اختلت بنفسها في غرفتها، حررت ضفائرها الذهبية من سجنها، و أزاحت النقاب عن وجهها. مازالت تفيض أنوثة، و تشع جمالا. ندت من صدرها الباذخ تنهيدة عميقة. مذ كانت يافعة، و عقلها في طور التشكيل، استقطبتها زميلتها، و أقنعتها بستر جسدها البلوري تحت عباءة سوداء، و إخفاء وجهها المشرق خلف نقاب، و تجنيد كل مواهبها لخدمة الدعوة، و الجماعة. نسيت أنها امرأة، و أن لجسدها عليها حقا. تجاوزت عقدها الثالث بست سنوات، و مازال سريرها يفتقد للدفء. ترقرقت عيناها بالدموع. قررت أن تستشير شيخها المفضل، برغبتها في الاقتران بعبد صالح من الجماعة. نظر إليها الشيخ ، و خاطبها:
- أنت امرأة مباركة. اصطفاك الله إلى ما هو أسمى من متاع الدنيا الفاني. اختارك لتكوني مجاهدة في سبيله.( دنا منها الشيخ، حتى صار قبالتها مباشرة، و صاح بخشوع) اطلبي من الله أن يتوج درب جهادك بالشهادة.
ردت، و قد تهلل وجهها:
- الخير فيما اختاره الله يا شيخي ، و فيما تراه.
لم يمنحها الوقت لمسح دموعها:
- لو انقلبت لربك شهيدة، جعل لك بدل رجل الدنيا التافه، غلاما لا يشيخ، بجمال يوسف، يقبل عليك بوجه مليح، و على رأسه تاج من نور.لا يهفو لغيرك أبدا ، و لا يجامعك إلا على سرير مزركش بالأحجار الكريمة،و الملائكة تظلكما بأجنحتها، في قصر يعجز العقل عن تخليه.
- لو انقلبت لربك شهيدة، جعل لك بدل رجل الدنيا التافه، غلاما لا يشيخ، بجمال يوسف، يقبل عليك بوجه مليح، و على رأسه تاج من نور.لا يهفو لغيرك أبدا ، و لا يجامعك إلا على سرير مزركش بالأحجار الكريمة،و الملائكة تظلكما بأجنحتها، في قصر يعجز العقل عن تخليه.
تلقفت الكلام من شيخها بلهفة. لبثت وقتا طويلا أمامه، و هي تتخيل نفسها تسامر غلامها في رحاب الجنة الطاهرة. هبت منفعلة. قبلت رأس الشيخ الحكيم، و انطلقت نحو بيتها. توضأت، و صلت ركعتين، ثم رفعت يديها بالدعاء:
- اللهم اجعل ذلك الغلام من نصيبي.
استحوذت فكرة الشهادة على قلبها، و هيمن المشهد الذي رسمه شيخها على عقلها. شدت الرحال إلى حيث تقاتل جماعتها (المجاهدة) حكومة الطاغوت، (الكافرة). طمعت في أن تستشهد، و هي قابضة على الزناد. لكنها منعت من المشاركة في القتال، و خاطبها أمير الجماعة:
- رأس الجهاد عند المرأة، أن تروي عطش المجاهد من رحيق شفتيها، و تَصْلي قَرَّه بدفء خميلتها،و أعظم شهادة تنالها، أن يقبض الله روحها تحت عبد صالح، أعار جمجمته للخالق.
امتثلت لكلام الأمير، فهو أعلم بأمور الدنيا و الدين، و بيده المفاتيح كلها. قامت بوظيفتها بشغف، و هي تتمنى أن توافيها المنية، تحت مجاهد طاهر.أو أن تصيبها رصاصة طائشة في مقتل، فتعود إلى ربها شهيدة.
وضعت الحرب أوزارها، و صار المجاهدون إرهابيين مطاردين في الأرض. عادت لأهلها كسيرة، تجر أذيال الخيبة. زارت شيخها. انتحبت أمامه،و هي تتحدث بصوت متهدج:
- خاب رجائي، يا شيخي ...
لاحظ الشيخ أنها تبكي بكل جسدها، الذي يرتج من مخمص القدم حتى قنة الرأس.دنا منها، و وضع يدها على ٍرأسها، و قاطعها قائلا:
- العجلة من الشيطان، وأنت امرأة مؤمنة. لكل شيء أجل، و قد جعل الله للشهادة مسالك لا تحصى.
اقتربت منه، حتى غمرته أنفاسها الحارة، و قالت بصوت متهدج:
- أنر طريقي يا شيخي بنور كلامك...سدد خطواتي، بحكمة رأيك...كلي آذان صاغية... مستعدة أن أطرح نفسي كل مطرح من أجل الشهادة.
طلب منها أن ترفع نقابها. غشيه وميض وجهها المليح. خاطبها بحماسة:
- المرأة التي تلفظ أنفاسها على سرير الولادة، تحسب عند ربها شهيدة. أترين كم هو واسع كرم الخالق!؟
ضمها الشيخ إلى حريمه، و تمتع بجسدها الذي يفيض أنوثة. تكور بطنها، و بات حملها باديا للجميع. تصلي، و تطلب الله أن يكون ما في رحمها خديجا، ليحل يوم الوضع بسرعة، فيتحقق مبتغاها.
داهمها مغص الطلق. عندما دخلت أمها عليها، تحمل إناء به ماء ساخن، ترجتها أن تدعو الله أن يميتها على فراش الولادة، كي تلحق به شهيدة. طلبت منها أمها أن تأخذ نفسا عميقا، و تدفع بكل قوتها. خرج الصبي من رحمها. لم تسمع صرخة الحياة.لاحظت اضطراب أمها، فخالت الصبي خلق ميتا. دمعت عيناها، وهي تخاطب نفسها:
- يا ويحي، أعجزت أن أكون مثل هذا الوليد؟ أن أكون جثة هامدة في هذه اللحظة التي طالما انتظرتها.
شعرت باليأس،و الإحباط . نظرت إلى المقص الذي قطعت به الأم الحبل السري. فكرت في أن تغتنم انشغال الأم بالصبي، فتأخذه و تقطع أوداجها ، ليُلقِيَ بها الله في جهنم، ما دامت الشهادة تفر منها كلما اعتقدت أنها أقرب إليها من حبل الوريد.
فطن أبوها إلى نيتها.دنا منها. ضمها إلى صدرها بحرارة،و قال:
- لم أشأ أن أفرض عليك رأيي. و تركتك تسيرين في درب اختيارك. إن حققت رغبتك فالله اصطفاك إلى جانبه كما رغبت. و إن خاب مسعاك، فاعلمي أن الشهادة كالولاية لا يولاها من يطلبها، كذلك الشهادة لا يمنحها الله لمن يسعى خلفها بكل الوسائل.احفظي هذا القول عن صاحبه القائم لله، لا لغيره:
- يا عبد قم إلي اعطك ما تسأل، لا تقم إلى ما تسأل أحتجب و لا أعطي.1
- لم أشأ أن أفرض عليك رأيي. و تركتك تسيرين في درب اختيارك. إن حققت رغبتك فالله اصطفاك إلى جانبه كما رغبت. و إن خاب مسعاك، فاعلمي أن الشهادة كالولاية لا يولاها من يطلبها، كذلك الشهادة لا يمنحها الله لمن يسعى خلفها بكل الوسائل.احفظي هذا القول عن صاحبه القائم لله، لا لغيره:
- يا عبد قم إلي اعطك ما تسأل، لا تقم إلى ما تسأل أحتجب و لا أعطي.1
صاحت الأم بنبرة يمتزج فيها الفرح بالقلق:
- يعود الصبي إلينا ببطء. لكنه يكافح من أجل أن يعيش.
أمسكته من قدمية، جاعلة رأسه إلى الأسفل. ضربته ضربتين لطيفتين على ظهره. عطس الصبي، ثم صرخ صرخة قوية. هبت الأم فرحة. تلقفته بحدب . نظرت إلى وجهه المشرق. رماها ببسمة مفعمة بالحياة.
1 = الكلام لعبد الجبار النفري.
1 = الكلام لعبد الجبار النفري.
تعليق