في ذكراها المئوية
دنشواي بين حقي ودلاور
أصيب ضابط إنجليزي بضربة شمس فأعدموا الفلاحين
كيف فرضت السياسة نفسها في اختلاف الرؤية الأدبية؟
بقلم: محمد جبريل
................
كانت حادثة دنشواي [13 يونيو 1906] التي أعدم فيها بعض الفلاحين. بتهمة قتل ضابط إنجليزي. أصيب بضربة شمس. وأرسلت المشانق إلي دنشواي من قبل أن تبدأ المحاكمة. كانت هذه الحادثة بمثابة الهزة العنيفة لصحوة هائلة. شملت أبناء الأمة جميعاً. بل إنها أضحت دافعاً قوياً للثورة الشعبية الهائلة في عام .1919 وقد عرض غالبية المؤرخين لحادثة دنشواي علي أنها حادثة ضباط إنجليز خرجوا للصيد. فأحرقوا جرناً. وحدث ما حدث. لكن قيمة رواية عذراء دنشواي [صدرت الطبعة الأولي في يوليو 1909]- كما يقول يحيي حقي- أن مؤلفها لم يصطنع أشخاصه اصطناعاً. بل أخذهم بأسمائهم ومواطنهم ومهنهم من واقع الحياة..
محمود طاهر حقي لا يقف عند الوقائع الظاهرة دافعاً لكل ما حدث. لكنه يفتش عن المسببات الفعلية لها. مع اعترافه بأنه لم يضع كل الحقيقة. لأنه- كما يقول في المقدمة- خشي علي نفسه من البطش. وبرغم هذا. فإنه لم يحدث- كما يقول حقي- ان أقبل الناس علي قراءة رواية ما مثل إقبالهم علي قراءة "عذراء دنشواي". لا لأنها عرفت كيف تركب موجة الانفعال الشعبي. بل لأنها عرفت أيضاً- بالغريزة والسليقة- كيف تصب حادثة دنشواي في قالب فيه من الفن القصصي أنفاسه. إن لم يكن عطره كله. احتضنها جيله. واحتضنها الجيل الذي يليه".
عذراء دنشواي تستمد قيمتها من تفوقها الفني. بالقياس إلي الأعمال السابقة لها. بالاضافة إلي اقترابها الحميم- وهذا هو السبب الأهم- من المشكلات الآنية للمجتمع. لكن الارهاصات في علم الدين لعلي مبارك. ولوحات النديم. وليالي سطيح لحافظ ابراهيم. وليالي الروح الحائر لمحمد لطفي جمعة. وزينب لمحمد حسين هيكل. وغيرها. كما أضافت ترجمات السباعي والمنفلوطي والزيات والجميل والمازني لابداعات كبار الروائيين الأوروبيين.. أضافت تلك الترجمات إلي فن الرواية المصرية من خلال أصول الرواية في أوروبا.
محاولة رائدة
لقد ظلم النقاد عذراء دنشواي. حين اعتبروا زينب فاتحة الفن الروائي المصري. ذهب يحيي حقي إلي ذلك الرأي. فتلقف النقاد رأيه- في سلفية لا نحسد عليها!- وانتقت كل الاجتهادات التي تري في زينب رواية تلي عذراء دنشواي باعتبارها محاولة رائدة.
ومع ان يحيي حقي قد عدل عن رأيه في فجر القصة المصرية. وأكد- في حوار صحفي- أنه أخطأ في نسبة الريادة إلي زينب. وأن عذراء دنشواي هي الأجدر بالتسمية. فمازلنا نقرأ اجتهادات سلفية تؤكد ان زينب هي "الرواية العربية التي يعتبرها النقاد بالاجماع- أو يكاد- باكورة الرواية العربية الفنية".
الطريف- والمؤسف- ان أحد النقاد نسب إلي نفسه- فيما بعد- ببساطة. اجتهادنا الذي أقره أستاذنا يحيي حقي. ووافق علي نتائجه قبل أن ينشر الناقد مقالته بأكثر من عشرين عاماً. وذهب الناقد إلي أن زينب تحولت إلي أداة تقييم خاطيء. لأننا نقيس بها ما تلاها من أعمال. بينما لو اعتمدنا عذراء دنشواي لاختلفت النتائج" "الأهرام 7/12/1988".
لم تكن الحادثة وليدة ذاتها. ولا كان مبعث ثورة أبناء دنشواي إصابة فردية. أو احتراق جرن. وإنما جذور الحادثة مغروسة في أرض دنشواي لسنوات طويلة من العنف واللامبالاة والعبث بكل القيم. بل ان حادثة دنشواي لم تكن الأولي من نوعها. سبقها أكثر من صدام بين الفلاحين من ناحية. وبين سلطات الاحتلال وجهات الادارة من ناحية ثانية. حتي أنشئت المحكمة المخصوصة عام 1895- قبل حادثة دنشواي بسنوات- لمحاكمة المصريين الذين يعتدون علي ضباط وجنود جيش الاحتلال.
إن محمد زهران يشكو إلي العمدة ما حدث. فيقسم له العمدة بأنه سيأتي له بتعويض عن الحمام الذي اصطاده الإنجليز. ويكتفي العمدة بالقسم دون محاولة لتنفيذ وعده. وعندما يهم الضباط الإنجليز ببدء رحلتهم. يري أحدهم وجوب أخذ تصريح من القائد. لكن رفاقه يسخفون رأيه. لا لوداعة ولين في طبيعة المصريين. بل لضعف وجبن وتملق من شعب غريب الأخلاق. ولا يفوت الفنان ان يصف الكابتن بول بأن الضعف يظهر علي ملامحه. وثمة عوامل تخللت سطور القصة. كانت- في مجموعها- قواماً للحادثة.
محاكمة ظالمة
يلوذ الكابتن بول بالفرار. بعد ان تشج رأسه طوبة. ثم يبلغ الحدث ذروته بموت بول. ثم المحاكمة الظالمة. وأحكام الاعدام التي أعدت المشانق قبل النطق بها. فقد أحيطت القرية برجال البوليس لمنع الأهالي من الخروج. وأوقف العمدة والخفراء. وحل بدلاً منهم خفراء من القاهرة. وألقي القبض علي كل من اشتبه فيه. فبلغ عدد المقبوض عليهم 250 شخصاً.
كشفت "المقطم" [19/6/1906] عن اعتزام سلطات الاحتلال تنفيذ حكم الاعدام في بعض أبناء دنشواي. وفي اليوم نفسه الذي شهد تنفيذ أحكام الاعدام كتبت "المؤيد" أنه قد تمت تجربة المشنقة في مخازن البوليس كل هذا قبل أن تجتمع المحكمة. وقبل أن تصدر أحكامها.
وفدت أنباء المعركة إلي قصر الدوبارة. وأمر اللورد كرومر بتعيين الهلباوي في وظيفة المدعي العام. وتشكيل محكمة خاصة تضع في اعتبارها وأحكامها "الا يراق دم إنجليزي بسهولة وبساطة" وكانت تلك المحاكمة استمراراً في سياسة كرومر التي جري عليها في أواخر عهده. والتي تنهض أساساً علي عدم الاكتراث بالرأي العام المصري. وازدرائه. ورميه بالتعصب والغفلة. والتأكيد بأن حكم مصر لن يصبح- بزيادة نفوذ الجاليات الأجنبية0 خالصاً لأهلها.
واللافت في عذراء دنشواي ان البطل الفرد يغيب. ويحل بدلاً منه البطل الجماعة.. الجماعة هي التي تتعرض للظلم. وهي التي تثور وتتحرك. وتواجه العقوبات القاسية أيضاً!
ويشير محمود كامل إلي ان السبب الأول في القبض علي عائلة محفوظ- كما دلت التحقيقات- وكان العدد الأكبر من المتهمين منهم- يرجع إلي عداء قديم بين العمدة السابق لدنشواي محمد الشاذلي ونائب العمدة عمر زايد. وبين حسن علي محفوظ. وعندما صعد حسن محفوظ الذي حاوز الخامسة والسبعين إلي المشنقة. صاح وهو يتجه إلي قريته وبيته وأبنائه بنظرة وداع أخيرة. ودعا الله أن يخرب بيت العمدة ومن عاونه علي الايقاع به. وأن يظلمه كما ظلمه.
يشير الكاتب أيضاً إلي ان الحادثة وقعت بجانب جرن المؤذن محمد عبدالنبي لم يكن شاهدها سوي الضباط الأنجليز أنفسهم وهؤلاء لا يمكن أن يتبينوا وجوه عشرات الأطفال والرجال والنسوة الذين تجمهروا حولهم وألقوا عليهم الطوب أو ضربوهم بالعصي.
محكمة استثنائية
وإذا كان مما يدين الأنجليز بالقطع. أنهم شكلوا محكمة استثنائية. كي يحاكموا فلاحين وادعين- القول للخديو عباس- لم يرتكبوا جرماً إلا الدفاع عن حقوقهم وممتلكاتهم. ولكن جرمهم في ذلك لا يقاس بجرم أولئك المصريين الذين قبلوا بغير اعتراض. الاشتراك في تلك المحكمة. وأباحوا للدولة المحتلة تلك الترضيات التي ما كانت لتجرؤ علي المطالبة بها. لو أنها أحست من جانبهم مقاومة بسيطة. إن الوزراء المصريين لم تبدر منهم مبادرة للتخلص من ذلك الشرف المحزن. شرف محاكمة مواطنيهم. ولم تند عن شفاههم كلمة طيبة واحدة.
ومن المنطلق ذاته الذي أملي علي يعقوب صروف روايتيه فتاة مصر وفتاة الفيوم. كتب عبدالحليم دلاور محاولته الروائية دنشواي. "عبدالحليم دلاور: دنشواي- علي نفقة محمود توفيق الكتبي بالأزهر 1906. وقد علمت من يحيي حقي ان الكاتب كان من حاشية الخديو. ثم عمل موظفاً بوزارة الأوقاف". واذا كان إرضاء كل الاطراف هو الهدف الغريب ليوسف صبري في روايته عذراء الثورة العرابية. فان إدانة الشعب المصري. والدفاع عن وجهة النظر الاحتلالية هو هدف عبدالحليم دلاور في دنشواي.
صدرت الرواية في 20 يوليو 1906. بعد انقضاء حوالي الشهر من وقوع الحادثة ويقول المؤلف ان القصد من وضع روايته لم يكن "إلا التفكه بمطالعتها وقت الخلو من العمل. وليس لباعث سياسي يحرك مكامن القراء. ويوقظ في قلوبهم مرامي الهيجة. كما خاض البعض [هل يقصد محمود طاهر حقي؟] في بحار السياسة. فجمع روايته [إذن. هو يقصد محمود طاهر حقي!] علي مبدأ يخالفني تماماً. والفرق بين خطتي والخطة التي سلكها بعيد بمراحل شاسعة. ولهذا السبب قد غيرت الأسماء التي رددتها الجراند مرارا عديدة في حادثة دنشواي.
أقرب وثيقة
فإذا تجاوزنا خيوط الافتعال التي حاول بها الكاتب أن ينسج عملاً فنياً. فان دنشواي أقرب إلي وثيقة عمالة من كاتبها. مقابلاً لرأي عام وطني وعالمي. ساندته. وأيدت مواقفه شخصيات وهيئات إنجليزية مسئولة- برناردشو العظيم مثلاً!- واضطر الحكومة البريطانية لأن تنهي مهمة اللورد كرومر في القاهرة. كما تحولت الحادثة إلي رغبة في الثأر تنتظر فرصة التحقيق. وهو ما تحقق بالفعل في ثورة .1919
وعلي الرغم من ان الحادثة كانت- في واقعها- "صناعة إنجليزية". فان الكاتب يؤكد أن فلاحي دنشواي كانوا السبب فيما حدث. وأنهم قد دبروا الاعتداء علي الضباط البريطانيين. بتحريض من مصطفي. ذلك الذي جعله تجسيداً للشر ومازالوا في جهلهم يعمهون. وخيل لهم أنهم وزراء حول ملك يشير عليهم بالقتال. ويتابعونه علي إتمام أغراضه. وفاتهم أنهم بمناشبتهم العداوة. يغرفون في بحار الضلالة.
كانت مذبحة دنشواي نقطة تحول في تاريخ العلاقات المصرية البريطانية. بل ان ذلك اليوم المأساوي في دنشواي مهد الطريق لقيام الفلاحين بدور مهم ومؤثر في بدايات
ثورة 1919م.
دنشواي بين حقي ودلاور
أصيب ضابط إنجليزي بضربة شمس فأعدموا الفلاحين
كيف فرضت السياسة نفسها في اختلاف الرؤية الأدبية؟
بقلم: محمد جبريل
................
كانت حادثة دنشواي [13 يونيو 1906] التي أعدم فيها بعض الفلاحين. بتهمة قتل ضابط إنجليزي. أصيب بضربة شمس. وأرسلت المشانق إلي دنشواي من قبل أن تبدأ المحاكمة. كانت هذه الحادثة بمثابة الهزة العنيفة لصحوة هائلة. شملت أبناء الأمة جميعاً. بل إنها أضحت دافعاً قوياً للثورة الشعبية الهائلة في عام .1919 وقد عرض غالبية المؤرخين لحادثة دنشواي علي أنها حادثة ضباط إنجليز خرجوا للصيد. فأحرقوا جرناً. وحدث ما حدث. لكن قيمة رواية عذراء دنشواي [صدرت الطبعة الأولي في يوليو 1909]- كما يقول يحيي حقي- أن مؤلفها لم يصطنع أشخاصه اصطناعاً. بل أخذهم بأسمائهم ومواطنهم ومهنهم من واقع الحياة..
محمود طاهر حقي لا يقف عند الوقائع الظاهرة دافعاً لكل ما حدث. لكنه يفتش عن المسببات الفعلية لها. مع اعترافه بأنه لم يضع كل الحقيقة. لأنه- كما يقول في المقدمة- خشي علي نفسه من البطش. وبرغم هذا. فإنه لم يحدث- كما يقول حقي- ان أقبل الناس علي قراءة رواية ما مثل إقبالهم علي قراءة "عذراء دنشواي". لا لأنها عرفت كيف تركب موجة الانفعال الشعبي. بل لأنها عرفت أيضاً- بالغريزة والسليقة- كيف تصب حادثة دنشواي في قالب فيه من الفن القصصي أنفاسه. إن لم يكن عطره كله. احتضنها جيله. واحتضنها الجيل الذي يليه".
عذراء دنشواي تستمد قيمتها من تفوقها الفني. بالقياس إلي الأعمال السابقة لها. بالاضافة إلي اقترابها الحميم- وهذا هو السبب الأهم- من المشكلات الآنية للمجتمع. لكن الارهاصات في علم الدين لعلي مبارك. ولوحات النديم. وليالي سطيح لحافظ ابراهيم. وليالي الروح الحائر لمحمد لطفي جمعة. وزينب لمحمد حسين هيكل. وغيرها. كما أضافت ترجمات السباعي والمنفلوطي والزيات والجميل والمازني لابداعات كبار الروائيين الأوروبيين.. أضافت تلك الترجمات إلي فن الرواية المصرية من خلال أصول الرواية في أوروبا.
محاولة رائدة
لقد ظلم النقاد عذراء دنشواي. حين اعتبروا زينب فاتحة الفن الروائي المصري. ذهب يحيي حقي إلي ذلك الرأي. فتلقف النقاد رأيه- في سلفية لا نحسد عليها!- وانتقت كل الاجتهادات التي تري في زينب رواية تلي عذراء دنشواي باعتبارها محاولة رائدة.
ومع ان يحيي حقي قد عدل عن رأيه في فجر القصة المصرية. وأكد- في حوار صحفي- أنه أخطأ في نسبة الريادة إلي زينب. وأن عذراء دنشواي هي الأجدر بالتسمية. فمازلنا نقرأ اجتهادات سلفية تؤكد ان زينب هي "الرواية العربية التي يعتبرها النقاد بالاجماع- أو يكاد- باكورة الرواية العربية الفنية".
الطريف- والمؤسف- ان أحد النقاد نسب إلي نفسه- فيما بعد- ببساطة. اجتهادنا الذي أقره أستاذنا يحيي حقي. ووافق علي نتائجه قبل أن ينشر الناقد مقالته بأكثر من عشرين عاماً. وذهب الناقد إلي أن زينب تحولت إلي أداة تقييم خاطيء. لأننا نقيس بها ما تلاها من أعمال. بينما لو اعتمدنا عذراء دنشواي لاختلفت النتائج" "الأهرام 7/12/1988".
لم تكن الحادثة وليدة ذاتها. ولا كان مبعث ثورة أبناء دنشواي إصابة فردية. أو احتراق جرن. وإنما جذور الحادثة مغروسة في أرض دنشواي لسنوات طويلة من العنف واللامبالاة والعبث بكل القيم. بل ان حادثة دنشواي لم تكن الأولي من نوعها. سبقها أكثر من صدام بين الفلاحين من ناحية. وبين سلطات الاحتلال وجهات الادارة من ناحية ثانية. حتي أنشئت المحكمة المخصوصة عام 1895- قبل حادثة دنشواي بسنوات- لمحاكمة المصريين الذين يعتدون علي ضباط وجنود جيش الاحتلال.
إن محمد زهران يشكو إلي العمدة ما حدث. فيقسم له العمدة بأنه سيأتي له بتعويض عن الحمام الذي اصطاده الإنجليز. ويكتفي العمدة بالقسم دون محاولة لتنفيذ وعده. وعندما يهم الضباط الإنجليز ببدء رحلتهم. يري أحدهم وجوب أخذ تصريح من القائد. لكن رفاقه يسخفون رأيه. لا لوداعة ولين في طبيعة المصريين. بل لضعف وجبن وتملق من شعب غريب الأخلاق. ولا يفوت الفنان ان يصف الكابتن بول بأن الضعف يظهر علي ملامحه. وثمة عوامل تخللت سطور القصة. كانت- في مجموعها- قواماً للحادثة.
محاكمة ظالمة
يلوذ الكابتن بول بالفرار. بعد ان تشج رأسه طوبة. ثم يبلغ الحدث ذروته بموت بول. ثم المحاكمة الظالمة. وأحكام الاعدام التي أعدت المشانق قبل النطق بها. فقد أحيطت القرية برجال البوليس لمنع الأهالي من الخروج. وأوقف العمدة والخفراء. وحل بدلاً منهم خفراء من القاهرة. وألقي القبض علي كل من اشتبه فيه. فبلغ عدد المقبوض عليهم 250 شخصاً.
كشفت "المقطم" [19/6/1906] عن اعتزام سلطات الاحتلال تنفيذ حكم الاعدام في بعض أبناء دنشواي. وفي اليوم نفسه الذي شهد تنفيذ أحكام الاعدام كتبت "المؤيد" أنه قد تمت تجربة المشنقة في مخازن البوليس كل هذا قبل أن تجتمع المحكمة. وقبل أن تصدر أحكامها.
وفدت أنباء المعركة إلي قصر الدوبارة. وأمر اللورد كرومر بتعيين الهلباوي في وظيفة المدعي العام. وتشكيل محكمة خاصة تضع في اعتبارها وأحكامها "الا يراق دم إنجليزي بسهولة وبساطة" وكانت تلك المحاكمة استمراراً في سياسة كرومر التي جري عليها في أواخر عهده. والتي تنهض أساساً علي عدم الاكتراث بالرأي العام المصري. وازدرائه. ورميه بالتعصب والغفلة. والتأكيد بأن حكم مصر لن يصبح- بزيادة نفوذ الجاليات الأجنبية0 خالصاً لأهلها.
واللافت في عذراء دنشواي ان البطل الفرد يغيب. ويحل بدلاً منه البطل الجماعة.. الجماعة هي التي تتعرض للظلم. وهي التي تثور وتتحرك. وتواجه العقوبات القاسية أيضاً!
ويشير محمود كامل إلي ان السبب الأول في القبض علي عائلة محفوظ- كما دلت التحقيقات- وكان العدد الأكبر من المتهمين منهم- يرجع إلي عداء قديم بين العمدة السابق لدنشواي محمد الشاذلي ونائب العمدة عمر زايد. وبين حسن علي محفوظ. وعندما صعد حسن محفوظ الذي حاوز الخامسة والسبعين إلي المشنقة. صاح وهو يتجه إلي قريته وبيته وأبنائه بنظرة وداع أخيرة. ودعا الله أن يخرب بيت العمدة ومن عاونه علي الايقاع به. وأن يظلمه كما ظلمه.
يشير الكاتب أيضاً إلي ان الحادثة وقعت بجانب جرن المؤذن محمد عبدالنبي لم يكن شاهدها سوي الضباط الأنجليز أنفسهم وهؤلاء لا يمكن أن يتبينوا وجوه عشرات الأطفال والرجال والنسوة الذين تجمهروا حولهم وألقوا عليهم الطوب أو ضربوهم بالعصي.
محكمة استثنائية
وإذا كان مما يدين الأنجليز بالقطع. أنهم شكلوا محكمة استثنائية. كي يحاكموا فلاحين وادعين- القول للخديو عباس- لم يرتكبوا جرماً إلا الدفاع عن حقوقهم وممتلكاتهم. ولكن جرمهم في ذلك لا يقاس بجرم أولئك المصريين الذين قبلوا بغير اعتراض. الاشتراك في تلك المحكمة. وأباحوا للدولة المحتلة تلك الترضيات التي ما كانت لتجرؤ علي المطالبة بها. لو أنها أحست من جانبهم مقاومة بسيطة. إن الوزراء المصريين لم تبدر منهم مبادرة للتخلص من ذلك الشرف المحزن. شرف محاكمة مواطنيهم. ولم تند عن شفاههم كلمة طيبة واحدة.
ومن المنطلق ذاته الذي أملي علي يعقوب صروف روايتيه فتاة مصر وفتاة الفيوم. كتب عبدالحليم دلاور محاولته الروائية دنشواي. "عبدالحليم دلاور: دنشواي- علي نفقة محمود توفيق الكتبي بالأزهر 1906. وقد علمت من يحيي حقي ان الكاتب كان من حاشية الخديو. ثم عمل موظفاً بوزارة الأوقاف". واذا كان إرضاء كل الاطراف هو الهدف الغريب ليوسف صبري في روايته عذراء الثورة العرابية. فان إدانة الشعب المصري. والدفاع عن وجهة النظر الاحتلالية هو هدف عبدالحليم دلاور في دنشواي.
صدرت الرواية في 20 يوليو 1906. بعد انقضاء حوالي الشهر من وقوع الحادثة ويقول المؤلف ان القصد من وضع روايته لم يكن "إلا التفكه بمطالعتها وقت الخلو من العمل. وليس لباعث سياسي يحرك مكامن القراء. ويوقظ في قلوبهم مرامي الهيجة. كما خاض البعض [هل يقصد محمود طاهر حقي؟] في بحار السياسة. فجمع روايته [إذن. هو يقصد محمود طاهر حقي!] علي مبدأ يخالفني تماماً. والفرق بين خطتي والخطة التي سلكها بعيد بمراحل شاسعة. ولهذا السبب قد غيرت الأسماء التي رددتها الجراند مرارا عديدة في حادثة دنشواي.
أقرب وثيقة
فإذا تجاوزنا خيوط الافتعال التي حاول بها الكاتب أن ينسج عملاً فنياً. فان دنشواي أقرب إلي وثيقة عمالة من كاتبها. مقابلاً لرأي عام وطني وعالمي. ساندته. وأيدت مواقفه شخصيات وهيئات إنجليزية مسئولة- برناردشو العظيم مثلاً!- واضطر الحكومة البريطانية لأن تنهي مهمة اللورد كرومر في القاهرة. كما تحولت الحادثة إلي رغبة في الثأر تنتظر فرصة التحقيق. وهو ما تحقق بالفعل في ثورة .1919
وعلي الرغم من ان الحادثة كانت- في واقعها- "صناعة إنجليزية". فان الكاتب يؤكد أن فلاحي دنشواي كانوا السبب فيما حدث. وأنهم قد دبروا الاعتداء علي الضباط البريطانيين. بتحريض من مصطفي. ذلك الذي جعله تجسيداً للشر ومازالوا في جهلهم يعمهون. وخيل لهم أنهم وزراء حول ملك يشير عليهم بالقتال. ويتابعونه علي إتمام أغراضه. وفاتهم أنهم بمناشبتهم العداوة. يغرفون في بحار الضلالة.
كانت مذبحة دنشواي نقطة تحول في تاريخ العلاقات المصرية البريطانية. بل ان ذلك اليوم المأساوي في دنشواي مهد الطريق لقيام الفلاحين بدور مهم ومؤثر في بدايات
ثورة 1919م.
تعليق