الدكتور حلمي محمد القاعود

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #31
    الوعي والغيبوبة.. كتاب حول الرواية المعاصرة
    .............................................

    صدر مؤخرا في السعودية كتاب تحت عنوان الوعي والغيبوبة.. دراسات في الرواية المعاصرة للدكتور حلمي محمد القاعود .يؤكدالدكتور القاعود في المقدمة علي انطلاقه في الكتاب من الأهمية التي باتت منعقدة علي فن الرواية الذي صار بامتياز ديوانا آخر للعرب إلي جانب ديوان الشعر، ويشير إلي سلسلة الكتب التي أصدرها في هذا السياق مثل الرواية التاريخية في أدبنا الحديث، الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني، الرواية الإسلامية المعاصرة، الرؤية الإسلامية في الرواية، وحوار مع الرواية في مصر وسورية .ويشير القاعود الي أن ما شجعه علي إصدار هذه السلسلة من الكتب حول الرواية، هو أن هذا الفن بات يرصد الحياة بصورة بانورامية، ويعرض لصراع الأفكار والمعتقدات والتصورات، وذلك من منطلق أن الرواية مجال خصب وفسيح ـ حسب الكاتب ـ بحكم قرابتها من مخاطبة الوجدان، ومناغاة النظرة، وإشباع الرغبة والتشويق إلي معرفة المصائر والنهايات، ولذا وجدت اهتماما نقديا ودراسيا عظيما في المجال الثقافي والأكاديمي.ويؤكد المؤلف أن فكرة الكتاب جاءت امتدادا للكتب التي سبق أن أصدرها في تقديم الرواية الإسلامية ، والرواية المضادة لها، كي يري الأدباء الإسلاميون تأثير الرواية الإسلامية ونقيضها علي القارئ، وفي الوقت ذاته ـ علي حد تعبير المؤلف ـ ينهضون للاهتمام بهذا الفن والاستفادة منه في خدمة التصور الإسلامي وقضايا الأمة الإسلامية.
    في الفصل الأول يناقش القاعود رواية ثريا في غيبوبة للكاتب إسماعيل فصيح، وهي رواية ترصد صورة المجتمع الإيراني عقب انهيار نظام السافاك في إيران. يعرض المؤلف لفكرة الرواية ثم يناقش دور مجموعة المثقفين الهاربين في باريس كأبطال متعددين، ثم وصف لحال ثريا المضطربة حسب وصفه ووصف الرواية ثم المكان متعدد الدلالة، ويري القاعود أن جزءا أساسيا من أهمية تلك يكمن في الفترة الزمنية التي تناولتها، حيث تعتبر مرصدا للواقع الإيراني عقب انهيار نظام الشاه حيث تبدأ أحداثها عام 1979 حين انطلقت الجمهورية الإسلامية ونشبت الحرب العراقية الإيرانية.ثم ينتقل القاعود إلي رواية للكاتب علي أبو المكارم هي أشجان العاشق وهي ـ كما يقول ـ جزء من ثلاثية في العشق كتبها مؤلفها علي مدي خمس عشرة سنة، حيث كان الجزء الأول قد صدر تحت عنوان الموت عشقا ، والثاني العاشق ينتظر ، والثالث هو موضوع الدراسة، ويشير المؤلف إلي تناوله للجزء الثاني بالذات لأنه يتعرض للفساد الثقافي الذي يعيشه المجتمع بينما كان الجزء الأول قد تناول الفساد السياسي ومقاومة المجتمع له، أما الجزء الثالث فقد تناول ما أسماه تجليات الاستبداد علي قطاعات الشعب المختلفة، مع إضافة عنصر الهيمنة الأمريكية وتجلياتها العنصرية الاستعلائية علي حد تعبير المؤلف.
    وفي فصل تحت عنوان محنة الاستلاب وتشويه الإسلام يتناول المؤلف رواية ليلة القدر للروائي المغربي الطاهر بن جلون وهي الرواية الفائزة بجائزة الجونكور وهي المرة الأولي ـ حسب المؤلف ـ التي تمنح فيها الجائزة لرواية غير فرنسية الأصل، مع أن الكاتب بن جلون يكتب بالفرنسية، وقد قام بترجمة الراوي الناقد فتحي العشري وصدرت في العام 1988.
    ويعترض القاعود علي مقدمة المترجم فيما يتعلق بحديثه حول الرواية العربية التي حققت العالمية، حسبما يراها.
    ويشير القاعود الي أن اعتراضه مؤسس علي أن العالمية تحكمها مواصفات غير دقيقة أو غير مؤسسة علي قواعد ثابتة، ويضيف: ان كل كاتب شريف أو مثقف حقيقي يرفض محاكم التفتيش التي دخلت إلي ضمائر المسلمين وغيرهم وحاسبتهم علي ما عدته نوايا ومعتقدات تخالف أفكار الصليبيين الغزاة المنتصرين في الأندلس، ويضيف المؤلف ـ فيما يشبه المانيفستو ـ كما نري نؤمن برفض الوصاية والمصادرة والكتابة الجنسية، لأنها ضد الحرية والأخلاق، وفي المقابل نطلب التسامح والحوار والعقلانية مع التصور الإسلامي ومعطياته، خاصة أن السادة المهيمنين علي الساحة الثقافية في العالم العربي والإسلامي، يصادرونه ويفرضون عليه الوصاية، ويتعاملون معه غالبا بعدوانية مقيتة لا يملكها إلا خصومه من مثقفي الدول الاستعمارية المتوحشة.ثم يستعرض المؤلف بعد ذلك جانبا من سيرة مؤلف الرواية (الطاهر بن جلون)، يستعرض الرواية وتكوينها وفصولها ثم يستعرض المكان الروائي الذي أتي غير محدود رغم أن الإشارة عنت بعضه، ثم ما أسماه لعبة الزمان التي ترتبط عنده بصورة المكان، ثم يستعرض ما أسماه بالشخصيات المجهولة حيث يقول عنها: إنها شخصيات لا أسماء لها ولا هوية مميزة أو محددة علي امتداد الصفحات التي ضمت أحداث الرواية وشخصياتها.
    أما من حيث الموضوع الروائي فيشن المؤلف هجوما لاذعا علي بن جلون ويراه نجح في تقديم أبشع الصور للإسلام من خلال عملية الختان وفضح مرجعيتها وطقوسها، ولم يغفر للكاتب محاولته نفي تلك البشاعة التي تخلفها مثل هذه الصورة، ويأتي تحفظ القاعود علي القضية من زاوية أن الغرب يروج لها وكأنها القضية الاستراتيجية الأولي لهم، ويري كذلك أن شخصية البطلة تقدم صورة متناقضة مع الغايات التي يطمح إليها الكاتب، ويرصد العديد من أوصافها القاسية التي يراها تناقض فطرة المرأة، حيث تبدو صورة التمرد والرفض لكل الأعراف والتقاليد قائمة في سلوك البطلة بشكل دائم، ويشير الي ذلك قائلا: لا تكف البطلة في رحلتها الدامية عن هجاء المجتمع المسلم ورجاله، ويربط بين رواية بن جلون ورواية السوري خيري الذهبي حسيبة للتماثل بين البطلتين حيث تتحول البطلة في هذه الرواية أيضا إلي رجل.
    وفي النهاية يري القاعود أن المؤلف الطاهر بن جلون حول شخصياته إلي أبواق دعائية تتكلم باسمه أكثر مما تتكلم بمنطق الفن الروائي، ويضيف قائلا: لقد حول مقولاتهم وأفكارهم الي منشورات سياسية تشارك الفكر الاستعماري والتصور الاستشراقي الحملة المزمنة والظالمة ضد الإسلام وقيمه.ثم يتناول القاعود رواية احترس من الدولار للكاتب محمد نور الدين التي تعالج فكرة السفر الي الخارج والرغبة في جمع المال لمواجهة الظروف المادية القاسية، وما يتخلف عن ذلك من مشكلات مادية، ثم يتناول بعد ذلك، من خلال وقائع الرواية، ما أسماه زمن التحولات الذي يأتي مكثفا جدا في الرواية ولا يستغرق أكثر من يومين ثم يستعرض المكان وتغيراته، وفكرة المباشرة في السرد ويري الرواية نكهة جديدة في الكتابة الروائية. ثم ينتقل الكاتب الي رواية جديدة للكاتب نهاد رضا تحت عنوان منافسة في باريس في فصل تحت عنوان صراع الهوية وفساد الطوية ثم ينسي، بعد أن يأخذه الاستطراد التاريخي، أن يذكر اسم المؤلف.وتحت عنوان وحشية الرغبات وإخفاق الطموحات يتناول المؤلف حياة الكاتب محمد صدقي وأعماله .

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #32
      الشعب الفرعوني!

      بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود
      ............................

      لي صديق عزيز يغضب مني دائما كلما دافعت عن شعبنا المظلوم ، وأبعدت عنه مسئولية المحنة التي يعيشها منذ مئات السنين ، تحت سياط الجلادين والطغاة والمغامرين والأفاقين والمستبدين . إنه يؤمن بالأثر : كيفما تكونوا يولّ عليكم ، فضلا عن الآية الكريمة " إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ " ( الرعد : 11 ).
      يقول صديقي : انظر إلى الشعوب التي كانت تحت الحكم الشيوعي الدموي في بولندة ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا والاتحاد السوفيتي وبلغاريا وألبانيا .. حتى زامبيا وكينيا وجمهوريات الموز ، فضلا عن إيران وأفغانستان وميانمار وتايلاند ؛ كلها شعوب تتحرك ، وتغير بيدها ولسانها وقلبها ، إنها تنهض وتتقدم وتنطلق إلا مصر المحروسة ، فهي مثل "شارون" في غرفة الإنعاش منذ زمان بعيد لا يموت ولا يحيا ، هناك من يطالب بفصل الأجهزة الواصلة إلى قلبه ومخه حتى يموت ويستريح ويريح ، ولكن هناك من يرى ضرورة بقائه ليكون فزاعة مخيفة ولو لم تحدث أثرا ، المهم أن يبقى جثة هامدة لا تتحرك حتى يوقن الآخرون أنها ستنهض في يوم ما وتقف على قدميها ، وربك قادر على كل شيء ..
      أقول لصاحبي : إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ، فيزداد غضبا نبيلا ، ويشتعل انفعالا كريما ، ويذكرني بالآية الكريمة " إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ " ( القصص: 8 ) ، فأقول له : " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا .. " ( القصص: 4 ) ، فيؤكد على أن فرعون ليس هو الحاكم وحده الذي يفرق ويمزق ويستبد ، ولكنه موجود في البيت والمدرسة والجامعة والعمل والشارع ، والحقل والسوق ، في تجارة الحديد والأسمنت والخشب ، وسيارات الميكروباص والنقل ؛ التريلا والمقطورة التي تقتل الألوف كل عام ،وضحاياها أكثر من ضحايا الحروب والمعارك العسكرية ، ومثلها العبارات المتهالكة والطائرات الخردة والقنوات الفضائية التي تبيع الرذيلة والناس تستسلم لها استسلاما كاملا ، ونواب الشعب الذين يصفقون للقوانين الظالمة التي تصادر حرياتهم ، وتقنن الاستبداد ، وتعتصر ناخبيهم وتقلب جيوبهم بحثا عن ملاليم ، وتفسح الطريق أمام اللصوص الكبار كي ينهبوا ثروة البلاد والعباد من أراض ومحاصيل ومنتجات ومصانع ، وأبواق النظام الذين لا يكلون ولا يملون من ترديد الأكاذيب ، وتصوير الأحوال على أنها فل الفل وعال العال..
      وحين أحاول تهدئة صديقي العزيز ، و أقول له إن القرآن الكريم وصف فرعون بأنه كان من المفسدين ، وأطلب منه ألا يتحامل على الشعب البائس المسكين الذي تحمل ما لم يتحمله شعب آخر على ظهر الأرض ؛ ينظر إليّ بعين العتاب والأسى كأنه يتوعدني توعّد المحب الذي يتمنى ألا يقول لحبيبه إلا ما يرضيه ، ولكنه لا يملك ما يقوله، ثم يفهم صديقي أني أريد أن أهدئ وتيرة الحوار ، أو أغير الموضوع ، ولكنه يرد بحزن شفيف:
      ألم تقرأ قوله تعالى : " فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ " ( الزخرف : 54 ) ، والفسق كما تعلم وأعلم هو الخروج عن المنهج والتشريع والعقيدة ، وتأمل التوكيد الثقيل المشدد – على وزن السجن المشدد !- بإن المشددة والضمير ، والجملة الاسمية ووجود الموصوف والوصف الظاهرين ، والقوم الفاسقون ، أو الشعب الفاسق ، هو الذي خرج عن الفطرة والاستقامة والمنهج ، وانحرف إلى طريق الفساد والأنانية والهروب من الواجب ، وعدم تحمل المسئولية ، وإلقاء التبعة على الآخرين ، والاكتفاء بالولولة واللطم والصياح ولوم السلطة والاعتقاد أن ما نعانيه من بؤس وتعاسة هو قدر لا مفر منه ، وقضاء نافذ لا حيلة فيه ولا مرد له ، ومؤامرة من الجن والإنس لا قبل له بها ، إنه شعب لا يفكر إلا في بطنه ومصلحته وفائدته . أما الآخرون فليذهبوا إلى الجحيم ...
      أقول لصاحبي : سامحك الله ! كيف تفسر إذا هذه الرغبة العارمة لدى الملايين من شعبنا في العمل والتفوق والتعاون والتراحم ، ولكنهم لا يجدون من يأخذ بيدهم أو يستجيب لهم أو يوجههم إلى طريق السلامة .. أتراهم وهم ينجحون في الخارج ويلمعون وبعضهم يأتي إلينا بجوائز عالمية مرموقة .. يقفون في موضع المتهم الذي تتولى توجيه الاتهام إليه ؟
      يزفر صاحبي زفرات حارة تكاد تحرق ما حولها ، ويقول بأسى عاتب :
      أنت تجادلني ، وإني لواثق أن أعماقك تحوي سخطا أكثر من سخطي ، وغضبا أقوى من غضبي ، ولكنك مشهور بالهدوء والصبر والتحمل ، وكان معروفا عنك في شبابك قدرتك على الامتصاص ، لتطحن الأحداث في رأسك ، وتستخلص منها الدلالات والنتائج بعد أن تهضم الأسباب والمقدمات .. أقول لك إن شعبنا أعطى التفكير إجازة طويلة ، ويريد من يفكر عنه بالنيابة ، ومن يتولى قضاياه بالنيابة ، ومن يدافع عنه بالنيابة . انظر مثلا : نحن نسلم أمورنا للدول الكبرى .. نطلب من أميركا وروسيا حل مشكلاتنا مع الغزاة ، ننسحب إلى أعماقنا ، ونغلق الأبواب ، كي نترك للآخرين مهمة العمل واتخاذ القرار بالنيابة عنا ، ليس في السياسة وحدها ، بل في الاقتصاد والتعليم والصناعة والتجارة والاستثمار ؛حتى الزراعة التي كنا أول شعب في العالم مارسها وقننها ، وصدر خبراته فيها إلى شعوب الأرض ، ننتظر اليوم شذاذ الآفاق الغزاة ليقدموا لنا تجاربهم فيها ، علما أن كليات الزراعة ومعاهد البحوث تمتلئ مخازنها بآلاف الأبحاث ( ماجستير ودكتوراه وغيرها) ، تقتات عليها الفئران وابن عروس والفأر النرويجي ، لأن أحدا لا تعنيه صفحاتها وما تضمه من خبرات وتجارب ونتائج !
      ثم لماذا تذهب بعيدا ، وقد أطلق صاحبك الراحل " يوسف السباعي " – رحمه الله – صيحته الداوية قبل خمسين عاما أو يزيد حين صرخ في مصر : يا أرض النفاق ! .. انظر حولك تجد شعبا يحنو على الغريب والعدو ، ويقسو بعضه على بعض بصورة لا مثيل لها في العالم ، كل من يتعامل في الشارع في المكتب في أي مكان يستخدم قسوة أو فظاظة غير مسبوقة ، كل شخص يسحق الآخر بالكلمة واليد واللسان والفعل ، ومع ذلك انظر حولك تجد النفاق معششا في كل النفوس والأركان ، لأن شعبنا يعبد الأقوياء ، ويدوس الضعفاء ، وقد امتد النفاق ليكون للصوص والمنحرفين والأفاقين والكذابين ، ولم يعد قاصرا على نفاق الأقوياء والكبراء ومن بيدهم مصالح الناس وأقواتهم . قلّب وجهك تر النفاق منهجا له أصوله وقواعده ومخرجاته ، فقد صار بديلا للإخلاص والاستقامة والرشد والجدية ورضا الله . أقول لك : مات كاتب معروف وعالم مشهور قبل أسابيع ، فلم تهتم به الجامعة التي ينتسب إليها ، ولكن ابن أخته الوزير ، وابن أخته رئيس الجامعة الأخرى ، وأقاربه المهمين في جهات عليا هم الذين دار حولهم الاهتمام في سرادق العزاء ، وأعمدة الصحافة ، وبرامج الهواء .. أما الراحل الكريم فكان المناسبة التي أتاحت لجيوش المنافقين أن تدق الكعب وتضرب " تعظيم سلام " للمسئولين الكبار الذين لا يساوون جميعا بعض خالهم الراحل في علمه أو فكره ! ولكن القوم ترجموا المثل الشعبي الذي يتحدث عن كلب العمدة الذي خرجت القرية كلها لتدفنه يوم مات ، أما العمدة نفسه حين توفاه الله فلم يخرج أحد في جنازته ، وإنا لله وإنا إليه راجعون ...!
      قلت لصديقي وقد أجهده الغضب : لا تغضب مني يا أبا خليل ؛ سأقول لك ما قاله خليل الرحمن : " إني معي ربي سيهدين" (الشعراء :62). "رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين " ( الشعراء : 82 ) ، وأستأذنك لألحق بالطائرة كي أطوف إن شاء الله بالكعبة الزهراء علّ الله ييسر لي الطواف ، ويُسخّر من يأخذ بيدي بعد أن أصبحت ضعيفا مجهدا ، لا أقدر على الكلام أحيانا .. ولله عاقبة الأمور .
      حاشية :
      صبيان الكنيسة في صحافة التعري والسيراميك مازالوا يشنون حملاتهم المغرضة على المساجين الذين يقال إنهم تهربوا من الضرائب ، ولكنهم يتجاهلون عمداً رجال الأعمال النصارى وتهربهم من الضرائب ويتجاهلون جرائم تجارة الأطفال المحرمة دينيا ودوليا ؛ المتهم فيها بعض من ينتسبون إلى الكنيسة ،بل يحللون هذه التجارة الحرام، وسكتوا عن جريمة تسليم الفتاة التي أسلمت واسمها عبير لتلحق بأخرى اسمها وفاء قسطنطين ، خرجت من سيطرة الدولة لتدخل تحت سيطرة الجمهورية الدينية السوبر .. بعض هؤلاء الصبية يريد أن يكون أستاذا جامعيا للأسف !
      ...........................................
      *المصريون ـ في 3/3/2009م.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #33
        جائزة الشجاعة المدنية

        بقلم: أ. د. حلمي محمد القاعود
        ............................

        ذهب الكاتب المصري الشيوعي ( سابقا ) " على سالم " إلى مقر السفارة الأمريكية في لندن ، وتسلم من السفير يوم الأربعاء 19/11/2008م جائزة الشجاعة المدنية ، وقدرها 50 ألف دولار أمريكي .
        في الوقت ذاته كان الغزاة النازيون اليهود يًحكمون حصارهم بمساعدة بعض العرب المسلمين حول قطاع غزة ، حيث لا يجد أهل القطاع وقوداً ولا كهرباء ، ولا دواء ولا غذاء ، ولا يستطيعون الخروج من المعابر ولا يدخلون ..إنهم ينتظرون الموت الجماعي أو الإبادة الجماعية على يد الغزاة النازيين اليهود !
        كان " على سالم " صاحب أغنية " على الممر " منتشياً بالجائزة ، وسعيداً بمن سلموها له من الأمريكان والصهاينة ، وقال مفاخراً ومباهياً : " إن الجائزة مهمة جداً من الناحية المعنوية ، لأنني سعيد أن الناس ترى ما أفعله " ، وأعرب على سالم عن سعادته بأن هناك أناساً يمكن أن يقدروا عمله ، وقال إن الجائزة التي تمنحها مؤسسة ترين في الولايات المتحدة ، اعتراف بكل دعواته إلى السلام مع الكيان النازي اليهودي الغاصب في فلسطين المحتلة ، ومعارضة من جانبه لما أسماه التطرف الإسلامي ، حيث إن هناك – كما يرى – ارتباطاً بين غياب السلام والتطرف !
        من حق على سالم ، أن يعتقد بالأفكار التي تناسبه حتى لو تناقضت مع مواقف سابقة كانت تبدو أساسية وعضوية ، ومن حقه أن يؤيد الغزاة النازيين اليهود ، وهم يقتلون الشعب الفلسطيني ويسحقونه ويحاصرونه حتى الموت ، ومن حقه أن يؤيد جيش الغزو الصهيوني وهو يطوّر القاعدة العسكرية الصليبية الاستعمارية المتوحشة في فلسطين ، ويهدد الدول العربية والإسلامية بالدمار والخراب والهلاك ، من حق على سالم أن يؤيد ويبارك ما يفعله العدوّ الصهيوني ، والأب الروحي المتوحش في واشنطن وعواصم الغرب ..
        من حقه أن يفعل كل شيء ، ولكن ليس من حقه أن يفرض على الأمة أفكاره ورؤاه التي تقضى بالتفريط في عقيدتها وأرضها وكرامتها ومقدساتها .. ليس من حقه أبدا ، ما معنى معارضته لما يسمى " التطرف الإسلامي " ؟ هل يقصد المقاومة الإسلامية للقتلة الغزاة اليهود ؟ هل يقصد التمسك بالدين الإسلامي مثلما يتمسك بدينهم الغزاة النازيون اليهود ؟ ويمنحون دارسي الدين اليهود امتيازات مادية ومعنوية ؟ إن كان يقصد ذلك فنحن نرفض أفكار على سالم في هذا السياق ونؤكد على أن الأمة الإسلامية مهما تعرّضت للقهر والذل والهوان لن تبيع إسلامها وعقيدتها وأرضها ، وستقبض عليها كما تقبض على الجمر !
        إن على سالم ، السعيد بالخمسين ألف دولار ، يجب أن يتذكر أن الرئيس السادات ذهب إلى القدس المحتلة قبل ثلاثين عاماً أو يزيد ، وخاطب القتلة الغزاة في عقر احتلالهم ، وقدم لهم كل التنازلات الممكنة كي ينزلوا عند إرادة السلام ، ويسلّموا الحقوق التي اغتصبوها إلى أهلها ، ولكنهم رفضوا ، وحوّلوا الأمر إلى مفاوضات تعقبها مفاوضات ، تليها مفاوضات دون جدوى وفى الوقت نفسه ، لا يتورعون عن قتل الشعب الفلسطيني واللبناني والسوري بالطائرات والمدفعية والدبابات والصواريخ ، ويزرعون الضفة والقدس والجولان بالمستوطنات وحواجز التفتيش والإرهاب ، وتشديد الحصار على الشعب الأعزل ، ويتحدثون – يا للفجور – عن الإرهاب والتطرف ، فهل هذا هو السلام يا علىّ ، يا صاحب جائزة الشجاعة المدنية ؟
        ثم ما معنى الشجاعة المدنية .. هل تقابل الشجاعة العسكرية ؟ وهل الشجعان العسكريون الصهاينة والصليبيون يؤسسون للاستسلام والانهزام أمام جبروتهم الاستعماري باسم الشجاعة المدنية ؟
        أليس غريباً يا على أن يكون الشجعان المدنيون الذين يؤسسون للهزيمة وقبولها ورفض المقاومة وتكاليفها ، من اليساريين التقدميين الاشتراكيين ؟ سبقك إليها أهل كوبنهاجن وجمعية السلام ، بل إن غلاة رافضي المقاومة الفلسطينية في منظمة التحرير الفلسطينية هم من اليساريين ( المدعو عبد ربه على سبيل المثال ! ) ، ثم إن الشيوعيين المصريين والعرب كانوا أول من نادي بالتعاطف مع الغزاة النازيين اليهود في فلسطين ، ووصفوا حرب الإنقاذ والنجدة للشعب الفلسطيني التي شاركت فيها الدول العربية بأنها " حرب قذرة " ! وتضامنوا علناً مع حزب " المابام " – العمال - اليهودي بقيادة بن جوريون - ؟! وأخيراً اختزلوا الصراع مع الغزاة النازيين اليهود في " التطبيع " ! لقد نجح " هنري كورييل " في اللعب بالمخ العربي عن طريق اليسار العربي لصالح العدوّ الصهيوني ، وحوّل عداءه من المقاومة للغزو النازي اليهودي ، إلى عداء للإسلام ، وكل ما يمت للإسلام بصلة !
        ومع ذلك – يا علىّ – فهناك شيوعيون محترمون – كانوا ينفقون على التنظيمات الشيوعية من جيوبهم وأملاكهم ، لأنهم كانوا يعتقدون بصحة النظرية الشيوعية ، وأن غايتهم مقاومة الاستعمار والاستبداد ، وللأسف فقد رحل كثير منهم ، أو صمتوا ، أو أصيبوا بخيبة وصدمة في الرفاق الذين صاروا على استعداد لبيع أي شيء من أجل مصالحهم الخاصة ومنافعهم الذاتية ، وانظر حولك في الصحافة والإعلام وحزب السلطة والتنظيم الطليعي !
        تمنيت يا على سالم – يا صاحب "أغنية على الممرّ " ، أن تدين مرّة واحدة ، حصار غزة أو قتل الفلسطينيين في الشوارع والحواجز وغرف نومهم ، أو إقامة المستوطنات أو الهجرة غير المشروعة إلى فلسطين التي يقوم بها اليهود من أنحاء العالم .. ولكنك لم تفعل أبداً ، بل تكررت زياراتك لفلسطين المحتلة ومدنها وكتبت عن الغزاة النازيين معجباً " بتحضرهم " وحياتهم ومعيشتهم ، حتى منحوك درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة بن جوريون عام 2005م !
        لاشك أنهم مدينون لك يا على بأكثر من جائزة قيمتها خمسون ألف دولار ، فأنت تستحق أكثر من ذلك ، فقد كنت شجاعاً في قبول الهزيمة ، ورفض المقاومة والموافقة على تسليم المقدسات ! مثلك كثير .. ولكن المقاومين أكثر ، وأحباب الإسلام بلا عدد ، وتلك الأيام نداولها بين الناس !
        .........................................
        *المصريون ـ في 25/11/2008م.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #34
          عباد الرحمن .. وأخلاق العبيد!

          بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود
          .............................

          سألني سائل : لماذا يحترم الشعب الفرعوني الجنسيات الأجنبية ويحتفي بها ، وفى الوقت نفسه يحتقر بعضه بعضاً ويزرى ببعضه إلا من كان مسئولاً يملك سوط السلطة أو نبوت الشرطة ؟
          وكأنّ السائل يعتب علىّ ما كتبته من قبل في تحميل الفرعنة للشعب والحكام معاً ، ويُريد أن يُحمّل الشعب وحده المسئولية كاملة ، فهو الذي يصنع الآلهة ويعبدها ، وعليه أن يقبل ما يجرى له وفقاً لأمزجة الآلهة المصنوعة .
          وقال لي آخر ونحن في صالة السفر بالمطار: انظر كيف يعاملون الأجانب ، ويبالغون في تكريمهم ، بينما المصري إلا إن كان ذا حيثية سلطوية أو منسوبة إلى السلطة تتم إجراءاته فوراً ، ويجد من يساعده ، ومن يوسع الطريق للباشا ، ومن يأخذ أوراقه ليتجاوز بها العجائز أمثالك أو من يتوكأون على عصا مثل عصاك !
          حتى من كان مسئولاً سابقاً ، يصعب عليه أن يقف في الصف ، أو يبحث عن حقائبه بنفسه ، أو يدفع عربة الحقائب بيده . هناك من يأتي ، أو يحرص على من يأتي ليقوم له بكل شيء على أن يكون من غير عمال المطار أو موظفيه ، ليتحقق له التميز والمغايرة والحرص على " البريستيج " .. ويضيف المتحدث ، ألم تر الرئيس السابق كارتر ، وهو يمضى في مطارات واشنطن ولندن وشرم الشيخ ، وهو يدفع عربة الحقائب بيده ويقف في الصف مثله مثل غيره من الناس دون أن يعانى من مركب نقص أو إحساس بالدونية أو شعور بتورّم الذات ؟
          شارك في الكلام مسافر كان يجلس قبالتنا ، فذكر أن المصري لا قيمة له في أي مكان إلا إذا كان مربوطاً بحبل السلطة أو الرشوة ، وأن العيون الزرق لها الأفضلية العليا على العيون السمر في شتى المواقف والمناسبات ، وضرب مثلاً أعادنا إلى الحادث الإرهابي في الأقصر قبل عشر سنوات أو أكثر ، حين عوقب وزير الداخلية على الهواء أمام الدنيا كلها ، وعاد راكباً قطارا يعد الفلنكات ويقطع المسافة إلى القاهرة في وقت طويل ، وكان قد ذهب إلى الأقصر في الطائرة السريعة مرافقاً للرئيس ! هل تعرف السبب ؟ كان الضحايا من أصحاب العيون الزرق ، أي من غير المسلمين ، وهؤلاء قيمتهم عالية للغاية ، ويجب التكفير عن الجريمة التي ارتكبت في حقهم بكل الوسائل ولو كانت الإطاحة بأكبر رأس في جهاز الأمن علناً وعلى رؤوس الأشهاد ! تأمل الفارق عندما جرت حوادث دهب ونويبع وشرم الشيخ ! لم يحدث شيء ذا بال ، لأن الأغلبية الساحقة من الضحايا كانوا من أصحاب العيون السود ؛ أي من المصريين البائسين ، وهؤلاء لا ثمن لهم ولا قيمة !
          تدخل السائل الأول ، وأصرّ أن الشعب المصري يحمل في جيناته الآن ، بحكم التراكم التاريخي ، كرات دموية خاصة قوامها العبودية والقابلية للاستعباد ، تجعله يركع دائماً أمام القوة أو السلطة ، سواء كانت داخلية أو خارجية ، مادية أو معنوية ، والأمثلة كثيرة على ذلك عبر التاريخ ، وانظروا اليوم كيف يخضع أستاذ الجامعة لأمين شرطة أو ضابط صغير ، وكيف تكون الحظوة والتدليل لبوق إعلامي أو مطبل أجوف أو مشخصاتي أو زمّار مأجور على أهل العلم وقادة الفكر وروّاد الثقافة والعاملين في الحقول والمصانع والأسواق والمواقع المختلفة .. إن العنصرية تكاد تمزّق المجتمع وتفتك بمكوّناته ، وتظل متوهجة إلى أن تصطدم بالآخر الأجنبي ، فتختفي تماماً ، وتتحوّل إلى عبودية شاملة في اللغة والفكر والسلوك ، وتأمل تعامل السلطة القوية مع كيان الغزاة النازيين اليهود ، إنه انبطاح كامل ، لا يستطيع أن يرفع رأسه ولو بالكلام فحسب ، ناهيك عن أمريكا وبعض الدول العربية الغنية ! وتستطيع على ضوء ذلك أن تفسر ما يلاقيه المصري في الغربة من هوان واستضعاف واستذلال ، وهو ما حوّل بعض المصريين إلى منافقين محترفين يشي بعضهم ببعض لأصحاب الأعمال خوف انقطاع الرزق أو رغبة في الوصول إلى منفعة ، يستوي في ذلك العامل البسيط والخبير المتميز .
          قال المسافر الذي يجلس قبالتنا ، أريد أن أشير إلى ما قاله الأستاذ الذي تحدث عن جينات العبودية أو القابلية للاستعباد ، التي تحدث عنها المفكر الإسلامي الراحل " مالك بن نبي " وإن كانت قد جاءت في سياق آخر ( القابلية للاستعمار ) ، والاستعمار والاستعباد مادتهما واحدة على كل حال ، العبودية في الإسلام جاءت من أجل الخالق سبحانه وحده ، وليس لأحد آخر ، بوصفه مالك الرزق والأجل حيث لا يملكهما سواه ، ومن يتأكد من ذلك ، فهو يعيش حرّاً نبيلاً في سلوكه وأخلاقه لأنه لا يخضع إلا لله وحده ، الذي قال جلّ شأنه : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ " ( الذاريات : 56 – 58 ) .
          ثم إن الحق سبحانه ، وصف المؤمنين به الذين يعبدونه بعباد الرحمن ، ووصفهم بأنهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وقد بشرهم بالجنة جزاء على عبوديتهم الحقيقية له ، حيث لم يعبدوا غيره أو يشركوا به أحداً من خلقه وهم في كل الأحوال أصحاب العقول المضيئة : " وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ " ( الزمر : 17 – 18).
          الإيمان يجعل العبودية لله شرفاً وميزة وطريقاً إلى الحرية في الدنيا ، والجنة في الآخرة ، أما أخلاق العبيد فهي تختلف تماماً لأنها أخلاق فاسدة ، ينسى أصحابها وجود الله ، ويعتقدون أن المخلوقات المماثلة هي التي تملك الرزق وتستحق العبادة . وهؤلاء هم الذين يُسيّرون المجتمع المصري الآن ، وينخرون جسده كالسوس ، ويعيقون تطوره ، ويطرحونه ذليلاً مهيضاً أمام الغرباء والفاسدين حتى بدا مُثلةً يعبث بها كل مغامر وانتهازي !
          قال واحد من المسافرين ، وكان صامتاً طوال الحديث ، أراكم تتحاملون على الشعب المصري كثيرا؛ فأبناء هذا الشعب هم الذين حققوا ملحمة العبور في رمضان 1393هـ ( أكتوبر 1973م ) ، وهم الذين يبدعون ويعملون داخل مصر وفى الوطن العربي والعالم ، ويظهر منهم المتفوقون والناجحون الذين تباهى بهم الدنيا ، وأمريكا نفسها تضم آلافاً من المصريين المتميزين في الإنتاج والعمل والبحث والمجالات الإنسانية الأخرى .
          انفعل جارى ، وأشار إلى المتحدث ، وكأنه يختم الحديث ، حيث أوشكت الرحلة ، وسمعنا النداء للتوجه إلى باب الخروج من الطائرة :
          يبقى أن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا ، وأن الشعب الفرعوني من القوم الفاسقين ، فالعلو في الأرض والفسق لا ينتجان إلا هذا البؤس الذي نعيشه ولا حول ولا قوة إلا بالله . قوموا إلى طائرتكم يرحمكم الله .
          هامش :
          صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك وصفوا الصحابي الجليل أبا هريرة - رضي الله عنه – براوي الأكاذيب !! .. هل يستطيعون أن يصفوا واحدا من قادة التمرد الطائفي في الكنيسة بمثل هذا الوصف ، أم إنهم يعلمون أنهم سيدفعون الثمن غاليا ؟
          ........................
          *المصريون ـ في 10/3/2009م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #35
            محفوظ عجب .. والكُتّاب الجدد!

            بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
            ..............................

            الكتاب الجدد نمط جديد قديم من الكتاب الذين يلبسون الحق بالباطل ، ومن خلال تدليسهم على الناس يرددون مقولات خاطئة ، ولا يملون من تكرارها – على طريقة جوبلز – حتى تصير حقائق يتلقفها كاتب عن آخر ، وخاصة من الشباب أو ممن ضعفت علاقتهم بأسباب الثقافة الجادة والمعرفة الأصلية .. بحيث أضحت مصادرهم أعمدة الصحف السيارة ومقالات الكتّاب الحكوميّين أو مثقفي السلطة .
            وقد عرفت مصر في العصر الحديث نمطاً من الكتاب صورتهم شخصية محفوظ عجب الروائية الشهيرة وعرفها الناس في السينما والتلفزيون .. شخصية الصحفي الانتهازي الذي يصعد من أسفل إلى أعلى ولو على جثث زملائه وأخلاقه من أجل مصلحته الخاصة ومنفعته الذاتية ، ومحفوظ عجب وزملاؤه يشبهون شعراء المديح ، الذين كانت غايتهم إزجاء الثناء على الحكام والمسئولين وذم خصومهم ومعارضيهم من أجل منافع رخيصة ، وكانت جل كتاباتهم تركز على الممدوح بقصد إضفاء الصفات الحميدة والأخلاق الرفيعة عليه . أي إن مهمتهم محدودة بشخص أو أشخاص يتلقون مديحهم ، ويعطونهم مما يملكون – بيد أنه في أيامنا ، ظهر هؤلاء الكتاب مرة أخرى ولكن في ثوب جديد . إنهم لا يعملون من أجل شخص وحسب ولكن يعملون من أجل نظام معين وفكر محدد . قد تكون السلطة البوليسية من ورائهم ، وقد يكون الحزب الحاكم ممولاً لهم وللصحف التي يكتبون فيها ، وقد يكون هناك رجال أعمال أو مؤسسات دينية غير إسلامية تحركهم وتوجههم وتغرقهم بالمال والعطايا ، أو يتبرعون هم للعمل من أجل الوصول إلى غايات غير كريمة !
            ومعظم هؤلاء الكتاب نبتوا في بيئات فقيرة ، والفقر المادي ليس عيباً ، ولكنهم جمعوا إلى الفقر المادي الفقر الخلقي والروحي ، ووجدوا في مهنة الكتابة الصحفية ، والنشاط الفكري في الإذاعة والتلفزة والندوات والمؤتمرات ، مجالاً رحباً ليتخلصوا من الفقر المادي ،وينتقلوا إلى وضع اجتماعي أرقى ؛ وإن لم يتخلصوا أبدا من الفقر الخلقي والروحي ، لأنهم على استعداد للعمل في أي مكان يدر عليهم المال أو الجاه أو السطوة أو النفوذ ، تحت أي ظرف.
            بعضهم يعمل في صحف حزبية ، والبعض الآخر في صحف مستقلة ، والبعض الثالث وهو الأغلبية يعمل في إعلام السلطة بكل فروعه ، وهناك بعض رابع يأتي من مؤسسات غير إعلامية أو تم نفيه من عمله الأصلي لسبب أو آخر ، ولكنه يشارك بقلمه وكتاباته ، سعياً للحصول على المزيد من المكاسب .
            وكلمة السر المشتركة الأولى في إثبات كفاءة هؤلاء هو الهجوم على الإسلام وتشريعاته مباشرة أو من خلال التنظيمات الإسلامية غالبا ، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين ، أو المحظورة كما يسمونها ، فهذا الهجوم الذي يُصوّر الإسلام بصورة معادية للدولة المدنية التي لا يتحكم فيها العسكر أو الشرطة ، أو تقديمه معاديا لما يُسمى المواطنة ، أي الكرامة والحرية والمساواة والمشاركة التي يتمتع بها المواطن في دولة حرة محترمة .. وغير ذلك ألوان وأشكال .
            وكلمة السر المشتركة الثانية في منهجهم : تلقف ما يصدر عن المعنيين بأمور الإسلام أو ممن يفترض فيهم ذلك ، واصطياد بعض الجزئيات السلوكية المختلف عليها ، وتضخيمها ، لتشويه صورة الإسلام ، وتنفير الناس منه ومن أتباعه ، مع أن الإسلام حجة على المسلمين والمسلمون ليسوا حجة عليه .
            وكلمة السر المشتركة الثالثة هي اللعب بالورقة الطائفية ، ودعم التمرد الطائفي من خلال وصم المسلمين بالتعصب وكراهية الآخر والتمييز الديني ورفض السلام على غير المسلمين أو مصافحتهم وعدم تهنئتهم في المناسبات الدينية واستحلال أموالهم وأسلمتهم ، أي إكراههم على دخول الإسلام ، وازدراء معتقداتهم من خلال بعض الكتابات والإذاعات والقنوات التلفزيونية . ويأتي هذا من خلال لغة وقحة فاحشة أحيانا ، أو لغة مراوغة مائعة في بعض الأحيان .
            وكلمة السر المشتركة الثالثة ، هي المحور الذي يعمل عليه بتركيز شديد الكتّاب الجدد ، وحقق بعضهم من خلاله نجاحات مادية عظيمة سواء في الإثراء أو احتلال مراكز جيدة في الصحافة والإعلام والسياسة معاً ، فانتقل بعضهم من السطوح إلى القصور ، واحتل بعضهم مناصب لم يكن يحلم بها ، وأضحي لبعضهم مساكن في أرقى الأحياء وصالونات وعلاقات مع علية القوم ومشاهيرهم ، فضلا عن علاقات استثنائية مع رموز التمرد وقادته!
            لذا جاءت معالجتهم لموضوع التمرد الطائفي منحازة إلى المتمردين انحيازاً كاملاً ، أسسوا عليها مطالب خطيرة ، تستهدف استئصال الإسلام من حياة المسلمين تماماً .
            ففي المقالات واللقاءات والندوات والمؤتمرات التي تبثها وسائط الإعلام والصحافة لهؤلاء الكتاب الجدد تراهم يُطالبون السلطة ويُلحون عليها لإلغاء البرامج الإسلامية في الإذاعة والتلفزة ، بحجة أنها تسيء إلى غير المسلمين ، كما يطالبون بتغيير مناهج التعليم والتربية الدينية حتى لا يبقى فيها أثر من تعاليم الإسلام ولا تشريعاته ولا تاريخه ، فضلاً عن إدانتهم الدائمة للإسلام والمسلمين ، وقد كان سقوطهم الذريع يوم نشروا في الصحف الكبرى داخل البلاد وخارجها إعلاناً ضخمة على صفحة كاملة يطالبون فيها بإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري التي تقضى بمرجعية الشريعة الإسلامية للقوانين ، وكون الإسلام دين البلاد الرسمي .. وقد تساءل الناس عن ممولي قيمة الإعلان الذي نشرته أكثر من صحيفة ، تتقاضى كل منها مبلغاً خرافياً ، يفوق طاقتهم المادية مجتمعين ... !
            لقد ترك هؤلاء الكتاب القضايا الرئيسية والضرورية التي تهمّ البلاد والعباد ، وراحوا يتناولون الأمور الهامشية التي تتعلق بالإسلام والمسلمين ، ويستغرقون في مناقشتها ، وتحويلها إلى قضايا إستراتيجية بوصفها ستؤثر على نظام الكون كله ، وليس على النظام في مصر .
            إنهم مثلاً يريدون تحريم قراءة الفاتحة على المسلمين ، بل يريدون إلغاءها من القرآن الكريم ، والسبب أن الآية الأخيرة فيها تقول " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ، ويسبقها قوله تعالى : " اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم " فالمغضوب عليهم والضالون ، هم من انحرفوا عن الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام ، دين الهداية والاستقامة ، وهؤلاء يشملهم كل من رفض الرسالة الإسلامية ، سواء كانوا يهوداً أو نصارى عرفوا طريق الحق ولم يتبعوه . إن كلام ربنا المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والأحق أن نتبعه ، ينبغي ألا نصغي إليه وفقا لكلام الكتّاب الجدد الذين يتطوعون بالفتوى في أمور الإسلام ، وكثير منهم إن لم يكن كلهم ، لا يصلى ولا يصوم ولا يزكى ولا يحج ، بل إن بعضهم يكتب وهو تحت تأثير الغيبوبة التي يصنعها إدمان المسكرات والدخان الأزرق .
            ليس غريباً أن يلتقي الماركسي المتأمرك مع المتأمرك المتصهين ، مع الماسوني المرتزق على هجاء الإسلام وإهانة نبيه – صلى الله عليه وسلم – والتشهير بالصحابة رضوان الله عليهم ، وتجريح علماء الدين واتهامهم بكل نقيصة وعيب ( قال أحدهم يجب إلقاء صحيح البخاري في أقرب سلة زبالة ، ووصف بعضهم أبا هريرة رضي الله عنه وصفا أستحي من ذكره!) ، في الوقت الذي يؤيدون فيه التمرد الطائفي ويعلون من شأنه ، وهم يعلمون أن خطره على الوطن مدمّر وقاتل لأنه يؤدي إلى تفكيكه وتخريبه ، كما يؤدى إلى سفح دماء غزيرة بريئة ، ثم إنهم حين يتحدثون عن رموز التمرد أو معها ، تجدهم يُطأطئون أقلامهم ، ويغمسون حروفهم في مداد المذلة والخضوع والخنوع ، ويصفون قادة التمرد بأصحاب القداسة والنيافة ، وينادونهم بالآباء والأعمام وبعضهم لص كبير أدانته المحاكم وعاقبته على إجرامه ، ويسبغون عليهم صفات البطولة والنضال والتقدمية والتنوير فضلاً عن غسل سمعة من تدور حوله الشبهات في نفاق رخيص وتملق أرخص .
            وهكذا يتفوق الكتاب الجدد على محفوظ عجب ، حيث تجاوزوه بمراحل لتخريب وطن وتدمير أمة، واستئصال دين ، وليس مجرد مدح شخص مسئول أو ذمه أو خدمة ضابط في جهاز أمن !
            إلى عادل حمودة :
            الصبي الذي ورطك مع شيخ الأزهر يواصل أخطاءه وخطاياه. يحاول تشويه صورة الشيخ القرضاوي على طريقة أشهر جلادي لاظوغلي "زكي بدر"، ويسب علماء الإسلام ، ويهين من هم في حكم أساتذته ، ويصفهم بالهجامة وأهل الكهف وخصوم الحياة، وقبل ذلك بأيام وصف الشيخ كشك رحمه الله بالشتام .. ولا أظنه وهو يبحث عن حرف الدال بالوسائل إياها سيجعل الناس تتعاطف معك، ولكنهم لا تقاء شره سيجرونه وأنت معه إلى المحكمة ثانية، وبالتأكيد فمن حقه أن يركع أمام الأنبا شنودة ، ويغسل سمعة مرقص ، ويبيض وجه بيشوي ، ويطبطب على كتف توماس ، ولكن ليس من حقه سب أو شتم علماء الإسلام !
            ........................
            *المصريون ـ في 14/10/2008م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #36
              روّاد البذاءة والخطوط الحمر!

              بقلم: أ.د .حلمي محمد القاعود
              ............................

              يجب على السلطة في مصر أن تعترف بفشلها الذر يع في إدارة الأزمة الناتجة عن مجزرة غزة . كان الفشل سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً وإدارياً . وكان الغضب الشعبي الإسلامي ضد الحكومة المصرية – وليس ضد مصر – دليلاً صارخاً على الإخفاق العظيم (!) الذي لحق السلطة ، يُضاف إليه الغضب الشعبي المصري الذي عبّر عن نفسه بالمظاهرات والندوات ، فضلاً عن مقالات الصحف التي تعمل خارج سيطرة لاظوغلي !
              لقد تطابقت المواقف السياسية المصرية مع الموقفين الأمريكي والصهيوني ، حيث تم إلقاء المسئولية على حماس ، وهو غير صحيح ، لأن القتلة النازيين اليهود هم الذين انتهكوا التهدئة باعتراف كثيرين ، وقد واجههم " أردوغان " وحمّلهم المسئولية أمام العالم كله . وكان السلوك الدبلوماسي الذي قاده السيد أبو الغيط ومعه سارق الكرسي ، مدعاة للبؤس والخيبة ، حيث جاء الكلام عندما يحسن السكوت ، والعكس صحيح ، وبدا التحامل الذي تدعمه السذاجة السياسية واضحاً في معظم تصريحات الرجل الأول في الدبلوماسية المصرية مما أساء إلى الحكومة ، وجعل قطاعات عريضة في مصر وخارجها تؤمن أن مصر تواطأت مع الغزاة على تصفية حماس ، حتى لو اقتضى الأمر تصفية قطاع غزة بأكمله ، وجاء السلوك اليهودي النازي مؤيداً لذلك ، حين رفض المبادرة المصرية وأوقف النار من جانبه حين أراد ؛ دون أن يعبأ بالإرادة المصرية المعلنة ، وتأكيده على أن مصر راضية بما يجرى ، ثم كانت مقولة ساركوزى – التي لم ينفها أحد حتى اليوم – عن رغبة الحكومة المصرية في عدم انتصار حماس مؤكدا آخر على التواطؤ والخذلان !
              وقد أوكل الإعلام المصري أمره إلى النائحات المستأجرات والردّاحات الفاجرات ، فخسر تعاطف الرأي العام العربي والإسلامي ، وأظهره بمظهر الموالى للعدوّ النازي اليهودي ، والمساند لأفكاره وسلوكه ، ووصل الأمر إلى الردح الذي لا يليق بمصر الكبيرة ومكانتها ، وأحدثه ما نشرته مجلة أسبوعية حكومية كاسدة ( 7/2/2009م ) وصفت رجالاً محترمين لهم مكانتهم في السياسة والجامعة والدبلوماسية والصحافة بأوصاف لا تصدر إلا من بيئة تحكمها البذاءة وسوء الأدب ، ولنا أن نتخيل وصف هؤلاء الرجال مع علو قامتهم في عناوين صارخة : باللاجئ والمتهم والسمسار والهجّام ، مع شرشحة بذيئة في المتن ، وتشريح شخصي لا يمثل لغة نقاش أو حوار موضوعي بصورة من الصور !
              وفى الوقت الذي كان فيه الإعلام المرئي المحترف خارج مصر يتابع الحدث ، وينقل ما يجرى داخل قطاع غزة وخارجه ، ويستضيف الخبراء والمعنيين لإضاءة الواقع المأساوي وتفسير جزئياته ، كان إعلام " البذاءة " يسبّ ويشتم ويلعن حماس ومشعل وحسن نصر الله وإيران ، وكأن هؤلاء هم الذين يحتلون فلسطين ويذبحون أبناءها بوحشية، ويخترقون الخطوط الحمر في الأمن المصري ، بانتهاك السيادة المصرية براً وبحراً وجواً.
              لم يوجه الإعلام المصري كلمة واحدة ضد الغزاة اليهود القتلة ، وطائراتهم تنتهك المجال الجوى المصري لتضرب ما يسمى بالأنفاق ، وتحطم الجدار الفاصل بين مصر والقطاع ، وتقتل بعض المواطنين المصريّين وتجرحهم .. لم ينتفض رواد البذاءة ويقولوا سنكسر رجل من ينتهك مجالنا الجوى والأرضي ، ولم يغضبوا للاتفاق الذي تجاهل مصر واحتقرها ، ووقعته ليفنى ورايس في واشنطن لمراقبة الحدود المصرية ومنع التهريب ، مع أنهم يعلمون أن مصر – كما يفترض - دولة ذات سيادة !
              أبو الغيط ، ومن بعده عائشة ، أعلن أنه سيكسر رجل حماس ، إذا دخل الفلسطينيون إلى سيناء ، ولكنه لم يقل أبداً إنه سيكسر رجل الغزاة اليهود إذا اقتحموا سيناء وقصفوها وهدموا بيوتا مصرية في رفح المصرية وقتلوا بعض أبنائها وجنودها ! أو إذا دخلوا المياه الإقليمية المصرية بالقرب من العريش وانتهكوا السيادة البحرية المصرية ، وأسروا سفن الإغاثة وسفن الصيد الفلسطينية ، وكما فعلوا مؤخرا يومي ( 5،6/2/2009م) مع سفينة الأخوة اللبنانية ، حيث اقتحموها في قلب المياه المصرية ، وضربوا ركابها المتضامنين مع الشعب الفلسطيني ، وأجبروهم على التوجه إلى أسدود ، وأخضعوهم للتحقيق ،ثم أطلقوا سراحهم على معبر الناقورة في جنوب لبنان !
              لقد بكت مذيعة يهودية في القناة العاشرة الصهيونية بسبب المذابح التي يقوم بها القتلة النازيون اليهود في غزة . وذرفت " يوفيت ليفي " دموعها عقب نشرة الثامنة مساء 6/1/2009م مما عرضها لاتهام بالتعاطف مع الأعداء ، أي الفلسطينيين ، وبسبب دموعها تعاطفت معها مذيعات أخريات ، ودعون إلى التفاوض مع حماس ! ولكن النائحات المستأجرات والرداحات الفاجرات عندنا قلوبهم من حجر !
              كان الفشل الإعلامي المصري مطبقاً حين رددت وكالات الأنباء أن العقيد " محمد يوسف شاكر دحلان " يتأهب بقواته في العريش لينقض على غزة بعد تصفية حماس ليحكمها بالأمن الوقائي ، وينسق مع العدوّ من جديد . ولم ينف أحد في الإعلام أو خارجه هذا الخبر ، بل انشغل الإعلام مع السلطة في التشهير بحماس أو ذراع إيران على حدود مصر ،كما سمتها النائحات المستأجرات والردّاحات الفاجرات ، وجعل من التبرعات التي كان يحملها عضو وفد حماس ، وهو عائد إلى غزة ، خطراً ماحقاً يهدد مصر وشعبها ، واتهم إيران بتمويل حماس من خلال العضو المذكور ، ونسي أن إيران وحماس يعلنان على الملأ أن الأولي تدعم الثانية بالمال بعد أن أمر الغزاة اليهود رئيس السلطة في رام الله أن يقطع عن غزة مرتبات الموظفين وعوائد الجمارك ، ومستحقاتها من المعونات الدولية .. أي إن غزة تتعرض للموت ، وإيران ( الشيطان في مفهوم العدو وأسياده وخدامه) هي التي تنقذها .. وبدلاً من التعاطف مع الشعب المنكوب الجائع المدمر المحاصر ، يتفاخر النظام بضبط العضو الذي لم يخف شيئاً ، وتفتيش الوفد المرافق تفتيشاً شمل كل شيء ، وهو ما لا يحدث مع الوفود النازية اليهودية ولا يمكن أن يحدث .. هل لو كان دحلان هو الذي يحمل هذا المبلغ كانت السلطة المصرية أو إعلامها سيشهر به مثلما شهر بعضو حماس ؟ بالطبع لا .. ولكن الإعلام الفاشل يصرّ على كسب مزيد من الكراهية للنظام بتصرّفاته الحمقاء .
              أعلم أن البعض في إعلام البذاءة يستميت في بذاءاته اعتقاداً منه أنه سيحقق مكاسب وظيفية أو مادية كبيرة ؛ خاصة في موسم التغييرات الصحفية والوزارية والإدارية .. ولكن أما كان هناك رجل رشيد يدرك المصلحة العليا ، وضرورة الحفاظ على صورة مصر التاريخية في أذهان الشعوب العربية والإسلامية ؟ لقد صوروا النظام في مصر بأنه شديد الكراهية للإسلام وليس الإخوان أو حماس وحدهما ؛ ولم يدركوا أن ذلك خطأ فادح لا يسوّغه قصور الكوادر العاملة في الإعلام ، أو حماقة بعضها ، أو غباء البعض الآخر !
              ثم إن الفشل الإداري ، وخاصة على معبر رفح ، كان من أسوأ صور الفشل التي ألّبت الشعوب العربية على النظام المصري ، فالوفود القادمة من شتى بقاع الأرض للإغاثة والعلاج والمساعدات والتضامن وكشف الحقيقة للعالم ، وتوثيق جرائم العدو ؛ حين تُمنع وتحتجز على المعبر ، وتبقى أياماً في ظل ظروف صعبة ، ووكالات الأنباء تتحدث عن ذلك ، هو أسوأ الخسائر المعنوية وأبشع صورها ، تفقدها مصر بسبب عدم القدرة على استغلال الظروف الاستثنائية وتحويلها لمصلحة مصر . كان يمكن مثلاً السماح لهذه الوفود بالدخول ، والاستفادة بوجودها في تقديم صورة إنسانية للنظام والشعب معاً ، وتقديم العدو في صورته المتوحشة الحقيقية . أليس غريباً أن تقوم " الجزيرة " التي تهجوها النائحات المستأجرات والردّاحات الفاجرات ، بتقديم وفد أساتذة الجامعات المصرية الذي تم منعه ، في صورة من أجمل الصور التي تعبر عن تضامن شعب مصر وتعاونه مع الشعب الفلسطيني، لدرجة أن يعلن أستاذ في علم اللغة أنه جاء مع وفد الأساتذة ليكون جندياً بسيطاً ينفذ ما يأمره به الوفد لخدمة أهل غزة؟ قارن هذه الصورة بتفتيش عضو حماس وإهانته على المعبر؟
              كان من الممكن للنظام – حتى لو كره الإسلام وحماس معاً – أن يوظف المجزرة لتحسين صورته ، والظهور بمظهر إنساني راق ، يؤكد للعالم العربي والإسلامي أن مصر لما تزل عقل الإسلام ، وقائدة العالم الإسلامي ، وليس إيران أو قطر أو تركيا ، وكان يمكنه أن يكسب مودة أهل غزة دون أن يخسر سلطة رام الله ودحلان ؛ لو أنه ترك المصريين يذهبون بتبرعاتهم إلى الشعب البائس ، وفى الوقت نفسه يتحرّر من تسلط الغزاة القتلة ، ولكنه للأسف آثر أن يترك الأمر لروّاد البذاءة ، معتقداً أن الشتائم والسب والردح لأطراف هامشية سيغطى على الفشل السياسي والدبلوماسي والإعلامي والإداري الذي أصاب الأجهزة جميعاً ، وألحق بها هزيمة منكرة .
              مجدي أحمد حسين :
              دائما تقدم التضحيات الجسام ، دون أن تنتظر جزاء ولا شكورا .. واليوم يصطادونك وحيدا أعزل ، في ظل صمت نقيب الصحفيين ومجلس النقابة ومنظمات حقوق الإنسان ، كان الله في عونك ، وقلبي معك !
              ........................
              *المصريون ـ في 10/2/2009م.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #37
                «رباعيات» حسين علي محمد

                بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                ...........................

                الشاعر الشاب حسين علي محمد له تجربة طيبة في عالم الشعر، وقد أخرج أكثر من مجموعة شعرية معظمها بالجهد الشخصي الشاق، وقد أصدرت له هيئة الكتاب منذ فترة مجموعة باسم "شجرة الحلم" نالت إعجاب ناقد كبير، ممّا حدا به إلى الكتابة عنها في مقدمتها.
                وتأتي "رباعياته" التي صدرت مؤخراً ضمن مطبوعات جماعة «أصوات مُعاصرة» لتحمل روحاً شفافة تفيض بالعذوبة والأشواق، وتغزو عالماً زاخراً بالألم والأمل، وترتكز على قاعدة من الحلم الجميل بالغد الأفضل والأكرم.
                إنها ـ أي المجموعة ـ مناغاة للواقع المرير برؤية صافية، وترصد السلبيات والإيجابيات بلغة الشعر، مع لمسات من الأسى تطفو على السطح بين الحين والحين.
                والجديد في هذه "الرباعيات" أن الشاعر قد تخلّى عن الشعر المرسل أو شعر التفعيلة تماماً، وأثيت وجوده ـ ربما لأول مرة ـ في عالم الشعر المُقفّى ذي الشطرين، من خلال أداء راق يؤكِّد أن هذا الشعر يملك إمكانات مذهلة لو وجد الشاعر المُجيد الذي يستطيع امتلاك ناصيته.
                قد تبدو بعض الألفاظ غريبة على أذن القارئ أو قاموس الشاعر، مثل "النبيذ" في الرباعية الثانية، أو "عنصريا" في الرباعية الثامنة، ولكن هذا لا يُقلل من هذه المجموعة التي تتألّق بمعانقة الإنسان والانحياز له.
                يقول في الرباعية السادسة والثلاثين، والتي تُذكِّرنا بنغمات الشعر الفارسي:
                قدْ أهاجتْني دموعُ العاشقينْ في عذابٍ لفـــــراقٍ أوْ لِقاءْ
                قدْ قضيْتُ العمْرَ بحثاً عنْ جبينْ تُشرقُ الفرحةُ فيهِ والصَّفـــاءْ !
                وفي الرباعية السابعة والعشرين يقول:
                لمْ تُحَرِّكْني دفوفُ الأرْضِ يوْما أوْ غِناءُ المُطــرِبِ الموْهوبِ ليْلَهْ
                قدْ قَضِيْتُ العمْرَ تسبيحاً وصَوْما في ظـلامِ الليــلِ أشتاقْ الأهِلَّهْ !
                ومن خلال هاتين الرباعيتين يستطيع القارئ أن يُدرك مدى سيطرة الشاعر على ناصية الشعر
                حلمي محمد القاعود
                ............................
                *مجلة الإذاعة والتليفزيون، العدد (2500)، في 12/2/1982م.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #38
                  يد الإمام الجريحة!

                  بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                  .............................

                  هذا العنوان مستوحى من عنوان مقال للكاتبة الصهيونية الشهيرة " سيمدار بيراى " ، مراسلة " يديعوت أحرونوت " للشئون العربية ، وهى ذات صلة وثيقة بمصادر صنع القرار والمثقفين الموالين للغرب فى بلادنا ، وقد حللت في مقالها ردود الأفعال العربية على مصافحة الإمام الأكبر للسفاح النازي اليهودي شيمون بريز ، رئيس الكيان الغاصب في فلسطين المحتلة في أثناء مؤتمر الأمم المتحدة لما يُسمى حوار الأديان !
                  تفسر المراسلة الصهيونية ما سمته بالهجوم الكاسح على شيخ الأزهر بسبب المصافحة ، بأنه يرمى إلى ردع كل من يحاول إظهار ولو ذرة من التطبيع مع العدوّ الصهيوني ! وتربط ذلك بالإعلانات التي تروج لما يُسمى المبادرة العربية للسلام في وسائل الإعلام الصهيونية ، وتتساءل عما يحصل بعد مصافحة واحدة بريئة !
                  كانت الصحفية الصهيونية قد لفتت الأنظار إلى ما جرى لنجيب محفوظ بسبب تأييده الظاهر للسلام ، والممثل السينمائي عمرو واكد الذي استدعى لنقابة الممثلين ثم استجوابه بسبب ظهور مشترك مع ممثلين صهاينة ! وتعلن المذكورة عن خيبة أملها لأن أحداً في مكتب الرئيس ووزارة الخارجية ، ووزارة الأديان (!) لم يخرج لوقف الهجوم اللاذع الذي يجبر " المجرم " – حسب تعبيرها – على الامتناع عن الظهور في أماكن مكتظة خشية أن يحاول المتشددون الانفعاليون المسّ به .
                  ظهر مقال المراسلة الصهيونية في 9/12/2008م ، وفى الوقت ذاته تقريبا ، كانت الصحف عندنا تنشر توابع أحاديث الإمام الأكبر للصحف والتلفزة حول المصافحة ، ووصفه لمن انتقدوها بأنهم " مجانين " ، وأن انتقاداتهم " أحقر وأتفه من أن يرد عليها " ، وتكلم عن حصار غزة من جانب العدوّ الصهيوني المحتل بقوله : " حصار إيه وقرف إيه ؟ واحنا مالنا " وأضاف : " لا أعلم أن هناك حصاراً على غزة " ووصف سؤالاً من المذيع وجهه إليه بأنه " سخيف " .. ثم قال فى سياق إجابة حول منع حجاج غزة " هى إسرائيل اللى مانعة الحجاج ؟ وافرض إنها عاملة الحصار واحنا مالنا . الكلام ده سخيف ، انتوا يجب أن تردوا انت بتسألنى . واحد بيسلم على واحد دى فيها إيه ؟ قول لى ، واحد يهودى ، واحد مسيحى ، واحد ملحد فى حفل عام وماشى سلم علىّ " وعندما قيل له إن صحيفة معاريف الصهيونية ذكرت أن فضيلتك هو الذي ذهب وسلم عليه ، ولم يأت هو ليسلم على حضرتك . ردّ فضيلته : " هما كدّابين ولاد ستين كلب ، إيه اللى رحت أنا أسلم عليه ؟ إزاى أنا هروح أسلم عليه " ( المصري اليوم 7/12/2008م ) .
                  كنت قد أخذت على نفسي عهداً ألا أكتب عن كلام شيخ الأزهر وسلوكياته مهما فعل ، ولكن موضوع المصافحة وما اقترن به ، كان صدمة من نوع غريب ، لأنها لا تتعلق بالشيخ نفسه ، ولكنها تتعلق بنمط من التفكير والممارسة التي يخوضها العرب والمسلمون ، إزاء حالة مفصلية فى تاريخ الأمة ، لا تقبل العبث أو تضييع الوقت ، أو إهدار الجهد ، أو الوقوف على أبواب طغاة العالم انتظارا لعطفهم وحنانهم . وفى الوقت ذاته ، فإن السلطة فى بلادنا ، مهما كانت الأمور يائسة ومذلة ، يجب أن تبقى على منصب شيخ الأزهر ، رمزاً لكيان وعنوانا لكرامة وشارة لثقافة ..
                  صحيح أن الوضع العربي الإسلامي لا يسرّ ، وأن التشرذم والضعف والأنانية فاقت كل التوقعات وأن العدوّ النازي اليهودي ، مدعوماً بالوحشية الاستعمارية الصليبية حقق أكثر مما كان يتمناه ويتوقعه ، ولكن من قال إن الإجرام النازي اليهودي لا يمكن ردعه وإشعاره بالوجع والألم ؟ إن المقاومة الفلسطينية الباسلة فعلت ذلك ، ولولا التراخي والاستسلام والانهزام لحقق الفلسطينيون كثيراً من المكاسب . لقد دأب اليهود على إذلال ضحاياهم كلما رأوا إرادتهم تنحل ، وعزيمتهم تتقوض ، وإصرارهم يتبدد ، ولكنهم يتراجعون حين يجدون نمطاً آخر من التصميم والعزة والكرامة ، وهذه طبيعة التعامل بين الوحشية والإنسانية .
                  أما شيخ الأزهر فكان على المعنيين بالأمر أن يربأوا به عن هذا الموقف حتى لا تخسر مصر صورتها فى أذهان العالم الإسلامي ، ودورها القائد فى المجال العلمي والشرعي . وإذا كان البعض لا يعنيه التفريط فى المصالح الاقتصادية والمادية ، فإن المصالح المعنوية والروحية لمصر لا تعوّض ولا تقدر بثمن . لأنها تكونت بالتراكم على مدى ألف عام أو يزيد . لقد كانت المفارقة أن علماء السعودية لم يصافحوا السفاح ، ولم تظهر لهم صور وهم يضعون أيديهم فوق يديه الدمويتين .. فلماذا نكون أقل حصافة منهم ؟ ثم هل فكر من يعنيهم الأمر أن اليهود النازيين الغزاة ، يقدرون كل شيء بثمن ومبلغ وحساب ؟ أفلا خطر على بالهم أن ثمن هذه المصافحة كان يمكن أن يكون كبيراً لو فكروا بلغة اليهود النازيين الغزاة ؟
                  لا ألوم شيخ الأزهر ، على ما فعل ، فالرجل إمكاناته محدودة ، لا تسمح له بالتفكير أبعد مما يريده أهل السلطة وينفذه بحذافيره ، بدءًا من الفتاوى الحرام ، حتى التصريحات السياسية غير المسئولة . ولا أحد يستطيع أن يضعه فى مكانة المشايخ حسونة النواوي وسليم البشرى ، ومصطفى المراغى ، وعبد الحليم محمود ، فهؤلاء كانت ولاءاتهم للإسلام أكبر من ولاءاتهم للسلطة – أي سلطة ! – واستطاعوا أن يمارسوا شيئاً اسمه " الاستقالة " ، ويحفظوا للإسلام ، كرامته وللأزهر كيانه . كانت قلوبهم معلقة بخدمة الدين وليس خدمة السلطان .. ولهذا سطر التاريخ أعمالهم بحروف من نور ، وهى أعمال تشرف كل مصري وعربي مسلم .
                  إن ما فعله فضيلة الإمام لا يمكن الدفاع عنه لا من منظور إسلامي ولا قومي ولا وطني . وبالمنطق المادي البارد ، فإن حرمان السفاح من هذه المصافحة ، والمساومة بها فى سوق المفاوضات أو المناورات السياسية كان يمكن أن يحقق مكاسب سياسية للدولة أو للقضية الفلسطينية .. أما الذين يعتقدون من كتاب البلاط أن المصافحة نوع من إبداء حسن النيات وقبول السلام والتفاهم ، ويعتقدون أن الأمم المتحدة منبر مهم لبيان وجهة النظر الإسلامية فهم واهمون ، لأنهم ببساطة لا يعرفون الجغرافيا ولا يفقهون التاريخ ، ولو كانوا كذلك لأدركوا أن الغزاة النازيين اليهود لا علاقة لهم بالسلام من قريب أو بعيد ، حتى لو أقسموا على التوراة ، وتاريخهم القريب والبعيد يؤكد ما أقول ، ثم إنهم لا يؤمنون إلا بالقوة ولا يعترفون إلا بها ، وأنهم ما خضعوا فى يوم ما لقانون أو رأى عام أو شعور إنساني .. إنهم يُملون شروطهم وحسب ، وحين يتفاوضون فإنهم يقصدون الترتيب مع من يفاوضهم لتنفيذ شروطهم بالصورة المثلى ، أو تيئيس الطرف الآخر حتى يستسلم تماماً ويرضخ لما يسمى الأمر الواقع – إن دول الغرب الاستعماري تقاطع إيران وكوريا وزيمبابوي وكوبا وفنزويلا وغيرها حتى ترضخ لشروطها ، وسبق أن قاطعوا الصين الشيوعية عقوداً طويلة ، وحين رأوها قادرة على الاستغناء وإثبات الوجود ، ووجدوا أن الانفتاح عليها يحقق لهم مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية رفعوا المقاطعة . والغزاة النازيون اليهود يفرضون حصارهم المميت على غزة ليتخلصوا من المقاومة الباسلة ، ولم يسمعوا لنداء أصحاب الضمير فى العالم . فلماذا يريد كتاب البلاط أن يتطوع فضيلة الإمام بمصافحة السفاح النازي مجانا ؟
                  هامش :
                  صبى من صبيان الكنيسة فى الصحافة الخاصة ، شبه فضيلة المرشد العام بقوله : " مثل الفأر الذي سقط خطأ فى برميل ويسكي فخرج سكرانا (؟) يصرخ فيمن حوله : أنا جدع أنا هبهدل القطط " !!
                  وصبى آخر قدم تقريراً أمنياً على صفحة كاملة ضد الإخوان والجماعات الإسلامية يبلغ فيه عن إقامة مناطق حكم ذاتي داخل مصر ( وكأن الأمن ينتظر تقريره ! ) ، والأدهى أنه صور المرشد بلباس هتلر على صدره وذراعه الصليب المعقوف ! ما رأى ميثاق الشرف الصحفي ونقابة الصحفيين ؟ وهل يقدر صبيان الكنيسة على انتقاد الأنبا شنودة بنفس هذه الألفاظ البذيئة والتعبيرات النابية التي يستخدمونها ضد فضيلة المرشد ؟
                  ........................
                  *المصريون ـ في 16/12/2008م.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #39
                    حديث الوردة .. حديث النار
                    قراءة في بعض الظواهر الشعرية لدى الشاعر حسين علي محمد

                    بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                    ............................

                    (1)
                    حسين علي محمد (1950- ) واحد من أهم شعراء السبعينيات، الذين حملوا رؤية صافية نقية، تنبع من فهم واع لهوية الأمة وشخصيتها، وتحركوا من خلال تصور واثق، يؤمن بقيمة الفن ووظيفته في مخاطبة المشاعر والأفئدة، وتجييش العواطف والأحاسيس بما يجعل المتلقي، قارئا أو مستمعا، شريكا في العمل الفني بالاستجابة والتفاعل، وليس مجرد مشاهد لا يفهم أو لا يدري ما يُقال أو يُتلى أو يُقرأ.
                    إن "حسين علي محمد" شاعر ينتمي إلى الريف المصري، وقد ظل وفيا لهذا الريف منذ مولده وحتى اليوم، يعيش مع أهله وناسه همومهم وآمالهم، دون استعلاء عليهم، أو تنكر لهم، فهو واحد منهم، يُغني أناشيدهم، ويُنشد أغانيهم، دون أن تستهويه أضواء العاصمة، أو تخلعه من جذوره، أو تجعله يبيع هويته في سوق الرق الفكري، الذي يشتري الباحثين عن الشهرة بأبخس الأثمان، وأرخص القيم.
                    ظل حسين علي محمد في بلدته الصغيرة "ديرب نجم ـ بمحافظة الشرقية" يقرأ ويدرس ويعمل ويقرض الشعر، حتى استطاع بموهبته وخبرته ومثابرته أن يفرض أدبه وإنتاجه في معظم الصحف والدوريات التي تصدر في العاصمة، وبقية العواصم العربية، وأن يكون واحداً من شعراء زماننا الذين يُقدِّمون شعرا عذبا وجميلا، يذهب بطعم الحصرم ـ الذي نتجرّعه بالقوة والإرهاب ـ عبر الوسائط الإعلامية والأدبية، لنفر من الطغاة الذين ظنوا السخف الذي يقولونه أو يكتبونه شعراً وأدباً، وذهبت بهم الصلافة والغرور إلى الحد الذي تصوروا معه أنهم أتوْا بما لم يأت به الأوائل، وأنهم أحدثوا تطورا غير مسبوق وَصَلَ بالشعر العربي إلى ذروةٍ لم يصل إليها أحد من الغابرين! وهيهات أن يكون هذا الأمر صحيحاً، إذ لو كان كذلك ما أعرض عن كلامهم الناس، ولا وقفوا منه موقف "الأطرش في الزفة" .. ولكن الآلة الإعلامية الرهيبة تعمل على قلب الحقائق، وتوهم بالباطل بما لا أساس له في الواقع.
                    على كل، فإن "حسين" قد نمت موهبته الشعرية من خلال دراسته النظامية التي وصلت به إلى الحصول على درجة "الدكتوراه" (عام 1990م)، وإن كنت أرى أن ثقافته الحقيقية قد نمت وتبلورت من خلال قراءاته ومتابعاته الأدبية والثقافية خارج الدرس "النظامي"، فالتثقيف الذاتي ـ فيما أعلم ـ كان وراء ذلك الوعي العميق الذي يظهر عبر قصائده وأشعاره بأبعاد التراث الإسلامي، الناضج، والواقع الراهن بملامحه المأساوية المتردية، والحلم الجميل بمستقبل أفضل من خلال تتبع ما يجري في الدنيا، ولدى الآخرين من مميزات التفوق والقوة والبناء.
                    نحن إذن أمام شاعر يملك نضج الرؤية الحضارية على المستوى الفكري، حيث يلتقي الماضي والحاضر والمستقبل في وجدانه وعقله وخياله، وهو بهذا يستطيع إذا أنشد أن يقدم لنا شعراً ذا قيمة، وذا أصالة أيضا .. فضلا عن "الكم" الكبير الذي نشره وكتبه من القصائد والمسرحيات.
                    نشر "حسين علي محمد" مجموعة من الدواوين أو المجموعات، بعضها بالجهد الذاتي (بطريقة الماستر)، وبعضها عبر أجهزة النشر الحكومية، وأيضا فإن لديه أكثر من مسرحية ومجموعة شعرية لم تنشر، وإن كان نشر بعض قصائدها في صحف ودوريات محلية وعربية متعددة.
                    من المجموعات التي نشرها بجهده الذاتي"السقوط في الليل" عام 1977م، وساعده في نشرها: اتحاد الكتاب العرب بدمشق، أيضا نشر بجهده الذاتي مجموعته "أوراق من عام الرمادة" عام 1980م، ضمن دورية"أصوات" التي كان يُصدرها في الشرقية مع فريق من زملائه الشعراء والفنانين التشكيليين، وهي أسبق من الدورية الأخرى التي صدرت بالاسم نفسه بوساطة فريق آخر في القاهرة.
                    ومن المجموعات الأخرى المخطوطة التي لم تنشر بعد: "تجليات الواقف في العراء"، و"زهور بلاستيكية"، و"من دفاتر العشق" .. وله أيضا مسرحيتان مخطوطتان: "الرجل الذي قال"، و"الحاجز الرمادي".
                    وإلى جانب ذلك فهناك بعض الدراسات الأدبية التي نشرها الشاعر، مثل: "البطل في المسرح الشعري المعاصر"، وصدر في القاهرة عام 1991م، و"القرآن ونظرية الفن"، وقد صدرت طبعته الثانية عام 1992م.
                    ومازال الشاعر ينشد شعرا، ويكتب دراساته ومقالاته التي تدل على أصالة وعيه العميق.
                    (2)
                    من يقرأ شعر حسين علي محمد يستشعر أنه بإزاء شاعر له شخصيته المتفردة في الأداء الفني والرؤية الشعرية، صحيح أننا نستشعر ملامح التقليد في البدايات ـ وهذا أمر طبيعي ـ ولكن مرحلة النضج قدّمت شاعراً يمتلك الأداة التي يستخدمها بتميز، ليعبر من خلالها عن رؤيته الصافية وحلمه المتميز.
                    في البداية بدا الشاعر معجباً بمجموعة من شعراء التجديد المعاصرين أمثال بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وقد رثى السياب عند وفاته بقصيدة جيدة، ولكن تأثره الواضح ارتبط بالشاعر صلاح عبد الصبور، ولعل ذلك يرجع إلى شهرة الأخير في مطلع حياة حسين الشعرية، وإلحاح أجهزة الإعلام حينئذ على شعره وأخباره، ومن ناحية أخرى فلعل العامل الجغرافي كان من وراء هذا التأثر، حيث ينتمي الشاعران إلى محافظة واحدة هي محافظة الشرقية، ولعل أبرز نماذج التأثر تبدو في قصيدة حسين التي عنوانها "أربع صفحات من مذكرات أبي فراس" التي نشرها في مجموعة "السقوط في الليل"، ويقول في مطلعها:
                    "أعودُ منْ بلادِ الثلجِ والضبابِ والرؤى المهوِّمهْ
                    وقلبيَ الصغيرُ وزدةٌ حمراءْ
                    تنِزُّ بالدِّماءْ
                    أعودْ
                    وليتني ما عدْتُ يا صِحابْ
                    فهاهيَ الوجوهُ مُعْتِمهْ
                    لمْ تبْتسِمْ لعوْدَتي بالحبِّ والصَّفاءْ
                    وهاهُمُ الصِّغارُ في الأركانِ نائمونْ
                    يحلمونَ أنْ تقومَ فوقَ أركانِ المدينةِ المُهَدَّمَهْ
                    مدينةٌ جديدهْ
                    مدينَةٌ سعِيدَهْ
                    لايصدِمُ الصِّغارَ فيها منظرُ الدِّماءِ والأشلاءْ" (ص36)
                    وإذا كنا في هذه القصيدة نستشعر صورا عديدة تذكرنا بقصيدة "صاحب الوجه الكئيب" خاصة، فإن قصيدة حسين تقودنا بوجه أخص إلى قصيدة صلاح عبد الصبور الشهيرة، التي عنوانها "الخروج"، وفيها يستلهم هجرة الرسول  من مكة إلى المدينة، ليعبر عن تجربة شخصية مرَّ بها، ويقول في أحد مقاطعها:
                    "لو مت عشت ما أشاءُ في المدينةِ المنيرهْ
                    مدينةِ الصحو الذي يزخرُ بالأضواءْ
                    والشمسُ لا تُفارقُ الظهيرهْ
                    أوّاهُ يا مدينتي المُنيرهْ
                    مدينة الرؤى التي تشربُ ضوءِا
                    هل أنتِ وهم واهمٍ تقطّعتْ بهِ السُّبلْ؟
                    أم أنت حق؟
                    أم أنتِ حق" (الأعمال الكاملة، ص237)
                    ولسنا هنا في مجال المقارنة والتقويم بين الشاعرين، ولكننا نشير إلى بدايات الشاعر التي تكون عادة أقرب إلى التقليد والتأثر بالآخرين، منها إلى الاستقلال والذاتية الصرفة، وهو ما صنعه الشاعر فيما بعد، رؤية وأداة.
                    والحديث عن رؤية الشاعر وأبعادها يقضي مجالا أرحب، ولكننا نشير إليه هنا باقتضاب، لنؤكد على ما يمكن أن نسميه "الواقعية المثالية" .. حيث ينطلق الشاعر من واقعه ليطلب المثال وفق تصور واضح، لا غموض فيه ولا التباس ولا التواء.
                    وهذا الواقع الذي ينطلق منه هو واقعه اليومي المعاش على المستوى الشخصي ومستوى الأمة. وإن كان ما يجري للأمة ويعصف بكيانها وحضارتها وتاريخها ومستقبلها يمثل العنصر الأغلب والأعم والأكثر أهمية .. قليلة هي القصائد التي تنضح بالهم الشخصي، وقليلة هي الأشعار التي تقدم لنا معالم خاصة في حياة الشاعر تشغله أو تمنعه عن التفكير في واقع الأمة ومأساتها .. إنه شاعر يعيش لأمته، وينسى نفسه إلا في حالات قليلة يمكن عدها على الأصابع، بل إنه يوظف تجاربه الشخصية لتكون معبرا يصل إلى واقع الأمة، أو صدى لواقع الأمة.
                    من تجاربه الشخصية القليلة التي استأثرت بهمه الذاتي رثاؤه لأبيه الذي فقده، وهي مرثية قصيرة محكمة، يبدو فيها الرضا بالقدر والتسليم بالقضاء مع الإحساس الحاد بالفقد:
                    " .. وهلْ يسمعُ الشيخُ صوْتَ الرياحِ
                    بوادي الفناءْ
                    أيا فرسَ الموتِ ،
                    أقبِلْ ، وطِرْ بي
                    ودعْهُ هنا نائماً
                    مُستريحاً
                    وألْقِ عليْهِ .. الرِّداءْ".
                    وبصفة عامة فإن التجارب الذاتية تدور غالباً حول الرثاء للأحبة والأصدقاء والشعراء الذين ارتبط بهم عاطفيا وفنيا، ومن خلالها يبث شجنه، ويومئ ضمنا إلى الهم العام الذي يؤرقه ويضنيه، والذي يتفرد بالساحة الشعرية للشاعر، ويفرض ملامحه عليها، وعليه أيضا، كما نرى في قصيدة "الحصار يليق بالشاعر"، حيث يصير الشاعر "مجرَّدُ فرْضٍ في ذاكرةِ الطينِ"!:
                    "في الشارعِ يقفُ السمسارْ
                    في النّافذةِ المُخبرُ
                    في الذاكرةِ بقايا النّارْ
                    كيْفَ تُخاطبُكَ الأشجارْ
                    يا رجلَ الأقدارْ
                    ـ أنت مجرَّدُ فرْضٍ في ذاكرةِ الطينِ
                    وقبرُكَ
                    محفورٌ
                    في الأشعارْ".
                    ولعل هذه القصيدة القصيرة تجمع عناصر رؤيته في ذلك الصراع غير المتكافئ بينه وبين قوى الشر العاتية المتمثلة في "السمسار": رمز الانتهازية، والميكافيللية، والكسب بلا تعب، والمخبر: رمز السلطة والحصار والملاحقة .. ونتيجة الصراع واضحة سلفاً، حيث إنها محسومة لصالح الجبهة التي يقودها السمسار والمخبر .. أما الشاعر ـ رجل الأقدار ـ فمصيره إلى القبر!، وعلى الرغم من أن القصيدة تومئ إلى ملامح المقاومة والوقوف ضد التيار من خلال "بقايا النار" و"الأشجار"، وسنرى فيما بعد دلالة "النار" على صورة المقاومة والتطهير والأمل، فإن "الأحجار" بكل ما ترمز إليه من صلادة وقسوة وفقدان للإحساس، تعطي ملمحا مأساويا يُكرِّس الهزيمة والموت!! مما يعني واقعية الشاعر ومثاليته في وقت واحد.
                    وللإنصاف فإن الشاعر على مدى تجربته الشعرية، كان الأمل يومض في أشعاره بالرغم من قتامة الواقع المحبط، والذي يتبدّى عبر تفاصيل الحياة اليومية والأحداث السياسية والاجتماعية، وظل يحلم بهذا الأمل إلى عهد قريب، ولكنه ـ فيما يبدو ـ وصل مؤخرا إلى درجة الاقتناع باليأس وعدم الجدوى، لأنه يرى ما حوله ينبئ عن الهزيمة، ويتحدث عن الموت. ولا بأس أن نورد نموذجاً للأمل الذي كان يُداعب خيال الشاعر باستمرار طوال فترة غير قصيرة، ظل يحلم فيها ـ إلى درجة اليقين ـ بقدوم السلام والأمان:
                    "لنْ أضربَ في أرجاءِ الوهِمِ الحيْرانِ
                    سأعودُ لداري فرِحاً
                    ذات مساءٍ نشوانْ
                    وستُفرِخُ أطيارُ الحبِّ على نافذتي
                    وستشدو ..
                    ذات مساءٍ نشوانْ :
                    عمَّ الكونَ سلامٌ وأمانْ
                    عمَّ الكونَ سلامٌ وأمانْ".(من قصيدة "هموم شاعر أشبيلية العاشق")
                    وإذا كان هذا الحلم يبدو "طوباويا" ساذجا، ينقض ما أشرنا إليه من قبل عن "الواقعية المثالية" لدى الشاعر، فإنه في قصائد أخرى يتشكل وفقاً لقانون التضحية والفداء، وهو يُعلن عنه بخطابية مباشرة:
                    "أقفُ وأحميكِ من السِّفْلةِ والأوغادْ
                    وأُقدِّمُ عمري قُربانا
                    حتى ترتسمَ على أوجهِ أطفالكِ
                    بسماتُ الأعيادْ
                    ويظلُّ الشعرُ رسولاً للإيمانْ
                    سيفاً في الأرزاءْ
                    أنزفُهُ كلَّ صباحٍ ومساءْ
                    منْ أجلِ بنيكِ الفقراءِ الشرفاءْ" (ختام قصيدة "وشم على ذراع مصر")
                    (يتبع)

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #40
                      وفي كل الأحوال فإن الهم العام يظل يؤرق الشاعر، ويحضر أمامه في شتى المناسبات التي تجعله يحمل الأمة في حنايا صدره، يهتف لها، ويغني جراحاتها، ويأمل في غدها الجميل، وقد تحزبه هموم آنية، فتضيق أمامه جسور الأمل، وتسودُّ الرؤية، ولكن الأمل يظل قائما في أكثر من صورة يجسدها بصفة عامة إحساسه الحاد بضرورة الحركة نحو الأفضل والأنقى والأصفى.
                      ثمة ملمح آخر للرؤية الشعرية لدى حسين علي محمد يتمثل في تجاوز الدائرة الوطنية والقومية إلى الدائرة الإسلامية حيث يُعاني المسلمون ألوان عديدة من القهر والعسف، والطرد من بلادهم، وتطهيرهم منها بعد مذابح دامية بشعة ورهيبة، وغير مسبوقة في العصر الحديث، كما حدث في "البوسنة والهرسك" مثلاً، والشاعر لا ينسى في غمرة همومه ما يجري هناك لإخوانه المسلمين، الذين تآمر عليهم أعداء الإنسانية، وأشرار الأرض، وخذلهم المسلمون وصمتوا على ما يحدث لهم.
                      في قصيدته "أربعة مقاطع دامية أو: صهيب ينادي وا معتصماه!" التي يهديها "إلى سراييفو المحاصرة"، يوجز مأساة المسلم المعاصر، الذي تتناوبه الأرزاء، ويزري به الأعداء، ويعيش حالة بؤس وانفصام لا مثيل لها في تاريخه، ولعل المقطع الأول في القصيدة يُلخص هذه المأساة حين يستخدم النص القرآني في قوله تعالى أول سورة الروم "ألم غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون" لتقديم المفارقة في الواقع الإسلامي الراهن، وبدلا من أن يكون الحكم هو "هزيمة الروم" (غُلِبتْ = على البناء للمجهول) يجعل الشاعر الحكم معكوساً (غَلَبتْ = على البناء للمعلوم)، ويسرد ما تفعله الروم (رمز الإجرام الغربي المعاصر) بالمسلمين في سراييفو (أو البوسنة والهرسك) .. ويكثف الشاعر المفارقة من خلال الإشارات التاريخية إلى الماضي حيث كان المسلمون يغلبون، وكانت جيوش محمد  تحقق انتصاراتها في كل مكان، وكان يستنجد به كل مظلوم، وكل مقهور، وكل خائف:
                      "مشى الرومُ فوقَ جبينيَ هذا المساءْ
                      وداستْ خيولُهمو بالسنابكِ وجهَ الضياءْ
                      وكان "صهيبُ" يُنادي جيوشَ محمدْ
                      فلمْ تُرجعُ الريحُ حتى الصّدى
                      وضَاعَ النداءْ
                      وظلِّي تجمّدْ
                      فلا الأُفقُ تعلوهُ رايةُ أحمدْ
                      فلا الخيْلُ خيلي
                      ولا الظلُّ ظلِّي !"
                      وبالرغم من اسوداد الواقع الراهن، وسوءاته، وبالرغم من العجز والإحباط الذي يتبدّى في مقاطع القصيدة، فإن الشاعر في المقطع الأخير تراوده الآمال التي يراها بعيدة، ولكنه يتساءل عنها في لهفة وسخرية:
                      "هلْ تضحكُ الأيامُ للوجْهِ الحزينْ ؟
                      هلْ تعرفُ المخدوعةُ الحسناءُ
                      أكثرَ منْ حصادْ التُّرَّهاتْ ؟"
                      وهكذا فإن مأساة المسلم المعاصر ليست قاصرة على إقليم بعينه، ولكنها حالة عامة تشغل الشاعر في سياق عام يمثل محورا مركزيا في بصيرة الشاعر، وإن تعددت الملامح وزوايا الرؤية.
                      (3)
                      إلا الذئاب التي تعوي، وعام الرمادة، والصحاب الجوف، والليل اللدود، والدمع الذي يحفر نهره في الوجه المكدود ..
                      يبدأ الشاعر قصيدته بمقطع يمتزج فيه الماضي والحاضر، والخاص بالعام، في إشارة ذكية وموحية، بل عامرة بالإيماءات من خلال مفردات تشير إلى الوحدة والجوع والشوق والأمل:
                      "هذا أنا
                      وحدي هنا
                      خلفَ الجموعْ
                      الجوعُ يقتلُ ناقتي
                      والشوقُ يعصِفُ بالضلوعْ !"
                      ثم يُقلِّب معاني هذا المقطع بصورة أخرى تُشير ضمنا إلى الشاعر ووظيفة الكتابة، مع إحساس رومانسي عارم، يحفل بالتشاؤم والأسى:
                      "هذا أنا
                      سقطتْ إشاراتُ الكتابةِ ، والدموعْ
                      سالتْ على وجْهي ، وأوراقُ الربيعْ
                      سقَطَتْ ، تهاوتْ .. والمُنى
                      ذبُلتْ بقلبي ، تحتَ أقدامِ الصقيعْ"
                      وإحساس الوحدة الذي يستشعره الشاعر، ينبئ في المقطع التالي عن وجهين، أو وجه يمكن أن نديره، فيكون خاصا مرة،أي معبرا عن تجربة شخصية، وعاما مرة أخرى، أي يحتضن رؤية اجتماعية تلمّح إلى فجيعة يعيشها المجتمع، حيث لم يبق صامدا ونقيا إلا الشاعر ـ وما يرمز إليه ـ أما الساحة التي تحولت إلى فياف وقفار، فإن الذئاب هي التي تعمرها بالعواء والوحشة، والوحشية أيضا:
                      "مرَّ الصحابْ
                      وبحثتُ عنهمْ في الفيافي والقِفارْ
                      وظللتُ أصرخُ علّني أجدُ الجواب
                      فلمْ أجدْ غيرَ الذئابْ
                      تعوي ، ولمْ أجدِ الصحابْ !"
                      ويُلاحظ أن الشاعر هنا يستخدم قافية "الباء" ذات الجهارة والانفجار في ختام أغلب الأشطر بوصفها قافية ذات دلالة وتناغم مع المناخ المتوحش الذي بستشعره في وحدته وصموده، وصراخه أيضا.
                      في المقطع الرابع والختامي ـ وهو أطول المقاطع ـ يبدو الشاعر وكأنه يفيق من مثاليته ليجبه الواقع، الذي ينكشف عن جهامة عام الرمادة والصحاب الجوف، والليل اللدود، والدمع الذي يهمي .. وهنا تبدو الحيرة والتخبط، فهل يرجع الشاعر عن متابعة البحث عن الطريق ويستريح من العناء: عناء الوحدة والوحشة، أو عناء مواجهة المجتمع الذي تحوّل إلى ذئاب، أم يُتابع المسيرة ويقف خلف الجموع، يُعرِّض ناقته الجائعة للخطر، وضلوعه للشوق العاصف؟
                      "ضَلَّتْ خُطاكْ
                      يا أيها المجنونُ قدْ ضَلَّتْ خُطاكْ
                      وبحثتَ عنْ أثرِ الخُطا
                      وبحثتَ عنْ أثرِ الطريقِ
                      فلمْ تجدْ أثراً هناكْ
                      عامُ الرمادةِ ، والصحابُ الجوفُ
                      والليلُ اللدودُ
                      هواجسٌ ، والدّمعُ يحفرُ نهرَهُ
                      في وجهِكَ المكدودِ ، هلْ تبْغي الرجوعْ ؟"
                      ولكن الحيرة تبقى قائمة، والفجيعة تظل جاثمة، سواء على المستوى الشخصي أو المستوى العام، لأن الصحاب مروا، ولم يبق إلا الذئاب، وإن كان الشاعر يُقرِّر أيضاً أنه لم يبق في حوزته إلا الدموع!:
                      "لمْ يبقَ لي غيْرُ الدموعْ
                      هذا أنا
                      وحدي هنا
                      خلفَ الجموعْ
                      الجوعُ يقتلُ ناقتي
                      والشوقُ يعصِفُ بالضلوعْ !"
                      وأيضاً، لنا أن نتأمل هنا "قافية العين" الذي يختتم بها بعض الأشطر في هذا المقطع لنرى تأثيرها الموسيقي الفاجع، والذي يُنبئ عن عمق الفجيعة والحسرة، وهو عمق يتساوى مع موضع خروج العين من الحلق، ودلالته الحزينة اليائسة.
                      لعل "أوراق من عام الرمادة" التي قرأنا بعضها هنا تُنبئ عن توظيف جيد وساطع، لدلالة عام الرمادة ومعطياته في التعبير عن تجربة الشاعر تجاه لحظة حياتية أو واقع يلتحم به، ويصطلي بأحداثه وأناسه.
                      من ناحية أخرى فإن الشاعر يستدعي شخصية الشاعر "ابن الرومي" ليطرح من خلالها مأساة الشعراء الصادقين في كل زمان ومكان، عبر حكاية فقر ابن الرومي وجوع أولاده، وعدم قدرته على الوصول إلى أبواب السلطان كي يمدحه وينال نصيباً من المال يُعينه على مواجهة الحياة. وابن الرومي في ذاته شخصية معروفة على مستوى الشعر، ولكن ما يتعلق بها ـ على مستوى الشاعر ـ وقصة فقره، وطموحه إلى مديح السلطان، غير معروف لدى عامة القراء أو جمهورهم على الأقل، وهذا يُضعف التواصل بين الجمهور وابن الرومي، أو بين القراء وقضية العلاقة بينه وبين السلطة، وما يستتبع هذه العلاقة من أثر اجتماعي وخلقي.
                      ويمكن القول إن الشاعر أخفق في تقديم "ابن الرومي" بوصفه رمزاً ناجحاً على المستوى الفني، كما كانت الصياغة للمقاطع الخمسة التي كوّنت القصيدة "أوراق عن ابن الرومي" متفاوتة من ناحية الإحكام البنائي، فالمقطعان الأول والثاني جيدان، أما المقاطع الثلاثة الأخرى فليست على مستوى المقطعين الأول والثاني، فبينما نجده في المقطع الأول يُقدم توطئة مقبولة، بل مشوقة لما يريد أن يطرحه من خلال ابن الرومي، نجده في المقطع الأخير يلجأ إلى تقديم نهاية غير مبررة (فنيا) وتاريخيا، فضلاً عن صوت جهير يتسم بالتقريرية والمباشرة، وهو ما ينطبق إلى حد ما على المقطعين الثالث والرابع.
                      ولنقرأ ما قدّمه في المقطع الأول حيث يقدم توطئته التي تعتمد الحكاية والقص:
                      "افتحْ لي باباً أدخلُ منهْ
                      يا موْلايَ السُّلطانْ
                      أبعدني عنكَ الحجَّابْ
                      طردوني دونَ البابْ
                      ظنوني أحدَ السِّفْلهْ
                      خافوا أنْ أفتكَ ـ حاشا ـ بالسلطانْ
                      وأنا...
                      ـ علِمَ اللهْ ـ
                      أعْددتُ قصيدةَ مدْحٍ عصماءْ
                      وحلُمتُ بأنْ أُلقيَها في حضْرتِكُمْ ذات مساءْ
                      فتنيلوني شيْئاً
                      أوْ ترضونَ عليّ"
                      أما المقطع الأخير، فيبدو صاخباً على هذا النحو:
                      "عابَ أشعاري وفي منزِلِــهِ .:. كلُّ عَــارٍ ومخَــازٍ ورِيَبْ
                      أنا لا أشتُـمُ إلاَّ أُمَّــــهُ .:. فلْيزِدْني غضـباً فـوقَ غضَبْ
                      مالِمَنْ يُغمــزُ في أنْسابِـهِ .:. ويَعيبُ الشعرَ منْ أهلِ الأدبْ"
                      ويبدو أن الشاعر لم ينتبه إلى أن قصة "ابن الرومي" كان يمكن أن تُشكل في السياق الذي صنعه دلالة أخرى أكثر غنىً وعمقاً، وبخاصة أنها دارت حول محور البحث عن "النوال"، ولكنه آثر فيما يبدو أن تنتهي تلك النهاية التي تعيب فيها "البطانة" أشعار ابن الرومي، وهنا يتوقف الشاعر حسين علي محمد حيث لم نستطع فهم السبب الذي يجعل السلطان ـ ولو من خلال الحلم ـ لا يُجيز قصيدة عصماءَ "قد صيغتْ لآلئها بألفيْ بيْتْ".
                      (يتبع)

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #41
                        (4)
                        يمكن القول إن لغة "حسين علي محمد" في إطارها العام، أقرب إلى الرمز الشعري منها إلى لغة الخطاب العادي، فمعظم ألفاظه تنحت لنفسها دلالة تتجاوز المعنى المُتداوَل، لتُشير إلى معنى خاص يفرضه أداء الشاعر وصياغته. ومن هنا فإن "الرمز اللغوي" لديه يُشكِّل معجماً له ملامحه وسياقاته التي يُمكن تتبعها عبر قصائده، لنستخلص منها دلالات رمزية توحي بما يلح عليه الشاعر ويؤرقه.
                        ويمكننا أن نذكر هنا بعض الألفاظ / الرموز غزيرة الاستخدام ، أو التي تُشكِّل بعضاً من معجم الشاعر، ويستطيع الباحث لو أراد أن يغوص في حقولها الدلالية، فيكشف كثيراً من الرؤى والمعطيات على أكثر من مستوى، ومنها على سبيل المثال:
                        (الحلم ـ الندى ـ الحنين ـ السراب ـ الليل ـ الفجرـ النور ـ العشق ـ الحب ـ الرحيل ـ السفر ـ الغربة ـ الوحدة ـ الموت ـ الحزن ـ الشدو ـ الغياب ـ الصمت ـ الجرح ـ القنديل ـ الفصول الأربعة ـ الخوف ـ الريح ـ الشجرة ـ العصفور ـ الغراب ـ الصحراء ـ اللؤلؤ ـ الغيم ـ القوافل ـ الصهيل ـ النسيان … إلخ).
                        وكل لفظة منها تأتي مفردة أو مجموعة أو مضافة أو مشتقة أو مرادفة، لتتقلب عبر القصائد بدلالات شتى ومتعددة.
                        في هذه الوقفة القصيرة نكتفي بالدوران قليلا في حقلي "الوردة والنار"، فكل منهما تملأ حقلا دلاليا يُضيء في أكثر من اتجاه، وقد تكررت كل منهما في عناوينه وسطوره، لدرجة توحي بسيطرتهما عليه، واقتحامهما لشعوره، ولاشعوره أيضا. ففي العناوين يمكن ان نقرأ مثلاً: "الرحيل على جواد النار" ـ عنوان مجموعة شعرية ـ وفي القصائط يمكن ان تقرأ أيضا بعض الأمثلة: "العصفور وكرة النار"، و"ووردة"، و"أيتها الوردة"، و"زهور بلاستيكية"، و"زهرة الصبار"، و"زهور جافة إلى يارا" …
                        تتحوّل "الوردة" ـ ومرادفاتها ـ في حقولها الدلالية إلى صورة "الحلم الجميل" الوديع، هذا الحلم الذي يتبدّى في أكثر من صورة وأكثر من وجه ـ كما سنرى إن شاء الله ـ وكذلك "النار" التي تُمثِّل الوجه الآخر لهذا الحلم، الذي يمكن أن نسميه "الحلم المناضل" ـ كما فعل الدكتور "علي عشري زايد" في مقدمة لمجموعة الشاعر "شجرة الحلم" ـ إنه الحلم الذي يقضي ـ في كل الأحوال ـ بتحطيم الواقع الظالم وإحراقه وتطهيره .. فالنار مطهِّر فعال، لأنها لا تُبقي أثراً للظلم أو التشويه!!
                        في مستهل قصيدة "جراح" يقول الشاعر:
                        "لا يذكرْ
                        كيفَ الوردةَ صارتْ
                        مُفتتحا للجرح !"
                        الورد غالباً مرتبط بالجراح والطعنات والآلام والإحباطات، ولعل المشابهة بين لون الورد ولون الجرح هي التي جعلت الشاعر ـ في العادة ـ يختزل فيها ومن خلالها كثيراً من الأحزان والصعوبات.
                        وفي قصيدة أخرى قصيرة تحمل اسم "وردة" يلخص الشاعر تصوره لمفهوم عام من مفاهيم الوردة، يكاد يكون هو المسيطر على دلالاتها الأخرى عبر شعره. إنه يصفها في إيجاز شديد بوردة الفجر .. ثم ينوع بعد ذلك أوصافها وملامحها، ولكنها تظل في معظم الأحوال "وردة" الشاعر التي يحلم بها، سواء أكانت قصيدة جميلة أم غاية يسعى إليها، أو وطناً يتغلّب على عجزه وسكونه وهزائمه .. يخبرنا الشاعر بحديث وردته في أبيات أو سطور تحكمها قافية توحي بالعمق والغموض والأحزان في آن واحد:
                        "هيَ وردةُ الفجْرِ التي
                        ألقَتْ مباسمَها إليْكَ
                        ولا تروحُ !
                        ولكلِّ لفْظٍ نبْضُهُ
                        ولكلِّ فاتنةٍ جموحُ
                        ولكلِّ سهْمٍ برْقُهُ
                        ولكلِّ لاحظةٍ جروحُ !"
                        وقد تكون الوردة رمزاً رومانسيا حالماً للمستقبل المنشود الذي يملأ جفاف الحياة / الصحراء، بالري بعد الظمأ، ويُعيد الدنيا ربيعاً منتشياً بالنصر بعد عذابات الهزيمة والضياع، كما نرى في قصيدته "بقية الموال" من مجموعته "السقوط في الليل":
                        "متي يجيُْ الفارسُ المُهابْ
                        على حصانِهِ السريعْ
                        ويزرعُ الفلاةَ بالورودِ واللبْلابْ
                        ونحيا عمرنا ربيعْ ؟"
                        وفي دوائر الحزن التي تُحيط بالشاعر تتحول "الوردة" إلى علامة على الرحيل والبعث في آن واحد، أو دلالة على الموت والعزاء في الوقت نفسه، شريطة أن تكتسب حالة مغايرة للورد الذي نعرفه في الحديقة، وفي شعر الشاعر .. فهي هنا "وردة أخرى" أو "وردة ثلجية" تنبت في الثلج، أو هي بنت الثلج، وما أكثر دلالات الثلج في الواقع وفي النفس معاً:
                        "هذي وردتُكَ الأُخرى !
                        وردتُكَ الثلجيةُ .. تعلو شاهِدَ قبرِكْ
                        تتفتَّحُ بوْحاً .. وعزاءْ :
                        ما عادَ القلبُ بصيرا
                        ما عادَ الحبُّ كبيرا
                        فابْكِ صباحاً
                        ومساءْ
                        وابكِ صباحاً
                        ومساءْ!" (من قصيدة "زهور بلاستيكية" التي تحمل عنوان مجموعة شعرية).
                        وترتبط الوردة الثلجية ـ كما نرى ـ بعمق الأحوال الشعورية لدى الشاعر؛ فالقلب الذي فقد البصيرة، والحب الذي تقامأ وتصاغر حتى لم يعد له وجود، يُنبئ عن محنة أصابت الشاعر، وجعلته يُكرّر الدعوة إلى البكاء صباحاً ومساءً، وتبقى "الوردة الأخرى" أو "الثلجية" شاهداً على قبر "الحلم" و"الأمل" الذي لا بد له أن يتجدّد بالرغم من كل شيء!
                        وإذا كانت "الوردة" بصفة عامة رمزاً للنقاء والصفاء والأمن والاطمئنان والسلام، والحلم الطوباوي الرومانسي، فإنها تأتي في صورة أخرى ـ وما أكثر ما تأتي ـ دلالة على الحبيبة / الوطن، التي أُصيبت بالطعنات والجراح، وأُثقلت بالأحزان والآلام. وفي المقطع الثاني من قصيدة "مواريث" ـ مجموعة "تجليات الواقف في العراء" ـ يُشير الشاعر إلى ما أصاب الوردة من طعنات وأحزان، وإن كنت لا أ دري لم حدّد عدد الطعنات بإحدى عشرة طعنة؟:
                        "أيتها الوردةُ
                        في نسغٍكِ إحدى عشرةَ طعْنهْ
                        وضِمادانْ
                        تلكَ فضاءاتُكِ مُثقلةٌ بالبوْحِ
                        وبالأحزانْ
                        قولي …
                        كيفَ اخْتَرَمتْ يُمناكِ السمةُ والجُرْحْ ؟"
                        وفي مطوّلة الشاعر "ثلاثة مشاهد" والتي يتناول فيها مأساة الواقع العربي، العاجز والمُحبَط والذليل، نراه يستلهم مع الرمز الديني سيدنا "نوح" ـ عليه السلام ـ بوصفه المُنقذ من الغرق، رمز الوردة أو الورد، فيصير للوردة أوردة، وتتحوّل إلى كائن حي، يتحدث إليها خرير الذاكرة الصخرية، ثم تتحوّل مرة أخرى إلى بديل للمطر، يُمطر صحراء الروح:
                        "ألا تمسحُ دمعكَ يا "نوحُ"
                        ألا تُمطرني بالوردِ النازفِ في بطْنِ السَّدِّ
                        تُبلِّلُ صحراءَ الروحِ بأمطارِ يقينِكَ ؟"
                        وتدخل الوردة في سياق التناص أو الاقتباس، بديلا للدنيا في عبارة "علي بن أبي طالب" ـ  ـالمشهورة: "يا دنيا غُرِّي غيري"، وكأنَّ الشاعر يتوهّمَها مُقبلةً عليه، ولكنها في الواقع تتمنّع وتتأبَّى وتُراوغ، والشاعر أيضا يُراوغها بحثاً عنها، أو عن الحلم الضائع:
                        "يا "وردةُ" غُرِّي غيْري
                        أخلعُ ثوبَكِ منْ ذاكرتي الناسيةِ
                        هلُمِّي تحجبُكِ الشمسُ نهارا
                        تُشرقُ أعمدةُ التذكارِ عشيا
                        أُلقي في تابوتِ الأجداد جنيني"
                        وتتحوّل الوردة أو الورد في نهاية القصيدة ـ مرةً أخرى ـ إلى رديف للجنون، يُنذر بالويل في الواقع العربي، المليء بالفوضى والجنون:
                        "يا ويْلي !
                        أتساقطُ ورداً وجنونا
                        في فوْضى الصحراءِ العربيهْ
                        وثنايا الوهْمْ !"
                        إن الوردة تتحوّل في ثنايا النسيج الشعري إلىكائن حي، له وجوده الفاعل بإيحاءاته ودلالاته، وينطلق وينطق بكثير مما يُريد الشاعر أن يقوله شعراً .. ويمكن أن نجد نظائر عديدة للوردة في السياق الشعري الفاعل، مثل الزهرة، والنرجس، واللبلاب، والفل، وبقايا الأنواع المنسوبة إلى عالم الوردة والورد.
                        وتُشكِّل "الوردة" في منعطف آخر، مزيجاً مع "النار"، لتُنتج ثنائية الحلم الهامس مع الحلم المناضل، أو الحلم الأول الذي يقود إلى الحلم الثاني، الذي يود الشاعر أن يُصبح حقيقة .. هاهو في قصيدته الأولى من "تجليات الواقف في العراء" التي يُهديها إلى الشاعر الراحل "محمد العلائي"، يتوجّه إليه بالخطاب، وقد واجه بعد رحيله منذ ست عشرة سنة نوعاً من الجحود والنكران، والسطو أيضا:
                        "أغلقْ عينيْكَ ثانيةً
                        أيها المسكونُ بوجعِ النارِ
                        غيرِ المُقدَّسة
                        ووردةِ الفوْضى
                        فالأغوالُ التي ذُعِرتْ منها قصائدُكْ
                        مازالتْ تتريَّضُ في الساحةِ
                        بصحبةِ الثعابينِ والدببةِ"
                        وهكذا يبدو مزيج "وردة الفوضى" و"وجع النار"، محكوماً عليه بالموت أو الرجوع إلى القبر: "أغلقْ عينيْكَ ثانيةً" فالأعداء كثيرون، والقتلة أكثر (الحدأة، الأغوال، الثعابين، الدببة ..).
                        ويأخذ مزيج الوردة والنار بُعداً آخر، فبالرغم من صخبه وعنفوانه يُعطينا إحساساً يقينيا بالأمل، وانبلاج الصبح، وعن طريق ما يُعرف في بلاغتنا القديمة بالمقابلة والمطابقة، أو ما يُعرف الآن بالمُفارقة، فإن الشاعر يجمع بين صورتين للنار والوردة: (النار المستعرة بالأعراق، والأوردة الثلجية التي صارت وردة)، ويُقدِّم من خلال مُفارقة أُخرى (أهداب الليل ـ أكمام الصبح) معالم الأمل الذي يحلم به، ويُناضل من أجله:
                        "النَّارُ بأعراقي مُسْتَعِرَهْ
                        أوردتي الثلْجِيَّةُ صارتْ ورْدَهْ
                        أهدابُ الليلِ أراها تتفتَّحُ
                        .. عنْ أكمامِ الصُّبحِ المُمتدَّهْ" (المقطع الثالث من "شجرة الحلم")
                        وفي المقطع السادس من القصيدة السابقة، والذي جعل عنوانه "عرس الكلمات"، تنفرد النار بالحلم المناضل، وتصير الكامات ناراً، ويُشير الشاعر إلى الدور الذي كانت تلعبه في الماضي كلماته ـ ويقصد شعره طبعاً ـ لتغيير الواقع وترطيب جهامته بالنسبة للناس، وبخاصة الفقراء .. ثم يُوازن بين بعض كلامه الآن حيث صار هشيماً لا قيمة له، وبعض كلامه الان حيث هو نار محرقة مُطهِّرة ، تقوم بدورها في وضوح لا لبس فيه، ويؤكِّد ذلك التكرار الذي تبدأ به السطور الثلاثة الأولى:
                        "كلماتي كانتْ زاد الفقراءْ
                        كلماتي كانتْ نبعَ الماءِ الدَّافِقِ في الصَّحراءْ
                        كلماتي كانتْ مُنذ زمانْ
                        أما الآنْ
                        .. فبعْضُ كلامي صار هشيماً تذروهُ الرَّيحْ
                        والبعضُ الآخر صارَ النَّارْ"
                        (يتبع)

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #42
                          في القصيدة المدوّرة "فيلم عربي" مقطع بعنوان "النار / النار"، تبدو فيه النار مصنعاً يُنضج الأفكار والأجساد، ويُعدُّها لمواجهة الواقع، ولكن ما تفعله النار يذهب بدداً، وتنهبه الثعالب من شتى أنحاء الأرض، وتبدو النار هنا قريناً للأمل المحبط أو الحلم الضائع، أو رديفا للاستلاب والقهر .. يتساءل الشاعر في بداية المقطع:
                          "لماذا كلُّ هذا الرعبِ ؟ والجسدُ الذي في النارِ أنضجناهُ تأكلُهُ الثعالبُ منْ فِجاجِ الأرضِ ، تنهشُ حدأةٌ في الرُّوحِ ألواحاً من الصَّخْبِ الذي عشناهٌ أحقاباً .."
                          ويكشف الشاعر ملامح هذا الجسد الذي يُعبِّر عن نصر شامخ (عشناه) أشعاراً من قبل، فيما يُشبه بكاء الماضي، ولكنه يستخدم الجسد (طفلة في النار) مرةً أخرى، آملا أن تقوم النار بدورها في الإنضاج والإثمار:"في نيشانِ نصْرٍ شامخٍ (عِشناهُ) أشعاراً ، تركنا طفلةً في النارِ .. تُنضِجُها سمُومُ القصْفِ والغسقِ المُحمْحِمِ في خضابِ الرملِ والقيعانِ :
                          هيّا يا جياعَ القلبْ !"
                          على كل فالنار هنا تظل هي المُنضجة للأمل، الحلم بالرغم من الغيبوبة التي (عشناها) في نصر كذوب (مُتناه) من قبل:
                          “هذي قبضةٌ مرفوعةٌ بعلامةِ النصرِ الذي (مُتْناهُ) فوقَ الحائطِ المهدومِ .."
                          ويستخدم الشاعر "النار" منذ مرحلة شعرية مبكرة في معنى التطهير والإنضاج لتحقيق الحلم المناضل، ففي قصيدته "العصفور وكرة النار" تأتي النار مقابلاً للعصفور في تحقيق التوازن والتكامل بين الحلم الجميل المأمول، والحلم المناضل الواقعي، فالعصفور رمز الأول، والنار هي رمز الثاني، وكلاهما ـ كما سبقت الإشارة ـ يُكمل الآخر، ويدعمه ليتحقق على أرض الواقع:
                          "مع نسماتِ الفجرِ أراني أولدُ ثانيةً في تغريدةِ عصفورٍ دحْرجَ كرةَ النّارِ على أوديةِ الأحزانْ"
                          إن "كرة النار" هي المطهِّر الذي يأتي على الأحزان والآلام، ويصنع عالماً جديداً، ويحقق الحلم المأمول.
                          في لفظة "اللهيب" ـ رديف النار ـ نجد المضمون ذاته الذي يحمل معنى التطهير، والقيام بدور المزيل للحزن الأزلي، والصدأ الذي يترسّب على القلوب والصدور .. حيث يتحقق الحلم الذي يرجوه الشاعر ويأمله:
                          " ونحلُمُ أنّا وُلِدْنا
                          وأنَّ الصدورْ
                          ربيعٌ ونورْ
                          وأنَّ اللهيبَ يمورْ
                          ويقضي على حزنِنا الأزلِيّْ
                          ويأكلُ كلَّ الصَّدأْ
                          فتولدُ فوقَ الشِّفاهِ
                          ابتسامةُ شعْبٍ ظَفَرْ"
                          ولا ريب أن الحلم باللهيب أو النار لتطهير الواقع هو حلم عام، على المستوى الذاتي والقومي والإنساني، يبحث عنه الشاعر مع آخرين، ينتظرون ولادة "ابتسامة" فوق شفاه الشعب الصابر، وهنا نتأكد أن النار رمز لمعنى كبير، يحقق للشاعر والأمة: الأمل والنصر والحرية.
                          (5)
                          إذا كان الشاعر قد استخدم الرمز الذي ينسجم مع رؤيته تاريخيا ولغويا، فإنه دعَمَ هذا الاستخدام بالشكل الشعري الذي يُتيح له هذه الفرصة الأفضل للتعبير عن هذه الرؤية .. وبصفة عامة يُمكن القول: إن الشاعر اتكأ على الموسيقا السريعة الأقرب إلى الدفقات الشعورية المتلاحقة، والنغمات الراقصة، التي ما تكون غالباً ـ ويا للمفارقة ـ في ساعة الموت أو الوحدة أو الإحباط أو القهر! وهي موسيقا تقوم عادة على بحرين صافيين: "المتدارك" و"المتقلرب"، وفيهما ما فيهما من تدافع أو تدفق نغمي يتناغم مع حالات الفرح والحزن، وإن كانت رؤية الشاعر بصفة عامة تُثير من الشجن والأسى أكثر ما تُثير من المرح والبهجة، ونادراً ما نجد الشاعر يعبر إلى موسيقا البحور المركبة، بسبب إلحاح رؤيته الشعرية على التعامل مع الواقع الممتلئ بالجراح والآلام والأحزان.
                          ولعل لهذا السبب أيضاً تفاوتت قصائده قصراً وطولا، وإن كانتْ عموماً أميل إلى الإيجاز والتركيز، ومُحاولةً أن تكون القصيدة دفقة شعورية واحدة، تجمل رؤية الشاعر وهمومه .. ومن ثم تعددت صور القصيدة أو الشكل الشعري لديه، فهناك القصيدة التقليدية، وقصيدة التفعيلة، والقصيدة المدورة، وهناك أيضا ما يسمى بـ"قصيدة النثر"، فضلاً عن محاولاته في المسرح الشعري، وشعر الأطفال.
                          وتكاد تكون القصيدة التقليدية (العمودية المقفاة) نادرة، ولم أجد فيما لديَّ من إنتاجه غير قصيدة واحدة قصيرة لا تتجاوز خمسة أبيات بعنوان "شتاء على القلب":
                          أقبِلْ على درْبِنا ، إني إليْــكَ ظَمي
                          أشْـرِعُ أماميَ بابَ الفتْحِ لا النَّـدَمِ
                          الليْلُ في جُرْحيَ الممْرورِ بعضُ شذى
                          فافْتحْ ذراعيْكَ واحْضُنْ بـوْحَ مُنْهَزِمِ
                          الليْـلُ والآهُ في نبْضي قدِ امْتَزَجـا
                          فأوْرَقَ الحُـــلْمُ في بوّابةِ الحُمَمِ !
                          حدِّقْ بشوْقِكَ ، أمْطِرْني بفيْضِ ندى
                          لعلَّ صمْتيَ مُشتــــاقٌ إلى النَّغَمِ
                          يا أيُّها النَّبْـعُ ، يا ذكْرَ الرياضِ أَعِدْ
                          لمسْمَعِ القلْبِ موسيقـا من القِمَـمِ !
                          ولعل بداية الشاعر من خلال شعر التفعيلة، هي التي وجّهته بحكم الإلف إلى الإنشاد من خلال تفعيلاته التي تطول سطورها أحياناً، بل وتتطور في بعض القصائد إلى ما يُسمّى "التدوير" أو "القصيدة المدورة"، وهي عبارة عن فقرات شعرية طويلة تتكوّن من عدد كبير من التفغيلات، قد يصل أويتجاوز ثلاثين تفعيلة في الفقرة الواحدة، والفقرة الشعرية في هذه الحالة تعدُّ بمثابة البيت أو السطر الشعري، وهناك عدد واضح الحضور من "القصائد المدورة" سواء في مجموعاته المبكرة أو الجديدة، منها على سبيل المثال: "العصفور وكرة النار"، في مجموعته "أوراق من عام الرمادة"، و"الأميرة تنتصر" في مجموعته "شجرة الحلم"، و"لماذا تظل العصافير تشدو؟" في مجموعته "السقوط في الليل"، و"جراح" في مجموعته "تجليات الواقف في العراء"، و"فيلم عربي"، و"محاولة للنسيان"، و"السر الأعظم"، و"خمس صفحات من كراسة المجنون" في مجموعته "زهور يلاستيكية"، وقد أشرنا من قبل إلى بعض التماذج، ونورد هنا نموذجاً آخر يكشف أكثر كيف تتتابع التفعيلات لتشكل الفقرة الشعرية ـ بديلا عن البيت ـ دفقة شعورية متناغمة رغم كثرة عدد التفعيلات وعدد الجمل أيضا. يقول في قصيدة "محاولة للنسيان":
                          "لماذا تُناديكَ هذي السفوحُ بخضرتِها ؟ وبهذي الفلولِ الأليفةِ ؟ (كانتْ تسوقُ تراباً فيرتجُّ منا الفؤادُ ، طيورُ أبابيلَ تُسقِطُ أحجارَها ، وأفيالُ صنعاءَ تتركُ أسوارَها ، وورْدتُكَ / النارُ تُفرغُ كأْساُ".
                          ويقول في أحد مقاطع "الأميرة تنتصر" الذي تطول تفعيلاته بصورة ملحوظة، معبرا عن لحظة الصدام بالصليبيين في المنصورة بينما جسد الصالح أيوب مُسجّى، و"شجر الدر" تُدير المعركة:
                          *أولادُكِ يامصرُ الحرةُ يأتونَ ، وإني مُبْتهِلٌ في السَّحَرِ إلى اللهِ ، وأحمِلُ سيْفي كيْ أدفعَ عنْكِ الأعداءَ ، وهذا شجرُ النيلِ الأسمرِ يتحرّكُ ويُقاتلُ أعداءكِ . هذي ذرَّاتُ ترابِكِ نارٌ وبراكينُ تُحمحِمُ في الميدانِ ، وهذا صوتُ الحافرِ يخلعُ أفئدةَ الصُّلبانِ ، وإنّا مُعتكِفونَ على حُبِّكِ يا مصْرُ ، نُصلِّي للهِ ، وفي القلبِ القرآنُ (أهذا قصرً الصالحِ نجْمِ الدينِ .. فهيّا ندخلْ مملكةَ الريحِ ، ونبْعثُ في الجسدِ الميِّتِ روحاً ، نحفرُ فوقَ نوافذهِ الصَّامتةِ الليْلةَ ـ هذا الفرْحَ / النَّصْرَ / الذُّرَّهْ !".
                          والتدوير له مزالقه الفنية التي توقع في النثرية بصفة خاصة ما لم يكن الشاعر واعياً لطبيعة التدوير بوصفه وسيلة متناغمة مع مع الرؤية الشعرية المتدفقة، وقد لاحظ الدكتور "علي عشري زايد" في مقدمته لمجموعة الشاعر "شجرة الحلم"، أن قصائده سلمت من المزالق إلى حد كبير "وإن كان الشاعر لم يسلم تماماً من الوقوع في مزالق النثرية وعدم الانضباط التي يقود إليها استخدام هذا الأسلوب" (ص25).
                          وقد لاحظ الدكتور "عزالدين إسماعيل" أنه قد تحقق من خلال عملية التدوير في الشعر مزية كان من الصعب من قبل تحققها، وهي ألا يرتبط الجرس الصوتي للكلمات بإيقاع الوزن، دون إلغاء لهذا الإيقاع.
                          وعلى هذا الأساس ـ كما يقول ـ فإن كل تدوير تُنفى عنه هذه الوظيفة، حين تقوم كل عبارة فيه، أو بعض هذه العبارات مستقلة إيقاعيا ومعنويا .. ومن ثم يفقد التدوير مبرره الفني (الشعر العربي: قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الفكر العربي، ط3، ص431).
                          أي أن الكاتب يرى أن تكون الفقرات شحنات نفسية ومعنوية، تتكامل العبارات في تقديمها للكاتب، فإذا استقلت عبارة فنية إيقاعيا ومعنويا عن الأخرى فَقَدَ التدوير معناه.
                          وبالنسبة لشاعرنا "حسين علي محمد" فإن التدوير كان وعاءً مناسباً لتدفقه الشعري والشعوري معاً، وإن كان شرط الدكتور عز الدين إسماعيل بالنسبة لترابط الإيقاع بالمعنى، لم يتحقق تماماً، وهو ما أشرنا إليه قبل قليل من خلال كلام الدكتور علي عشري زايد.
                          (يتبع)

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #43
                            وسوف نلاحظ بصفة عامة أن الشاعر يحرص على نوع من التقفية بالنسبة لسطوره، أو فقراته الشعرية، مما يتضح في كثير من النماذج التي قدّمناها سلفاً ـ وهو ما يعني احتفاء الشاعر بالإيقاع، بالرغم من ميله إلى التجريب فيما أسماه بـ"قصيدة النثر"، فقدرته الموسيقية وسيطرته على الإيقاع (وزناً وقافيةً) تُؤهِّلُ للاستغناء عن هذا اللون الذي ابتدعه بعض الشعراء لغايات غير أدبية .. فالقصيدة النثرية المزعومة، لا تُمثل إلا حالة تعبيرية نثرية مغايرة تماماً للشعر الذي يعتمد على الإيقاع أولا وآخرا؛ فلا شعر بدون إيقاع، وقد سبق لأدباء عديدين ـ لعل أبرزهم "الرافعي" يرحمه الله ـ كتابة هذا اللون من النثر الذي يعتمد على الصورة والخيال والتكثيف، بصورة جيدة وراقية، دون أن يدّعوا أنه قصيدة نثرية، أو نثر شعري، ولأنني لا أريد أن أخوض كثيراً في هذه المسألة، فسأكتفي بتقديم نموذج من هذا اللون الذي كتبه الشاعر تحت مسمّى "القصيدة النثرية"، وهاهو مقطع مما كتبه تحت عنوان "أحمد زلط"، يقول فيه مُشيراً إلى رحلته للعمل في اليمن:
                            يمسحُ نظارتَهُ الطبيهْ
                            استعداداً لسهرةٍ شجيةٍ
                            مع محمد حسين هيكل ومحمد زغلول سلام
                            والسنهوتي وصابر عبد الدايم
                            ومحمد عبد الحليم عبد الله
                            قبلَ أنْ يُلقيَ بالكتب إلى عُبابِ النهرِ
                            متتبعا آثارَ بلقيس !
                            وواضح أن هذا النص ـ وغيره أيضا ـ يشد الشاعر إلى طبيعته الأصيلة بالرغم من محاولته الانفلات من الإيقاع، ليقلد من كتبوا "قصيدة النثر"، فهناك ما يمكن وزنه، فضلاً عن إنه يكتب كلامه على هيئة الشعر، مما يؤكد أن تلك المحاولة في كتابة القصيدة النثرية، ماهي إلا نزوة سيُقلع عنها في يوم قريب، لأن طبيعته الأصيلة ـ وهي الشعر ـ أقوى في كل الأحوال من محاولات الهبوط إلى قاع النثرية.
                            (6)
                            ثمة ظاهرة شعرية جديدة نباركها ونؤيدها، وندعو إليها، وهي الكتابة الشعرية للأطفال، فمنذ المحاولات القديمة لأحمد شوقي ومحمد الهرّاوي وبعض الشعراء في مصر والدول العربية، لم يكتب المعاصرون شعراً للأطفال إلا قليلاً، ومع الإغراق في الضبابية والإلغاز الذي سقط فيه فريق من شعراء السبعينيات في مصر والعالم العربي، فإن الكتابة الشعرية للأطفال تُصبح حدثاً مهما تنبغي الحفاوة به، حتى لو كانت قيمته الشعرية متواضعة، أملاً في تنميته وازدهاره وتفوقه .. وبخاصة أن أدب الأطفال العرب يُعاني عموماً من فقر حاد، لأسباب لا مجال للخوض فيها هنا.
                            يُحسب لشعراء السبعينيات أن أحدهم (وهو أحمد زرزور)، قد فاز بجائزة تشجيعية حول أشعاره للأطفال، وإن كنت للأسف لم أطلع على هذه التجربة، كذلك فهناك من أطلعني على بعض نماذجه التي لم تُنشر في هذا المجال مثل الشاعر أحمد فضل شبلول . أما شاعرنا "حسين علي محمد" فقد أعد مجموعة قصصية شعرية للأطفال بعنوان "مذكرات فيل مغرور" تضم ست قصص أو حواريات شعرية، تحمل قيما خلقية نبيلة، واداءً فنيا ناضجاً.
                            وأتصوّر أن اتجاه شعرائنا نحو أدب الأطفال سوف يُسهم في حل معضلات فنية عديدة، لعل أبرزها الخروج من دائرة الغموض والإبهام التي تجتاح بتيارها وعواصفها كثيراً من النماذج الشعرية التي تُطرح في الساحة للكبار .. كذلك أتصوّر أن هذا الاتجاه سيُخرج الشعراء أنفسهم من دائرة الرتابة والتكرار، والتي حوّلت الكثير من النماذج الشعرية (وخاصة ما يأتي منها في إطار الشعر الحر) إلى فصائد تقليدية، يمكن الاستغناء يواحدة منها عن مائة، لتشابهها ونمطيتها .. أيضا فإن التوجه إلى أدب الأطفال سيُثري التجربة الشعرية العربية المعاصرة عامة، وتجربة أدب الأطفال خاصة.
                            وفي إيجاز يمكن أن نجد في تجربة "حسين علي محمد" الشعرية للأطفال خصوبة وثراءً واضحيْن، فقد اتجه الشاعر إلى مجال القص أو الحكْي، وهو أساس أدب الأطفال عموماً؛ لأن القصة أو الحكاية هي المجال الذي يعشقه الأطفال ويحبونه على تفاوت أسنانهم وأعمارهم، ولذا فإن الشعر حين يأتي مرتكزاً على القصة أو الحكاية يتسلّل إلى أعماقهم ومشاعرهم، ويجذبهم للتفاعل مع النص والعيش معه، على العكس من الوصف الخارجي لبعض التجارب التي لا تقوم على القص أو الحكي .. ولعلنا نتذكّر أن قصائد شوقي للأطفال كانت تعتمد على "الحدوتة"، مما جعل الأطفال ـ بل والكبار ـ يتناغمون معها ويتفاعلون.
                            يقدم "حسين علي محمد" مجموعة من القصص التي تستدعي التاريخ الحقيقي أو الأسطورة، ومن النوع الأول القصة الأولى "مذكرات فيل مغرور"، وتتحدث عن قصة "أبرهة الأشرم" الذي حاول هدم الكعبة بعد أن حاول أن يُقيم لنفسه كعبة في اليمن تحج إليها العرب، وسماها "القليس"، أما النوع الثاني فمعظمه يرتكز على أساطير هندية، تدعو إلى الخير والحق والعدل ..
                            وأسلوب الشاعر في قصصه سهل وبسيط، ويعتمد على ألفاظ قريبة المنال، بعيدة عن المجاز ـ غالباً ـ ولا تجنح إلى مزالق الكلمات ذات المعاني المتعددة.
                            وفي كل الأحوال فقد استخدم الشاعر نظام الشعر التفعيلي الحر لينطلق في قصصه وحكاياته على سجيته، ويُوصِّل مفاهيمه إلى الأطفال، ولنأخذ مثالا من "مذكرات فيل مغرور"، بعد هزيمة "أبرهة الأشرم" وأفياله، وعدم قدرته على هدم الكعبة:
                            "أُبصِرُ "عبدَ المطَّلبِ" وجبهتُهُ ترتفعُ
                            إلى علياءِ سماءْ
                            يضحكُ جذلاً مسروراً
                            : قدْ جاءَ الطفلُ مُحمَّدْ
                            نوراً يرتفعُ إلى آفاقِ الجوزاءْ
                            ينحازُ إلى الضُّعفاءِ الفقراءْ"
                            وربما كانت قصص الأساطير أكثر إحكاماً من الناحية الفنية لدى الشاعر، ويقل فيها الإلحاح على مخاطبة الكبار الذي تفرضه العادة والإلف، ولعل قصة "الطفل الأخضر" من أفضل قصصه الشعرية، لبساطتها من ناحية، وإحكامها الفني من ناحية أخرى، وهي تحكي قصة طفل يتيم فقير، يتصف بالأمانة، يسمع الساحر "دندش" عن أمانته فيختبرها، وينجح محمود، فيكافئه الساحر:
                            أنت أمينٌ يا محمودْ
                            وسأُعطيك هديَّهْ
                            خذ هذا الخاتمَ يا محمودْ
                            سيساعدُكَ كثيراً في المستقبلْ"
                            وترمد عين السلطان، وتعمى، ويقول الطبيب إن شفاء العين في زهرة "شجر القشدة" في قمة جبل "عبقر"، ولا يستطيع أحد أن يصل إليها، ويسمع محمود القصة، فيُصرُّ على تحقيق طلب السلطان، ويستخدم الخاتم الذي أهداه له "دندش"، ويعود بعد جهد بالمطلوب .. فيشفى السلطان، ويقول لعائلته:
                            "محمودٌ ولدٌ طيبْ
                            وشجاعْ
                            بنتي "نرجسُ" معجبةٌ بهْ
                            سأُزوِّجها ـ لو يرغبُ ـ لهْ"
                            وتبدو الغاية من القصة أكبر من المكافأة التي حصل عليها محمود من الملك، بالزواج من ابنته، وتولي السلطة من بعده، إنها تكمن في الوعي بقيمة العمل والجهد والمبادرة، وهو ما يُفصح عنه الحوار التالي بين الساحر دندش ومحمود بعد نجاح الأخير في الحصول على زهر "شجر القشدة" التي شفي بسببها السلطان:
                            "دندش: أنت شجاعٌ ، وجريءٌ، وصبورْ
                            محمود: لولا خاتمُكَ الذهبيّْ
                            ما كنتُ وصلْتُ
                            لقمة (عبقرْ)
                            دندش: الخاتمٌ لا يفعلُ شيئاً يا ولدي
                            أنت شُجاعْ
                            وسأحكي قصتكَ لمنْ ألقاهْ"
                            وهكذا يملك الشاعر مفاتيح الخطاب الشعري للأطفال في لغة شفافة وبسيطة من خلال الحكي والقص، ويستلهم في كل الأحوال نماذج تراثية ملائمة وشائقة.
                            ولعلنا في هذه المناسبة نأمل أن يتوجّه الشعراء إلى تراثنا الإسلامي ليأخذوا من قصصه وحكاياته ما يلائم أطفالنا قصصا ومسرحيات وحواريات، فما أغزر هذا التراث، وما أكثر ما يمتلئ به معينه الذي لا ينضب ولا يجف.
                            ***
                            وبعد؛
                            فهذه الرحلة السريعة والخاطفة مع شعر "حسين علي محمد"، تُنبئ عن شاعرية شاعر ناضج ومتمكن، يملك لغة الشعر بأبعادها الفنية المتنوعة، ويملك أيضا الرؤية الشعرية المنتمية إلى الأمة الإسلامية بتراثها المضيء، وحاضرها المضطرم، ومستقبلها المنشود
                            د. حلمي محمد القاعود
                            ......................................
                            *من كتاب القاعود "الورد والهالوك"، دار الأرقم، الزقازيق 1993، ص ص 69 ـ 97،

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #44
                              حكم القانون .. وشريعة الانتقام!

                              بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                              ............................

                              أُصاب بالأسى والألم عندما أتأمل السلوك النازي اليهودي لحماية الغزاة داخل الكيان الغاصب ، وخارجه وأقارنه بما يحدث مع المواطن المصري داخل مصر وخارجها .
                              العدوّ النازي اليهودي يشنّ الحروب ويسفك الدماء ويقتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ ، ويدمّر المساجد والبيوت والمؤسسات ، دون أن يبالى بأية عواقب ، والراية التي يرفعها هي حماية الغزاة ، كما يردّ بقوة ساحقة على من يخدش سكون المغتصبين ، ولو بلعبة البمب التي يلهو بها الأطفال ، وفى سبيل إنقاذ جندي واحد من القتلة ، يشنّ حرباً ضارية بالطائرات والدبّابات ، ويُقايض بمئات الأسرى لافتدائه وتحريره من يد المقاومة !
                              الوضع على الجانب المصري معكوس ، ومحزن ومؤلم ، لأن المواطن المصري مهما بلغ من علم وارتقت مكانته لا قيمة له في الداخل أو الخارج ، ما لم يكن من رجال السلطة الفاسدة وأعوانها ..
                              وعندما يُفاجأ الشعب المصري مثلاً أن " مجدي أحمد حسين " قُدم إلى محكمة عسكرية سجنته سنتين وغرّمته بمبلغ كبير؛ لأنه عبر الحدود إلى غزة من الفتحات التي أحدثها العدوّ باستباحته للسيادة المصرية ، في الوقت الذي يتم فيه تهريب صاحب العبّارة الغارقة بأكثر من ألف وثلاثمائة إنسان ، ويُحاكم غيابياً أمام محكمة جنح سفاجا بتهمة بسيطة يُبرّأ بعدها ، ويتم تهريب من استوردوا المبيدات المسرطنة القاتلة ، وتهريب لصوص المال العام الذين يطلق عليهم رجال القروض ، ويتم تبرئة الفاسدين في أكثر من مجال ، فإن الأسى والألم والغضب يخيم على النفوس والقلوب والضمائر الحية ، ليس في مصر وحدها بل في العالم كله ..
                              إن سرعة المحاكمة مع إصدار الحكم في أقل من أسبوع ضد رجل اسمه " مجدي أحمد حسين " ذهب للتضامن مع شعب غزة مثل آخرين كثيرين ؛ عبروا الفتحات والأسلاك وذهبوا وعادوا دون أن يستوقفهم أحد أو يلومهم أحد ، لأنهم ليسوا مجدي أحمد حسين صاحب الرأي والموقف والفكر ، هذه السرعة تثير في العقول والرؤوس آلاف العلامات المستفهمة ، والمستفسرة حول مصير هذا الوطن الذي ينتقى ويصطفى ويحاسب من يشاء ، ويترك ويتسامح ويتساهل مع من يشاء . !
                              هل هذا حكم القانون .. أم شريعة الانتقام ؟
                              ماذا يعنى التمييز العنصري بين المواطنين – أولاد الست وأولاد الجارية - في بلد يزعم أنه يعيش أزهى عصور الديمقراطية ولا يصادر رأيا ولا يكسر قلما ؟
                              إن آلاف الفاسدين والمجرمين الذين يحتكرون الصناعات والأقوات والبضائع ، وينهبون أموال الدولة وأراضيها ، ويعيثون في الأرض فساداً وإجراماً ، ولا يسائلهم أحد ، ولا يحاكمهم أحد، بل ويمارسون حياتهم المترفة التي تشبه ألف ليلة في قصورهم الفارهة ومرابعهم المثيرة ويستوردون أفخم الأطعمة الساخنة بالطائرات من بلاد الغرب ، ويخرجون ألسنتهم ، بل يرفعون أحذيتهم في وجه الملايين من الفقراء والمحرومين الذين يعيشون في قاع المدن والقرى ، لا يجدون الكفاف ، ولا يحصلون على الرغيف إلا بشق الأنفس ، وهؤلاء هم الذين تطبق عليهم الأحكام العسكرية والمدنية والاستبدادية . !
                              لقد صار معلوماً أن من يريد المشاركة في خدمة الوطن ، خارج النخب الفاسدة ، لابد أن يدفع ثمناً باهظاً يكلفه شبابه وأسرته ومستقبله ، فضلاً عن أحلامه وآماله بالنسبة لوطن جميل ورائع وقوى ومنتصر ..
                              لماذا يحاكم الإخوان المسلمون أمام المحاكم العسكرية ، وهم لم يسرقوا ولم ينهبوا ولم يغرقوا أبناء مصر الكادحين في عرض البحر، ولم يستوردوا أسمدة مسرطنة تفرى الأكباد والكلى والمسالك البولية ؟ ولم يبيعوا الدم الفاسد ، ولم ينصبوا على أغنياء زمن الفساد ، ولم يقترضوا الملايين والمليارات ويهربوا بها إلى لندن وباريس وسويسرا وأمريكا وكندا .. ولم يبيعوا امتحانات الثانوية ولم يتسببوا في حوادث القطارات والسيارات والمزلقانات والطرقات ، ولم يبيعوا مصانع البلد خردة ، ولم يُسقّعوا الأراضي المنهوبة ، ولم يتاجروا في المخدرات والأعضاء البشرية .؟!
                              لماذا يُحاكم أيمن نور ، وتشهر به الصحف الحكومية وتنال من عرضه في إسفاف رخيص وابتذال مشين ، مع أن غيره هو الذي يستحق المحاكمة على الفساد والنهب والإجرام ؟
                              لماذا يتم الانتقام من عبد الوهاب المسيرى بإلقائه في الصحراء وعدم علاجه على نفقة الدولة ، وهو علم من أعلامها تفاخر به الأجيال والأمم ؟
                              لماذا ؟ .. لماذا ؟ إلى مالا نهاية من الأسئلة التي يمكن طرحها وتحتاج إلى جواب حقيقي ..
                              أفهم أن يكون النظام غير راغب في المشاركة الحقيقية ، ولا يريد معارضة ولا مناقشة ، ويقتنع برأيه ورجاله وحدهم ، فلماذا يدعى الديمقراطية ؟ لماذا يطلب من الناس أن يتخلوا عن سلبيتهم ، ويقوموا بواجباتهم تجاه الوطن ، رأيا وشورى وفكرا ؟ هل يريد اصطياد المخالفين ، أو فرز المجتمع ؟
                              لا أرى أنه يحتاج إلى ذلك فلديه جهاز يعلم دبة النمل وملفات بكل من يشتم منه القدرة على التفكير ، وطالما كان الخيار الوحيد ؛ هوا لاحتكام إلى العصا الغليظة تشهرها السلطة في وجه كل معارض وصاحب رأى ، فمن باب أولى الإعلان بوضوح وصراحة أنه ليس في حاجة إلى مشاركة أو رأى أحد غير رجاله وأعوانه . عندئذ يلزم الناس بيوتهم ، ويغلقون أفواههم ، ويكسرون أقلامهم ، ويمزقون صحفهم .
                              إن الحياة السياسية الطبيعية تقتضي التوافق بين فرقاء الوطن على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم وعناصرهم .. والتوافق يعني توزيع الأدوار ليحصل الوطن على أكبر قدر من الفوائد داخليا وخارجيا ، ولكن لغة العصا كانت أقوى اللغات وأفصحها …! وكان المعارضون الذين يعملون خارج السيطرة الأمنية أول من تطبق عليهم شريعة الانتقام وليس حكم القانون.
                              في الكيان النازي اليهودي الغاصب على أرض فلسطين المحتلة ، يحاكمون الحكام ، ولا يتعرضون لشريعة الانتقام من جانب السلطة . السفاح النازي اليهودي "إيهود أولمرت" استدعى حتى الآن أربعة عشرة مرة للتحقيق أمام الشرطة قبل الانتخابات وبعدها ، ومع ذلك لم ينتقم – وهو رئيس السلطة – ممن حققوا معه أو يفصلهم أو يشهّر بهم ، ولكنه يُعامل قضائياً مثل أي غاصب في الكيان الاستعماري ؛ بل إنهم يسمحون للأسرى الفلسطينيين أن يستفيدوا بالقواعد القانونية من دفاع وإطلاع على الأوراق وتأجيل وطلب شهود وتدخل منظمات حقوق الإنسان ، وهو مالم يتوفر للمواطنين المصريين المدنيين الذين يحاكمون أمام المحاكم الاستثنائية والعسكرية .
                              إن شريعة الانتقام التي تعيش مصر تحت رحمتها لن تبنى وطنا قوياً متفوقاً منتصراً ، وهى كفيلة بتدمير البقية الباقية من تماسك الشعب وصلابته ، وتبشر بحزن عظيم ، نسأل الله العافية .
                              هامش:
                              صبيان الكنيسة في صحف التعري والسيراميك يشهّرون بصاحب محلات التوحيد والنور - الذي لا أعرفه – وفي المقابل يشيدون بقادة التمرد الطائفي الذين يستعدون لخلافة زعيم التمرد الحالي بعد رحيله . الذي أعرفه أن صاحب المحلات لم يقترض مليارات أو لم ينصب على اللصوص الكبار .. ولكنه وقع في الإثم الكبير حين أعلن عن إسلامه !!
                              ........................
                              *المصريون ـ في 17/2/2009م.

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #45
                                حرية التعبير وتجليات القمع!

                                بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
                                .............................

                                حكمت النمسا على المؤرخ البريطاني "ديفيد إيرفنج" بالسجن ثلاث سنوات؛ لأنه شكَّك في المحرقةِ اليهوديةِ، وأكد أن "هتلر" كان صديقًا أو حليفًا لليهود، ولولاه ما قام كيانهم الغاصب في فلسطين المحتلة.
                                ما قاله إيرفنج طرحه في كتابٍ نشره على الناس قبل ستةَ عشرَ عامًا وطالعوه، ولكن اليهود لم يتعاملوا معه على أساس أنه يُمارِس حريةَ الرأي والتعبير، أو يعبِّر عن رأيهِ الذي تكفله القوانينُ والتشريعات؛ بل تعاملوا معه بوصفهِ معاديًا للسامية، ومنكرًا لمعلوماتٍ حقيقية!
                                أما الادعاء بأن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- إرهابي، ثم السخرية منه ومن دينه وأتباعه فمسألةٌ ليست من الحقائقِ المعلومة، ولا تدخل تحت لافتة العداء للسامية، مع أن العرب هم الساميون الحقيقيون، وأن اليهود الذين جاءوا من القرم وبولندا وجنوب إفريقيا وروسيا والفلاشا يصعب وصفهم بالسامية؛ لأنهم من الأجناس الحامية أو الهندية.
                                الغرب الصليبي الاستعماري يحرص على الكيل بمكيالين، ويعد اليهود الغزاة امتدادا له- لأسباب شتى- في قلب العالم الإسلامي، لذا لم يُطبَّق عليهم قرارٌ واحدٌ من قرارات الأمم المتحدة أو مجلس الأمن التابع لها، وفي المقابل يمارس إذلال العرب والمسلمين، ويأمرهم بتنفيذ القرارات الظالمة التي يتخذها ضدهم بحذافيرها وفورًا بلا إبطاء.
                                وموقف النمسا من "إيرفنج" لا يختلف عن موقف الغرب كله من المسلمين ماضيًا وحاضرًا، ويتلخص في عدة نقاط أساسية منها:
                                1- استخدام القوة ضد المسلمين في أقسى صورها وأشدها وحشيةً، سواء كانت هذه القوة عسكريةً أو اقتصاديةً أو سياسية أو ثقافية.
                                2- إضعاف المسلمين بكل السبل، وفي كل المجالات، وإجهاض كل محاولة من جانبهم لبناء القوةِ في أية صورة من الصور.
                                3- استخدام الكذب بلا حدود في البيانات والادعاءات والمحاورات أو المناقشات، بحيث يتحدث الغرب الصليبي عن أشياء، ويفعل أشياء أخرى تخدم منهجه في إذلال المسلمين وإضعافهم.
                                4- تجييش المؤسسات الدولية السياسية والإعلامية والاقتصادية لقهر العالم الإسلامي وإبقائِه في دائرة (المجرم المتوحش) الذي لا يأبه بالقانون ولا حقوق الإنسان، ويعتدي على الآخرين دون مسوغ أو سبب.
                                5- استخدام مجموعةٍ من العملاء سواء في مجالات الحكم أو الفكر لتقنين الاستبداد في معظم أنحاء العالم الإسلامي وحرمان شعوبه من الحرية والعدل والمساواة والمشاركة في بناء أوطانهم والحضارة الإنسانية.
                                ولا شك أن هذه النقاط وغيرها قد أثمرت واقعًا غربيًّا صليبيًّا لا يقبل الإسلامَ والمسلمين، ولا يؤمن بحقهم في الحرية والعدالة والمستقبل.
                                ولعل ما رأيناه مؤخرًا يؤكد على استشراء الروح الصليبية في نفوس الغربيين، ليس على مستوى الحكومات الاستعمارية وحدها، ولكن على امتداد قطاعات كبيرة من المجتمعات الغربية بما فيها الولايات المتحدة، مع ملاحظة أن الروح الصليبية لا تمت إلى المسيحية بسبب، ولكنها تمتد إلى الوثنية الإغريقية والرومانية بتجلياتها العدوانية الوحشية.
                                إن المحرر الثقافي للصحيفة الدانماركية التي نشرت الرسومَ المسيئةَ للإسلام ورسوله- صلى الله عليه وسلم- أعلن أن نشر الرسوم يهدف إلى تحدي المحظورات الإسلامية! وكلامه يعني رغبةً واضحةً في العدوان على المسلمين، فضلاً عن إهانتهم والزراية بمقدساتهم ورموزهم.
                                وقد رأينا على شاشاتِ التلفزة كيف يضرب جنود الاحتلال البريطانيون بعضَ الشباب العراقي بقسوةٍ لا مثيل لها مع السخرية منهم، مع تصويرهم وهم يهدرون كرامتهم في أبشع حالات الوحشية.
                                وقد رأينا أيضًا صورًا جديدةً لإذلال المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب من جانب الأمريكيين الغزاة، وظهرت في الصور كل أنواع العنف والقسوة والوحشية والاعتداء الجنسي!!
                                هذه التجليات القمعية الوحشية الصليبية لا يمكن أن تكون استثناءً في سلوك الغرب الصليبي، ولا نشازًا في واقعه الاستعماري العدواني كما يزعم بعض قادته الذين يتحدثون في فضائياتنا مثل بلير وسترو وبوش ورايس وهيوز وغيرهم.
                                والسؤال الآن: أين حرية التعبير في هذا الإطار القمعي الوحشي الصليبي؟!
                                لا شك أنهم يقصدون شيئًا واحدًا فقط.. هو حرية العدوان على المسلمين وحدهم!

                                تعليق

                                يعمل...
                                X