أولاد حارتنا وحرية آلاف المعتقلين!
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
..............................
لا يكف مثقفو السلطة, وخاصةً مَن يُطلَق عليهم مثقفو الميكروباص, عن القيام بأدوار المهرجين الذين يشغلون المجتمع عن قضاياه الأساسية وحقوقه الدستورية والقانونية, من خلال القيام ببعض العروض الهزلية السخيفة الباردة التي لا تجد قبولاً لدى الأغلبية العظمى من المثقفين الشرفاء, الذين تمَّ إقصاؤهم واستبعادهم من الواقع الثقافي نتيجة للممارسات الاستبدادية والقهر السياسي الاجتماعي الذي تتبناه السلطة البوليسية الفاشية, وخدامها الأوفياء من حملةِ الأقلام التي لا تعرف الوضوء ولا الصيام!
وكان رحيل نجيب محفوظ مناسبة ذهبية لهؤلاء الخدم, كي يحملوا على الإسلام والمسلمين, ويتهموا الجميع بالتكفير والظلامية والرجعية والردة(!) والتخلف والتطرف والإرهاب, ويلحوا على محاولةِ اغتيال نجيب محفوظ الفاشلة التي نسبت إلى شخص لا علاقةَ له بالأدب ولا بالإسلام, وزعموا أنه قام بمحاولته بناءً على فتوى تُبيح إهدار دم نجيب محفوظ من أحد الدعاة وليتهم يتكرمون بنشر هذه الفتوى حتى نصدقهم, بعد أن كثُرت أكاذيبهم وادعاءاتهم لخدمة سادتهم الذين منحوهم من مال الشعب وعرقه ما لا يستحقون.
وكانت الداهية الدهياء- إذا صحَّ التعبير- هو الحديث عن رواية أولاد حارتنا وضرورة نشرها تحديًا للظلاميين الرجعيين المتخلفين, أي الإسلاميين, وكفاحًا من أجل حريةِ الرأي والإبداع, ووفاءً لصاحب جائزة نوبل.
وانشغل بعض مثقفي الميكروباص من نفايات حزب العمال الشيوعي, الذين تأمركوا وصاروا خدامًا في بلاطِ التنظيم الطليعي الجديد, الذي يُسمَّى لجنة السياسات بالحزب الوطني, بقضية أولاد حارتنا واستنفروا كُتَّاب السلطة وغيرهم للقيام بحملةٍ غير مقدسة لنشرِ الرواية التي أُوقف نشرُها في كتابٍ بعد نشرها مسلسلةً في الأهرام لدى كتابتها في عهدِ محمد حسنين هيكل, ثم نشرها سهيل أدريس في بيروت, ووزُعت في مصر على رؤوس الأشهاد, وكما نشرتها جريدة توتو حتى قرأها مَن لم يُفكِّر في قراءتها أصلاً! تحولت أولاد حارتنا عند مثقفي الميكروباص إلى قضيةٍ إستراتيجيةٍ وقوميةٍ تستحق الحشد, وتجييش الجيوش لقهر الظلاميين الغزاةِ الذين عدَّهم البعض أخطر من اليهود ولن يتحقق النصر القومي إلا بنشرِ الرواية, وتوزيعها بكل وسيلة.
كان نجيب محفوظ- رحمه الله- قد رفض في حياته, وظلَّ على موقفه حتى لقي ربه- أن تُنشر الرواية إلا بعد موافقةِ الأزهر الشريف, وكتابة مقدمة لها بقلم الوزير السابق أحمد كمال أبو المجد, وما لم يحدث ذلك, فلن يوافق أبدًا على نشرِ الرواية.
هذا ما كان من أمر صاحبِ الرواية وهو حي يُرزق.. فماذا كان من أمر مثقفي الميكروباص؟ أصروا بعد رحيله على تحويل المسألة إلى إحدى قضايا مصر الرئيسية, ورفعوا شعارات الحرية والإبداع والتحدي, مع أن صاحبها كان موقفه عكس ذلك.
والمفارقة أنَّ القوم وهم يهتفون بالحرية، يتناسون الحرية الأساس، الحرية الحقيقية، الحرية الكبرى، وهي حرية الشعب المظلوم الذي يعيش على مدى نصف قرن أو يزيد من حالة مصادرة كاملة لكرامته وإنسانيته وحقوقه في المشاركة والعمل والإبداع بصنوفه كافةً، هذا الشعب الذي يُحرِّم عليه أن يلتقي خمسة أفراد على مائدة طعام بحكم قانون الطوارئ المزمن، لا يتورع عن مصادرة حياة أي مواطن مهما علا مركزه، وكانت قيمته.
وينسى هؤلاء المثقفون الميكروباصيون أن معتقلات مصر تعج بآلاف المعتقلين، ويُقدَّر عددهم بنحو ثلاثين ألف معتقل سياسي، يعيشون وراء القضبان وفي ظلامِ الزنازين، ولم يتكلموا عن الإفراج عنهم ليروا أولادهم الذين وُلدوا في غيبتهم، والأمهات الشابات اللاتي شخن قبل الأوان، وترملنَّ في عزِّ شبابهن، ومع أن أزواجهن على قيدِ الحياة، ولكنهم في قبضةِ الجلاد.
ينسى المثقفون الخدم القضايا الكبرى ويتعلقون بقضايا مفتعلةٍ لا تهم إلا مَن أثاروها وتحدثوا عنها, إنهم يعلمون جيدًا أن روايةَ أولاد حارتنا لا تعني المواطنين بقدرِ ما تعنيهم سلامة القطارات والعبَّارات التي تصعقهم أو تفرمهم أو تسحقهم يوميًّا بلا أدنى قلقٍ لدى الحكومة الظالمة المستبدة التي يخدمونها ويغترفون من أموالها.
إنَّ المثقفين الخدم يعلمون جيدًا أنَّ روايةَ أولاد حارتنا من أردأ رواياتِ نجيب محفوظ فنيًّا، وأنها باردة الصياغة والبناء، ولعل هذا هو السبب في عدمِ إصرارِه على نشرها؛ لأنه بحسه الفني يُدرك أنها روايةٌ ضعيفة، ولا يعيب نجيب محفوظ ولا غيره من الكتاب أو الشعراء، أن يتخلى عن عملٍ يشعر بضعفه أو هبوط مستواه عن أعماله الأخرى، وبالنسبة لي شخصيًّا فقد تجرَّعتُ المُرَّ حين أكملتُ قراءتها، ولم أشعر فيها بلذةٍ فنيةٍ أو موضوعية.. وهي لا تساوي شيئًا بجوارِ عملٍ آخر مماثل لنجيب مثل ملحمة الحرافيش الزاخرة بالحياة والفكر والتشويق والصياغة الشعرية التي ترقى بالأسلوب السردي إلى مستوًى عالٍ، وقد سجلتُ رأيي النقدي فيها من خلال دراسةٍ طويلةٍ نشرتها إبَّان صدورها في مجلة البيان الكويتية.
مشكلة الفصام التي يعيشها مثقفو السلطة تجعلهم يخونون قضايا أمتهم، ويتنكرون لها، ويظنون أنهم بذلك يقدمون خدمةً جليلةً لسادتهم وكبرائهم الذين أضلوهم السبيل.
ومع ذلك فلدينا مثقفون محترمون يقفون عند القضايا الجادة سواء لدى محفوظ أو غيره، وتأمل على سبيل المثال الملف الذي نشرته مجلة وجهات نظر حول نجيب محفوظ في عدد أكتوبر 2006 م، وقارنه بالتهريج الذي قامت به بعض الصحف، والبهلوانية التي حركت بعض المجلات للتكسب بنجيب محفوظ، وإلهاء الناس عن جرائم السلطة في حقِّ شعبها، وحق مواطنيها الذين يسكن منهم آلاف المعتقلين في قعرٍ مظلمةٍ، منذ ربع قرن، ولا تستجيب في الوقت ذاته لأحكام القضاء المتكررة بالإفراج عنهم وإطلاق سراحهم.. بل تعتقل كل يوم مزيدًا من الشرفاء وتُجدد حبسهم، في الوقتِ الذي تترك فيه القتلة واللصوص الكبار في البلاد في حفاوةٍ وإعزاز، ولا تجرح مشاعرهم بكلمةٍ واحدةٍ عن جرائمهم الكبرى.. ما رأيكم في مثقفي الميكروباص؟
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
..............................
لا يكف مثقفو السلطة, وخاصةً مَن يُطلَق عليهم مثقفو الميكروباص, عن القيام بأدوار المهرجين الذين يشغلون المجتمع عن قضاياه الأساسية وحقوقه الدستورية والقانونية, من خلال القيام ببعض العروض الهزلية السخيفة الباردة التي لا تجد قبولاً لدى الأغلبية العظمى من المثقفين الشرفاء, الذين تمَّ إقصاؤهم واستبعادهم من الواقع الثقافي نتيجة للممارسات الاستبدادية والقهر السياسي الاجتماعي الذي تتبناه السلطة البوليسية الفاشية, وخدامها الأوفياء من حملةِ الأقلام التي لا تعرف الوضوء ولا الصيام!
وكان رحيل نجيب محفوظ مناسبة ذهبية لهؤلاء الخدم, كي يحملوا على الإسلام والمسلمين, ويتهموا الجميع بالتكفير والظلامية والرجعية والردة(!) والتخلف والتطرف والإرهاب, ويلحوا على محاولةِ اغتيال نجيب محفوظ الفاشلة التي نسبت إلى شخص لا علاقةَ له بالأدب ولا بالإسلام, وزعموا أنه قام بمحاولته بناءً على فتوى تُبيح إهدار دم نجيب محفوظ من أحد الدعاة وليتهم يتكرمون بنشر هذه الفتوى حتى نصدقهم, بعد أن كثُرت أكاذيبهم وادعاءاتهم لخدمة سادتهم الذين منحوهم من مال الشعب وعرقه ما لا يستحقون.
وكانت الداهية الدهياء- إذا صحَّ التعبير- هو الحديث عن رواية أولاد حارتنا وضرورة نشرها تحديًا للظلاميين الرجعيين المتخلفين, أي الإسلاميين, وكفاحًا من أجل حريةِ الرأي والإبداع, ووفاءً لصاحب جائزة نوبل.
وانشغل بعض مثقفي الميكروباص من نفايات حزب العمال الشيوعي, الذين تأمركوا وصاروا خدامًا في بلاطِ التنظيم الطليعي الجديد, الذي يُسمَّى لجنة السياسات بالحزب الوطني, بقضية أولاد حارتنا واستنفروا كُتَّاب السلطة وغيرهم للقيام بحملةٍ غير مقدسة لنشرِ الرواية التي أُوقف نشرُها في كتابٍ بعد نشرها مسلسلةً في الأهرام لدى كتابتها في عهدِ محمد حسنين هيكل, ثم نشرها سهيل أدريس في بيروت, ووزُعت في مصر على رؤوس الأشهاد, وكما نشرتها جريدة توتو حتى قرأها مَن لم يُفكِّر في قراءتها أصلاً! تحولت أولاد حارتنا عند مثقفي الميكروباص إلى قضيةٍ إستراتيجيةٍ وقوميةٍ تستحق الحشد, وتجييش الجيوش لقهر الظلاميين الغزاةِ الذين عدَّهم البعض أخطر من اليهود ولن يتحقق النصر القومي إلا بنشرِ الرواية, وتوزيعها بكل وسيلة.
كان نجيب محفوظ- رحمه الله- قد رفض في حياته, وظلَّ على موقفه حتى لقي ربه- أن تُنشر الرواية إلا بعد موافقةِ الأزهر الشريف, وكتابة مقدمة لها بقلم الوزير السابق أحمد كمال أبو المجد, وما لم يحدث ذلك, فلن يوافق أبدًا على نشرِ الرواية.
هذا ما كان من أمر صاحبِ الرواية وهو حي يُرزق.. فماذا كان من أمر مثقفي الميكروباص؟ أصروا بعد رحيله على تحويل المسألة إلى إحدى قضايا مصر الرئيسية, ورفعوا شعارات الحرية والإبداع والتحدي, مع أن صاحبها كان موقفه عكس ذلك.
والمفارقة أنَّ القوم وهم يهتفون بالحرية، يتناسون الحرية الأساس، الحرية الحقيقية، الحرية الكبرى، وهي حرية الشعب المظلوم الذي يعيش على مدى نصف قرن أو يزيد من حالة مصادرة كاملة لكرامته وإنسانيته وحقوقه في المشاركة والعمل والإبداع بصنوفه كافةً، هذا الشعب الذي يُحرِّم عليه أن يلتقي خمسة أفراد على مائدة طعام بحكم قانون الطوارئ المزمن، لا يتورع عن مصادرة حياة أي مواطن مهما علا مركزه، وكانت قيمته.
وينسى هؤلاء المثقفون الميكروباصيون أن معتقلات مصر تعج بآلاف المعتقلين، ويُقدَّر عددهم بنحو ثلاثين ألف معتقل سياسي، يعيشون وراء القضبان وفي ظلامِ الزنازين، ولم يتكلموا عن الإفراج عنهم ليروا أولادهم الذين وُلدوا في غيبتهم، والأمهات الشابات اللاتي شخن قبل الأوان، وترملنَّ في عزِّ شبابهن، ومع أن أزواجهن على قيدِ الحياة، ولكنهم في قبضةِ الجلاد.
ينسى المثقفون الخدم القضايا الكبرى ويتعلقون بقضايا مفتعلةٍ لا تهم إلا مَن أثاروها وتحدثوا عنها, إنهم يعلمون جيدًا أن روايةَ أولاد حارتنا لا تعني المواطنين بقدرِ ما تعنيهم سلامة القطارات والعبَّارات التي تصعقهم أو تفرمهم أو تسحقهم يوميًّا بلا أدنى قلقٍ لدى الحكومة الظالمة المستبدة التي يخدمونها ويغترفون من أموالها.
إنَّ المثقفين الخدم يعلمون جيدًا أنَّ روايةَ أولاد حارتنا من أردأ رواياتِ نجيب محفوظ فنيًّا، وأنها باردة الصياغة والبناء، ولعل هذا هو السبب في عدمِ إصرارِه على نشرها؛ لأنه بحسه الفني يُدرك أنها روايةٌ ضعيفة، ولا يعيب نجيب محفوظ ولا غيره من الكتاب أو الشعراء، أن يتخلى عن عملٍ يشعر بضعفه أو هبوط مستواه عن أعماله الأخرى، وبالنسبة لي شخصيًّا فقد تجرَّعتُ المُرَّ حين أكملتُ قراءتها، ولم أشعر فيها بلذةٍ فنيةٍ أو موضوعية.. وهي لا تساوي شيئًا بجوارِ عملٍ آخر مماثل لنجيب مثل ملحمة الحرافيش الزاخرة بالحياة والفكر والتشويق والصياغة الشعرية التي ترقى بالأسلوب السردي إلى مستوًى عالٍ، وقد سجلتُ رأيي النقدي فيها من خلال دراسةٍ طويلةٍ نشرتها إبَّان صدورها في مجلة البيان الكويتية.
مشكلة الفصام التي يعيشها مثقفو السلطة تجعلهم يخونون قضايا أمتهم، ويتنكرون لها، ويظنون أنهم بذلك يقدمون خدمةً جليلةً لسادتهم وكبرائهم الذين أضلوهم السبيل.
ومع ذلك فلدينا مثقفون محترمون يقفون عند القضايا الجادة سواء لدى محفوظ أو غيره، وتأمل على سبيل المثال الملف الذي نشرته مجلة وجهات نظر حول نجيب محفوظ في عدد أكتوبر 2006 م، وقارنه بالتهريج الذي قامت به بعض الصحف، والبهلوانية التي حركت بعض المجلات للتكسب بنجيب محفوظ، وإلهاء الناس عن جرائم السلطة في حقِّ شعبها، وحق مواطنيها الذين يسكن منهم آلاف المعتقلين في قعرٍ مظلمةٍ، منذ ربع قرن، ولا تستجيب في الوقت ذاته لأحكام القضاء المتكررة بالإفراج عنهم وإطلاق سراحهم.. بل تعتقل كل يوم مزيدًا من الشرفاء وتُجدد حبسهم، في الوقتِ الذي تترك فيه القتلة واللصوص الكبار في البلاد في حفاوةٍ وإعزاز، ولا تجرح مشاعرهم بكلمةٍ واحدةٍ عن جرائمهم الكبرى.. ما رأيكم في مثقفي الميكروباص؟
تعليق