لعنة
اقتحمت أسراب الجراد الأسود، عاصمة السلام ومدينة القباب الزرق المذهبة، فنخرت مآذنها، وتناثرت بعض فسيفسائها بين الأصقاع، واتشحت باقي المحافظات بالقحط المكفهر، فبدت الضواحي على اتساع رقعتها ملعبا للأشباح، لا يسمع فيها سوى أنين الوجع الغائر بين الضلوع، تخالطه رائحة الجثث المتعفنة وصفير الرياح الصفراء، لحظة انبلاج الفجر يوم دقت طبول الفجيعة، التي نقشها التاريخ على صفحات الزمن القادم.
أمسك أبو الوليد بيد زوجته يسندها، ودوامات الطلق المباغتة تأخذها منه حينا ثم تعيدها، مقيدة بأسرار ديناميكية المخاض وعجائبيته، تضم ساقيها لحظات دهرية تزفر الأنفاس متقطعة، وذاك الشيء المكور الذي يسمونه رأسا ينزلق من بين فخذيها، تكاد تخنقه ضيق المسافة المرتجفة، ليتهاوى صرحها قبل أن يصلا مشفى المدينة الغافي بين العتمة والفراغ، تنزف حياتها لحظة تلو أخرى تلهث الألم زفيرا، وتستنشق الموت مع كل شهقة.
تفجرهلعا يحثها:
- تماسكي
فاجأه رأس الجنين، فكبلت يداه
وكالمجنون طفق يجري بين المشرق والمغرب مستغيثا، يبتلع الضباب صوته وأزيز الجراد يدوي حوله، وعيونه البارزة تحدق فيه!
أومأت بيدها الواهنة
أن اسحبه
مد يده
أرهبه الملمس الدهني المدمى
فتراجع خاشعا
لينزلق الجسم الوردي الصغير على إسفلت الشارع، تختلط صرخته التي تضج بالحياة بحشرجة الأم، وعينيه المرعوبتين تتلقفان هسيس الرياح لعلهما تأتيانه بمعين، والوليدة تتعفر بالتراب و ترتجف بردا.
لملم شتات روحه المبعثرة بين دهاليز المنية والنور ينقب كل الأبجديات المحتجبة في ذاكرته، بسيل جارف من الأسئلة عن أحجية الحياة، وكينونتها!
تراءت أمامه أسنانه العارية! ليكز بقواطعه على الحبل ينهشه بوحشية عفوية، يدفعه شغف محموم للإبقاء على حياة برعمه.
بصق الدم المر حانقا
رفع الوليدة عاليا كقربان بين يديه
أطلق عواء ذئب جريح يدمدم حروف الغضب، ويلعن لحظة الغفلة ساخطا.
والجراد ينخر رئتيه، لتحط الوليدة على الجسد المشظى تصرخ احتجاجا، و رغبة في الحياة!
وأم الجواد التي غادرها زوجها بليلة ظلماء ملثما ومطاردا، يجوب الأزقة والشوارع ليلا ينصب الشراك لأفواج الجراد الغريبة، يقنصها زرافات ووحدانا، وهي تنسل زاحفة كي تنتشل الوليدة من براثن الموت وأفخاخه.
حملتها كنز ثمينا بين يديها أرضعتها، فالتهمت الصغيرة الثدي بنهم غريب، يمتص فمها الحليب بقوة، فيفرغ الجيب أحيانا.
ثلاثة أعوام، ابتعدت خلالها زيارات أبى جواد لبيته، بعد وشاية، وأم جواد لم تزل تجود على الوليدة تطعمها كحمامة، ليجيء ذاك اليوم!
يوم زف أبى الجواد مخضبا بحناء عرسه، تحمله الريح على أكتاف الرفاق، يودعونه قلب الثريا.
ليبيت العسر زائرا ثقيلا على أم جواد التي تقطعت فيها سبل العيش، فأضحت أفواه الصغار النهمة وإطعامها مهمة تكاد تكون شبه مستحيلة، والقحط والجفاف يزرعان أذرعهما المخيفة نطاقا يحيط حياتها وأولادها، بكل وحشية ولا هوادة.
أشفقت على الوليدة، فاستصرخت رحمة الجيران تنتخيهم دامعة:
- خذوها، فمعي سيلتهم الجوع لحمها وسينخر حتى عظمها، أشفقوا عليها.
أخذها العطار لزوجته العاقر، يبتسم بمكر
- لنربها، ستكون خادمتنا حين تكبر، ربما أكثر امتنانا من بعض الأبناء الحقيقيين!
- أو لعلها تعيد الحياة لبيتنا المقفر بضحكاتها، وحين تكبر سأزاوجها برجل غني.
و يصطحبها العطار كل يوم معه، و يتشدق أنه من يرعاها حتى تأتي امرأته ظهرا لتعيدها بعد أن تضع بيدها قطعة حلوى، تتلقفها الصغيرة بشغف، تمتصها وتتلمظ وحين تنزلق الحلوى من بين يديها تبكي، فينتاب امرأة العطار شعور غريب بالنشوة، لبكائها، تتلذذه!
جن جنون جنونهما يوم أفاقا على صوت جلبة مريبة تأتي من ناحية الدكان، وقفا مذهولين على أعتابه، كأن الجراد التهمه!
أطلقا النداء
ملعونة هذي الفتاة
ملعون كل من يأويها.
دفعت العاقر بالوليدة خارج البيت، وأغلقت الباب بوجهها
تدحرج جسمها الصغير، وزوج العاقرة يركلها برجله قبل أن يدلف إلى الداخل
والوليدة تقف أمام الباب، تطرقه بيدها الصغيرة منتحبة حيرى
والساعات تفترسها بين غفوة تجفل منها، وسؤال أعمى استعصت عليها الإجابة عنه!
رق قلب أحد الجيران، وخفية وضع طبق فيه بعض الطعام،التهمته بنهم مفجع
وحن عليها أحد الأولاد بكأس ماء باردة قربها دون أن يقترب منها!
حارقة شمس الظهيرة سفعت جلدها باللهب، فمشت نحو الشجيرات تنتبذ ظل إحداها، واضعة يديها تحت خدها فسالت دمعة من عينها على التراب حين غفت، نمت على أثرها زهرة خفية.!
صحت مذعورة والحمائم تدخل أعشاشها غروبا بحفيف صاخب، فأسرعت خطاها تسير على غير هدى، تنفض ما علق بجسمها من أوراق شجر متكسرة، وتقف عند الأبواب تطرقها لعل أحدهم يرحمها، فيفتح بابه لها!!
والليل خيوط عنكبية تتكاثف، ألبس الكون عباءة حالكة ورسم ضوء القمر ظلال الأشجار أشباحا تتطاير مرفرفة، وعينا الوليدة تتابعان الرعب، تركض خوفا وصوت عويلها يملأ الأنحاء منتحبة بين الأبواب، تشهق مرتجفة، ينخرها الخواء والتعب.
أسندت جسدها المنهك على جذع شجرة فارتجت الأغصان
تقافزت الحمائم هائمة ترفرف بأجنحتها محدثة جلبة أفزعتها، أرجفت عودها البرعمي وارتعشت شفتاها، فأطلقت ساقيها بين الأحراش تخترقها هائمة، تصرخ مذعورة حتى تاه صوتها بين الأشجار في إحدى البساتين، ثم تلاشى!
عاد الصبح متثائبا من غفوته، وأهل المدينة يتساءلون بينهم
أين أضحى مصير وليدة اللعنة؟!
والبعض منهم بحث بين الشجيرات الممتدة لعلها تكون غافية تحت إحداها، وآخرون فتشوا عنها في حدائقهم وسواقيها فربما اختبأت بينها!
وكأن حمى غريبة قد انتابتهم!
وما من أثر لها
لملمت الشمس خيوطها المشعة خجلة، غفت مهمومة و صوت نحيب الوليدة يطرق أسماع البعض بعيدا متعبا، وبعضهم سمع طرق أصابعها الواهنة على الأبواب الباردة.
تكرر الأمر أياما ستة
وصاحب الدكان مغلقة أبوابه، حتى اليوم السابع
تساءل الناس عن غيبته وامرأته، وغمائم الشك تراود الجميع
استدعي المختار على عجل
قرر كسر باب منزلهما
لتتلقفهم رائحة عفن الأيام السبعة موتا، والجرذان تنهش جسديهما وطبيب التشريح يصرح متلكئا، أنهما أصيبا بوباء غريب، لا يعرف مصدره، وأعراض المرض انتشرت كنبات بري، فصارت الجثث تغرس شواهد، تؤطر الشوارع يوما بعد آخر
لتعزل مدينة الطهر
وتعلن، أنها منطقة موبوءة!
سجنت الضواحي بالأسيجة الشائكة، وأحرقت الأشجار، منع الدخول أو الخروج منها
لا يدخلها سوى المعالجين، ولا تخرج منها إلا عربات نقل الموتى!
وظل الناجين يقسمون أغلظ الأيمان، أن بكاء الوليدة يشق عنان السماء كل يوم يهز طرق أناملها اليافعة الأبواب .. كلما ابتلعت الشمس نسيج نورها الذهبي مغصوبة.. وجن جنون المساء!
اقتحمت أسراب الجراد الأسود، عاصمة السلام ومدينة القباب الزرق المذهبة، فنخرت مآذنها، وتناثرت بعض فسيفسائها بين الأصقاع، واتشحت باقي المحافظات بالقحط المكفهر، فبدت الضواحي على اتساع رقعتها ملعبا للأشباح، لا يسمع فيها سوى أنين الوجع الغائر بين الضلوع، تخالطه رائحة الجثث المتعفنة وصفير الرياح الصفراء، لحظة انبلاج الفجر يوم دقت طبول الفجيعة، التي نقشها التاريخ على صفحات الزمن القادم.
أمسك أبو الوليد بيد زوجته يسندها، ودوامات الطلق المباغتة تأخذها منه حينا ثم تعيدها، مقيدة بأسرار ديناميكية المخاض وعجائبيته، تضم ساقيها لحظات دهرية تزفر الأنفاس متقطعة، وذاك الشيء المكور الذي يسمونه رأسا ينزلق من بين فخذيها، تكاد تخنقه ضيق المسافة المرتجفة، ليتهاوى صرحها قبل أن يصلا مشفى المدينة الغافي بين العتمة والفراغ، تنزف حياتها لحظة تلو أخرى تلهث الألم زفيرا، وتستنشق الموت مع كل شهقة.
تفجرهلعا يحثها:
- تماسكي
فاجأه رأس الجنين، فكبلت يداه
وكالمجنون طفق يجري بين المشرق والمغرب مستغيثا، يبتلع الضباب صوته وأزيز الجراد يدوي حوله، وعيونه البارزة تحدق فيه!
أومأت بيدها الواهنة
أن اسحبه
مد يده
أرهبه الملمس الدهني المدمى
فتراجع خاشعا
لينزلق الجسم الوردي الصغير على إسفلت الشارع، تختلط صرخته التي تضج بالحياة بحشرجة الأم، وعينيه المرعوبتين تتلقفان هسيس الرياح لعلهما تأتيانه بمعين، والوليدة تتعفر بالتراب و ترتجف بردا.
لملم شتات روحه المبعثرة بين دهاليز المنية والنور ينقب كل الأبجديات المحتجبة في ذاكرته، بسيل جارف من الأسئلة عن أحجية الحياة، وكينونتها!
تراءت أمامه أسنانه العارية! ليكز بقواطعه على الحبل ينهشه بوحشية عفوية، يدفعه شغف محموم للإبقاء على حياة برعمه.
بصق الدم المر حانقا
رفع الوليدة عاليا كقربان بين يديه
أطلق عواء ذئب جريح يدمدم حروف الغضب، ويلعن لحظة الغفلة ساخطا.
والجراد ينخر رئتيه، لتحط الوليدة على الجسد المشظى تصرخ احتجاجا، و رغبة في الحياة!
وأم الجواد التي غادرها زوجها بليلة ظلماء ملثما ومطاردا، يجوب الأزقة والشوارع ليلا ينصب الشراك لأفواج الجراد الغريبة، يقنصها زرافات ووحدانا، وهي تنسل زاحفة كي تنتشل الوليدة من براثن الموت وأفخاخه.
حملتها كنز ثمينا بين يديها أرضعتها، فالتهمت الصغيرة الثدي بنهم غريب، يمتص فمها الحليب بقوة، فيفرغ الجيب أحيانا.
ثلاثة أعوام، ابتعدت خلالها زيارات أبى جواد لبيته، بعد وشاية، وأم جواد لم تزل تجود على الوليدة تطعمها كحمامة، ليجيء ذاك اليوم!
يوم زف أبى الجواد مخضبا بحناء عرسه، تحمله الريح على أكتاف الرفاق، يودعونه قلب الثريا.
ليبيت العسر زائرا ثقيلا على أم جواد التي تقطعت فيها سبل العيش، فأضحت أفواه الصغار النهمة وإطعامها مهمة تكاد تكون شبه مستحيلة، والقحط والجفاف يزرعان أذرعهما المخيفة نطاقا يحيط حياتها وأولادها، بكل وحشية ولا هوادة.
أشفقت على الوليدة، فاستصرخت رحمة الجيران تنتخيهم دامعة:
- خذوها، فمعي سيلتهم الجوع لحمها وسينخر حتى عظمها، أشفقوا عليها.
أخذها العطار لزوجته العاقر، يبتسم بمكر
- لنربها، ستكون خادمتنا حين تكبر، ربما أكثر امتنانا من بعض الأبناء الحقيقيين!
- أو لعلها تعيد الحياة لبيتنا المقفر بضحكاتها، وحين تكبر سأزاوجها برجل غني.
و يصطحبها العطار كل يوم معه، و يتشدق أنه من يرعاها حتى تأتي امرأته ظهرا لتعيدها بعد أن تضع بيدها قطعة حلوى، تتلقفها الصغيرة بشغف، تمتصها وتتلمظ وحين تنزلق الحلوى من بين يديها تبكي، فينتاب امرأة العطار شعور غريب بالنشوة، لبكائها، تتلذذه!
جن جنون جنونهما يوم أفاقا على صوت جلبة مريبة تأتي من ناحية الدكان، وقفا مذهولين على أعتابه، كأن الجراد التهمه!
أطلقا النداء
ملعونة هذي الفتاة
ملعون كل من يأويها.
دفعت العاقر بالوليدة خارج البيت، وأغلقت الباب بوجهها
تدحرج جسمها الصغير، وزوج العاقرة يركلها برجله قبل أن يدلف إلى الداخل
والوليدة تقف أمام الباب، تطرقه بيدها الصغيرة منتحبة حيرى
والساعات تفترسها بين غفوة تجفل منها، وسؤال أعمى استعصت عليها الإجابة عنه!
رق قلب أحد الجيران، وخفية وضع طبق فيه بعض الطعام،التهمته بنهم مفجع
وحن عليها أحد الأولاد بكأس ماء باردة قربها دون أن يقترب منها!
حارقة شمس الظهيرة سفعت جلدها باللهب، فمشت نحو الشجيرات تنتبذ ظل إحداها، واضعة يديها تحت خدها فسالت دمعة من عينها على التراب حين غفت، نمت على أثرها زهرة خفية.!
صحت مذعورة والحمائم تدخل أعشاشها غروبا بحفيف صاخب، فأسرعت خطاها تسير على غير هدى، تنفض ما علق بجسمها من أوراق شجر متكسرة، وتقف عند الأبواب تطرقها لعل أحدهم يرحمها، فيفتح بابه لها!!
والليل خيوط عنكبية تتكاثف، ألبس الكون عباءة حالكة ورسم ضوء القمر ظلال الأشجار أشباحا تتطاير مرفرفة، وعينا الوليدة تتابعان الرعب، تركض خوفا وصوت عويلها يملأ الأنحاء منتحبة بين الأبواب، تشهق مرتجفة، ينخرها الخواء والتعب.
أسندت جسدها المنهك على جذع شجرة فارتجت الأغصان
تقافزت الحمائم هائمة ترفرف بأجنحتها محدثة جلبة أفزعتها، أرجفت عودها البرعمي وارتعشت شفتاها، فأطلقت ساقيها بين الأحراش تخترقها هائمة، تصرخ مذعورة حتى تاه صوتها بين الأشجار في إحدى البساتين، ثم تلاشى!
عاد الصبح متثائبا من غفوته، وأهل المدينة يتساءلون بينهم
أين أضحى مصير وليدة اللعنة؟!
والبعض منهم بحث بين الشجيرات الممتدة لعلها تكون غافية تحت إحداها، وآخرون فتشوا عنها في حدائقهم وسواقيها فربما اختبأت بينها!
وكأن حمى غريبة قد انتابتهم!
وما من أثر لها
لملمت الشمس خيوطها المشعة خجلة، غفت مهمومة و صوت نحيب الوليدة يطرق أسماع البعض بعيدا متعبا، وبعضهم سمع طرق أصابعها الواهنة على الأبواب الباردة.
تكرر الأمر أياما ستة
وصاحب الدكان مغلقة أبوابه، حتى اليوم السابع
تساءل الناس عن غيبته وامرأته، وغمائم الشك تراود الجميع
استدعي المختار على عجل
قرر كسر باب منزلهما
لتتلقفهم رائحة عفن الأيام السبعة موتا، والجرذان تنهش جسديهما وطبيب التشريح يصرح متلكئا، أنهما أصيبا بوباء غريب، لا يعرف مصدره، وأعراض المرض انتشرت كنبات بري، فصارت الجثث تغرس شواهد، تؤطر الشوارع يوما بعد آخر
لتعزل مدينة الطهر
وتعلن، أنها منطقة موبوءة!
سجنت الضواحي بالأسيجة الشائكة، وأحرقت الأشجار، منع الدخول أو الخروج منها
لا يدخلها سوى المعالجين، ولا تخرج منها إلا عربات نقل الموتى!
وظل الناجين يقسمون أغلظ الأيمان، أن بكاء الوليدة يشق عنان السماء كل يوم يهز طرق أناملها اليافعة الأبواب .. كلما ابتلعت الشمس نسيج نورها الذهبي مغصوبة.. وجن جنون المساء!
تعليق