السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رمضان كريم رمضان مبارك .. تقبل الله مني ومنكم صالح الأعمال .. مساء الخير للكرام والكريمات مساء الخير للجميع ..
رمضان كريم رمضان مبارك .. تقبل الله مني ومنكم صالح الأعمال .. مساء الخير للكرام والكريمات مساء الخير للجميع ..
رمضانيات سجين
من ذكرياتي الرمضانية في سجن المحطة في مدينة عمان أننا قضينا رمضانين في هذا السجن، والسجن سجن وقوانينه صارمة وحين تصوم فيه فإنك تشعر بقسوة الصيام لا سيما حينما تبعد الشقة بينك وبين أحبتك .. فالزيارة صعبة واللقاء بمن تحبهم نادر .. ناهيك أن من طبع الناس أنهم جبناء يؤثرون السلامة على القيام بالواجب ويتوارون في الشدة بعدًا عن صداع الأسئلة والمعرفة .. لذلك كان من يزورك لا يكلف نفسه المؤونة ولكن زيارته امتحان للمروءة والرجولة وأخلاق الرجال ووفاء أهل الهمة ..
انتقلنا إلى زنازن السجن هربا من صعوبة التكيف مع إخوتنا الفتحاوية في الغرفتين 17 و18 المجاورتين لغرفة الإعدام..!! والزنازن زنازن .. ضيقة وفي الصيف حارة لهيبة ..
كنا نعد طعامنا على بوابير كاز (عام1977) وأذكر يومًا أنني كنت أعد شوربة فريكة على يمين زنزانتي وكان يسكن الزنزانة التي قبلها فتحاوي يمتهن مهنة الحدادة يبدو أنه صحا على نفسه بأنه قيد إلى السجن وزج به من غير طائل ولا سبب أو أنه لا يشعر بالأهلية أن يكون في هذا المقام .. سجين سياسي بين سياسيين .. لذلك فإنني كنت أشعر حينما أمر به بأنه نكد وقد يتلفظ بألفاظ غير لائقة .. متجهمًا عابسًا.. ولما رآني جانب بابور الكاز أوجه طنجرتي الصغيرة التي يغلي فيها قدر من الماء والفريكة لتكون الشوربة من ضمن فطورنا أو هي كله ولا شيء غيره .. جاءني جاري في الزنزانة وقال: لماذا تعتدي على مساحتي وتقترب بطنجرتك من زنزانتي؟ فقلت له أنا متأسف .. سأحمل بابوري وطنجرتي إلى جهة أخرى ..!! فقال: لا، سنقتسم المسافة بين الزنزانتين بالضبط!! فقلت له: أنا مسامحك بحصتي .. سآخذ طنجرتي إلى مكان آخر .. فرفض وتنازعنا الطنجرة والبابور إلى أن وضعته على الأرض ثم انهال عليّ بالبوكسات والضربات المركزة على وجهي ..!! فما كان مني إلا أن خفضت وجهي ووضعته في بطنه حماية لوجهي إلى أن اجتمع المناضلون الفتحاويون وصديقاي أحمد العطيات وموسى الشلبي .. وفضوا الهوشة ..
كان هناك من بلدتي عنبتا شخص من دار (عدس) حاول إقناعي بجعل المسألة عشائرية وأخذ عطوة فرفضت .. وجاء مدير المكتبة والمدرسة.. وكنت مدرسا في مدرسة السجن حينها وحاول أن يقنعني أن أتقدم بطلب شكوى عن طريقه إلى مدير السجن وقال لي: سأربيه لك ..! ولكني رفضت أيضا إكرامًا لخاطر الإخوة الفتحاوية .. ثم جاء المسؤول التنظيمي الفتحاوي وأعد تقريرا بالمشكلة رفعه لمسؤوليه بهذا الخصوص..
السجن يضيق فيه خلق الإنسان وهو محاصر بهموم السجن والتكيف في السجن ناهيك عن الهموم التي تأتي السجن من خارج الأسوار .. عن أسرته وأهله إن كان متزوّجًا ويترتب عليه التزامات نحو أسرته .. أعان الله كل سجين وهون عليه سجنه .. أن تكون أسيرا لا تنعم بالحرية التي خلقك الله عليها أمر صعب .. وتأتي على السجين ساعات وأيام لا يلذ له نوم ولا طعام ولا شراب .. وخاصة أولئك السجناء الذين تحمل قضاياهم طابع العنف ويفتقدون للتثقيف السياسي والوعي العقدي .. بمعنى أنهم ليسوا سجناء مبدئيين؛ لأن ما يهون على الإنسان أن عمله خالص لوجه الله وأنه يبتغي بما عمل مرضاة الله .. ويلجأ إلى كتاب الله ففيه السلوى من المشاعر السلبية التي تجتاح المرء حين يتذكر أحبته أو يتذكر أنه أطيح بمستقبله نتيجة التزامه المبدئي ونشاطه السياسي..
أتذكر أنه قد دعانا في رمضان الأخ الفتحاوي منذر رشيد وكان وجيهًا من وجهاء فتح وشخصية محترمة وكان له اعتبار عند إدارة السجن لذلك كان يقيم فيما يسمى بالدار البيضاء وهذه للسجناء الذين لهم ولعائلاتهم خاطر كبير عند الحكومة أو أن لهم أقرباء متنفذين .. أفطرنا عند الأخ منذر وكان من المدعوين رجل مسيحي مقيم في الدار البيضاء علمت أنه يصوم رمضان مع المسلمين ولم يفطر يومًا واحدًا من أيام رمضان ... وقد اصطحبني في الدعوة أبو مروان علي الصمادي وكان شخصية حزبية حينئذ فيما كنت أنا شابًا يافعًا .. وقد أفطرنا في يوم من أيام رمضان في شبك القضايا الجنائية(القتل والمخدرات) عند محمد الصمادي قريب الأخ علي الصمادي أبو مروان وأذكر أنني شربت سوسًا عنده ما زال طعمه في فمي .. كان متقنًا لدرجة أنني لم أنس مذاقه وصرت أصنع السوس أو أطلبه على ذاك المذاق المركز .. مع أنني في هذه الأيام وبسبب الضغط صرت قليلا ما أشرب السوس ..
المهم حين سألت الأخ محمد الصمادي وكانت تهمته تتعلق بالمخدرات .. طبعا كل متهم في القسم الجنائي يسرد قصته على أنه بريء .. سألته: شو قضيتك يا محمد؟ فقال: أنا اللي قتل أبوه!! قتلت أبوي مش مصدق يا نايف ..؟! فبجمت وانعقد لساني ..؟! وحين ألححت عليه بمزيد من التفسير وكان رجلا وديعًا أديبًا لا تكاد الابتسامة تفارق محيّاه: قال: حين علم أبي باعتقالي من قبل المخابرات على خلفية قضية مخدرات وكان والدي شيخًا محترما في البلد ووجيهًا .. أصيب بسكتة قلبية وفارق على إثرها الحياة...!! وهكذا كان محمد يؤنب نفسه بعبارة مكثفة حزينة .. أنا الذي قتلت أبي .. قتلت أبي ..!!
لا حول ولا قوة إلا بالله ..
على كل واحد أن يحسب حسابًا فيما يقوم به أنه مسؤول أمام الله ومسؤول أيضا أما أهله وعشيرته فلا يقوم بعمل من شأنه أن يخفض أهله رؤوسهم بهذا العمل ويندى له جبينهم ..
صياما مقبولا وإفطارا هنيئا
ودعاء مستجابا ...
تعليق