المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر
مشاهدة المشاركة
لعنة
اقتحمت أسراب الجراد الأسود, مدينة السلام والقباب الزرق المذهبة, فنخرت مآذنها, وتناثرت بعض فسيفسائها بين الأصقاع, واتشحت باقي المدن بالقحط المكفهر, فبدت ضواحي المدينة على اتساع رقعتها, ملعبا للأشباح, لا يسمع فيها سوى أنين الوجع الغائر بين الضلوع, الذي تخالطه رائحة الجثث المتعفنة, وصفير الرياح الصفراء.
كان ذلك في عام الموت, وبداية عصر الظلام, فجر يوم الفجيعة, التي كتب تاريخها على أسطر الزمن القادم.
حين أمسك أبو الوليدة بيد زوجته, يساعدها على السير, بعد أن فاجأها المخاض مبكرا, يحثها أن تتماسك, فتهاوت متهالكة قبل أن يصلا مستوصف المدينة, تنزف حياتها, نقطة بعد اخرى, تلهث الألم وتستنشق الموت مع كل لحظة طلق آتية, تستعجل خروج الوليدة من رحمها, وتتوسل البارئ أن يعينها.
فاجأه, ظهور رأس الجنين يندفع مسرعا, بين فخذيها, وهي تفتحهما على اتساعهما, تدفع بالجنين بآخر ما تملك من طاقة, لتنقذه من شرنقة الاختناق, إلى الخلق والحياة, والنور, بمعجزة الولادة وديناميكيتها.
اندفع يركض بين المشرق والمغرب, كالمجنون, مستغيثا, يبتلع الضباب صوته, وأزيز الجراد يدوي حوله, وعيونه البارزة تحدق فيه! تراقبه.
أومأت له بيدها, واهنة, أن اسحب رأس الجنين, أخرجه
مد يده يتلبسه الوجل,
أمسك بالرأس, راعه الملمس الدهني المدمى, فتراجع خاشعا.
أعاد الكرة مرة أخرى, وسحب الجنين من أذنيه, لينزلق الجسم الصغير الوردي على إسفلت الشارع, تختلط صرخته التي تضج بالحياة, بحشرجة موت الأم وأنينها.
راع الزوج وجه زوجته الذي بدا له محتقنا حد الزرقة, تألما, وعيناه المرعوبتان تتلقفان هسيس الريح, لعلهما تأتيانه بمعين, والوليدة تتعفر بالتراب و ترتجف بردا.
استحضر كل ذكرياته المحفورة في عمقه عسى أن يعرف كيف يقطع حبل السرة, بينها وبين امها, فلم يجد سوى أسنانه!
كز بقواطعه بقوة على حبل السرة ينهشه, فقطعه بوحشية عفوية, يدفعه شغف مستميت للإبقاء على حياة الصغيرة.
بصق الدم المر الذي علق بفمه, حانقا
رفع جسم الوليدة عاليا بين يديه, أطلق صرخة كذئب جريح, وعيون الجراد ترصده, لتطلق عليه حممها, محدثة في صدره عدة فجوات, تنخر رئتيه.
تراجع الصدر إلى الخلف, تهاوت اليدان, لتحط الوليدة على الجسد النازف
وهي تصرخ ملأ حنجرتها, احتجاجا, ورغبة في الحياة.
ابتعد سرب الجراد قليلا, فرأت أم جواد التي غادر زوجها بليلة ظلماء, متلثما بلثامه, مطاردا, يجوب الأزقة والشوارع ليلا, ينصب الشراك للجراد الأسود, ويقنصها زرافات ووحدانا. الفرصة مواتية, كي تنتشل الوليدة من براثن المنية, وأفخاخها.
حملتها معها إلى بيتها, أرضعتها , فالتهمت الصغيرة الثدي بنهم غريب, جعل أم جواد تبتسم وتمسح دمعة حانية سقطت على خديها, وفم الصغيرة يمتص بقوة حليبها, فيفرغ الجيب أحيانا.
ثلاثة أعوام عجاف مرت, ابتعدت خلالها زيارات أبى جواد لبيته, بعد وشاية, وأم جواد لم تزل تجود على الوليدة, فتطعمها مع أولادها, ليجيء ذاك اليوم!
يوم زفاف أبى جواد للحده, مخضبا بحناء دمه, يحمله الرفاق على الأكتاف, يودعونه.
ليصبح, العسر ضيفا ثقيلا ورديفا على أم جواد, التي تقطعت فيها سبل العيش, فبات إطعام الصغار وأفواههم الصغيرة النهمة, مهمة تكاد تكون شبه مستحيلة, والقحط والجفاف يزرعان أذرعهما المخيفة, نطاقا يحيط حياتها وأولادها, بكل وحشية وبلا هوادة.
أشفقت على الوليدة التي بقي اسمها الوليدة, من الجوع وبطشه, فاستصرخت رحمة الجيران, و ضمائرهم باكية:
- خذوها, فمعي سيلتهمها الجوع, وسينخر حتى عظمها.أشفقوا عليها.
أبدى البعض رفضهم علانية , وتحجج آخرون بقلة ذات اليد وحيلتها، وتحسر المطاردون بين الشوارع عليها.
أخذها صاحب الدكان كهدية, قدمها لزوجته العاقر
- لنربها, ستكون خادمتنا حين تكبر, ستكون أكثر امتنانا من بعض الأبناء الحقيقيين!!
- أو لعلها تعيد الحياة لبيتنا المقفر بضحكاتها, وحين تكبر سأزوجها من رجل غني, لكن شرطي أن يكون من خارج البلد.
و يأخذها صاحب الدكان كل يوم معه, يعرضها أحيانا على الأغراب أصحابه, متباهيا, حين يزورونه مستعلمين منه عن أحوال الناس, وتغيراتهم, و يتباهى أنه من يرعاها, حتى تأتي امرأته ظهرا, لتعيدها بعد أن تضع بيدها قطعة حلوى, تتلقفها الصغيرة بشغف, تمتصها وتتلمظ, وحين تنزلق الحلوى من بين يديها, تبكي بقوة, فتضحك المرأة متلذذة بصوت بكائها, فينتاب امرأة صاحب الدكان شعور غريب بالنشوة, لبكائها, تتلذذه.
مرت سنة أخرى, بانت فيها ملامح الوليدة, وجمال وجهها, وصلابة عودها, والمرأة وصاحب الدكان, يتباهيا أمام كل من هب ودب أنهما يربيان اليتيمة, وأنهما صاحبا النعمة عليها.
وفي ليل بهيم أفاق الزوجان على جلبة مريبة تصدر من ناحية الدكان, هرعا هلعين صوبه, ليقفا مذهولين, لخلو الدكان من أي بضاعة, كأن الجراد التهم كل شيء فيه!
جن جنونهما
وأطلقا نداءا, مفاده
أن هذي الفتاة مصدر نحس وشؤم لكل من يأويها, وأنهما لا يريدانها بعد اليوم, لأنها مصابة بلعنة غريبة!!
دفعت العاقر الوليدة خارج البيت, وأغلقت الباب بوجهها وهي تندب حظها العاثر
وركل الزوج جسد الصغيرة, بقسوة, قبل أن يدلف إلى الداخل
والوليدة أمام باب الباب تطرقه بيدها الصغيرة, منتحبة, حيرى
جلست قرب البيت تنشج الدموع سخية, بلوعة طفل
مضت الساعات طويلة,
رق قلب أحد الجيران عليها, فجاءها بطبق فيه بعض الطعام, أكلته بنهم مفجع, وحن عليها أحد الأولاد فوضع كأس ماء باردة قربها, دون أن يقترب منها!
احترق جلدها, وشمس الظهيرة تلفحه, فمشت نحو الشجيرات القريبة, ونامت تحت ظل إحداها, واضعة يديها تحت خدها, فسالت دمعة سقطت على التراب, نمت على أثرها زهرة خفية.
أفاقت مذعورة في المساء على صوت حفيف الأشجار المتلاحق والحمائم تدخل أعشاشها, فأسرعت خطاها تسير على غير هدى, تنفض ما علق بجسمها من أوراق شجر متكسرة, وتقف أمام الأبواب تطرقها بدقات مستمرة لعل أحدهم يرق قلبه, يفتح بابه لها!!
تجمعت خيوط الظلام, تكثفت, فلبست السماء عباءتها, لتغطي المدينة بالحلكة, وضوء القمر جعل ظلال الأشجار وهي تتحرك, كأشباح تتطاير متراقصة, فكانت عينا الوليدة تتابع المنظر برعب, تركض خوفا, وصوت عويلها يملأ الأنحاء.
وتدور على أبواب البيوت تضربها بأصابعها الرقيقة بيأس, وتشهق الصرخات مرتجفة.
أحست بالخواء, بالتعب, أسندت جسمها على جذع شجرة, طارت العصافير محدثة جلبة أفزعتها, حتى اختض عودها الصغير, وارتعشت شفتاها, هرولت مبتعدة بكل ما تعينها ساقاها الصغيرتان, من سرعة, حتى تاه صوتها بين الأشجار في أحد البساتين, ثم اختفى!
انبلج الصبح متثائبا بين صحوته وغفوة الليل, وأهل المدينة يتساءلون بينهم, أين أضحى مصير الوليدة؟
وبعضهم
بحث بين الشجيرات الممتدة لعلها تكون نائمة تحت إحداها, وآخرين بحثوا عنها في حدائقهم وسواقيها فربما اختبأت فيها!! وكأن حمى غريبة قد انتابتهم!!
وما من أثر لها
وحين غفت الشمس مهمومة, تلملم أشعتها, ولبس الكون لباس الحداد, سمع بعضهم صوت الوليدة باكيا , بعيدا, ومتعبا, وبعضهم سمع طرق أصابعها على الأبواب الباردة.
تكرر الأمر أياما ستة,
وفي اليوم السابع, لم يفتح صاحب الدكان, متجره, ولم يخرج من البيت ولا امرأته, فتساءل الناس عن غيبتهما, وظلال الشك تراود الجميع! فاستدعوا مختار المحلة, وكسروا باب منزلهما, ليجدونهما, متعفنين!! تأكل الجرذان جسديهما.
أعلن طبيب التشريح أنهما أصيبا بوباء غريب, لا يعرف مصدره!!
بانت أعراض المرض على أهالي المنطقة, وصارت الجثث تزداد في الشوارع يوما بعد آخر, لتعزل المدينة, وتعلن أنها منطقة موبوءة!
سيجت الضواحي بأسيجة شائكة, ومنع الدخول أو الخروج منها, لا يدخلها سوى المعالجين, ولا تخرج منها إلا سيارات نقل الموتى!!
وظل الناجون يقسمون أغلظ الإيمان, أنهم مازالوا يسمعون بكائها كل يوم، وطرق أصابعها يهدر على الأبواب.. كلما غابت الشمس, وجن جنون المساء!
اقتحمت أسراب الجراد الأسود, مدينة السلام والقباب الزرق المذهبة, فنخرت مآذنها, وتناثرت بعض فسيفسائها بين الأصقاع, واتشحت باقي المدن بالقحط المكفهر, فبدت ضواحي المدينة على اتساع رقعتها, ملعبا للأشباح, لا يسمع فيها سوى أنين الوجع الغائر بين الضلوع, الذي تخالطه رائحة الجثث المتعفنة, وصفير الرياح الصفراء.
كان ذلك في عام الموت, وبداية عصر الظلام, فجر يوم الفجيعة, التي كتب تاريخها على أسطر الزمن القادم.
حين أمسك أبو الوليدة بيد زوجته, يساعدها على السير, بعد أن فاجأها المخاض مبكرا, يحثها أن تتماسك, فتهاوت متهالكة قبل أن يصلا مستوصف المدينة, تنزف حياتها, نقطة بعد اخرى, تلهث الألم وتستنشق الموت مع كل لحظة طلق آتية, تستعجل خروج الوليدة من رحمها, وتتوسل البارئ أن يعينها.
فاجأه, ظهور رأس الجنين يندفع مسرعا, بين فخذيها, وهي تفتحهما على اتساعهما, تدفع بالجنين بآخر ما تملك من طاقة, لتنقذه من شرنقة الاختناق, إلى الخلق والحياة, والنور, بمعجزة الولادة وديناميكيتها.
اندفع يركض بين المشرق والمغرب, كالمجنون, مستغيثا, يبتلع الضباب صوته, وأزيز الجراد يدوي حوله, وعيونه البارزة تحدق فيه! تراقبه.
أومأت له بيدها, واهنة, أن اسحب رأس الجنين, أخرجه
مد يده يتلبسه الوجل,
أمسك بالرأس, راعه الملمس الدهني المدمى, فتراجع خاشعا.
أعاد الكرة مرة أخرى, وسحب الجنين من أذنيه, لينزلق الجسم الصغير الوردي على إسفلت الشارع, تختلط صرخته التي تضج بالحياة, بحشرجة موت الأم وأنينها.
راع الزوج وجه زوجته الذي بدا له محتقنا حد الزرقة, تألما, وعيناه المرعوبتان تتلقفان هسيس الريح, لعلهما تأتيانه بمعين, والوليدة تتعفر بالتراب و ترتجف بردا.
استحضر كل ذكرياته المحفورة في عمقه عسى أن يعرف كيف يقطع حبل السرة, بينها وبين امها, فلم يجد سوى أسنانه!
كز بقواطعه بقوة على حبل السرة ينهشه, فقطعه بوحشية عفوية, يدفعه شغف مستميت للإبقاء على حياة الصغيرة.
بصق الدم المر الذي علق بفمه, حانقا
رفع جسم الوليدة عاليا بين يديه, أطلق صرخة كذئب جريح, وعيون الجراد ترصده, لتطلق عليه حممها, محدثة في صدره عدة فجوات, تنخر رئتيه.
تراجع الصدر إلى الخلف, تهاوت اليدان, لتحط الوليدة على الجسد النازف
وهي تصرخ ملأ حنجرتها, احتجاجا, ورغبة في الحياة.
ابتعد سرب الجراد قليلا, فرأت أم جواد التي غادر زوجها بليلة ظلماء, متلثما بلثامه, مطاردا, يجوب الأزقة والشوارع ليلا, ينصب الشراك للجراد الأسود, ويقنصها زرافات ووحدانا. الفرصة مواتية, كي تنتشل الوليدة من براثن المنية, وأفخاخها.
حملتها معها إلى بيتها, أرضعتها , فالتهمت الصغيرة الثدي بنهم غريب, جعل أم جواد تبتسم وتمسح دمعة حانية سقطت على خديها, وفم الصغيرة يمتص بقوة حليبها, فيفرغ الجيب أحيانا.
ثلاثة أعوام عجاف مرت, ابتعدت خلالها زيارات أبى جواد لبيته, بعد وشاية, وأم جواد لم تزل تجود على الوليدة, فتطعمها مع أولادها, ليجيء ذاك اليوم!
يوم زفاف أبى جواد للحده, مخضبا بحناء دمه, يحمله الرفاق على الأكتاف, يودعونه.
ليصبح, العسر ضيفا ثقيلا ورديفا على أم جواد, التي تقطعت فيها سبل العيش, فبات إطعام الصغار وأفواههم الصغيرة النهمة, مهمة تكاد تكون شبه مستحيلة, والقحط والجفاف يزرعان أذرعهما المخيفة, نطاقا يحيط حياتها وأولادها, بكل وحشية وبلا هوادة.
أشفقت على الوليدة التي بقي اسمها الوليدة, من الجوع وبطشه, فاستصرخت رحمة الجيران, و ضمائرهم باكية:
- خذوها, فمعي سيلتهمها الجوع, وسينخر حتى عظمها.أشفقوا عليها.
أبدى البعض رفضهم علانية , وتحجج آخرون بقلة ذات اليد وحيلتها، وتحسر المطاردون بين الشوارع عليها.
أخذها صاحب الدكان كهدية, قدمها لزوجته العاقر
- لنربها, ستكون خادمتنا حين تكبر, ستكون أكثر امتنانا من بعض الأبناء الحقيقيين!!
- أو لعلها تعيد الحياة لبيتنا المقفر بضحكاتها, وحين تكبر سأزوجها من رجل غني, لكن شرطي أن يكون من خارج البلد.
و يأخذها صاحب الدكان كل يوم معه, يعرضها أحيانا على الأغراب أصحابه, متباهيا, حين يزورونه مستعلمين منه عن أحوال الناس, وتغيراتهم, و يتباهى أنه من يرعاها, حتى تأتي امرأته ظهرا, لتعيدها بعد أن تضع بيدها قطعة حلوى, تتلقفها الصغيرة بشغف, تمتصها وتتلمظ, وحين تنزلق الحلوى من بين يديها, تبكي بقوة, فتضحك المرأة متلذذة بصوت بكائها, فينتاب امرأة صاحب الدكان شعور غريب بالنشوة, لبكائها, تتلذذه.
مرت سنة أخرى, بانت فيها ملامح الوليدة, وجمال وجهها, وصلابة عودها, والمرأة وصاحب الدكان, يتباهيا أمام كل من هب ودب أنهما يربيان اليتيمة, وأنهما صاحبا النعمة عليها.
وفي ليل بهيم أفاق الزوجان على جلبة مريبة تصدر من ناحية الدكان, هرعا هلعين صوبه, ليقفا مذهولين, لخلو الدكان من أي بضاعة, كأن الجراد التهم كل شيء فيه!
جن جنونهما
وأطلقا نداءا, مفاده
أن هذي الفتاة مصدر نحس وشؤم لكل من يأويها, وأنهما لا يريدانها بعد اليوم, لأنها مصابة بلعنة غريبة!!
دفعت العاقر الوليدة خارج البيت, وأغلقت الباب بوجهها وهي تندب حظها العاثر
وركل الزوج جسد الصغيرة, بقسوة, قبل أن يدلف إلى الداخل
والوليدة أمام باب الباب تطرقه بيدها الصغيرة, منتحبة, حيرى
جلست قرب البيت تنشج الدموع سخية, بلوعة طفل
مضت الساعات طويلة,
رق قلب أحد الجيران عليها, فجاءها بطبق فيه بعض الطعام, أكلته بنهم مفجع, وحن عليها أحد الأولاد فوضع كأس ماء باردة قربها, دون أن يقترب منها!
احترق جلدها, وشمس الظهيرة تلفحه, فمشت نحو الشجيرات القريبة, ونامت تحت ظل إحداها, واضعة يديها تحت خدها, فسالت دمعة سقطت على التراب, نمت على أثرها زهرة خفية.
أفاقت مذعورة في المساء على صوت حفيف الأشجار المتلاحق والحمائم تدخل أعشاشها, فأسرعت خطاها تسير على غير هدى, تنفض ما علق بجسمها من أوراق شجر متكسرة, وتقف أمام الأبواب تطرقها بدقات مستمرة لعل أحدهم يرق قلبه, يفتح بابه لها!!
تجمعت خيوط الظلام, تكثفت, فلبست السماء عباءتها, لتغطي المدينة بالحلكة, وضوء القمر جعل ظلال الأشجار وهي تتحرك, كأشباح تتطاير متراقصة, فكانت عينا الوليدة تتابع المنظر برعب, تركض خوفا, وصوت عويلها يملأ الأنحاء.
وتدور على أبواب البيوت تضربها بأصابعها الرقيقة بيأس, وتشهق الصرخات مرتجفة.
أحست بالخواء, بالتعب, أسندت جسمها على جذع شجرة, طارت العصافير محدثة جلبة أفزعتها, حتى اختض عودها الصغير, وارتعشت شفتاها, هرولت مبتعدة بكل ما تعينها ساقاها الصغيرتان, من سرعة, حتى تاه صوتها بين الأشجار في أحد البساتين, ثم اختفى!
انبلج الصبح متثائبا بين صحوته وغفوة الليل, وأهل المدينة يتساءلون بينهم, أين أضحى مصير الوليدة؟
وبعضهم
بحث بين الشجيرات الممتدة لعلها تكون نائمة تحت إحداها, وآخرين بحثوا عنها في حدائقهم وسواقيها فربما اختبأت فيها!! وكأن حمى غريبة قد انتابتهم!!
وما من أثر لها
وحين غفت الشمس مهمومة, تلملم أشعتها, ولبس الكون لباس الحداد, سمع بعضهم صوت الوليدة باكيا , بعيدا, ومتعبا, وبعضهم سمع طرق أصابعها على الأبواب الباردة.
تكرر الأمر أياما ستة,
وفي اليوم السابع, لم يفتح صاحب الدكان, متجره, ولم يخرج من البيت ولا امرأته, فتساءل الناس عن غيبتهما, وظلال الشك تراود الجميع! فاستدعوا مختار المحلة, وكسروا باب منزلهما, ليجدونهما, متعفنين!! تأكل الجرذان جسديهما.
أعلن طبيب التشريح أنهما أصيبا بوباء غريب, لا يعرف مصدره!!
بانت أعراض المرض على أهالي المنطقة, وصارت الجثث تزداد في الشوارع يوما بعد آخر, لتعزل المدينة, وتعلن أنها منطقة موبوءة!
سيجت الضواحي بأسيجة شائكة, ومنع الدخول أو الخروج منها, لا يدخلها سوى المعالجين, ولا تخرج منها إلا سيارات نقل الموتى!!
وظل الناجون يقسمون أغلظ الإيمان, أنهم مازالوا يسمعون بكائها كل يوم، وطرق أصابعها يهدر على الأبواب.. كلما غابت الشمس, وجن جنون المساء!
طرقت الفكرة بألم موغل بالروح وكتبت بمداد من ألم ,
لابد وان يترك ما حصل داخل العراق الحبيب بالغ أثر
كلماتك كانت قوية والألم داخلها أقوى
أسلوبك فرض نفسه بجماليته
مقدمتك كانت موجعة حتى العظم أبكتني من الداخل
بطلتك لقطتها رائعة هي بلا حول أو قوة
أحببت أن يشفقوا عليها أهل البلدة كاملة بعد ما عانوه وليس العكس
الخاتمة كانت موفقة للغاية فيما حصل لأهل البلدة
رغم أنني أحببت لو كانت النهاية فيها ولو بعض الأمل للقارىء
والولادة لو كانت أقل تفصيلا
عذبني أن تكون البطلة طفلة معذبة لهذا الحد ألا يجب أن نكون أكثر رقة
مع الصغيرة بعد كل ما ... بتصري لا يوجد شيء أكثر من الألم ممكن أن يجمع الناس على المحبة
أحسنت التقاط الفكرة
عطاء وهاج دائما ً
ً
تعليق