الروائي محمد جبريل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #16
    في ذكراها المئوية
    دنشواي بين حقي ودلاور
    أصيب ضابط إنجليزي بضربة شمس فأعدموا الفلاحين
    كيف فرضت السياسة نفسها في اختلاف الرؤية الأدبية؟

    بقلم: محمد جبريل
    ................

    كانت حادثة دنشواي [13 يونيو 1906] التي أعدم فيها بعض الفلاحين. بتهمة قتل ضابط إنجليزي. أصيب بضربة شمس. وأرسلت المشانق إلي دنشواي من قبل أن تبدأ المحاكمة. كانت هذه الحادثة بمثابة الهزة العنيفة لصحوة هائلة. شملت أبناء الأمة جميعاً. بل إنها أضحت دافعاً قوياً للثورة الشعبية الهائلة في عام .1919 وقد عرض غالبية المؤرخين لحادثة دنشواي علي أنها حادثة ضباط إنجليز خرجوا للصيد. فأحرقوا جرناً. وحدث ما حدث. لكن قيمة رواية عذراء دنشواي [صدرت الطبعة الأولي في يوليو 1909]- كما يقول يحيي حقي- أن مؤلفها لم يصطنع أشخاصه اصطناعاً. بل أخذهم بأسمائهم ومواطنهم ومهنهم من واقع الحياة..
    محمود طاهر حقي لا يقف عند الوقائع الظاهرة دافعاً لكل ما حدث. لكنه يفتش عن المسببات الفعلية لها. مع اعترافه بأنه لم يضع كل الحقيقة. لأنه- كما يقول في المقدمة- خشي علي نفسه من البطش. وبرغم هذا. فإنه لم يحدث- كما يقول حقي- ان أقبل الناس علي قراءة رواية ما مثل إقبالهم علي قراءة "عذراء دنشواي". لا لأنها عرفت كيف تركب موجة الانفعال الشعبي. بل لأنها عرفت أيضاً- بالغريزة والسليقة- كيف تصب حادثة دنشواي في قالب فيه من الفن القصصي أنفاسه. إن لم يكن عطره كله. احتضنها جيله. واحتضنها الجيل الذي يليه".
    عذراء دنشواي تستمد قيمتها من تفوقها الفني. بالقياس إلي الأعمال السابقة لها. بالاضافة إلي اقترابها الحميم- وهذا هو السبب الأهم- من المشكلات الآنية للمجتمع. لكن الارهاصات في علم الدين لعلي مبارك. ولوحات النديم. وليالي سطيح لحافظ ابراهيم. وليالي الروح الحائر لمحمد لطفي جمعة. وزينب لمحمد حسين هيكل. وغيرها. كما أضافت ترجمات السباعي والمنفلوطي والزيات والجميل والمازني لابداعات كبار الروائيين الأوروبيين.. أضافت تلك الترجمات إلي فن الرواية المصرية من خلال أصول الرواية في أوروبا.
    محاولة رائدة
    لقد ظلم النقاد عذراء دنشواي. حين اعتبروا زينب فاتحة الفن الروائي المصري. ذهب يحيي حقي إلي ذلك الرأي. فتلقف النقاد رأيه- في سلفية لا نحسد عليها!- وانتقت كل الاجتهادات التي تري في زينب رواية تلي عذراء دنشواي باعتبارها محاولة رائدة.
    ومع ان يحيي حقي قد عدل عن رأيه في فجر القصة المصرية. وأكد- في حوار صحفي- أنه أخطأ في نسبة الريادة إلي زينب. وأن عذراء دنشواي هي الأجدر بالتسمية. فمازلنا نقرأ اجتهادات سلفية تؤكد ان زينب هي "الرواية العربية التي يعتبرها النقاد بالاجماع- أو يكاد- باكورة الرواية العربية الفنية".
    الطريف- والمؤسف- ان أحد النقاد نسب إلي نفسه- فيما بعد- ببساطة. اجتهادنا الذي أقره أستاذنا يحيي حقي. ووافق علي نتائجه قبل أن ينشر الناقد مقالته بأكثر من عشرين عاماً. وذهب الناقد إلي أن زينب تحولت إلي أداة تقييم خاطيء. لأننا نقيس بها ما تلاها من أعمال. بينما لو اعتمدنا عذراء دنشواي لاختلفت النتائج" "الأهرام 7/12/1988".
    لم تكن الحادثة وليدة ذاتها. ولا كان مبعث ثورة أبناء دنشواي إصابة فردية. أو احتراق جرن. وإنما جذور الحادثة مغروسة في أرض دنشواي لسنوات طويلة من العنف واللامبالاة والعبث بكل القيم. بل ان حادثة دنشواي لم تكن الأولي من نوعها. سبقها أكثر من صدام بين الفلاحين من ناحية. وبين سلطات الاحتلال وجهات الادارة من ناحية ثانية. حتي أنشئت المحكمة المخصوصة عام 1895- قبل حادثة دنشواي بسنوات- لمحاكمة المصريين الذين يعتدون علي ضباط وجنود جيش الاحتلال.
    إن محمد زهران يشكو إلي العمدة ما حدث. فيقسم له العمدة بأنه سيأتي له بتعويض عن الحمام الذي اصطاده الإنجليز. ويكتفي العمدة بالقسم دون محاولة لتنفيذ وعده. وعندما يهم الضباط الإنجليز ببدء رحلتهم. يري أحدهم وجوب أخذ تصريح من القائد. لكن رفاقه يسخفون رأيه. لا لوداعة ولين في طبيعة المصريين. بل لضعف وجبن وتملق من شعب غريب الأخلاق. ولا يفوت الفنان ان يصف الكابتن بول بأن الضعف يظهر علي ملامحه. وثمة عوامل تخللت سطور القصة. كانت- في مجموعها- قواماً للحادثة.
    محاكمة ظالمة
    يلوذ الكابتن بول بالفرار. بعد ان تشج رأسه طوبة. ثم يبلغ الحدث ذروته بموت بول. ثم المحاكمة الظالمة. وأحكام الاعدام التي أعدت المشانق قبل النطق بها. فقد أحيطت القرية برجال البوليس لمنع الأهالي من الخروج. وأوقف العمدة والخفراء. وحل بدلاً منهم خفراء من القاهرة. وألقي القبض علي كل من اشتبه فيه. فبلغ عدد المقبوض عليهم 250 شخصاً.
    كشفت "المقطم" [19/6/1906] عن اعتزام سلطات الاحتلال تنفيذ حكم الاعدام في بعض أبناء دنشواي. وفي اليوم نفسه الذي شهد تنفيذ أحكام الاعدام كتبت "المؤيد" أنه قد تمت تجربة المشنقة في مخازن البوليس كل هذا قبل أن تجتمع المحكمة. وقبل أن تصدر أحكامها.
    وفدت أنباء المعركة إلي قصر الدوبارة. وأمر اللورد كرومر بتعيين الهلباوي في وظيفة المدعي العام. وتشكيل محكمة خاصة تضع في اعتبارها وأحكامها "الا يراق دم إنجليزي بسهولة وبساطة" وكانت تلك المحاكمة استمراراً في سياسة كرومر التي جري عليها في أواخر عهده. والتي تنهض أساساً علي عدم الاكتراث بالرأي العام المصري. وازدرائه. ورميه بالتعصب والغفلة. والتأكيد بأن حكم مصر لن يصبح- بزيادة نفوذ الجاليات الأجنبية0 خالصاً لأهلها.
    واللافت في عذراء دنشواي ان البطل الفرد يغيب. ويحل بدلاً منه البطل الجماعة.. الجماعة هي التي تتعرض للظلم. وهي التي تثور وتتحرك. وتواجه العقوبات القاسية أيضاً!
    ويشير محمود كامل إلي ان السبب الأول في القبض علي عائلة محفوظ- كما دلت التحقيقات- وكان العدد الأكبر من المتهمين منهم- يرجع إلي عداء قديم بين العمدة السابق لدنشواي محمد الشاذلي ونائب العمدة عمر زايد. وبين حسن علي محفوظ. وعندما صعد حسن محفوظ الذي حاوز الخامسة والسبعين إلي المشنقة. صاح وهو يتجه إلي قريته وبيته وأبنائه بنظرة وداع أخيرة. ودعا الله أن يخرب بيت العمدة ومن عاونه علي الايقاع به. وأن يظلمه كما ظلمه.
    يشير الكاتب أيضاً إلي ان الحادثة وقعت بجانب جرن المؤذن محمد عبدالنبي لم يكن شاهدها سوي الضباط الأنجليز أنفسهم وهؤلاء لا يمكن أن يتبينوا وجوه عشرات الأطفال والرجال والنسوة الذين تجمهروا حولهم وألقوا عليهم الطوب أو ضربوهم بالعصي.
    محكمة استثنائية
    وإذا كان مما يدين الأنجليز بالقطع. أنهم شكلوا محكمة استثنائية. كي يحاكموا فلاحين وادعين- القول للخديو عباس- لم يرتكبوا جرماً إلا الدفاع عن حقوقهم وممتلكاتهم. ولكن جرمهم في ذلك لا يقاس بجرم أولئك المصريين الذين قبلوا بغير اعتراض. الاشتراك في تلك المحكمة. وأباحوا للدولة المحتلة تلك الترضيات التي ما كانت لتجرؤ علي المطالبة بها. لو أنها أحست من جانبهم مقاومة بسيطة. إن الوزراء المصريين لم تبدر منهم مبادرة للتخلص من ذلك الشرف المحزن. شرف محاكمة مواطنيهم. ولم تند عن شفاههم كلمة طيبة واحدة.
    ومن المنطلق ذاته الذي أملي علي يعقوب صروف روايتيه فتاة مصر وفتاة الفيوم. كتب عبدالحليم دلاور محاولته الروائية دنشواي. "عبدالحليم دلاور: دنشواي- علي نفقة محمود توفيق الكتبي بالأزهر 1906. وقد علمت من يحيي حقي ان الكاتب كان من حاشية الخديو. ثم عمل موظفاً بوزارة الأوقاف". واذا كان إرضاء كل الاطراف هو الهدف الغريب ليوسف صبري في روايته عذراء الثورة العرابية. فان إدانة الشعب المصري. والدفاع عن وجهة النظر الاحتلالية هو هدف عبدالحليم دلاور في دنشواي.
    صدرت الرواية في 20 يوليو 1906. بعد انقضاء حوالي الشهر من وقوع الحادثة ويقول المؤلف ان القصد من وضع روايته لم يكن "إلا التفكه بمطالعتها وقت الخلو من العمل. وليس لباعث سياسي يحرك مكامن القراء. ويوقظ في قلوبهم مرامي الهيجة. كما خاض البعض [هل يقصد محمود طاهر حقي؟] في بحار السياسة. فجمع روايته [إذن. هو يقصد محمود طاهر حقي!] علي مبدأ يخالفني تماماً. والفرق بين خطتي والخطة التي سلكها بعيد بمراحل شاسعة. ولهذا السبب قد غيرت الأسماء التي رددتها الجراند مرارا عديدة في حادثة دنشواي.
    أقرب وثيقة
    فإذا تجاوزنا خيوط الافتعال التي حاول بها الكاتب أن ينسج عملاً فنياً. فان دنشواي أقرب إلي وثيقة عمالة من كاتبها. مقابلاً لرأي عام وطني وعالمي. ساندته. وأيدت مواقفه شخصيات وهيئات إنجليزية مسئولة- برناردشو العظيم مثلاً!- واضطر الحكومة البريطانية لأن تنهي مهمة اللورد كرومر في القاهرة. كما تحولت الحادثة إلي رغبة في الثأر تنتظر فرصة التحقيق. وهو ما تحقق بالفعل في ثورة .1919
    وعلي الرغم من ان الحادثة كانت- في واقعها- "صناعة إنجليزية". فان الكاتب يؤكد أن فلاحي دنشواي كانوا السبب فيما حدث. وأنهم قد دبروا الاعتداء علي الضباط البريطانيين. بتحريض من مصطفي. ذلك الذي جعله تجسيداً للشر ومازالوا في جهلهم يعمهون. وخيل لهم أنهم وزراء حول ملك يشير عليهم بالقتال. ويتابعونه علي إتمام أغراضه. وفاتهم أنهم بمناشبتهم العداوة. يغرفون في بحار الضلالة.
    كانت مذبحة دنشواي نقطة تحول في تاريخ العلاقات المصرية البريطانية. بل ان ذلك اليوم المأساوي في دنشواي مهد الطريق لقيام الفلاحين بدور مهم ومؤثر في بدايات
    ثورة 1919م.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #17
      رسام الضوء

      شعر: د.حسن فتح الباب
      ....................

      (إلى الصديق الكاتب الروائي الكبير محمد جبريل)
      هذا الملاح الجواب الآفاق
      لا يرسو فى مرفأ
      ليس يقر على جبل
      أو يسبح فى فلك واحد
      يمضى العمر جموحا
      كجواد أسطورى
      أو طير مبهور بالضوء
      فوق ضفاف الكلمة
      الحرف لديه ينبوع لا ينضب
      نغم من يتوهج
      قلب يتهدج
      يبحث عن سر مكنون
      فى أعماق الكون.. النفس
      الزمن الدوار
      مسكونا بالحب الأول
      عشق الأم
      أول ما فتح العينين عليها
      أم الدنيا
      هى عالمه المفعم بالعشق وبالثورة
      بالبهجة والحزن
      بالحلم وبالمأساة
      يكونها وتكونه
      يتكتم حينا أوجاع القلب
      وحينا ينثرها
      فوق الأمكنة.. الأزمنة
      يوزعها بين الأوجه والأسماء
      أتراه لا يدرى
      منذ تلظى بلهيب الوجد
      أن الإمساك بغصن الوطن متاهة
      ضرب فى المجهول ؟
      أم يدرى أن الغصن شعاع
      مخبوء فى ظلمات الأرض..
      البحر.. الآفاق
      وعليه أن يطلعه
      لتكون الشمس.. تكون الشجرة
      (من أوراق المتنبى)
      و(رباعية بحرى)
      حدث فى (أيام الأنفوشى)
      حيث السمان يعشش سربا سربا
      كالغربان السوداء
      وملايين الأعين والأنفاس تراقبه
      يحتل الدور ويغشى الشرفات
      وعلى حين فجاءة
      ينبثق الوعى الغائب:
      أن الصمت عن الطير الواغل
      يحفر درب الموت
      ومقاومة الشبح الجاثم فوق الأنفاس
      خير طريق للإنسان الصاعد
      فى معراج الغد
      أن يهوذا الأفاق
      يتربص بالآتين
      من أطفال النيل
      من أبناء العرب الأحرار
      أن الصمت عن الوحش الشبح جنون
      ينسج جبريل (الطوفان)
      بأنامل فنان ورعه
      تلمس أعماق الجرح
      عبر حكايات الأجداد
      لتنير دروب العتمة
      و(نبوءة عراف مجهول)
      يرويها قصاص ملهم
      (محفوظ) الستينيات
      أو (ماركيز)
      فى مصر المحروسة
      قيثارة شعر من منثور الروح
      يعزفها فتنة
      ترياقا.. بوحا مشروعا
      يعلن عن حاجته
      أن يولد بين يديه
      وأمام العينين
      كى نتأمل.. بنصر ما يخفى
      مرحى يا رسام الضوء
      حرفك لون الفرحة
      طعم الأيام الجهمه
      والسنوات الخضر
      شرف الإنسان المسكون
      بالحب وبالثورة.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #18
        "الجودرية" النص التاريخي ورهانات التحويل الروائي
        "ملاحظات عامة"

        بقلم: د.وفيق سليطين
        ..................

        تثير رواية "الجودرية لمحمد جبريل أسئلة الاشتباك الروائي بالتاريخ, وتفرض علينا إعادة تأمل العلاقة بين الجانبين من داخل الحدود الخاصة بهذا العمل, الذي يستوي بكيفيات محددة تنهض بها المعالجة الروائية للتاريخ, بحيث يمكن النفاذ من خلالها إلى استخلاص التصورات النظرية والتجريدات الفكرية القانونية المتصلة بهذا المسعى.‏
        أولى الملاحظات تطالعنا بها عبارة الغلاف المثبتة تحت العنوان الأساسي, وهي: "عن تاريخ الجبرتي بتصرف". مما يشير إلى ارتهان الرواية للمرجع, وخضوعها لمادته في إنشاء نفسها عليه. وتأتي كلمة "بتصرف" لتقيّد من حجم ذلك الارتهان, وتخرق منحى المطابقة, في إشارة إلى الجهد الذي ينحو بالعمل ليحقق صفته الروائية. لكنّ "التصرّف" المشار إليه يبقى ضمن الحدود العامة للوثيقة, مراعياً التسلسل الكرنولوجي, وناصّاً على الوقائع الأساسية والمفاصل التاريخية الكبرى لانبثاق الأحداث وتواليها, بما من شأنه أن يشدّ, على نحو لافت, إلى الزمن المرجعي. فالرواية تبدأ بنزول الفرنجة على الشواطىء الشمالية للبلاد في يوم الاثنين الثامن عشر من المحرّم سنة /1213/ من الهجرة النبوية الشريفة الموافق للثالث عشر من يوليو /1798/ من الميلاد, وهم من رجال الإنكليز الذين يترصدون الفرنسيين لقطع الطريق عليهم وإحباط مسعاهم. وانطلاقاً من هذا التحديد الزمني يتوالى السرد الإخباري في تقديم رحلة الجيش الفرنسي, التي بدأت من طولون, وفي طريقها إلى الإسكندرية تمّ الاستيلاء الفرنسي على جزيرة مالطة في الثاني عشر من يونيو /1798/, ثمّ ظهر الجيش الفرنسي أمام سواحل الإسكندرية في أول يوليو من العام نفسه.‏
        وثاني هذه الملاحظات يتصل بشكل الرواية ونهجها في تشييد مبناها, وهو ما يجري اعتماداً على تقسيمها إلى أبواب وفصول, إذ تتم معالجة المادة وفق هذا التقطيع, الذي يوزّع المتن على أحد عشر باباً, يشتمل كلّ منها على عدة فصول, يتفاوت عددها بين باب وآخر, مستجيباً لكتلة الوقائع والأحداث التي تتفاعل وتتنامى وتصل إلى ذروة ما, بحيث تغدو مؤطرة في باب واجد يشتمل على عدد من الفصول. ويبدو الباب, في تقنية التقسيم هذه, علامة على الفصل والوصل في حدوده الزمنية والحديثة التي يُسيِّج بها المادة, ويؤذن بتحولها النوعي في الباب التالي, الذي يُمكن أن ينعطف بها جيئة وذهاباً على النحو الذي يؤمّن قدراً من الاستقلال, في الوقت الذي يؤدي به وظائف التنامي والحبك والتصعيد.‏
        وفي ذلك ما يحيل على عمل المؤرخ في تعمله مع مادته تنظيماً وتقطعياً, وربطاً وتسلسلاً. وعلى هذا المستوى الهيكلي تتبدّى استجابة الرواية لتقنية المصادر القديمة في التأريخ, وللنهج الذي اختطّه المؤرخون القدماء في مدوّناتهم. وهذا الأثر الذي ينسرب إلى هنا, ويلقي بطابعه على جسم الرواية, لا يخلو من دلالة على ترشيح عناصر القوة المهيمنة في المعادلة التي نحن بصددها, وهي التي تأتي حصيلة للتفاعل, وخلاصة للتفاضل في النسب والكيفيات والمقادير من كلا الجانبين, على النحو الذي تترجّح معه الفاعلية النصيّة, التي تترجم حصيلة الاشتباك, وتكشف عن قوى الشدّ أو الاستجابة, وعن مدى المتابعة وإسلاس القياد, أو عن شدّة الأثر وقوة المخض وعمق التحويل.‏
        وحسب هذا التوجّه تكون الملاحظة الثالثة متولّدة عما سبقت الإشارة إليه, ومعها نلمح قدراً من التمايز بين شطري الرواية. ففي القسم الأول منها تحضر المادة التاريخية, وتطفو القرائن المرجعية في نظام تأسيسي يتكفّل بإظهار الوقائع والأجواء والتواريخ والشرائح الطبقية ومظاهر الفسيفساء الاجتماعية في بنيتها المتراتبة وانقساماتها العميقة الحادّة في تلك المرحلة الخاصة من التاريخ الذي تنصبُّ عليه الرواية, وتتخذ منه موضوعاً لها, وهو القسم الذي يهيّئ لما بعده, ويشكّل المهاد الضروري لانطلاقة الفعل الروائي وتضافر عناصره وتفعيل أثره.‏
        وعلى الرغم من أساليب المزاوجة التي تضخ أحد الجانبين في الآخر, وتسهم في تعديل مجراه وكسر حدَّة برزوه, يبقى القسم الأول مجلَّلاً بقوة حضور "التاريخي" وسيطرة مؤشرات المرجع, التي ستتراجع نسبياً في القسم الثاني, تحت الضغط المتصاعد لعناصر البنية الروائية, بخيوطها المتشابكة وحكاياتها الفرعية, التي تشكّل انفراجات سردية, تتنوّع, وتتباعد, وتعود لتندغم في مجرى السرد وإطاره العام. وهنا تتبدّى مقدرة الكاتب على النمذجة, والتمثيل الروائي, وضخّ مظاهر الحيوية في بناء متقن, يزخر بألوان الحياة, ويدفع بنا إلى خضّم المجتمع المصري في ظل الوجود العثماني المتردي, لمعايشة نبضه واحتداماته, ومواجهة صوره وتنوعاته وأجوائه المتوترة وتركيبته الآيلة إلى التحلل, وإلى تفسّخ بنيتها الرثة في ظلّ الحملة الفرنسية التي تنتهي عام /1801/.‏
        وعلى الرغم من ذلك تبقى المساءلة واجبة, روائياً, عن مدى بروز الوثيقة في جوانب العمل على النحو الذي تعيق به إمكانات التحويل الروائي.‏
        ..............
        *جريدة الأسبوع الأدبي ـ العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #19
          حوار مع د.ناصر الأنصاري رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب
          ......... ................................

          د.ناصر الأنصاري: ليس عندنا أزمة في النشر.. هناك بعض المشكلات
          الكتاب المطبوع له قراؤه.. رغم التطور الاليكتروني
          المركز القومي للترجمة.. لن يؤثر علينا بالسلب

          حاوره: محمد جبريل
          ..................

          علي الرغم من تعدد الحلول لمشكلة النشر فإن الأزمة لاتزال قائمة. سواء من خلال القوائم الطويلة في هيئات الدولة. والتي تمتد إلي أكثر من خمس سنوات. أو من خلال تقاضي دور النشر الخاصة مبالغ مرتفعة من المؤلفين مقابلاً لنشر كتبهم. وهو ما اضطر كتاباً مرموقين إلي التنازل عن حقوق نشر كتبهم دون مقابل. بل إن الأديب الكبير إدوار الخراط اتجه بأصبع الإدانة ضد هيئة الكتاب لأنها لم تصدر حتي الآن أعماله الكاملة.
          ونسأل د.ناصر الأنصاري رئيس هيئة الكتاب: من وجهة نظرك كمثقف. ما الحلول الجذرية لأزمة النشر؟
          قال: هناك فرق كبير بين أن تكون هناك أزمة. وأن النشر يعاني بعض المشكلات. أي أن هناك عملاً يجب أن يقيم. بحيث تحل المشكلات. ونحن كمسئولين يجب أن نضع تصورات موضوعية لحل هذه المشكلات. وإن كنت لا أوافق علي القول إن هناك أزمة.
          هناك مشكلات في التوزيع. لدينا شركتان فقط تحتكران التوزيع. ومعظم دور النشر ليس لديها مكتبات. فهي تنتظر معرض الكتاب من العام إلي العام كي تعرض إصداراتها علي الجمهور. الشيء نفسه علي المستوي العربي. مع أن لدينا ميزة لا نحسن استغلالها. وهي أن 22 دولة تتكلم لغة واحدة هي اللغة العربية. بالإضافة طبعاً إلي الناطقين بلغتنا الجميلة وهم كثرة في أرجاء العالم. لكن كتب الوطن العربي لا تباع للأسف في مصر. والعكس صحيح. هذه واحدة من المشكلات التي يمكن أن نجد لها حلاً. وإن كان هذا لا يعني أن نطلق عليها تعبير أزمة.
          قلنا: ما رأيك في دور النشر الخاصة التي تحصل علي ثمن النشر بدلا منا دفع مكافأة للمؤلف؟
          قال: هذه ظاهرة فريدة. لكنها ليست منتشرة. وأنا لا أدري لماذا يلجأ الكاتب إلي ناشر كهذا؟!
          قلنا: لأن منافذ النشر غير متاحة
          قال: لدينا نظام عمل معروف للجميع. عند نشر العمل يوضع عقد. ويحصل المؤلف علي مكافأته. هل يوجد كاتب يحترم عمله ويرضي بالتنازل عن حقه؟!
          حق المؤلف
          قلنا: هناك الشباب.
          قال: لا أعتقد. فلدينا سلاسل لإبداع الشباب. صحيح أن هناك ضغطاً في النشر. لكن الذي يستحق النشر هو الذي ينشر. قد يلجأ مؤلف رفض عمله إلي هذا الأسلوب. ولكن هناك دور نشر محترمة تعرف حق المؤلف. وتحرص علي أن ينال هذا الحق. وأحدثت بالفعل طفرة في نشر الكتب.
          قلنا: سلسلة الجوائز من إنجازات الهيئة.. لكن أي جوائز.. ألا تري أن بعض ما نشر دون المستوي؟
          قال: نحن نقصد الجوائز العربية والعالمية. بالإضافة إلي الجوائز المصرية. وفي مقدمة الضوابط أن يكون المطبوع حاصلاً علي جائزة كبري معروفة في مصر. وجوائز الدولة لا غبار عليها لأنها تصدر عن المجلس الأعلي للثقافة. كما أخذنا من جائزة أبها وجائزة سلطان العويس. لكن يبقي التركيز علي الجوائز العالمية. أخذنا من جائزة نوبل. ثم جوائز الدول مثل فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة. وسوف نلجأ إلي دول أخري ذات ثقل ثقافي معروف.
          مكتبة الأسرة
          قلنا: ما الجديد في مشروع مكتبة الأسرة هذا العام؟
          قال: لم تجتمع اللجنة التي تضع الأسس والخطوط الرئيسية. ثم يبدأ التنفيذ. وأذكر أننا قدمنا في العام الماضي شيئاً جديداً لم تلتفت إليه الصحافة. وهو أن جميع مطبوعات مكتبة الأسرة اعتمدت في أغلفتها علي أهم الأعمال الفنية لعدد كبير من الفنانين التشكيليين. من جميع الاتجاهات والأعمار. كما أننا قدمنا إلي جانب النص الأدبي تعريفاً بالفنان التشكيلي.
          قلنا: ما أثير حول مجلة "إبداع" في الفترة الأخيرة يجعلنا نسأل: من الذي يشرف بصورة فعلية علي المجلات التي تصدرها الهيئة؟
          قال: بالطبع أسرة التحرير. ولها حرية. لكنها حرية مقيدة. فالمجلة تصدر عن هيئة الكتاب المصرية المعنية بالنشر في مصر. هناك سياسة خاصة بالنشر داخل الهيئة. بالنسبة للمجلات والدوريات التي تصدرها. وأي دار نشر لها سياسة تخضع لها المطبوعات التي تصدرها. لابد من معايير لتحقيق أهداف بعينها. ولابد أن تترجم هذه الأهداف إلي سياسات. وكل ناشر يراجع دائماً سياساته. ومدي تحقيق أهدافه.
          مجلات
          قلنا: ألا تلحظ أن هناك توقفاً للكثير من مجلات الهيئة؟
          قال: بالعكس. فصول تصدر بانتظام بعد أن توقفت في فترة سابقة. وعادت إبداع. ونعد للعدد الجديد من عالم الكتب. وهناك مجلة ترصد الكتب التي تصدر داخل مصر وخارجها. وأن أشرف عليها إلي الآن. هناك أيضاً مجلة العلم والحياة. أريد أن أعيدها بطريقة أفضل من خلال تعاون مشترك بينها وبين المجلات العلمية في العالم كله. وبالنسبة لمجلة الفنون الشعبية. فقد اتفقت مع د.أحمد مرسي علي أن يشرك جمعية الفنون الشعبية في التكلفة. كي نوفر علي القارئ عبء السعر.
          قلنا: سمعنا كثيراً عن تعاون الهيئة مع هيئات ومؤسسات عالمية؟
          قال: نحن نرحب بأي تعاون. ونسعي إليه. لكن لم يعرض علينا حتي الآن شيء جاد. أنا مع التعاون العربي بالكامل. وأفكر فيه دائماً. وقد بدأنا بالمعرض العربي بالإسكندرية في العام الماضي. وسنعيده هذا العام.
          قلنا: هل سينشأ تعاون بين الهيئة ومركز الترجمة؟ وإلي أي مدي؟
          قال: لا مانع بالطبع من قيام تعاون ما. سواء في مجال النشر أو الطبع أو التوزيع بالنسبة لمشروع الترجمة. هذا التعاون لابد أن يكون موجوداً. أما أن يتأثر دور الهيئة بالنسبة للترجمة. فإني أقولها صراحة: لن يحدث ذلك!
          قلنا: هل تري أن الكتاب الورقي مهدد بالنشر الالكتروني في السنوات المقبلة؟
          قال: الدول الأكثر تقدماً في النشر الالكتروني لم تشعر بأي تأثير أو خطر. وأشك في أن يحدث هذا التأثير بالنسبة للغة العربية في الوقت القريب. الكتاب سيظل الكتاب. فلا يقرأ علي الشاشة. وإذا طبعناه فهي طباعة رديئة إذا ما قورنت بالكتاب الورقي. الكتاب الورقي يقرأ في أي وقت. ونحن تربينا علي أن نلمس الورق. هناك صلة بين الكتاب والقارئ. ولا أعتقد أن الشاشة ستقوم بهذا الدور. بل إني أعتقد أن النشر الالكتروني سيروج للنشر العادي.
          قلنا: بالمناسبة: أين الهيئة في مجال النشر الالكتروني؟
          قال: لدي الهيئة موقع دائماً ما نطوره. وهناك عقود جديدة أعدتها الهيئة وضعت فيها بند النشر الالكتروني. وحق النشر الالكتروني.
          أفضل كتاب
          قلنا: لماذا لا تقدم الهيئة جائزة متميزة لأفضل كتاب نشر خلال العام. علي غرار ما يقدمه اتحاد الناشرين في انجلترا.
          قال: هذه فكرة جيدة. وإن كانت فكرة الجوائز دائماً ما تقابل بالتشكيك والهجوم من جانب من يتقدم ولا يحصل عليها. متناسياً أن المتقدمين كثر. لكن واحداً فقط هو الذي يفوز!
          قلنا: أخيراً. هل أفدت من سنوات عملك في الخارج؟
          قال: الحقيقة أن الخارج هو الذي أفاد من سنوات عملي هنا. والخبرة التي اكتسبتها في مؤسستي الأوبرا وهيئة الوثائق. عند اختياري لمركز العالم العربي بباريس جعلتهم يدركون تماماً مدي خبرتي.
          ..........................................
          *المساء ـ في 5/5/2007م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #20
            من المحرر

            بقلم: محمد جبريل
            ................

            الأدب مجهود فردي.
            حقيقة. وإن حاول كمال الملاخ واسماعيل ولي الدين في السبعينيات ان يجعلا من تأليف العمل الأدبي بروايتهما المشتركة "الاستاذ" عملا ثنائيا. كيف كانا يفكران؟ من الذي كان يكتب؟ من كان يراجع ويضيف اللمسات؟
            أسئلة لا أجد حتي الآن أجوبة لها.
            واذا كانت صورة العمل الفني : فنان يخلو الي فنه وقلمه واوراقه. يحيا في جزيرة تبعد به عن الذي يقاسمه حجرة مكتبه بالمناسبة: يعلن القلم عجزه عن الكتابة اذا تابعت عينان ما احاول كتابته. تثيرني النظرات. اتصور أنها تقتحم عالمي الفني بلا استئذان!
            اقول : اذا كانت صورة الفردية هي قوام العمل الفني. فإن الحياة الادبية بكل ما تشغي به من آراء وافكار ومناقشات هي الارضية التي لابد اكرر : لابد ان يقف. ويتحرك عليها اي عمل فني. تناقشني في محاولاتي. تناقشك في محاولاتك. نعرض للقضايا الأدبية. نتفق ونختلف. نشارك في الندوات. نستمع الي المحاضرات. نشاهد فيلما جيدا. نتابع عملا اذاعيا متميزا. أو مسلسلا تليفزيونيا جعل مؤلفه من الفن هدفا أوليا.
            الحياة الثقافية المتميزة تفضي بالضرورة الي فن متميز. مجرد الغيرة من ان زميلك يكتب. وأنك تكتفي بالحضور الشخصي. دافع لأن تحاول. وان تكتب. الادب الفرنسي مزدهر. والجيل الادبي يكتفي بخمس سنوات. ليظهر جيل آخر. له محاولاته المغايرة التي تضيف جديدا. في الرؤي والتقنيات.
            أدبنا العربي المعاصر تتحيفه الامراض او هذا هو الاتهام الذي يواجهه لان اهله اغلقوا عليه الابواب والنوافذ. ومنعوا الزيارات الخاصة والعامة. يضع الكاتب عمله حتي يتاح له النشر في بوتقة السرية والتكتم يحدده بالمسطرة والمثلث والبرجل. يحرص علي المساحة المتاحة. فلا يجاوزها. يرفض والحكم مسبق محاولات الآخرين. يعتذر عن حضور الندوات والمحاضرات. وينهي كل المناقشات في الاغلب بما يعني: لا احب ذلك!
            لكن الادب العربي في الحقيقة ابعد مايكون عن الظلال. وربما القتامة التي تصر اجتهادات مشبوهة ان تحيطه بها. وهي اجتهادات ليست وافدة من الغرب باعتبار ان ما يأتي من الغرب لايسر القلب. فهي قد تنتسب للاسف الي نحن. الي شعور بالدونية تغيب مبرراته وبواعثه.
            لعل وضع أدبنا العربي في موضعه الصحيح. هو المسئولية الأولي لجابر عصفور في عمله الجديد أمينا عاما للمركز القومي للترجمة.
            ..........................................
            *المساء ـ في 5/5/2007م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #21
              من المحرر

              بقلم: محمد جبريل
              ...............

              الثابت - تاريخيا - ان عنترة كان واحداً من الفرسان الذين يعتز بهم العرب في العصر الجاهلي. ثم أضاف الوجدان الشعبي إلي سيرة حياته. فهو ذلك البطل الذي دافع عن حبه. وعن حقه في الحرية والمساواة. ولم يكن الهلالية - علي حد تعبير عبدالحميد يونس - سوي أهل شغب. قليلا ما يهدون. يقطعون الطريق علي السفر حجاجا وتجاراً ويكرهون النظام أيا كان مصدره والسلب عندهم غنيمة مشروعة تقضي بها خلقيتهم ويقوم عليها مجتمعهم. بحيث صاروا خصوم الدولة النظامية الألداء. أما الظاهر بيبرس فإن بداية التحقق الفعلي لمكانته البطولية حين قتل قائده العظيم المظفر قطز. بعد أن دحر المغول في موقعة عين جالوت. وأما السيد البدوي. فثمة ظلال علي سيرة حياته. تخالف ما ألف الرواة الشعبيون ترديده عن تلك السيرة. ولعلي أذكرك بكتابات محمد فهمي عبداللطيف وسعيد عبدالفتاح عاشور وغيرهما وتقول سجلات الشرطة ان ابن عروس وأدهم الشرقاوي وياسين ومتولي وبهية وغيرهم من الذين وضعهم الوجدان الشعبي في مكانة متفوقة. قد ارتكبوا جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي. كالقتل والسطو والخطف والزنا ومقاومة السلطة.. إلخ.
              فلماذا أسقط الوجدان الشعبي ما يشكل - في حياة هؤلاء - نقاط ضعف - أو سلبيات وبتعبير آخر: كيف يصنع الوجدان الشعبي نموذجه البطولي؟
              السيرة الشعبية والحكاية والرواية التاريخية الشعبية. ليست مجرد رواية ما حدث. وإنما رواية ما كان يجب أن يحدث. أو ما يتمني الوجدان الشعبي أن يحدث من رغبة في تغيير الواقع إلي اصطناع التاريخ الذي يريده. إن كل تلك الأجناس الأدبية والفنية تسجيل شعبي. شفاهي. لحياة الجماعة الشعبية. أضيف إليه. وحذف منه وخضع عموما لرؤية الناس المتجددة والمتغيرة لأحداث تاريخهم. لذلك جاء القول إن الموروث الشعبي نوع من القراءة الشعبية للتاريخ.
              الواقعة التاريخية ليست مقدسة في رواية الوجدان الشعبي. لأن قداسة الواقعة تقتصر علي ما يشغل الوجدان الشعبي هو اثراء الصورة التي يبتدعها خياله. بصرف النظر عن الأحداث والشخصيات.
              والحكاية الشعبية - أو الحدوتة - ينبغي أن تصل إلي النهاية التي يريدها المتلقي. لا يشغله مسار الأحداث. ولا تطوراتها. ولا الحبكة. أو ماذا تريد الحكاية - أو الحدوتة - أن تقول. المهم أن تعود الأمور إلي ما كانت عليه في بداياتها. والنهاية السعيدة مطلوبة في الحكاية الشعبية بعكس ما تقدمه السيرة - الموال كما في ياسين وبهية وأدهم الشرقاوي وشفيقة ومتولي.
              وإذا كانت السيرة الشعبية تتناول - في الأغلب - بطلا تاريخيا حقيقيا. وأحداثا تاريخية حقيقية. فإن الوجدان الشعبي قد أضاف إلي الأبطال الحقيقيين. والأحداث التاريخية الحقيقية. بما أعاد تشكيل البطل. والحدث. علي الصورة التي يريدها. أو يتمناها. بل ان بعض الشخصيات التي قدمتها السير والحكايات الشعبية. يشك في وجودها مثل المهلهل وسيف بن ذي يزن. وذات الهمة وحمزة البهلوان.
              السيرة الشعبية - شأنها شأن التراث الشعبي - يضاف إليها بتوالي الأعوام وتجري تعديلات. حذف واضافة. يساعد علي ذلك ان السيرة الشعبية شاعر أو محدث من جانب. ومتلقون من جانب آخر وعلي الشاعر أو المحدث أن يستجيب إلي رغبات المتلقين في الاطناب أو الايجاز "أو حتي علي الحذف والتبديل في نص القصة" ربما أضافت السيرة شخصيات غير حقيقية وأحداثا لم تقع بالفعل لتحقيق الدلالة التي يستهدفها الوجدان الشعبي من صياغة السيرة أضافتها في توالي العصور. ثمة من يشترط علي كاتب الرواية التاريخية ألا يتصرف في تغيير الحوادث أو الأزمنة التاريخية. لكنه لا يرفض ذلك في السيرة الشعبية. فقد يكون لها أساس تاريخي لكنها تتصرف في الحوادث التاريخية تصرفا واسعا يخضع لظروف رواية السيرة أو الحكاية أو الوقائع التاريخية. وبتعبير آخر فإن السيرة الشعبية. الحكاية. الوقائع التاريخية تمثل - في تقدير البعض - الكتابة الشعبية للتاريخ العربي.
              ..........................................
              *المساء ـ في 12/5/2007م.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #22
                عن الأدب .. وعالم الفتوات

                بقلم: محمد جبريل
                ...............

                روي لي أستاذنا نجيب محفوظ -يوما- أن نشأته في الأحياء الشعبية قد أتاحت له التعرف -بصورة مباشرة- إلي حياة القنوات وما كانت تزخر به من بطولات وخيانات ومعارك لا تنتهي وقد انعكس ذلك كله -بالطبع- في عالم كاتبنا الكبير الروائي منذ بداية ونهاية إلي الحرافيش وبقدر ما كان نجيب محفوظ الطفل يضمر إعجابا بالفتوات فإنه لم يكن يملك إلا الإشفاق علي هؤلاء الذين تجددت وظيفتهم في تلقي الضربات أثناء المعارك المتوالية وكانت قواهم الجسدية هي عنصر امتيازهم الوحيد.
                ولأن الفتونة ليست قوة جسدية فحسب إنما هي إرادة وذكاء وقوة شخصية وحسن قيادة للآخرين فقد كان مساعدو الفتوات تكوينا أساسيا في ذلك العالم المثير بدونهم تزول سيطرة كل فتوة علي حي أو مجموعة أحياء وتتحول معاركه مع فتوات الأحياء الأخري إلي خناقات فردية. دون أن يجاوز تأثيرها الفتوات أنفسهم. أما المساعدون. فبالإضافة إلي أنهم كانوا يتلقون الضربات فقد كانوا -في الوقت نفسه- يبلغون الإنذارات ويتلقون الإتاوات. ويضعون أعينهم علي تحركات القنوات الآخرين. وعلي الشرطة في آن معا.
                باختصار. فإن مساعدي كل فتوة كانوا هم العامل الأساسي في إبرازه وتقديمه وفرض سطوته. وإن ظلوا علي الهامش دوما في عالم الفتوات.
                والحق أن ذلك العالم الاسطوري -كما رواه لي استاذنا نجيب محفوظ- يذكرني بواقعنا الأدبي والفني المعاصر. فما أكثر مساعدي الفتوات في دنيا فنان الشعب سيد درويش. وفي النقلة التي أحدثها الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب. وفي استاذية نجيب الريحاني. وفي أداء أم كلثوم. وفي لوحات محمود سعيد. وتماثيل محمود مختار. وما أكثر مساعدي الفتوات في عالم نجيب محفوظ نفسه بل إن جيل يوسف إدريس بكامله لم يزد دوره عما كان يفعله مساعدو الفتوات في مطالع القرن.. أبدعوا. ولقيت أعمالهم قبولا ورفضا. وذاعت أسماء واختفت. وأثيرت المعارك الفنية والنقدية. ونوقشت الرسائل الجامعية. وصدرت الدراسات وعقدت المؤتمرات والندوات. فلما انحسر المد بدا يوسف إدريس متفردا في الساحة.
                لعل المشكلة التي تحياها أجيال ما بعد يوسف إدريس. أن رأيا عاما لم يتكون -بصورة حاسمة- حول اسم محدد فالأسماء تظهر في حياتنا الثقافية كالفلاشات التي تضيء جدا. ثم تختفي بالكيفية ذاتها!
                أخشي أن يكون مبدعو هذه الأجيال قد تحولوا جميعا -والظواهر كثيرة- إلي مساعدين- وهنا الحسرة! -لفتوات الأجيال السابقة.
                من فتوة هذا الجيل؟!
                .........................................
                *المساء ـ في 19/5/2007م.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #23
                  ماوراء الحكايات
                  محمد جبريل.. ابداع برائحة البحر
                  حوار - نعمة عز الدين
                  ...........................
                  في عام 1938 شهدت مصر انتقال القوات البريطانية من القاهرة والاسكندرية الي القناة، واستعدت مصر لمواجهة الحرب العالمية التي بدت نذرها في الافق، وخرجت الي الشوارع مظاهرات تهتف بحياة زعيم الوفد وتتهم محمد محمود بمحاولة اغتياله، واعلن عن تأسيس الاتحاد العام لنقابات عمال المملكة المصرية، وارتفع فيضان النيل الي حد الخطر،
                  واصدر طه حسين كتابه العلامة »مستقبل الثقافة في مصر« واذاع عدد من الفنانين والكتاب الطليعيين المصريين - متأثرين بسريالية أندريه بريتون - مانفنستو »يحيا الفن المنحط« وفي خضم هذا الغليان السياسي والاجتماعي ولد الاديب الكبير »محمد جبريل« في حي بحري بالاسكندرية وبرغم انتقاله للعمل والاقامة في القاهرة فان رائحة الاسكندرية لا تغيب ابدا عن معظم اعماله، والتي نذكر منها »إمام آخر الزمان«، »من اوراق ابن الطيب المتنبي«، »رباعية بحري«، »قلعة الجبل«، »ماذكر من اخبار عن الحاكم بأمر الله«، »مصر المكان«، »مصر في قصص كتابها المعاصرين«، »قراءة في شخصيات مصرية« بالاضافة الي أكثر من 90 قصة قصيرة تجعل الولوج الي عالمه الانساني نوعا من الإبحار الممتع.
                  يقول »محمد جبريل«: حي بحري الذي ولد وعاش فيه طفولته نشأت في بيئة تحض عن عشق الموروث الشعبي، حي بحري شبه جزيرة في شبه جزيرة الاسكندرية الي اليمين الميناء الشرقي، او المينا الشرقية في تسمية السكندريين والي اليسار الميناء الغربي او المينا الغربية، وفي المواجهة خليج الانفوشي، ما بين انحناءة الطريق من نقطة الانفوش الي سراي رأس التين.
                  هذه البيئة تتميز بخصوصية مؤكدة فالبنية السكانية تتألف من العاملين في مهنة الصيد وما يتصل بها ومن العاملين في الميناء وصغار الموظفين واعداد من الحرفيين والمترددين علي الجوامع والزوايا والاضرحة، فضلاً عن الآلاف من طلبة المعهد الديني بالمسافرخانة.
                  واذا كان لبيئة البحر وما يتصل بها، انعكاسها في العديد من اعمالي الابداعية، فان البيئة الروحية لها انعكاسها كذلك في تلك الاعمال، مثل جوامع ابو العباس وياقوت العرش والبوصيري ونصر الدين وعبد الرحمن بن هرمز وعلي تمراز وثمة أضرحة كظمان والسيدة رقية وكشك وعشرات غيرها من جوامع اولياء الله الصالحين ومساجدهم وزواياهم واضرحتهم، وثمة الموالد وليالي الذكر والاهازيج والاسحار والتواشيح، وليالي رمضان وتياترو فوزي منيب وسرادق احمد المسيري وتلاوة القرآن عقب صلاة التراويح في سراي رأس التين، والتواشيح واحتفالات الاعياد: سوق العيد وما يشتمل عليه من المراجيح وصندوق الدنيا والاراجوز والساحر والمرأة الكهربائية، وألعاب النشان والقوة وركوب الحنطور من ميدان المنشية الي مدرسة ابراهيم الاول وتلاقي الأذان من المآذن المتقاربة والبخور والمجاذيب والمساليب، والباحثين عن البرء من العلل والمدد، بالاضافة الي المعتقدات والعادات والتقاليد التي تمثل في مجموعها موروثا يحفل بالخصوصية والتميز حين اراجع اعمالي الابداعية بدءا من قصتي القصيرة الاولي (الي الآن حوالي 90 قصة قصيرة و18 رواية) فان تأثير ذلك كله يبين في العديد من المواقف والشخصيات وفي تنامي الاحداث.
                  في »رباعية بحري« يشعر الكاتب الكبير محمد جبريل أنه كتب كل ما في مخزونه الروحي ووصف طفولته وصباه متنقلا بين الجوامع الاربعة قائلا: رباعية بحري عملي روائي من اربعة اجزاء: أبو العباس، ياقوت العرش البوصيري، علي تمراز، تعرض للحياة في حي بحري منذ اواخر الحرب العالمية الثانية الي مطالع ثورة يوليو 1952 لوحات منفصلة حيث تكامل اللحظة القصصية، ومتصلة من حيث اتصال الاحداث، وتناغم المواقف وتكرار الشخصيات انسية التي طالعتنا في بداية الجزء الاول من الرباعية، هي انسية التي انتهت بها احداث الجزء الرابع والاخير، وما بين البداية والنهاية نتعرف الي دورة الحياة من ميلاد وطفولة وختان وخطبة وزواج وانجاب وشيخوخة ووفاة، فضلاً عن الحياة في المعهد الديني بالمسافر خانة، وحلقة السمك وحياة الفتوات والعوالم وما يتسم به ذلك كله من اختلاف وتميز، بقدر اختلاف البيئة وتميزها، علي سبيل المثال فإن الحياة في البحر وصلة البحر واليابسة، والمؤمنين بطهارة الماء وقدرة البحر علي اعمال السحر، والحكايات والمعتقدات عن عرائس البحر والعوالم الغريبة وكنوز الاعماق، والخرافة، والاسطورة والزي التقليدي، والمواويل، والاغنيات، والامثال، والحكايات، وخاتم سليمان، والمهن المتصلة بمهنة الصيد كالصيد بالسنارة والطراحة والجرافة، واسرار الغوص في اعماق البحر، وغزل الشباك وصناعة البلانسات والفلايك والدناجل وغيره وركوب البحر، وبيع الجملة في حلقة السمك وبائعي الشروات.. ذلك كله يتضح في الشخصيات التي كانت الحياة في البحر مورد الرزق الاهم - او الوحيد - لها.
                  وفي قصصي القصار تتناثر لمحات من الموروث الشعبي، متمثلة في العديد من سلوكيات الحياة والمفردات والتعبيرات، وغيرها مما يعبر عن التميز الذي تتسم به منطقة بحري في حدودها الجغرافية المحددة والمحدودة: الزي الوطني، الطب الشعبي، العاب الاطفال وأغنياتهم، نداءات الباعة، الكناية، التكية المعايره، القسم، الطرفة، المثل، الحلم، وغيرها..
                  والحق انني حين اراجع ابداعاتي التي وظفت - او استلهمت الموروث الشعبي اجد انها وليدة العفوية - ومحاولة التعبير عن الواقع، هذا هو ما افرزته تجربة الحياة والمشاهدة والقراءة والتعرف الي الخبرات، لم أتعمد الافادة من الموروث الشعبي بل هو الذي فرض معطياته في مجموع ماكتبت مثل روايتي القصيرة: »الصهبة« وروايتي: »بوح الاسرار«، و»زهرة الصباح« وغيرها.
                  علي الرغم من نشأة الكاتب محمد جبريل يتيم الام - لقد ماتت والدته وهو دون العاشرة من عمره - الا انه يتحدث عن اثرها البالغ في تكوينه الابداعي قائلا: وعدت القارئ في سيرتي الذاتية »حكايات عن جزيرة فاروس« بأن يقتصر ما اذكره من الاعوام القليلة التي أمضتها امي في حياتنا علي بعض الصور او الومضات السريعة، رحلت امي قبل ان أبلغ العاشرة فتصورت ان ما اذكره لن يجاوز تلك الفترة الباكرة من حياتي فضلاً عن غياب الوعي بصورة كاملة او جزئية في الاعوام الاولي منها، لكن الذكريات التي كانت مطمورة مالبثت ان استردتها الكتابة وهو ما سجلته في »مد الموج« و»الحياة ثانية« و»اغنيات« في العديد من اعمالي الروائية والقصصية.
                  ولعل رصيد امي هو اول ما اذكره من أيامها بيننا، أشرت اليه في العديد من لوحات السيرة الذاتية، والقصص القصيرة وفي فصول سيرتي الذاتية، قالت الجدة في شقة الطابق الرابع انها كانت تجلس بجوار امي تعودها لما انتفضت امي - فجأة - واشارت الي مالم تتبينه العجوز وهتفت: ابعدوه من هنا! ثم سكت صوتها وجسدها امرني ابي بالنزول الي الطبيب الارمني في الطابق الاول، صعد الطبيب السلم بخطوات متباطئة وكان يقف في كل طابق، امام النافذة المطلة علي الشارع الخلفي، ربما ليأخذ انفاسه وكنت ادعوه - بيني وبين نفسي - الي الاسراع في الصعود كي ينقذ امي، أطال الطبيب تأمل الجسد الساكن، كانت العينان جاحظتين، والبطن منتفخا بصورة ملحوظة والجسد بكامله متصلبا، كأنه وضع في قالب، مال الرجل علي صدر امي وباعد بأصبعيه بين الجفنين، وضغط بقبضة يده علي البطن المنتفخة ثم هز رأسه في اسي: ماتت!
                  كانت امي مثلاً للحنان والقسوة في آن تثيب للفعل الطيب وتعاقب للخطأ التافه او الذي اتصوره تافها - كانت كما رويت في »مد الموج« تصر علي ان نذاكر حتي موعد النوم وترفض نزولنا للعب في الشارع الخلفي، لكنها كانت تحرص علي ان نجلس بحوار الراديو لسماع بابا صادق ثم بابا شارو في موعد برنامج الاطفال، ووافقت علي اقتراح اخي الاكبر بأن نشتري قطعة جاتوه بنقود العيدية التي اعطاها لنا خالي ووضعتها امي في درج الكومودينو وقالت امي: هل اذنت لكم قال اخي انها فلوسنا، ألقت علي الارض ماكانت تحمله، وسحبت من فوق الدولاب حبلا كانت تخصصه لعقابنا، لفته حول اقدامنا وتوالت ضرباتها بالشماعة حتي اجهدها التعب.
                  ماتت امي وكبرت انا وتزوجت وانجبت وكان من الطبيعي ان تعود الذكريات وتنشأ المقارنة وتتوضح معان كانت غائبة، من بينها اشفاق الابوين علي مستقبل ابنائهما والفارق بين التدليل والافساد والتعويد علي الحياة السهلة او تلك التي تحرص علي القيم كان الاشفاق والحنان والخشية من الانحراف هو الباعث وراء الايذاء المتواصل من امي.. ادركت ذلك متأخرا وبعد فوات الاوان.
                  يقول الكاتب الكبير محمد جبريل محدثا نفسه: قد تهبني هامشية من الخبرات اضعاف ما احصل عليه من شخصية اختزنت المعرفة فظلت ساكنة في داخل الذهن والوجدان دون تأثير حقيقي عليها، وعلي من يخالطونها وتعبير آخر فإن التأثير والتأثير، لا صلة لهما بمعرفة ولا ثقافة ولا مرحلة سنية وازعم انني افدت من رحلة امي القصيرة في حياتي ومن رفعة زوجتي زينب العسال الناصحة المشفقة المتدبرة ومن تمازج الطفولة والوعي في ابنتي امل لما لم تبدله الاعوام، ولعلني اذكر زواج خادمتنا »دهب« واستقلالها بحياتها لكنها ظلت علي صلتها الاسرية بنا، تزورنا وتسأل عن احوالنا - بالذات بعد ان رحلت امي - واضطر ابي - بتأثير المرض - الي لزوم البيت والاعتذار عن غالبية الاعمال التي عرضت عليه وكان مترجما! وعانينا ظروفا بالغة القسوة وصارحنا ابي - ذات يوم - ان »دهب« عرضت عليه مبلعا نجاوز به ظروفنا، وارفق ابي شكره باعتذار مؤدب فقد كان - كما قال لنا - يعرف ظروف دهب جيداً.
                  اذكر ايضا زوجة عم احمد الفكهاني في الشارع الخلفي الواصل بين بيتنا وجامع سيدي علي تمراز كانت اشد منا حرصا علي »الغديوه« التي نقيمها كل بضعة ايام، ابنها فتحي واخي وانا، نفسح لها اسفل عربة الفاكهة الصندوقية الشكل، تضيف الي ما نأتي به ثمار الفكاهة وطبق سلطة خضراء وخبز ساخن من الفرن القريب، تظل طيلة جلوسنا في ظل العربة توصينا بأنفسنا، وبالمذاكرة، وتدعو الله ان يفتح لنا ابواب المستقبل بشخصية الام المصرية في مثالها المكتمل!
                  ................................
                  *الوفد ـ في 26/9/2007م.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #24
                    من المحرر

                    بقلم: محمد جبريل
                    ...............

                    الشخصية في التعريف النقدي هي مجموع مايقال عنها باللغة. الي جانب ما تقوله وتفعله. ومن الطبيعي ان الشخصية تختلف بدرجات متفاوتة باختلاف البيئة التي تنتسب اليها. بتأثير البيئة أولا. ثم بظروف المهنة والحياة الاجتماعية. فباختلاف الثقافة والاهتمامات. الفلاح نتيجة للظروف التي يحياها أكثر بساطة من العامل. الذي يتعامل مع الآلة. ومع الادارة. واسلوب التفكير يختلف عند الفلاح منه عند العامل. وهو ماتفرضه بالطبع طبيعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يحياها كل منهما. والفلاح يعاني الامية بصورة ابشع مما يعانيها العامل. وشخصية الفلاح تميل الي الحذر والتوجس والشك. بعكس العامل الذي يحيا مع زملائه في المصنع بروح الجماعة المتضامنة. تميز الشخصية الفردية هو الذي يعطي للانسان طابعه الخاص آراءه. عاداته. سلوكياته. مواقفه.. لكن الفرد لابد ان يتأثر بدرجة أو بأخري بالجماعة التي ينتمي اليها. بالاسرة. بالعائلة. بالوطن. وينعكس ذلك بالتالي في تشابه الجماعات في بعض الخصائص العامة. ان لم يكن معظمها.
                    الفرد اذن يختلف بصورة جذرية واساسية عن الاخرين. لكنه في الوقت نفسه يتشابه في نواح كثيرة مع الافراد الذين يشكلون مجتمعه الخاص والعام. وهذا الاتفاق الذي يشمل ملامح كثيرة تبدو مغايرة واحيانا متفقة لملامح المجتمعات الاخري. هو مايمكن ان نتناوله باعتباره التعبير عن شخصية الجماعة. أو شخصية المجتمع.
                    التحديد العلمي للشخصية هو انها ذلك التنظيم المتكامل من الصفات والمميزات والتركيبات والملامح الجسمية والعقلية والانفعالية والظروف البيئية التي تبدو في العلاقات الاجتماعية للفرد. والتي تميزه عن غيره من الافراد تمييزا واضحا.
                    السؤال الذي يطرح نفسه : هل هناك مايمكن تسميته بالشخصية المصرية فعلا؟ وهل يمكن اطلاق تسمية "الشخصية" علي شعب ما؟
                    أستاذنا سيد عويس يرفض التسمية في اطلاقها.. رأيه الذي يستند الي العلمية ان الشخصية للافراد. وليست للجماعات. لان الجماعة تضم افرادا متوزعي الميول والنزعات والاهواء. متغيري البيئة والتربية والثقافة. ومن ثم فإن الحكم علي الجماعة من خلال الافراد يجانبه الصواب والدقة الي حد كبير. ولعلي اوافق بدرجة ما علي هذا الرأي من خلال احكام المصريين انفسهم علي مناطقهم المحلية . فأهل دمياط علي سبيل المثال مشهورون بالحرص. بينما اهل الشرقية مشهورون بالكرم الزائد. واهل الاسكندرية يعشقون الفتونة. وهكذا.. فهل يعني هذا ان كل دمياطي هو حريص . وان كل شرقاوي مسرف في كرمه. وان كل سكندري عاشق للفتونة؟
                    الحكم علي الجماعة من خلال الافراد. تجانبه الدقة الي حد بعيد. فإذا أضفنا ان الحكم علي الشخصية المصرية يعني الحكم علي مجموع الافراد المصريين. والمناطق المصرية من السلوم الي شلاتين. بكل ما يشتمل عليه هؤلاء جميعا من آراء ومواقف وميول وأهواء متباينة. بدت الصفات الشخصية للشعب المصري مما يصح اطلاقه علي الشعوب الاخري. مثل الكرم والبخل والعجلة والصبر والشجاعة والخوف. الي غير ذلك من التقابلات والمتناقضات.. ذلك لان كل الشعوب تتكون من افراد. والافراد كما قلنا ليسوا أنسجة متشابهة ان لكل منهم شخصيته التي تخلقت من عوامل بيئية وثقافية واجتماعية مختلفة.
                    من هنا تبدو أهمية "التاريخ" للتعرف الي شخصية شعب ما. الشخصية هنا تعني المواقف المتماثلة التي تعكس بتوالي حدوثها خصائص متماثلة في هذا الشعب أو ذاك.
                    .............................
                    *المساء ـ في 29/9/2007م.

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #25
                      الحكم بالإعدام على ديوان شعري*

                      بقلم: محمد جبريل
                      ................

                      تلقيت هذه الرسالة من الصديق الشاعر عبدالعزيز موافي:
                      قال لوركا: بالأمس قتلوا واحدة من كلماتي فجلست مع قصائدي في مجلس عزائها واليوم ومن أجل الكلمة الشهيدة نفسها لبست كل الكلمات الجميلة والبريئة في العالم ربطة عنق سوداء حزنا عليها.
                      وأنا - علي العكس من لوركا - قتلوا كل كلماتي عندما حكموا بالاعدام علي ديوان كامل هو ديوان 1405 الذي يترجم التجربة الإنسانية في حرب أكتوبر والذي يتزامن اصداره مع ذكري تلك الحرب إلا أن بعض مسئولي الهيئة بدلا من احتفائهم بهذا الديوان الصادر في مكتبة الأسرة لم يقتلوه فقط وإنما مثلوا بقصائده فبعد أن انتهوا من طبعه فوجئت بأن الأسطر الأخيرة في قصيدتين قد سقطت عند الطبع بالاضافة إلي سقوط ثلاثة مقاطع كاملة هي بمثابة ثلاث صفحات وما زاد الطين بلة ان هناك قصيدتين متداخلتين معا.
                      حينما توجهت إلي مكتب رئيس الهيئة أحالوني إلي مكتب مسئول آخر عرضت عليه المشكلة وارتحت لأنه كان عليما بها لكنه فاجأني بطلب أن يبقي الديوان علي ما هو عليه مع اضافة استدراك في آخره أفهمته ان ذلك لم يحدث من قبل في دواوين الشعر وان الاستدراك خاص بالأخطاء الطباعية للمفردات فقط وهو ما لا يتفق والأخطاء الجسيمة الموجودة بالديوان. رد قائلا: الموضوع كدة حايطول. وحينما سألته: إلي متي؟ رفض الاجابة كما رفض الافصاح عن كيفية إصلاح الخطأ.
                      يبدو أن هذا المسئول تناسي ان الهيئة تتعامل مع المبدعين والمثقفين. الذين يمثلون ضمير ووجدان هذا الوطن ولو ان ذلك كذلك لبادر المسئول- ومن تسبب الحاق في الأذي بديواني وبشخص مؤلفه بالتالي - بالاعتذار عن هذا الخطأ الذي يبلغ حد الخطيئة ولا ستدركوا الخطأ فورا أنه من غير المنطقي أن يتحمل المبدعون وزر اخطاء الآخرين.
                      اذكر بعض مسئولي هيئة الكتاب - هؤلاء الذين لا يجدون في الخطأ ما يستحق المراجعة ولا التصحيح - بالقول الجميل: الرجوع إلي الحق فضيلة.
                      انتهت الرسالة.
                      *العنوان أنا الذي وضعته، والزاوية الأسبوعية بعنوان "من المحرر" (د. حسين علي محمد).
                      ..........................
                      *المساء ـ في 6/10/2007م.

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #26
                        "الحدوتة" وأثرها في بناء الرواية

                        بقلم: محمد جبريل
                        ...............

                        علي الرغم من اختلافي مع أرنولد بنيت في رأيه. بأن أساس الرواية الجديدة هو "خلق الشخصيات. ولا شيء سوي ذلك". فلعلي أتفق تماما علي أن خلق الشخصيات دعامة أساسية في بناء الرواية. الذي يستند - بالضرورة - إلي دعامات أخري. أقواها - أو هذا هو المفروض - "الحدوتة". وإن تصور بعض الذين اقتحموا عالم الرواية الجديدة. نقاداً أو أدباء - أن الرواية ليست في حاجة إليها. وأن ما يستعين به الفنان من أدوات. يضع الحدوتة في مرتبة تالية. أو أنه يمكن الاستغناء عنها إطلاقا.
                        وفي تقديري أن الحدوتة هي "النطفة" التي يتخلق بها العمل الإبداعي. وأذكر أني حين عرضت - للمرة الأولي في القاهرة - مسرحية بيكيت "لعبة النهاية" أن إعجاب النقاد تركز علي خلوها من الحدوتة. وكان ذلك - في تقديرهم - هو "الجديد في الرواية الجديدة". كانت القاهرة تعاني - كعادتها - غربة حقيقية عن الواقع الثقافي المتجدد في الحياة الأوروبية. وكانت القلة تسافر وتشاهد وتقرأ. والكثرة تنتظر ما يفد - متأخراً - وتقف منه - في كل الأحوال - موقف الإعجاب. ولعلنا نذكر ما فعله الكاتب الساخر أحمد رجب. حين طلب آراء عدد من كبار مثقفينا في مسرحية من تأليفه علي أنها لدورينمات. وتباري مثقفونا في إبراز الجوانب المتفوقة في المسرحية المزعومة. وكتب الحكيم "يا طالع الشجرة" و"مصير صرصار" تأكيدا لريادته المتطورة.. وظواهر أخري كثيرة.
                        أقول: حين عرضت لعبة النهاية وتركز إعجاب النقاد علي خلوها من الحدوتة كان لأستاذنا نجيب محفوظ رأي آخر. ونشرت معه حوارا في جريدة "المساء" ملخصه أن العمل الفني بلا حكاية. بلا حدوتة. يصعب - مهما يتسم بالجدة - أن يسمي عملا فنيا. لأنه - حينئذ - يفتقد أهم مقوماته. واستطاع - في الحوار - أن يروي الحدوتة. الدعامة التي استند إليها بناء المسرحية.
                        الحكاية - كما يقول فورستر - هي العمود الفقري. ويقول هيربرت جولد: إن كاتب القصة يجب أن تكون له بالفعل قصة يحكيها. فلا يقتصر الأمر علي مجرد نثر جميل يكتبه. وقيل إن الرواية "فن درامي يقوم علي أساس الحدث". ولعلي أذكر قول تشيكوف: إن الكاتب لا يكتب قصة قصيرة إلا عندما يريد التعبير عن فكرة. حتي ألان روب جرييه يؤكد أن الروائي الحقيقي هو الذي يعرف كيف يقص الحكاية. وفي مقدمة "يا طالع الشجرة" - ذات الشكل السوريالي - كتب الحكيم: "المسرحية لابد ان تحمل معني. ولا يكفي فيها المعني الداخلي في ذات تشكيلها. ربما استطاع الشعر - خصوصا السوريالي والدادي - أن يحمل معني وجوده في ذات صياغته. ولكن المسرحية وكذلك القصة لابد أن تقول شيئا".
                        .........................................
                        *المساء ـ في 20/10/2007م.

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #27
                          من المحرر

                          بقلم: محمد جبريل
                          ................

                          لعل غاية ما يأمله المرء في علاقته بالآخرين. أن تكون دائرة الاصدقاء أكثر اتساعاً من دائرة الأعداء..
                          وعندي أن الحصول علي حب معظم الناس سهل. إذا حرص المرء علي حب الآخرين. أما الحصول علي حب كل الناس. فهو العنقاء التي تتحدث عنها الأساطير!..
                          لقد واجه الأنبياء العداء.. فما بالنا بالبشر العاديين؟..
                          لا أحد يحصل علي الإجماع. ثمة ناس يحبونك. وناس يضمرون - أويعلنون - نقيض الحب. قد يضمرون - أو يعلنون - الغيرة والحسد والحقد. مهما بدت آراؤك أو تصرفاتك معقولة. فإنهم ينظرون إليها بعين المساوئ. إنهم يبحثون عن العيب فيها. ومن يريد العيب فلابد أن يجده..
                          هل تذكر حكاية جحا وابنه وحماره؟..
                          عاب الناس علي الرجل سوء تربيته للابن حين ترك له الحمار يركبه. واكتفي هو بالسير. ثم عابوا عليه أنانيته لما ركب الحمار. وترك الولد يسير إلي جانبه. وعابوا عليه القسوة لأنه شارك ابنه ركوب الحمار. ثم عابوا عليه الغفلة. بعد ان اختار السير خلف الحمار!
                          إن مجرد عمل المرء في وظيفة أو حرفة. يضعه في كفة ميزان البشر. ثمة المؤيد والرافض. لكل أسبابه التي قد تكون مقبولة. أو أنها وليدة الغرض..
                          قد يجتلب النجاح في ذاته عداوات الآخرين. يضيقون بالنجاح. فيفتشون عن بواعث تحقيقه. لا يهم إن كانت تلك البواعث صادقة أو كاذبة. المهم أن يسلبوا من النجاح قيمته ودلالاته..
                          وحين خضع ياجو لمشاعر الحقد في نفسه. مقابلاً لذلك الشئ النبيل في عطيل. انشغل ياجو بمحاولة تلطيخ اللوحة الجميلة!..
                          يقول فوكنر: "إذا أردت أن تعيش آمناً من الانتقاد. فلا تقل شيئاً. ولا تكن شيئاً.. وعندها لن ينتقدك أحد!.. وهو قول يحتاج إلي مراجعة. لأنك قد تأخذ موقفاً سلبياً من الحياة تكتفي بأن يكفي خيرك شرك - كما يقول المثل - لكنك لن تأمن ملاحظات الآخرين. واتهاماتهم لك. ومشاعرهم التي تبدأ بالدهشة. وتنتهي بالكراهية!..
                          هامش:
                          من كتابات يحيي حقي: "منذ تناولت القلم في سن باكرة. وأنا ممتلئ ثورة علي الأساليب الزخرفية. متحمس أشد التحمس لاصطناع أسلوب جديد. أسميه الأسلوب العلمي. الذي يهيم أشد الهيام بالدقة والعمق. وقد أرضي أن تغفل جميع قصصي. ولكن سيحزنني أشد الحزن ألا يلتفت لهذه الدعوة".
                          ...............................
                          *المساء ـ في 27/10/2007م.

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #28
                            قراءة في رواية "حكايات الفصول الأربعة"

                            بقلم: إدوار الخراط

                            من العلامات الفارقة للكاتب الحقيقى الموهوب أن يكون له عالمه الخاص، أن تكون له رؤاه المتفردة لهذا العالم.
                            محمد جبريل كاتب حقيقى موهوب.
                            عالمه يقع فى اسكندرية الشمال الغربى، اسكندرية بحرى والأنفوشى والسيالة وراس التين وحلقة السمك، اسكندرية الصيادين والمراكبية، ليسوا فقط صيادى السمك، أو مراكبية البحر، هم أيضاً وربما أساساً صيادوا الأقدار المتقلبة، مراكبية الرحلات المضطربة، ساجية أو جياشة، عبر شواطئ العمر وعبر سنوات الغربة والحنين.
                            نصوصه دائما نقلة متصلة إلى "الشاطئ الآخر" (وذلك عنوان إحدى روياته الجميلة). لكن الشاطئ الآخر -كما أصبحنا نتوقع- ليس "جغرافياً" فحسب، هو شاطئ روحى آخر، أو شاطئ رؤى أخرى، تصل إليه -أو لا تصل- مراكب الحياة على المدّ والجزر، على القربى العائلية أو قربى المشارب والمنازع والأهواء، وتخوض إليه غمرات الخصومات والخلافات، أو تطفو على مويجات التراحم والحب المترقرقة.
                            ومن ثم فإن التيمات -أو الموضوعات الأساسية فى عمله الروائى- تيمة الموت مرتبطا بالشغف بالحياة، وموصولا بمتعاتها، ترقب الموت، وترصده، أو اللامبالاة بانقضاضه، تيمة تسرى فى سردية محمد جبريل، أو تستبطن هذه السردية، سافرة حينا ومضمرة حينا، ولكنها ماثلة باستمرار، تستدعى تيمة لصيقة بها، بل تكاد تكون مترادفة معها، هى تيمة الشيخوخة والوهن وتقاعس البدن المتهاوى الذى تحركه شهوات قديمة مؤرقة.
                            يقول بطل "حكايات الفصول الأربعة" بعد أن كتم ضحكة قصيرة: أشعر أنى شاب لكن حركة جسدى لا تساعدنى على هذا الشعور.
                            لعل موضوعة الشيخوخة، الموت التدريجى للقدرات نتيجة صراع الجسد ضد الموت الذى يؤذيه بالمجئ، مما يشغل الكاتب فى مجمل عمله الروائى وخاصة فى هذه الرواية، لعل فى عنوانها وحده "حكايات الفصول الأربعة" ما يشير إلى هذه الموضوعة، ليست تلك فقط فصول السنة الأربعة، بل هى أساسا فصول العمر الأربعة. ليست فقط فصولا تمر بها سنوات بطل أو شخص واحد فى غمار الرواية، بل هى أيضاً موزعة على شخوص الرواية بحذق وذكاء سردى ملحوظ، من ربيع الصبا، وعنفوان صيف العمر، إلى خريف التهاوى والإيذان بالسقوط، ومنه إلى الشتاء الموحش القاحل.
                            تقلبات هذه الفصول تدور فى اسكندرية محمد جبريل النصية التى تخايل بواقعية تكاد تشفى على الطبوغرافية الدقيقة، لكنها تجيش بحياة تتجاوز مجرد محاكاة الواقع الظاهرى، ذلك أن للكاتب ولعا مشبوبا بالأماكن، وأوصافها، وتحديدها، وابتعاث أجوائها: القهوة التجارية، قهوة فرنسا، مقهى ايليت أو التريانون، اتينيوس، فضلا عن معالم اسكندرية الشمال الغربى، وهو ولع يضفى على هذه الأماكن حياة كأنها مستمدة من حياة أبطال أو شخوص العمل الروائى - ولعلها من وهج الكاتب الروحية نفسها، وليس ذلك بالغريب عند معظم الروائيين الحقيقيين إذ تتناوب عندهم وتكاد تندمج أماكن الروح بأماكن الواقع، وهو عند محمد جبريل شغف يكاد أن يكون فيتيثسياً بتسمية الشوارع والمقاهى والجوامع والزوايا، ويكاد يقتصر على اسكندريته تلك، هى اسكندرية قريبة إلى حد ما من اسكندرية الراحل صالح مرسى، على اختلاف الرؤى والموضوعات بينهما اختلافا جذريا، ومختلفة أيضا جد الاختلاف عن اسكندريتى مثلا، اسكندرية الجنوب وراغب باشا وغيط العنب بالقرب من الملاحة وترعة المحمودية التى لا تأتى سيرتها قط فى عمله كله إن لم يخطئنى الحصر والتقصى، حتى لو كان للبحر حضور ماثل بل مسيطر فى كتابتى، وهى أيضا تختلف بالتأكيد عن كاتبٍ أراه من أكثر كتاب الإسكندرية موهبة هو حافظ رجب، إذ تقع اسكندريته الفانتازية فى سرة المدينة، محطة الرمل حيث يجرى الترام فى رأس الرجل وحيث يشغل اليونانيون مكانا روائيا لا يكاد يعرفه يونانيو محمد جبريل الذين لعلهم ينتمون إلى حقبة زمانية أحدث من الحقبة "الكوزموبوليتانية الشعبية" التى عاش فيها "الاجريج" عند حافظ رجب، هم قريبون بشكل ما من جريج قسطنطين كافافى.
                            ولا أحتاج أن أقول إن اسكندرية محمد جبريل أوقع وأقرب إلى صورة الإسكندرية البحرية المثلى من اسكندرية كاتب مثل إبراهيم عبد المجيد، التى تكاد تقتصر -من حيث الموقع المكانى، ومن ثم الموقع الروائى، على صحرائها الغربية المفضية إلى خط سكة حديد العلمين ومرسى مطروح، وهو الجانب "الصحراوى" الأصيل من جوانب الإسكندرية، لم يهتم به -فى حدود علمى- إلا كاتب اسكندرانى آخر هو أونجاريتى الإيطالى الذى عاش فى محرم بك حتى العشرين من عمره (لعلنى أيضا قد عنيت بهذا الجانب الصحراوى من الإسكندرية). ولعل محمد جبريل لم يعن كثيرا -أو إطلاقا- بهذا الجانب، فهل ثم معنى لاختياره "البحر" أى الانفتاح على الآخر، وعلى الشاطئ الآخر؟ أم أن إضفاء دلالة إثنوجرافية، وربما أيديولوجية على البحر باعتباره الأفق الشمالى المفتوح على العالم الأوربى وعلى "الرمال الصحراوية" باعتبارها المعنى البدوى المنبثق من الخصوصية العربية المغلقة على ذاتها، ربما،.. من الشطح التأويلى ما لعله ينأى به عن المصداقية؟
                            هذه على أى حال أسئلة خصيبة (فيما أظن) تثيرها رواية "حكايات الفصول الأربعة" من بين ما تثيره من أسئلة.
                            تيمة الشيخوخة والموت لا تضفى على عمل محمد جبريل كروائى قتامة أو جهمة عابسة؛ فى مفرداته ورؤاه قدر من الرشاقة والسلاسة ينأى بها عن التشاؤم أو العدمية، على العكس، فإن اهتمام الكاتب بالقضايا ذات الشأن العام، من قبيل المسائل والأحداث والآراء السياسية، أو المشكلات والمجادلات الدينية، يكسب عمله الروائى حيوية ومعاصرة وراهنية مشغولة بالهموم والشئون العامة.
                            إن أحد أبطاله يأخذ على المصريين أنهم "يمتلكون موهبة صنع الطغاة. يحولون البشر العاديين إلى آلهة معصومة من الخطأ، ومحصنين ضد الحساب حتى لو كان إلهيا، يفدونهم بالروح والدم، ويحسنون التغنى بمآثرهم والتطبيل لإنجازاتهم، ويحرقون البخور لذكراهم".
                            (وبالمناسبة، فإن المصريين لا يجعلون من الساسة والزعماء وحدهم طغاة أو أشباه آلهة، بل هم يحولون من يسمونهم الرموز فى الحياة الثقافية والعلمية أيضا إلى أشباه آلهة معصومين لا يجوز المساس بذواتهم العلية).
                            اهتمام النص عند محمد جبريل بالشئون العامة لا يقتصر على المسائل السياسية بل ينصب كذلك على المسائل الدينية: "الإسلام لا يعرف رجال دين. من جعلوا الدين مهنتهم. إنه يعرف العلماء والمجتهدين". قد يبدو هذا الاهتمام جانبيا، أو هامشيا، تتناوله حوارات عابرة، وأقدر أنه اهتمام أساسى، يأتى بحذق ملحوظ على هيئة إشارات سريعة فى الحوار أو فى السرد الروائى سواءً، ضربات خفيفة ولكنها نافذة، موجزة ولكنها قاطعة، فهذه هى -فى تقديرى- تقنية رئيسية فى عمله الروائى.
                            من الموضوعات التى يتناولها محمد جبريل مرة بعد مرة فى عمله الروائى موضوعة الفجوة بين الأجيال.
                            النزعة نحو الرحيل، ليس فقط من شاطئ إلى شاطئ آخر، ليس فقط من عالم إلى عالم آخر (من الإسكندرية إلى اليونان مثلا) بل هى أيضا وربما أساسا نزعة إلى الرحيل من جيل إلى جيل، ومن هموم مرحلة معينة من العمر إلى هموم مرحلة أخرى -تلك من حكايات الفصول الأربعة- هذه النزعة لا تتحقق فقط بركوب البحر، بل هو ركوب موج السنوات المضطرب المتلاطم.
                            ***
                            لعل محمد جبريل من أبرع روائي ما بعد نجيب محفوظ، مع فرادة لغته ونعومة انسياب صياغاته، والصياغة بداهة لا تنفصل عن الرؤية ولا عن الموضوعة. ذلك أن لغة محمد جبريل فى إيجازها واقتصادها ونفاذها تتساوق مع رؤيته لعالمه الإسكندرانى والنفسى أو الروحى على السواء، فهى رؤية ناصعة مضيئة ليس فيها تدفق هادر ولا صخب التزاحم، لا نكاد نقع عنده على محاولة للغوص فى أغوار -وأكدار- الحياة الحلمية أو اضطراب ما تحت الوعى، لغته ورؤاه معا صافية صحة سماء الإسكندرية عندما تصحو سماؤها، وهو ما يحدث فى أغلب الأحوال.
                            وعندى أن الإيقاع الموسيقى فى هذه اللغة -وهو إيقاع ملموس- ينبع من تناغم وتناسق (لعله تنغيم وتنسيق متدبر مقصود، أو لعله ملهم وعفوى، أو هما معا) فى تسلسل السرد وتبادل الحوار والنأى عن محسنات -أحيانا ضرورات- الاستعارة والكناية وكثافة اللغة، لغته -مثل موضوعاته- صافية واضحة وسائغة السلاسة، بقدر ما هى ممتعة وشائقة.

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #29
                              صورة البطل في الوجدان الشعبي

                              بقلم: د.فاخر صالح ميا
                              ....................

                              قطع التاريخ, منذئذ رحلة وعرة, تطورت خلالها مفاهيم الإنسان حتى غدا البطل في الوجدان الشعبي حاملاً للقيم الإنسانية من مغامرة إلى أخرى, طموحاً, مجابهاً, متحدياً, وغدت الحياة بعد هذه العصور, أكداساً بالغة التعقيد من النقائض والمتضادات والحيوات المتصارعة عاشتها أجيال من الناس. وأنا أريد هنا أن أكتب ببساطة, بلا تقعر ولا تصنع عن البطل في الوجدان الشعبي للكاتب المصري "محمد جبريل", واصفاً تلك اللقطات المهمة التي يأخذها "جبريل" على عاتقه, وهي مسؤولية الكتابة في معمعان المراحل المتخالفة, وبكل ما اختلط فيها الحلو بالمر, وهنا لابد لي وأن أرى بأم عيني تلك القيم الأصيلة التي غرسها الأبطال الشعبيون الذين يبتغون أن يزيحوا عن الآخرين غشاوة ما كابدوه, وما اختلطت عليهم سبل الحياة ومفارق طرقها. إن كل ما أردته لدراستي عن هذا الكتاب هو أن تكون نموذجاً للانكشاف وللتفتح على الحياة وللصراع والعراك مع الطبيعة بل ومع القدر نفسه, فضلاً عن التقاليد والأعراف المألوفة والموروثة والمتخلفة, ولكن ثمة شيئاً يجب أن نلتفت إليه مع مؤلف الكتاب "جبريل" تلك الصور التي تتفتح عن وعي كبير لتعطي الحياة للإنسانية ولدحض آراء عبد الحميد يونس, من أن الهلالين لم يكونوا سوى أهل شغب... ص 7 ـ 8, بل إن ثمة من يرى في ملحمة هوميروس مفتاحاً لفهم بعض عناصر أدبنا الشعبي الذي عكسته السير, وقد توقف بعض الباحثين أمام التشابه الواضح بين أوديسيوس وأبي زيد الهلالي وبين أغاممنون والسلطان حسن, وهيلين والجازية وبريام والزناتي خليفة وآخيل ودياب بن غانم... ومن موقع اهتمام الكاتب "جبريل" بالسير الشعبية, فإننا نجد توصيفاً ضاراً للسير الشعبية بشكل عام وللسيرة الهلالية بشكل خاص, لما قدمه "عبد الحميد يونس" ص63 ومحمد فهمي عبد اللطيف ص65 وكذلك ابن الأثير ص67 من آراء لا تحسن فهم السير الشعبية وقوانينها, فعلى الرغم من توالي الأزمنة ودورة العصور, فإنها لا تزال تتوهج بالمعاني الإنسانية العميقة بفضل وفائها للجوهر الإنساني الأصيل وحضها الدائم على الالتزام بالخير ومحاربتها لكل ضروب الشر والنقائص ـ ومن هذه الزاوية تكتسب صورة البطل في الوجدان الشعبي قيمة تربوية, لأنه تأكيد على الانجذابية الإنسانية نحو اقتحام المجهول وتجاوز حدود الواقع وتحقيق الأحلام. تلك الأخبار التي شغلت مجلدات كثيرة لنتأمل فيها طفولة المجتمع وتفاسيره من خلال حكايات وأقاصيص وسير تذاوب فيها سحر البناء وجاذبية التشويق بكثير من الأبعاد والمعاني التي تدفع بالإنسان إلى التأمل والتفكير.‏
                              وثمة شيء مهم يراه الباحث "محمد جبريل", من أن غزو الهلالين للشمال الإفريقي هو الذي أفضى إلى تعريب المنطقة وانحسار الجنس البربري الذي كان مسيطراً بحكمه ولغته وعاداته وتقاليده. بل إن البعض يجد في دخول العرب الهلالية إلى تلك البلاد امتداداً للروح البدوية التي ترفض الظلم والقهر. وهو ما تبدى بعد مئات السنين في مقاومة الأمير عبد القادر الجزائري للاحتلال الفرنسي للجزائر, ومقاومة عمر المختار للرحالة الإيطالي لليبيا ص67, وهنا لابد لي من الوقوف على الحالة التي تعكس تطور المجتمع الإنساني وعلاقة الإنسان بالطبيعة والمحيط كقوة تترك لمساتها الواضحة على التراث الفكري والإنساني.‏
                              يقدم لنا الكاتب "جبريل" لوحة للوعي الإنساني نحو تلك الأحقاب الزمنية التي لا تزال معلوماتنا عنها محدودة إلى حد ما عندما كانت حياة الإنسان شديدة الخضوع للتراب والأرض ملتصقاً بالقيم يدرك جواهر الأشياء, ولهذا كانت الأرض بالنسبة للبطل في الوجدان الشعبي بمثابة الأم الولود التي ينطلق فيها كل شيء ص119 ـ 120 وما "شجرة الدر" سوى القوة الحية التي تضفي على الوجدان الشعبي استقلالية الذات الإنسانية واحترامها, وعلى هذه الخلفية الواسعة من الأبطال نجد تصدي "شجرة الدر" باقتدار للعدوان الصليبي ص120 ـ 121, ومما يلفت النظر أن مفردات الفضيلة والخير لم تتغير عبر التاريخ فالشجاعة والكرم والعفة والإيثار والمروءة كل هذه الخصال كرمتها السير الشعبية وحضت عليها مثلما أدانت الشرور بكل مفرداتها, بل إن الأغنية الشعبية تسهم في إغناء مضامين جديدة لتغدو أكثر تعبيراً عن عصرها وأدق تصويراً للمجتمع الذي أوجدها, فهاهو ياسين يتوسل إلى الشمس أن تترفق بهم فلا تلسعهم حرارتها:‏
                              قولوا لعين الشمس ما تحماش أحسن حبيب القلب صابح ماشي ص220‏
                              وبهذا المنظور تعكس الأغنية الشعبية الواقع الاجتماعي مع تلاشي الأنا الإنسانية أو الأنا الروحية (Ego), فبدت تلك الصور الكئيبة لتحل محلها أساطير لمرحلة جديدة, حيث كان البطل في الوجدان الشعبي, محورها الرئيس لمواجهة ظلم الحاكم لا بمجرد الحلول السلبية التي برع فيها المصريون مثل النكتة والشائعة واللغز الخ, وإنما بالثورة وبالمقاومة المسلحة ص262, التي تدفع الظلم والهزائم والأعراف المتخلفة عن الشعبي والوطن.‏
                              الهوامش‏
                              .......
                              محمد جبريل, البطل في الوجدان الشعبي مكتبة الدراسات الشعبية القاهرة 2000.‏
                              *الأسبوع الأدبي ـ العدد 1006 تاريخ 13/5/2006م.

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #30
                                من المحرر:
                                الرواية والسينما

                                بقلم: محمد جبريل
                                ...............

                                سألت نجيب محفوظ هل تكتب الرواية وعينك علي السينما؟
                                قال وهو يرنو إلي النيل من نافذة مكتبه بقصر عائشة فهمي: لو أن ذلك كذلك ما كتبت "الشحاذ"!
                                لم يكن نجيب محفوظ يتصور أن "الشحاذ" تصلح عملا سينمائيا. عبر عن الشخصيات والأحداث بفنية مضمرة. ولغة موحية. بعكس ما طالعناه في القاهرة الجديدة وخان الخليلي والثلاثية والسمان والخريف واللص والكلاب وغيرها.
                                لكن الشحاذ تحولت ببراعة كاتب سيناريو يجيد أصول فنه إلى إضافة مهمة للسينما المصرية.
                                لا صلة للرواية الجيدة بالسيناريو الجيد. والعكس صحيح. قد تتحول الرواية الجيدة إلى سيناريو رديء. وقد يحيل السيناريو الجيد قصة عادية إلى فيلم سينمائي جميل. وربما تتضافر الرواية الجيدة والسيناريو الجيد في تقديم عمل يذكره تاريخ السينما.
                                لا اعني افتقاد الصلة بين الرواية السردية والسيناريو السينمائي. فالأفلام الكبيرة تدين بنجاحها لأعمال روائية وقصصية، أبدعها مؤلفوها دون أن يضعوا حسابا إلا للقيمة الفنية السردية. ثم وجدت السينما في الرواية أو القصة من القيمة الدرامية ما يتيح تماهيا دراميا مطلوبا بين القصة والسيناريو.
                                ثمة من يجدون في الرواج الذي تحققه أفلام السينما. والعائد الذي تدره القصص المكتوبة دافعا لان يتجهوا بأعمالهم إلى مشاهد السينما بأكثر من أن تتجه إلى قارئ العمل الأدبي. فهم يذكروننا بمثل الغراب الذي أراد أن يقلد في سيره مشية الطاووس!
                                لا بأس أن يفيد العمل الأدبي من تقنية السيناريو السينمائي: الفلاش باك. التقطيع. المزج. وغيرها وبديهي أن تعتمد السينما علي قصة. أو حكاية تكون محورا لأحداثها. فلا نبتلي بأفلام يدخل فنانوها وفنيوها الأستديوهات كما يحدث الآن ليصنعوا أي شيء بلا فكرة ولا رابط مجرد صور متتالية تعاني السذاجة والسخف!
                                لكي تجاوز السينما المصرية مأزقا مستمرا. تعانيه منذ سنوات. فإنها لابد أن تنتج أفلاما في مستوي دعاء الكروان وبداية ونهاية وفي بيتنا رجل والبوسطجي والسقا مات والحرام واللص والكلاب والحفيد والطوق والإسورة وغيرها. وهي أفلام مأخوذة كما نعرف من أعمال أدبية وفي المقابل فان علي الروائيين وكتاب القصة أن يخلصوا للعمل الأدبي وحده. بعيدا عن مغريات السينما المادية والدعائية. وألا تكررت مأساة الغراب الذي لم يحسن مشيته الحقيقية. ولا أحسن التقليد!
                                هامش :
                                قول حكيم : عندما تبلغ البحر. فما حاجتك للحديث عن الروافد؟
                                .................................
                                *المساء ـ في 10/11/2007م

                                تعليق

                                يعمل...
                                X