
                          ..............................

                          تمنيت أن أكتب عن هذه الرواية دراسة طويلة‏,‏ فهي مفعمة بالعديد من القضايا والخطوط‏,‏ وصاحبها "فؤاد قنديل" كاتب مثقف ومتمرس بالفن الروائي والقصصي‏,‏ وله إنتاج ملحوظ يصل إلى عدد غير قليل من الروايات والقصص القصيرة‏,‏ تناولت بعضها في مناسبة سابقة‏,‏ على الإيجاز لأسباب تتعلق ببعض الظروف الخاصة التي تضغط لأترك أشياء أو أؤجل بعضها من أجل البعض الآخر‏.
                          "حكمة العائلة المجنونة" رواية حافلة بملامح واقعنا المعاصر‏,‏ بما فيه من انهيارات وانتكاسات ومظالم ومطامع وصراعات جعلت الأخ يأكل أخاه‏,‏ وصيرت معظم الناس مشغولين بجمع المادة والتضحية من أجلها بكل رخيص وغال من القيم والأخلاق والأعراف‏,‏ بدءا بمن يبيع مبان ويتسلم منصبا مرموقا إلى من يبيع أمه في سوق الإهمال والنسيان والأنانية‏,‏ مرورا بمن يتسلق علي أكتاف الآخرين بالنفاق والكذب واللصوصية والتفاهة والانحطاط‏..‏ وفي الوقت ذاته‏,‏ فإن الرواية تقدم القابضين علي الجمر‏,‏ الذين يواجهون الانهيارات بالصمود والمواجهة‏..‏ إنهم ليسوا "سوبرمان" أو ملائكة‏,‏ ولكنهم بشر من لحم ودم‏,‏ تعتريهم لحظات الضعف والانكسار‏,‏ ولكن طبيعتهم الأصيلة تعالج ضعفهم‏,‏ وتجبر انكسارهم‏..‏ هؤلاء وأولاء‏,‏ تضعهم الرواية في عدة خطوط متوازية تتحرك بمهارة لتقدم لنا صورا من الأحوال المتدنية والأخرى المتسامية‏..‏ هناك عائلة "يس الفار" الفقيرة البائسة التي تعيش في حارة ضيقة متفرقة من شارع ضيق في حي شعبي قديم‏,‏ بيوته متهالكة‏,‏ وحياته قاتمة في مصر القديمة‏,‏ وهناك عائلة "فتحي الدمنهوري" وإخوته وأمه في الحي ذاته‏,‏ وفيه "ملاك" وابنه وابنته وزوجه المجنونة‏,‏ وفيه كذلك يحيي صقر وآخرون‏,‏ وعلى مقربة من الحي تقع فيلا نرجس البارودي وإخوتها‏..‏ وتتقاطع حياة هؤلاء الأفراد والعائلات‏,‏ ونجد نماذج متباينة داخل العائلة الواحدة تؤكد وجود خلل اجتماعي خطير من خلال واقعها وسلوكها وطموحها‏,‏ حيث نرى المفارقات التي تؤكد هذا الخلل‏,‏ فعائلة ملاك مثلا‏,‏ تقدم لنا الرجل الذي يجعل من مكتبته الصغيرة المتواضعة منارة للعقول في الحارة الضيقة المعتمة‏,‏ لا يبحث عن الكسب أو المال الكثير‏,‏ ولكنه يكتفي بالقليل، ووقته لهداية المجتمع بما يكتبه من حكم يومية‏,‏ ويعلقها أمام مكتبته، لعل من يطالعها يستفيد منها‏,‏ وفي الوقت ذاته نري زوجه ترفض سلوكه‏,‏ وتحاول أن تفرض عليه أعمالاً معينة كي يغتني ويحقق لها طموحاتها في الوصول إلى مستوى بعض أقاربها الأغنياء‏..‏ ويحتدم الأمر بين الرجل والزوجة حيث يصر كل منهما علي موقفه ورأيه‏,‏ فتفقد الزوجة عقلها‏,‏ وينتهي بها المطاف إلى المستشفي‏,‏ وتقضي بها بقية حياتها‏,‏ ويتكرر الأمر نفسه بالنسبة للولد والبنت ابني ملاك‏,‏ فالولد يمثل امتدادا لأمه ذات التوجه المادي‏,‏ ويقوده ذلك في باريس سنوات طويلة دون أن يفكر في الرجوع إلى والده الذي يتشوق إليه‏,‏ أما البنت فتمثل امتدادا لأبيها‏,‏ وتعيش طلبا للقيم المعنوية، وينتهي بها الحال إلى أزمة عاصفة كادت تودي بها‏,‏ بسبب تمسكها بمبادئها وعدم انصياعها لما يراد، ويعيش الأب "ملاك" مع أحزانه وآلامه وأشواقه أو شهوته إلي إصلاح العالم بالمودة والتراحم‏.‏ هناك "يحيي صقر" سائق السيارة الذي يتزوج "نرجس البارودي" العانس الغنية التي تنتمي إلي عائلة عريقة‏,‏ ويحلم بدخول مجلس الشعب‏,‏ ويحقق هذا الحلم بطرق غير مشروعة‏,‏ في الوقت الذي يخفق أمامه أستاذ الجامعة والصحفية النابهة والمستشار القانوني وآخرون‏,‏ وما نجاح يحيي صقر وهيمنته علي الحي إلا لنجاح الفساد في اختراق عقول كثيرة‏,‏ ومع ذلك فإن الرواية تبشر بالقضاء على الفساد وسقوط الفاسدين‏,‏ فـ "يحيى صقر" حين انكشفت ألاعيبه وخدعه علي يد الشاب المثقف النابه "علي جودة" خريج الفلسفة‏,‏ وبقية شباب الحي المتشوق إلى النور والطهارة والعمل والبناء.
                          وترصد الرواية خيوط الفساد الذي يستغله المغامرون الأجانب الذين يدعمون رغبتهم في الاستثمار‏,‏ ولكنهم يطمحون إلي إفساد المجتمع وبث الانحلال في أرجائه من خلال مشروعاتهم الترفيهية والسياحية التي لا تثمر شيئا بالنسبة للشعب‏,‏ وفي الوقت ذاته تقدم لنا الرواية بعض أبناء الوطن الذين يسعون في المقابل إلى بناء مشروعات ضرورية ومفيدة كما فعل سراج البارودي بإنشاء مصنع لأجهزة الفشل الكلوي الذي ينتشر في ربوع مصر‏.
                          في عائلة الدمنهوري تكمن مفارقات عديدة تكشف عن بؤس العلاقات الإنسانية بين أفراد الأسرة الواحدة‏.‏. "رمزي الدمنهوري‏"‏ مستشار رئيس الولايات المتحدة للشؤون التربوية والتعليمية‏,‏ والحاصل علي جوائز عالية‏,‏ ويستقبله وزير التعليم في المطار مع وفد رفيع. ثم يفاجأ بأن شقيقه "فتحي الدمنهوري" قد طرد أمه من شقته نزولا على رغبة زوجته‏,‏ فتعيش في "الخرابة" التي كانت قصرا فخما في الماضي‏,‏ يأكلها الذباب ورائحة الروث والزبالة‏,‏ ولا ينقذها من هذا المصير البائس إلا امرأة حفظت لها جميلا قدمته لها ذات يوم حين علمت بحالها,‏ فأصرت مع زوجها وأولادها علي أن تقيم معهم إلى نهاية العمر.
                          ويبدو الخيط الأساسي في الرواية قائما على توضيح العلاقة السوية بين المسلمين والنصارى من خلال عائلة "ملاك" وعائلة "علي جودة" وبقية سكان الحي المسلمين‏..‏ إن الرواية تتوصل إلي بيان طبيعة التسامح في العقيدة الإسلامية من خلال الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة‏,‏ التي يوظفها "فؤاد قنديل" مؤلف الرواية بحكمة ومهارة‏,‏ عبر الحوارات والوصف والأحداث‏.
                          إنها حكمة العائلة المجنونة حين تفقد حضارتها‏,‏ وتسمح للأنانية والفساد والقبح‏,‏ أن تكون معالم المجتمع!
                          ...............................................
                          *موقع لها أون لاين ـ في 26/11/2002م.
                          التعديل الأخير تم بواسطة د. حسين علي محمد; الساعة 24-11-2009, 20:24.

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #73
                            المشاركة الأصلية بواسطة يسري راغب مشاهدة المشاركة
                            الاستاذ الكبير
                            الدكتور حسين علي محمد
                            احترامي
                            روائع من الكتابه قدمتها لنا على صفحات تستحق التزيين والتخصيص
                            حيث نتوقف على محطات من والى مراكش ومتابعات فنيه وادبيه واجتماعيه وسياسيا للقدير الكبير الدكتور حلمي قاعود نتمنى الاستفاده منها في مختلف اقسام الملتقيات التي ستجد فيها غذاء للمبدعين وزادا وفيرا من الابداع
                            كل الاحترام والتقدير لشخصك النبيل الكريم
                            والاحترام لكاتب كبير في قامة الدكتور حلمي القاعود
                            شكراً للأديب الأستاذ
                            يسري شراب على تعليقه الجميل،
                            مع موداتي.
                            وكل عام وأنتم بخير.

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #74
                              الوزير .. والمحرقة واليونسكو !

                              بقلم: د . حلمي محمد القاعود

                              " أذل الحرص أعناق الرجال " !
                              رضي الله عنك يا سيدي أبا بكر الصديق ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ؛ إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا .
                              كان الرجال في عهد أبي بكر غير رجالنا ، وكان سلوكهم محسوبا ،وكلامهم موزونا ،ولذا وجه أبوبكر كلامه الموزون بميزان الذهب إلى الرجال ليكونوا على العهد قادة وقدوة ، وسيرة ومسيرة ، تخدم الدين والأوطان والإنسانية ..
                              لقد روعني ذاك التدليس الذي مارسته جريدة الوزير ، حين صاغت تذلله وتقربه وخضوعه لأولاد الأفاعي في فلسطين المحتلة ؛ من أجل أن يحظي بالصعود على كرسي رياسة"اليونسكو " ، ويترك كرسي وزارة الثقافة الفاسدة المفسدة .
                              قالت جريدة الوزير في عناوينها بالصفحة الأولى العدد446 الصادر في 31/3/2009م :
                              [ خلال احتفالية اليونسكو لحوار الثقافة والأديان – فاروق حسني : الإنسانية تتطلع إلى عودة التقارب والسلام ].
                              في متن الموضوع قالت الجريدة : [ شارك الفنان فاروق حسني وزير الثقافة السبت الماضي في فعاليات الاحتفالية التي ترعاها المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم " اليونسكو " لإطلاق المشروع الثقافي المعروف باسم " علاء الدين " ، والتي تقام حاليا بالعاصمة الفرنسية باريس بمشاركة ممثلي 30 دولة عربية وإسلامية ، والهدف منها هو دعم الحوار بين الثقافات والأديان ، وبشكل خاص بين الديانتين الإسلامية واليهودية .. ].
                              ونقلت جريدة الوزير كلمته التي ألقاها في الاحتفالية المذكورة ، وأوردت منها قوله : " لا بد أن نخلص من المأساة الإنسانية التي عاشها اليهود إلى واقع جديد يتلافى تكرار هذه المآسي في أي من المجتمعات الإنسانية ، مؤكدا على تطلع الإنسانية إلى عودة التقارب والسلام الذي ساد لقرون عدة في وقت لم يكن فيه دين الفرد سواء يهوديا أو مسيحيا أو مسلما عائقا أمام المشاركة في تطوير حضارة مجتمع ، ودعا حسني إلى الالتزام بنداء اليونسكو لاعتماد ثقافة السلام التي تحث على تغيير الأفكار السائدة حول الصراع والحروب " .
                              الجريدة دلست ، بل كذبت ، ولم تذكر أن الاحتفالية الغرض منها مكافحة إنكار المحرقة اليهودية المزعومة في العالم الإسلامي العربي من خلال نشر كتب باللغات العربية والفارسية والتركية . ولم تذكر الجريدة الوزير أن " دافيد روتشيلد " رئيس مؤسسة إحياء ذكرى المحرقة ؛ أوضح أن الهدف من المشروع – يقصد مشروع علاء الدين – هو مجابهة إنكار المحرقة في العالم الإسلامي العربي ، وهو ما صرح به لجريدة " الشروق " المصرية . ولم تذكر جريدة الوزير أن " ماري ريفكو ليفييتشي " المندوبة العامة للمؤسسة ؛ قد ذكرت في وقت سابق : " أن المؤسسة اكتشفت تكاثر المواقع التي تنكر المحرقة باللغتين العربية والفارسية إثر تصريحات الرئيس الإيراني " محمود أحمدي نجاد " والرسوم المسيئة للرسول – صلى الله عليه وسلم ، وأن الأمر لا يقتصر على أداة لنزع شرعية دولة إسرائيل " . ولم تذكر جريدة الوزير أن سيادته كان مبعوثا من الرئيس المصري وألقى كلمة باسمه جاء فيها : " أن مؤتمر إطلاق مشروع علاء الدين يتضمن معنيين متضادين حيث يبعث أحدهما ذاكرة القسوة والترهيب ، بينما يبعث الآخر ذاكرة الرحمة والسلم ، وما بينهما منطقة أمل نجتمع فيها اليوم لرفض الأول واستنكاره ،والنظر في تمكين المعنى الثاني وإشاعته " .
                              جريدة الوزير افترضت أن القارئ ساذج وشبه أمي ولا يطلع على مصادر إخبارية أخرى ، فأخفت عنه أن الاحتفالية للدفاع عن المحرقة ، وقدمت الوزير بوصفه داعية تقارب وسلام ،ولم تقل الجريدة إن الاحتفالية انعقدت بسبب اتهام العرب المسلمين بإنكار المحرقة في مواقع كثيرة .
                              الوزير إذا ذهب ليغازل اليهود ، ويؤيد ادعاءهم ، ويبكي على المأساة الإنسانية التي عاشها اليهود ، دون أن يتفوه بكلمة واحدة عن محرقة غزة الأولي أو محرقة غزة الثانية التي أعدمت أربعمائة وألف فلسطيني من المدنيين ، وأصابت وجرحت خمسة آلاف منهم ، معظم الشهداء من المصابين والجرحى من الأطفال والنساء والشيوخ الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا ، وهدمت أحياء بكاملها بما فيها من مساجد ومستشفيات ومدارس وكليات ومؤسسات ....
                              الوزير الطامح إلى كرسي لا قيمة له إلا لدى الغرب والصهاينة ، بكى واستبكى في كلمته من أجل اليهود ومأساتهم المفترضة ، ولكنه لم يتعاطف مع أهل فلسطين ومأساتهم الحقيقة الواقعة والموثقة بالأفلام والصور والشهادات الحية التي رآها الناس على شاشات التلفزة وعلى صفحات الصحف في شتى أنحاء العالم .
                              أيكون "جاك شيراك" رئيس فرنسا السابق ؛ أكثر رحمة وتعاطفا مع الفلسطينيين من الوزير العربي المسلم فاروق حسني ؟
                              لقد طالب شيراك في كلمته التي ألقاها في الاحتفالية ، وكما نشرت جريدة الوزير في العدد نفسه ، الكيان النازي اليهودي في فلسطين والعالم ، بضرورة إنشاء " دولة فلسطينية مستقلة " قابلة للحياة ، وداعيا الكيان الصهيوني لإدراك أن مصادرة الأراضي الفلسطينية وبناء مستوطنات لا يساهم في بناء سلام ، وإنما السبيل هو احترام القانون وحقوق الإنسان .
                              الوزير يقول إن الإنسانية تتطلع إلى التقارب والسلام . وهذا كلام صحيح ، ولكن هل يعتقد معاليه أن الغزاة النازيين اليهود القتلة في فلسطين المحتلة ، يريدون تقاربا وسلاما بحق ؟ هل يعلم الوزير أن هؤلاء القتلة لا يؤمنون بشيء اسمه " السلام " إلا نغمة سخيفة يرددونها بعد أن يرفضوا قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي لم ينفذوا منها قرارا واحدا ، والاتفاقات التي عقدوها في أنا بوليس وشرم الشيخ وكامب دافيد الثانية والرباعية الدولية ؟ هل يعلم الوزير الموقر أن قادة العدو النازي اليهودي في فلسطين المحتلة يطالبون بضرب السد العالي بالقنابل النووية لإغراق الدلتا ، وسبق أن أهانوا رئيسه الذي بعثه إلى المؤتمر ؟
                              إن معالي الوزير الفاضل يتهافت لإرضاء الغزاة النازيين اليهود القتلة بكل السبل ، وما دار في البرنامج التلفزيوني قبل عدة ليال بينه وبين مجموعة من المذيعين حول استضافة موسيقار نازي يهودي ، ودفاعه المستميت عن استضافته في مصر بحجة أنه رجل سلام ؛ رآه الملايين في كل مكان ،وأدركوا من خلال الحوار أن الوزير على استعداد لعمل أي شيء من أجل أن يحظى برضا الغزاة النازيين اليهود القتلة في فلسطين المحتلة .. ولو كان ذلك ضد مصالح الدولة ومشاعر الأمة ، وهو أمر يصعب وصفه على مثلي !
                              أما كان يكفي الوزير المبجل مقالات المديح الرخيصة والتملق البائسة التي تنشرها جريدته ، وتتغزل في شخصيته ، وتزعم أن المنصب هو الذي يسعى إليه ، وأنه فنان عالمي (؟؟) وأنه نموذج للتمفصل (؟) بين حضارة الإسلام التاريخية العظمى ، والحضارة الغربية الحديثة ؟ ( حد يفهمني معنى التمفصل أثابكم الله !).
                              إن الذين يشيدون بالوزير ويرون من محاسنه مهاجمة الحجاب في الشريعة الإسلامية ، ويعدونه ليبراليا أصيلا في دفاعه عمن يسبون دين الأمة وينالون منه على صفحات جريدته وكتب وزارته ومن خلال مجالسه ولجانه ، يمكن أن يحققوا له الاكتفاء الذاتي ، وإشباع أعماقه كي لا يتهافت على استرضاء القتلة النازيين اليهود الذين يحتلون قدسنا ومقدساتنا ، ونبارك المنصب مقدما حتى لا يشكك أحد في محرقة اليهود ، وإن أنكر اليهود محرقة غزة والشعب الفلسطيني!
                              حاشية :
                              1 – لم أكن أتوقع أن يكون صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك بمثل هذا التدني ! يأخذون رشاوى بسيطة من الصحفيين المتدربين : عزومة سمك – توصيلة بالسيارة – موضوعات يتم سرقتها ونشرها بأسمائهم - بعض الأجهزة الكهربية .. ويريدون أن يصبحوا أساتذة في الجامعة ! إخص !
                              2 – صحفي مهمته في الجريدة الحكومية الكبرى التي يكتب بها مهاجمة الإسلام وحزب العدالة والتنمية التركي ، ويدعو للتعري وإباحة الخمور والمجتمع المودرن وفصل الدين عن الدولة ، ويمجد السيد مصطفى كمال أتاتورك ويدعو أن تكون مصر مثل تركيا الكمالية ..! صح النوم يا هذا ..أنسيت أن أتاتورك لم يستطع ولن يستطيع إلا أن يقول : إن تركيا الجديدة قامت على أساس الدين ،هو ما ردده أردوغان مؤخرا في مؤتمر حوار الحضارات الذي انعقد في استانبول !
                              3 – أسوأ دعاية لحزب السلطة يقوم بها بعض أعضاء لجنة السياسات .. إنهم يؤلبون الناس ضد الحزب دون أن يقصدوا..
                              ................................
                              * المصريون ـ في 7/4/2009م.

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #75
                                أزالوا صلاح الدين .. يا حُزنك يا رفح ؟!

                                بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود

                                - لماذا طاوعتني نفسي ، وذهبت إلى رفح ( المصرية ) ؟
                                كنت في العريش أحضر مؤتمراً علميّاً . قال بعض الزملاء هيا نذهب إلى رفح . المسافة قصيرة بين أربعين وخمسين كيلو متراً ، لن ترهقني كثيراً ، معرفة الوطن واجبة ، وخاصة لمن عاشوا هزيمة 1967 وعبور رمضان 1973م أمثالي ، كان الحلم يومها أن تتحرر سيناء ، وتخضر بالأمل والزرع والبشر . وقد مضت ثلاثون عاماً على " الصلح الأسود " بين مصر والعدوّ النازي اليهودي ، ازداد العدو قوة وتوحشا ولم يتحقق السلام ، ولم يشعر العرب بالأمان ، ولم ينج من قذائف الطيران والمدفعية والدبابات اليهودية النازية فلسطيني أو لبناني أو سوداني – فإما مات شهيدا ، أو صار جريحا ، أو عانى الرعب والنزوح ودمار البيوت والحصار والموت من الحصار ..
                                طاوعتني نفسي ، وركبت إلى هناك وهبطت في موقف السيارات مجهداً مكدوداً . البؤس سيّد المناخ . الشوارع أو الشارع الرئيسي الوحيد خرجت أحشاؤه وأعيدت . لماذا ؟ لا أعرف . خزانات الصرف الصحي متفجرة . رائحة " العطر ! " الفواح تزكم الأنوف وتغشى العيون . المدينة / القرية شبه خالية إلا من رجال الأمن الذين يتصدرون مداخل الحارات شاهري السلاح – في اتجاه من ؟ لا أدرى .. العدوّ النازي اليهودي ترك آثاره واضحة وزاعقة على العمائر والمباني التي تعلو في رفح ( الفلسطينية ) ويشاهدها السائر في رفح ( المصرية ) . في موقف السيارات قيل لنا : إن بوابة صلاح الدين أمامنا . سألت : أين هي البوابة ؟ قالوا : في مواجهتنا مباشرة ، خلف الجرافة نهض سدّ عال بني من الحجارة الجهمة الميتة ، لم يستطع أن يحجب الدمار الذي أصاب البيوت الفلسطينية من ورائه . ويقبع فوق السد جندي مراقبة حين رآني أمام الأسلاك الشائكة هتف بي في صوت عال: ممنوع يا أفندي .. تذكرت لأول مرة في رفح أنى " أفندي " وأنى مع زملائي " أفندية" والأفندية كانوا تحت العين الراصدة التي رأت فينا كائناً غريباً، ما كان له أن يخطو فوق هذه البقعة البائسة!
                                بوابة صلاح الدين ذهبت. رحلت تماما لصالح السد الحجارة العالي . صلاح الدين رمز العزة والنصر في حروبه ضد الغزاة الصليبيين المتوحشين الذين احتلوا فلسطين والقدس والشام، سبعين عاماً، واستوطنوا وغيّروا ملامح البشر والحجر، ورحلوا بفضل الله وذهبوا إلى الأبد، وتحرّرت القدس، وانكسر الغزاة الهمج في حطين. بوابة صلاح الدين تنسب للخليفة العادل الزاهد الشجاع الذي لقبّ بالملك المنصور السلطان يوسف صلاح الدين بن نجم الدين أيوب بن شادي، ولد بمدينة تكريت سنة 522هـ ، 1128م ، وتوفى سنة 589هـ ، 1193م، ودفن بدمشق الفيحاء بعد انتصاره التاريخي على الهمج الهامج واستعادته كرامة الأمة وعزة الإسلام.
                                بوابة صلاح الدين بداية الطريق إلى حطين ونصرها المؤزر وعبق التاريخ وشرف الجغرافيا .. هل تعجز مصر الكبيرة عن حمايتها رمزاً ودلالة وتاريخا وجغرافيا ؟
                                صلاح الدين درّة التاريخ الإسلامي ونخوة الجهاد الخالص ، ونشوة النصر المعطر بدماء الشهداء والأبطال والأحرار .. كيف يمحى أثره على الشارع الفاصل بين رفح الغرب ورفح الشرق ؟ أياً كانت الأسباب فإزالة بوابته إزالة لصلاح الدين نفسه ، وإهانة لتاريخه ، بل لتاريخ الأمة وحق الأجيال في المستقبل ، كي تتأسى بصلاح الدين وتقتدي بجهاده وانتصاره وتعلن عزة الإسلام .
                                كان صوت جندي المراقبة يرن في أذني ، لما يزل ، فانسحبت بعكازي ، وأويت إلى محل للأعشاب ، كان المحل الوحيد المفتوح في الحارة المؤدية لبوابة صلاح الدين ، باستثناء بعض المحلات في أول الحارة من ناحية الشارع الرئيسي . قال الفتى الذي يبيع الأعشاب إنه من أصل شرقاوي ، وراح يعرض بضاعته بدءًا من أعشاب الزكام إلى أعشاب القوة الحيوية ! وكل له ثمن وله مستوى ، بالإضافة إلى البهارات الخاصة بالسمك واللحوم والمحشيات ، والأسعار سياحية في وقت عزّ فيه السيّاح . قال الفتى : إن الحارة كانت تغص بالناس والسيارات قبل مذبحة غزة ، ولكنها خوت على عروشها بعد المذبحة النازية التي سكت عنها من يحاكمون الزعماء العرب أو يعلقونهم على المشانق بعد صلاة العيد !
                                كانت رفح في الزمن القديم أول محطة استراح فيها تيتوس في طريقه لمحاصرة القدس سنة 70 ب .م ، وكانت الحد الفاصل بين مصر والشام ، وفيها انتصر بطليموس الرابع ملك مصر على أنطيو خوس الكبير ملك سوريا في واقعة كبيرة سنة 217 ق . م ، وانتصر سرجون على سباقون ملك مصر في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد . وصفها المهلبى سنة 575 هـ / 1179م بقوله :
                                " رفح مدينة عامرة ، فيها سوق وجامع ومنبر وفنادق ، وأهلها من لخم وجذام ، وفيهم لصوصية وإغارة على أمتعة الناس حتى إن كلابهم أضر كلاب الأرض ... " ، وذكرها ياقوت الحموي ، فقال : " رفح منزل في طريق مصر بعد الدارم ، بينه وبين عسقلان يومان لقاصد مصر ... " .
                                ويصفها "نعوم بك شقير" في كتابه "تاريخ سينا القديم والحديث وجغرافيتها"، الذي ألفه في أوائل القرن العشرين ، بأنها "تزرع شعيراً، وطمرت الرمال معظم آثارها ، وعبث الزمان والسياح والعربان بالباقي ، ومع ذلك فالقليل الظاهر فوق الأرض من خرائبها يدل على ما كانت عليه قديماً من الثروة والعز ، وأشهر آثارها الباقية إلى الآن:
                                عمد من الجرانيت السود والسماقى ، كسر من حجارة البناء الصلبة ، وكسر آنية الفخار والزجاج على أنواعها ، والفسيفساء ، وهرابات الماء ، وقطع النقود الفضية والنحاسية والزجاجية من عهد الرومان والبيزنتين ( يقصد البيزنطيين) والدول الإسلامية الأولى ، وآبار قديمة وحديثة ، وجبانة قديمة ، وقبور أولياء ...
                                في القرن الخامس عشر الهجري ، الحادي والعشرين الميلادي ، تغيرت رفح مثلما تغير الزمان ، فيها بعض ملامح الحضارة التي تعرفها مدن الوادي وقراه ، الشرطة ، المدارس ، المقاهي ، الإدارات الحكومية ، الوحدة المحلية ، المباني المتواضعة، لكن البشر قلّة .. سألت عنهم فقيل لي : إنهم يفضلون الحياة في البيوت الصحراوية وسط المزارع، مزارع الزيتون غالباً، وإلى جواره بعض النخيل والخوخ والتين الشوكى وكلها تزرع اعتمادا على المطر . يمتد شريط الزراعة موازياً لساحل البحر حتى العريش .
                                عدت من رفح حزيناً مكسوراً أستند على عكازي . وقلبي يشتعل حرقة على وطن كان يدفن رءوس الأعداء في رماله ، فصار اليوم مشغولاً بالانتصار على زامبيا أو موزمبيق في كرة القدم ويتهيأ للمعارك الرياضية كأنه ذاهب إلى ميادين الحروب العسكرية، لم يعد يسمع المصطلحات العسكرية إلا من معلقي المباريات الكروية : القذائف ، الضربة الصاروخية، زمام المبادرة، التمريرة، التسلل، الهجمات المرتدة ، الاستحواذ ، الهدف القنبلة ،إصابة الهدف ، الضغط الهجومي ، الدفاع الصخرة، التسديد، المراوغة ...
                                ثقتي في الله ، ثم شعبي ، تؤكد أن مصر منذ فجر التاريخ ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لن تهون أبداً ولن تسمح للغزاة القتلة أيا كانوا وفى أي عصر ، أن يتمكنوا منها ، ومن وجودها الإنساني الكريم .
                                حاشية :
                                ينتفض صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك لأن بعض المحلات الإسلامية لا يوجد بها موظفون من الأقلية ، ونسألهم متى ينتفضون من أجل عدم وجود موظفين من الأغلبية في شركات أوراسكوم وغبور العملاقة ؟ ومتى ينتفضون خوفا على حياة علماء الإسلام ودعاته أمام المحاكم العسكرية مثلما يخافون على قادة التمرد الطائفي أمام تهديدات مفبركة ؟
                                ................................
                                * المصريون ـ في 31/3/2009م.

                                تعليق

                                يعمل...
                                X