حياك الله أخي الحبيب الأستاذ فيصل كريم، وبارك فيك.
هذه خاطرة كتبتها في عيد الفطر الماضي، فيها عبرة.
(مسجد الإمام مالك) أو (مسجد الإماراتيين) – كما يسميه أهل طنجة نسبة إلى محسنين من الإمارات العربية المتحدة كانوا بنوه على رأس هضبة في أحد أحياء طنجة – هو اسم المسجد الذي يطيب لي أن أصلي التراويح فيه عندما أُرَمْضِنُ (1) في طنجة، ليس لأنه قريب من مسكني فحسب، بل لسببين اثنين: بناؤُه على هضبة عالية يرقيها هواء معتدل يهب عليه من بحرين يلتقيان في طنجة وتحيط به من ثلاث جهات حديقة يُصلى التراويح والتهجد والصبح فيها، من جهة، وأصوات مقرئيه الجميلة الذين يقرؤون في صلاة التراويح حزبًا، والتهجد حزبًا، فيختمون القرآن في رمضان على عادة المغاربة في ذلك، من جهة أخرى. إن تربع المسجد على هضبة عالية يعرضه لنسيم البحر العليل في أيام الصيف القائظ، فتشعر وأنت في رحابه وكأن مكيفًا طبيعيًا يهذب جو المسجد ومحيطه، ويجعل الصلاة فيه أو في حديقته الواسعة سلسة للغاية.
يحيط بالمسجد وأبوابه باعة كثيرون يملؤون الفضاء المحيط به بالبضائع المختلفة: من الكَرمُوس (2) إلى البطيخ، ومن الليتشي (3) إلى التمور المختلفة، ومن الجلابيات والسراويل إلى المسك والعنبر وسائر العطور المختلفة، ومن مواد البناء الصغيرة إلى الكتب .. ومما يثير الانتباه والفضول تلك العربات الجميلة المزخرفة التي يباع عليها البَبُّوش (4) وأصناف العصير النادرة كعصير التمر وعصير الزبيب وعصير الخوخ الطبيعي، في أوان عجيبة مقصدرة، كُتب عليه بخط عربي جميل فوائد هذا العصير، أو ذاك. وهكذا تقرأ أن عصير التمر مقو للذاكرة ومنشط للدورة الدموية مزيل للماليخوليا منشط للباه مقو عليه! أما عصير الزبيب ففعله مثل فعل عصير التمر وزيادة عليه أنه مُعَدِّل للمزاج! وفي عصير الخوخ علاج فعال للإمساك ومشاكل الأمعاء المكتنزة. والعهدة على المخطوط بخط عربي منمق الملصوق على أواني هذه العصائر. أما بائع البَبُّوش فيزعم أن لبَبُّوشِهِ فوائد لا تعد ولا تحصى، أقلها التقوية على الباه أيضا، الذي تنص عليه جميع وصفات هذه العصائر والمنتجات، وكأنه الهم الأعظم للجماعة بعد الصيام!
كنت أتأمل كل يوم بضاعة البائعين المتنوعة تنوعًا عجيبًا بعد التراويح، لكني نادرًا ما كنت أشتري شيئًا منها إلا التين والآوُون (5) والدَّلاع(6) الذي زاده شمس المغرب حلاوة لا تجدها في الغرب، فما كنت أفوت يومًا عليَّ بلا تين أو بطيخ!
كما يملأ أبواب المسجد طائفة من الفقراء والسائلين الطامحين إلى خير المتصدقين في شهر الخير والبركات، يسألون الناس مما أفاء الله عليهم، منهم أسرة سورية ألجأها الظلم إلى مغادرة سورية وقصد مصر، لكن النظام الجديد فيها أصبح يضيق على السوريين المقيمين فيها، فغادروا مصر مكرهين كما أخبرني بعض أفرادها، فجالوا في عدة دول عربية، لم تسمح لهم أية منها بالمقام فيها، حتى انتهى المطاف بهم إلى الجزائر، التي رمتهم على حدود المغرب، الذي سمح لهم في آخر المطاف بالدخول إلى أراضيه، وإيوائهم فيها ..
ومما يزيد في رونق المسجد إمامه وخطيبه، فلإمامه صوت غاية في الجمال وتلاوة محكمة تسلب شغاف القلوب. وأما الخطيب فهو عالم جليل ذو تكوين أكاديمي رصين يجمع بين ملكات العلوم الشرعية ومواهب الخطابة والإلقاء والتواصل العصري. وكان يعظ يوميًا تقريبًا، مرة بعد العصر، ومرة قبل التراويح، وبحرقة على الأمة. ولا شك في أن لموقع المسجد، وحديقته المزدانة بأشجار الزيتون والنخيل، وتعرضه للهواء العليل من الداخل والخارج للهواء المعتدل من كل الجهات، ولإمامه وخطيبه وباعته العجيبين الأثر الأعظم في عمرانه أيام رمضان المعظم ولياليه، بحيث لا تجد مكانا للصلاة، ولو في الشارع، إن أنت وصلت إليه بعد الأذان. فترى الناس فيه بلباسهم الأبيض الجميل، وتخبرهم بنفوسهم السمحة، وقد هموا للقيام بعد الصيام بنشاط ملحوظ، فصبروا على القيام صبرهم على الصيام الذي هذب أخلاقهم، وجعل سلوكهم ومعاملتهم بعضهم بعضًا غاية في الإيثار والألمعية.
واليوم، وبعد يوم واحد من انقضاء الشهر الكريم، زرته فألفيته خاليًا إلا من بعض المصلين، وقد غاب عن الصلاة فيه الأكثرية الساحقة ممن كانوا يعمرونه في رمضان، فلا ترى إلا المسنين وبعض الشباب .. وغاب بغياب عُمّاره في رمضان باعةُ الببوش والعصائر والعطور. بل إن السائلين الذين كانوا يملؤون أبواب المسجد ونفوسهم تطمح إلى خير المحسنين المتصدقين في الشهر الكريم، انفضوا عن المسجد. فبدا المسجد، في أول أيام العيد، وكأنه طلل بالٍ، وبدت جُنَيْنَتُه (7) وأرصفته التي كانت تشهد في رمضان أكثر من ألفَي مُصلٍ، وكأنها جنة خاوية على عروشها ..
صحيح أن لرمضان المعظم أجواء تعين على العبادة وعمران المساجد، وصحيح أن لإيقاع الحياة في رمضان في معظم الدول الإسلامية حافزًا على الخير، وصحيح أن لأحاديث الوعاظ في المساجد أثرًا كبيرًا في سلوك الناس وشحذ هممهم للعبادة وفعل الخير والإيثار، لكنه وفي الوقت ذاته أمر عجيب للغاية أن ترى هذا التغير المفاجئ عند الناس في العبادة، وأن تلحظ هذا التبدل الكبير في سلوكهم اليومي. وكأنه صار للعبادة عند مسلمي اليوم – ليس في المغرب فحسب، بل في جميع بلاد الإسلام لأن هذه الظاهرة ملاحظة في جميع بلاد المسلمين وأيضًا عند جالياتهم في الغرب وأقلياتهم في بلاد غير المسلمين – موسم للعبادة، يرتادونه في زمان ما مثلما تُرتاد المواسم والأسواق في أزمنة بعينها!
رمضان انقضى، ومن الناس من تزود منه، ومنهم من حُرم من خيره، ومنهم من تديّن في رمضان ثم عاد إلى ديدنه قبل رمضان، وانفض سامر الخير وما مر على الشهر الكريم سوى يوم واحد! ولله درّ القائل:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرح اللغة:
(1) أُرَمْضِنُ – مضارع رَمْضَنَ: صام رمضان أو قضىاه في مكان ما.
(2) الكَرمُوس: التين. أما (كَرمُوس النصارى) فهو التين الصَّبّار الذي يسمىه المغاربة أيضًا: (هِنْدِيَّة).
(3) الليتشي: البرتقال. وتعني (لِيتْشِي) "الصيني" نسبة إلى أصل البرتقال من الصين؟ وتشتهر مدينة بركان في شرق المغرب بالبرتقال اللذيذ.
(4) البَبُّوش: الحلزون، يطبخ بالماء ثم يؤكل.
(5) الآوُون: البطيخ الشمام الذي هو أصفر من الخارج ومن الداخل!
(6) الدَّلاع (وأيضًا الدَّلاح): البطيخ الذي هو أخضر من الخارج وأحمر من الداخل! ويسميه أهل الشام (جِبْسِي) وأهل العراق (رِقِّي) – بالقِيف أو الجيم القاهرية!
(7) الجُنَيْنَة: تصغير جَنَّة، وهي الحديقة المحيطة بالمنزل في لهجة أهل الشام.
هذه خاطرة كتبتها في عيد الفطر الماضي، فيها عبرة.
رمضان انقضى
(مسجد الإمام مالك) أو (مسجد الإماراتيين) – كما يسميه أهل طنجة نسبة إلى محسنين من الإمارات العربية المتحدة كانوا بنوه على رأس هضبة في أحد أحياء طنجة – هو اسم المسجد الذي يطيب لي أن أصلي التراويح فيه عندما أُرَمْضِنُ (1) في طنجة، ليس لأنه قريب من مسكني فحسب، بل لسببين اثنين: بناؤُه على هضبة عالية يرقيها هواء معتدل يهب عليه من بحرين يلتقيان في طنجة وتحيط به من ثلاث جهات حديقة يُصلى التراويح والتهجد والصبح فيها، من جهة، وأصوات مقرئيه الجميلة الذين يقرؤون في صلاة التراويح حزبًا، والتهجد حزبًا، فيختمون القرآن في رمضان على عادة المغاربة في ذلك، من جهة أخرى. إن تربع المسجد على هضبة عالية يعرضه لنسيم البحر العليل في أيام الصيف القائظ، فتشعر وأنت في رحابه وكأن مكيفًا طبيعيًا يهذب جو المسجد ومحيطه، ويجعل الصلاة فيه أو في حديقته الواسعة سلسة للغاية.
يحيط بالمسجد وأبوابه باعة كثيرون يملؤون الفضاء المحيط به بالبضائع المختلفة: من الكَرمُوس (2) إلى البطيخ، ومن الليتشي (3) إلى التمور المختلفة، ومن الجلابيات والسراويل إلى المسك والعنبر وسائر العطور المختلفة، ومن مواد البناء الصغيرة إلى الكتب .. ومما يثير الانتباه والفضول تلك العربات الجميلة المزخرفة التي يباع عليها البَبُّوش (4) وأصناف العصير النادرة كعصير التمر وعصير الزبيب وعصير الخوخ الطبيعي، في أوان عجيبة مقصدرة، كُتب عليه بخط عربي جميل فوائد هذا العصير، أو ذاك. وهكذا تقرأ أن عصير التمر مقو للذاكرة ومنشط للدورة الدموية مزيل للماليخوليا منشط للباه مقو عليه! أما عصير الزبيب ففعله مثل فعل عصير التمر وزيادة عليه أنه مُعَدِّل للمزاج! وفي عصير الخوخ علاج فعال للإمساك ومشاكل الأمعاء المكتنزة. والعهدة على المخطوط بخط عربي منمق الملصوق على أواني هذه العصائر. أما بائع البَبُّوش فيزعم أن لبَبُّوشِهِ فوائد لا تعد ولا تحصى، أقلها التقوية على الباه أيضا، الذي تنص عليه جميع وصفات هذه العصائر والمنتجات، وكأنه الهم الأعظم للجماعة بعد الصيام!
كنت أتأمل كل يوم بضاعة البائعين المتنوعة تنوعًا عجيبًا بعد التراويح، لكني نادرًا ما كنت أشتري شيئًا منها إلا التين والآوُون (5) والدَّلاع(6) الذي زاده شمس المغرب حلاوة لا تجدها في الغرب، فما كنت أفوت يومًا عليَّ بلا تين أو بطيخ!
كما يملأ أبواب المسجد طائفة من الفقراء والسائلين الطامحين إلى خير المتصدقين في شهر الخير والبركات، يسألون الناس مما أفاء الله عليهم، منهم أسرة سورية ألجأها الظلم إلى مغادرة سورية وقصد مصر، لكن النظام الجديد فيها أصبح يضيق على السوريين المقيمين فيها، فغادروا مصر مكرهين كما أخبرني بعض أفرادها، فجالوا في عدة دول عربية، لم تسمح لهم أية منها بالمقام فيها، حتى انتهى المطاف بهم إلى الجزائر، التي رمتهم على حدود المغرب، الذي سمح لهم في آخر المطاف بالدخول إلى أراضيه، وإيوائهم فيها ..
ومما يزيد في رونق المسجد إمامه وخطيبه، فلإمامه صوت غاية في الجمال وتلاوة محكمة تسلب شغاف القلوب. وأما الخطيب فهو عالم جليل ذو تكوين أكاديمي رصين يجمع بين ملكات العلوم الشرعية ومواهب الخطابة والإلقاء والتواصل العصري. وكان يعظ يوميًا تقريبًا، مرة بعد العصر، ومرة قبل التراويح، وبحرقة على الأمة. ولا شك في أن لموقع المسجد، وحديقته المزدانة بأشجار الزيتون والنخيل، وتعرضه للهواء العليل من الداخل والخارج للهواء المعتدل من كل الجهات، ولإمامه وخطيبه وباعته العجيبين الأثر الأعظم في عمرانه أيام رمضان المعظم ولياليه، بحيث لا تجد مكانا للصلاة، ولو في الشارع، إن أنت وصلت إليه بعد الأذان. فترى الناس فيه بلباسهم الأبيض الجميل، وتخبرهم بنفوسهم السمحة، وقد هموا للقيام بعد الصيام بنشاط ملحوظ، فصبروا على القيام صبرهم على الصيام الذي هذب أخلاقهم، وجعل سلوكهم ومعاملتهم بعضهم بعضًا غاية في الإيثار والألمعية.
واليوم، وبعد يوم واحد من انقضاء الشهر الكريم، زرته فألفيته خاليًا إلا من بعض المصلين، وقد غاب عن الصلاة فيه الأكثرية الساحقة ممن كانوا يعمرونه في رمضان، فلا ترى إلا المسنين وبعض الشباب .. وغاب بغياب عُمّاره في رمضان باعةُ الببوش والعصائر والعطور. بل إن السائلين الذين كانوا يملؤون أبواب المسجد ونفوسهم تطمح إلى خير المحسنين المتصدقين في الشهر الكريم، انفضوا عن المسجد. فبدا المسجد، في أول أيام العيد، وكأنه طلل بالٍ، وبدت جُنَيْنَتُه (7) وأرصفته التي كانت تشهد في رمضان أكثر من ألفَي مُصلٍ، وكأنها جنة خاوية على عروشها ..
صحيح أن لرمضان المعظم أجواء تعين على العبادة وعمران المساجد، وصحيح أن لإيقاع الحياة في رمضان في معظم الدول الإسلامية حافزًا على الخير، وصحيح أن لأحاديث الوعاظ في المساجد أثرًا كبيرًا في سلوك الناس وشحذ هممهم للعبادة وفعل الخير والإيثار، لكنه وفي الوقت ذاته أمر عجيب للغاية أن ترى هذا التغير المفاجئ عند الناس في العبادة، وأن تلحظ هذا التبدل الكبير في سلوكهم اليومي. وكأنه صار للعبادة عند مسلمي اليوم – ليس في المغرب فحسب، بل في جميع بلاد الإسلام لأن هذه الظاهرة ملاحظة في جميع بلاد المسلمين وأيضًا عند جالياتهم في الغرب وأقلياتهم في بلاد غير المسلمين – موسم للعبادة، يرتادونه في زمان ما مثلما تُرتاد المواسم والأسواق في أزمنة بعينها!
رمضان انقضى، ومن الناس من تزود منه، ومنهم من حُرم من خيره، ومنهم من تديّن في رمضان ثم عاد إلى ديدنه قبل رمضان، وانفض سامر الخير وما مر على الشهر الكريم سوى يوم واحد! ولله درّ القائل:
بكت المساجدُ تشتكي عُمَّارها ===== كم قَلَّ فيها قارئٌ ومُرتِّلُ
هذي صلاةُ الفجرِ تحزنُ حينما ===== لم يبقَ فيها الصفُّ إلا الأولُ
هذا قيامُ اللِّيلِ يشكو صَحْبَهُ ===== أضحى وحيداً دونهم يتململُ
كم من فقيرٍ قد بكى متعففاً ===== مَنْ بعدَ شهر الخير عنهم يسألُ؟
هذي صلاةُ الفجرِ تحزنُ حينما ===== لم يبقَ فيها الصفُّ إلا الأولُ
هذا قيامُ اللِّيلِ يشكو صَحْبَهُ ===== أضحى وحيداً دونهم يتململُ
كم من فقيرٍ قد بكى متعففاً ===== مَنْ بعدَ شهر الخير عنهم يسألُ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرح اللغة:
(1) أُرَمْضِنُ – مضارع رَمْضَنَ: صام رمضان أو قضىاه في مكان ما.
(2) الكَرمُوس: التين. أما (كَرمُوس النصارى) فهو التين الصَّبّار الذي يسمىه المغاربة أيضًا: (هِنْدِيَّة).
(3) الليتشي: البرتقال. وتعني (لِيتْشِي) "الصيني" نسبة إلى أصل البرتقال من الصين؟ وتشتهر مدينة بركان في شرق المغرب بالبرتقال اللذيذ.
(4) البَبُّوش: الحلزون، يطبخ بالماء ثم يؤكل.
(5) الآوُون: البطيخ الشمام الذي هو أصفر من الخارج ومن الداخل!
(6) الدَّلاع (وأيضًا الدَّلاح): البطيخ الذي هو أخضر من الخارج وأحمر من الداخل! ويسميه أهل الشام (جِبْسِي) وأهل العراق (رِقِّي) – بالقِيف أو الجيم القاهرية!
(7) الجُنَيْنَة: تصغير جَنَّة، وهي الحديقة المحيطة بالمنزل في لهجة أهل الشام.
تعليق