سأسأل الطرقات عن خطوك لأعيد بناء عطر حضورك في قلبي؛ قلبي سيصير قارورة حنين وأهمس للطير أن الغزلان قد مرت من هنا، سأدس في جيبي بعض ترب لامسته أقدامك، لأبني عش ذكرى، وقصر أحلام..
انصرف ذهني إلى تلك المدينة الشاطئية الجميلة، الهادئة، والكريم أهلها حين ذكر اسم "أزيلال"، لكنه نبهني إلى أنها مدينة في أعلى جبال الأطلس. لا أعرف سوى ميدلت وإفران، المدينتين الأطلسيتين الرائعتين.
أصبت برعب والحافلة تقلنا إلى "أزيلال، كانت المنعرجات خطيرة للغاية إذ إن مؤخرة الحافلة تطل على الحافة السحيقة لحظة انحرافها وكأن ثقلنا سيسقطها لا محلة، هكذا كنت أظن، أحسست بدوار ورغبة في التقيؤ، وزاد من غمي أن الركاب نيام: أمن خوفهم أم من اعتيادهم؟ كنت الغريب المرعوب، لم تستو الطريق إلا حين بلغنا سد "بين الويدان"، قيل لي: إن منسوبه تناقص بفعل توالي سنوات الجفاف، وبلادنا لا تعرف أمطارا منتظمة إلا قليلا، مررنا بالنفق الجبلي، ليتمدد أمامنا سهل منبسط في أعلى القمة، ولاحت لنا بعض الفرعيات بالسفوح غير البعيدة، لفت انتباهي واحدة قد علاها السواد، سأعرف قصتها فيما بعد. كان مدخل المدينة الصغيرة، والتي تعد أعلى مدينة في المغرب، وكانت منفى للوطنيين إبان الاستعمار الفرنسي، رائعا بالفعل، فقد حفت الطريق من الجانبين بالأشجار الباسقة. مررنا بتل بنيت عليه دارة جديدة للعامل، وببعض المباني التي توجد على الشمال، ثم بأجمل مقهى، وهي لأحد أبناء إقطاعي بث الرعب في نفوس الساكنة، وكان يسلبهم أراضيهم بحيل غاية في الخسة والنذالة، ولذلك لم يسمحوا بدفنه في مقبرتهم. ظلت عائلته من الأعيان، تهيمن على معظم تجارة المدينة، وهو أصحاب الحمام الوحيد بها.
مرة وأنا بتلك المقهى، أقبل علي ناظر الدروس، وطلب مني تأدية المشروب، مدعيا أنه لم يخبر السلطة أني أقف وراء إضراب التلاميذ العنيف. علمت، فيما بعد، أنه سيء الطوية، بيت أمرا للمدير، ليقتلعه من منصبه ويحل محله، ما كنت أظن أن سكان جبالة بهذا السوء، أما المدير، فكان أول وآخر رئيس رفيع الأخلاق أتعامل معه و أشعر معه بالأمن، إذ ما سعى إلى إيذاء احد، طيبوبته هي التي أسقطته في الفخ الذي نصبه له الناظر والحارسان العامان. مدير سعى إلى جعلي أتأقلم مع المنطقة، وتجاوز تغيباتي الكثيرة، ما زلت أذكر اسمه، وأحمل له في قلبي محبة خاصة، كيف لا، وأنا الذي تعاملت مع مديرين بعده غاية في التسلط والخسة.
اسم هذا الرجل الكريم، مفيد، وهومن مدينة أبي الجعد. ولعل في اسمه ما يدل على قيمته، ونبله، وكرمه.
بلغنا محطة الطاكسيات حيث نزلنا، وكانت بالقرب من سور يطل على سوق المدينة، وقبالتنا انتصبت بعض المحلات التجارية، ثم على طول الطريق أراض فلاحية ذات أشكال مستطيلة كأنها ملاعب كرة القدم. أما على اليمين، فتوجد مساكن المدينة الكثيرة، مررنا بدار الثقافة، ودار الشباب حيث يوجد الملعب البلدي، وبالقرب منها إعدادية، تضم داخلية للفتيات، تطق على النيابة، لا تفصل بينهما سوى طريق صاعدة، في نهايتها بنيت عمارتان جميلتان، سكنت، صحبة أستاذ الرياضة يشتغل معي في المؤسسة نفسها، وأستاذ الرياضيات للإعداي، وهما معا، من أبناء المنطقة.
أستاذ الرياضة كان وسيما، طويل القامة، ممتلئ الجسم في غير إفراط، طيب المعشر، حلو الكلام، لا تراه إلا مبتسما، بخلاف أستاذ الرياضيات؛ فقد كان قصير القامة، نحيف الجسم، يحمل حقدا لغير أبناء المنطقة، لا تراه إلا عابسا، نصب لي مقالب عدة بغاية السخرية مني، فهو يهدف إلى الضحك على ابن المدينة بشطارته. والأغرب أنه استولى على بعض أشيائي حين غيبتي، وادعى أن الخادمة هي من سرقتها.
وكنت قبل ذلك قد سكنت مع أساتذة الإبتدائي اغلبهم من مدينتي، في منزل بضيعة فلاحية صغيرةن قبالته يوجد منزل صاحبها، ولم أعلم أن ابنته كانت تحبني إلا حين التقيت بامرأة من المدينة سألتني إن كنت توجهت لخطبتها. ما أتذكره، أنها أتتني طالبة قطع سكر، ناولتها إياها، وانصرفت، لتأتي أختها الصغرى بربع ساعة تطلب مني أن أخبر أختها بوصول أمها، وكانت تظن، كما أخبرتها أختها، أنها بالداخل، يا ليتني تنبهت، كنت أدخلتها لنتبادل أطراف الحديث. وعلى الجانب رصت منازل تفصل بينها دروب مرصوفة بالحجارة، كنت سكنت مع هؤلاء لمدة، فقد استقبلوني بينهم، على أساس أن أبحث لنفسي على منزل خاص بي، وقد شعرت بالغربة، إذ لأول مرة أفارق منزلنا، وأنا الذي لا يعرف كيف يدبر أموره، ولا نقود لي إلا تلك التي زودني بها ألابوان، وفي نهاية الطريق الممتدة إلى مراكش، توجد الثانوية الجديدة التي عينت بها أستاذا للتربية الإسلامية، وما كان لي بها دراية. إذ كيف لي أن أدرس حصصا في الإراثة والزواج والطلاق؟
كان بفصلي تلاميذ نبهاء جدا، واحدة تمكنت من استكمال دراستها بالخراج حيث تخرجت طبية جراحة للقلب، اسمها أمينة العسري، على ما أظن. وفي الفصل الآخر، كان هناط طالبان، أحدهما، وهو الأكثر توفقا، نسيت اسمه، أما الثاني، فاسمه: لمرابط، والجميل، أنهم، رغم تخصصهم العلمي، كانوا يمارسون المسرح، وكانوا يتدربون على مسرحية للمبدع الكبير، سعد الله ونوس، دعاهم الحارس العام إلى الاجتهاد حتى يتولوا مناصب التدريس بغاية طرد الأجنبي، عجبي، أأنا أجنبي في بلدي؟.
في كلا الفصلين يوجد أبناء عامل المنطقة، وتلاميد في مثل سني، ذكر أننا اتجهنا إلى بني ملال للتدرب دامت ثلاثة أيام، لم يسمح لي الحارس بولوج بوابة الأساتذة، أصررت على الدخول منها لكوني أستاذ، لم يقتنع إلا بعد مجيء صديق لي. وكانت مناسبة لزايرة المدينة بالكامل، واستمتعت بمنظر شلالات عين أسردون. اقترح علي زميل أن نعود إلى أزيلال من طريق أخرى، وكانت فرصتي للتعرف على أسماء مناطق ما طرقت سمعي بالمطلق: واد لعبيد، فم الجمعة، المتربة، والتي لا تضم سوى مقهى بائسة، والمسيجة بالصبار، والعطاوية، أظنها تنتمي ترابيا لقلعة السراغة، منطقة غنية بزيتونها ومعاصرها، وتبانت، التي سأعود إلى ذكرها لكونها بصمت حضورها في ذاكرتي بفعل حدث وطني عصيب.
لم أسمع سوى ب"بزو"، فجيراننا كانوا منها، وأحد أبنائها درسني اللغة العربية في الإعدادي، كان أبوه كلما حل وقت الصلاة، يصعد إلى سطح منزله ليرفع الأذان، وكان أمه كلما رأتني تناديني بالحوزي، أما زوجة عمي التي كانت تسكن قريبا منها، فكانت تناديني بالشكذالي، أما عمتي فأخبرتني أنني شرقاوي من أبي الجعد، وأن جدنا هو عمر رضي الله عنه، بخلاف أبي الذي ما فاتحنا في هذا الأمر بتاتا، وكأنه لا يعنيه.
مرة، قام جار لهذه الأسرة بحمل ابن الأستاذ من رجليه، ودلاه في بئر المنزل، المعتوه لم يفلته إلا بعد ماورات وتوسلات، والحق أنه كان يرعبنا حين نراه قادما، نختفي في بيوتنا حتى يمر.
أما أخ الأستاذ الأصغر، فالكل يشهد له بأنه كان لاعب كرة قدم بارع، له مهارات فردية عالية، يستطيع أن يراوغ عددا من المدافعين، إلا أن غروره في كثير من الأحيان يرتد عليه، ويوقع فريقه في ورطات، لكنه كان يرفع من حماس الجمهور بتمريراته السديدة.
كنا في الثانوية حين جاء أمر من السلطة بالتوجه لتابانت، على متن الحافلات، لاستقبال الملك، ركبنا بسرعة، فالأمر جدي، والمناسبة تدشين سد تاشواريت الذي كان يشتغل في أحد أوراشه صديق لي من حومتنا، ورش تفجير الديناميت. وصلنا إلى المكان بسرعة، فهو لا يبعد عن أزيلال إلا قليلا، والوقت ظهرا، وجدنا خياما كثيرة منصوبة، وخيل تقوم بالتبوريدة، تركت زملائي، ورحت أتجول في المكان، أنظر إلى الخيام وقد امتلأت بالخراف المشوية، والأطباق المخفية، ثم عرجت على التبوريدة، فلفتت انتباهي فتاة من الجمال بمكان، فلم أشاهد جمالا منذ قدومي، إذ كاد ظني يخيب في ما سمعته عن فتنة نساء المنطقة، بقيت أحوم حول الدائرة بحثا عنها، فقد غابت عن ناظري بسرعة، حتى ظننت نفسي أني كنت أحلم أو ضحية سراب، في لحظة، أحسست أن أقداما تسير خلفي أينما اتجهت، لم ألاحظ أحدا، لكن الشعور كان قويا. لما استبد بي العياء، وتعملقت في نفسي الخيبة، انتحيت مكانا لأستعيد توازني، فلمحت غير بعيد عني رجلين قويين، ببظلتين رماديتنين، كانا ينظران إلي شزرا، حولت نظي عنهما بسرعة، وكأني لم أرهما، وبقيت معلقا بصري على الخيل في عدوها، وصت البارود ورائحته.
عدنا إلى أزيلال، بواسطة الحافلات وقد اقتربت الشمس من الغروب. مر وقت غير قصير لنسمع أخبار إحباط محاولة انقلابية، فقد سعى الانقلابيون إلى الإطاحة بالملك وهو صحبة ضيفه الكبير، الرئيس الفرنسي "فرانسوا ميتيران". ولم يتم تدشين السد، ونجوت من ورطتي، إذ أني كنت محل شبهة، ولو ألقي غلي القبض، وعلم أن صديقي اشتغل في ورشة الديناميت، لثبت التهمة، ولكان حبل المشنقة حول رقبتي دون محاكمة، طبعا، بعد تعذيب عنيف، وتوقيع على محاضر تدينني باعترافاتي. ولما كتبت هذه الورقة.
حمدت الله على سلامتي، ولم أهتم بطعام العشاء حين عودتنا، وأنا على علم أن لا أحد سيجد خبزا ولا طعاما، فكل الدكاكين تقفل أبوابها بعد العصر، والمخبزة الوحيدة التي تظل مشتغلة لا تبيع سوى خبز أسود.
من ذكاء العاقل أن يلم بخياله حُلْمُ شامل
يبسط السعادة ويحي الأمل الخامل بماء
الطمأنينة والرعاية والحب الكامل
فإن كانت الحياة قصيرة فينبغي ألا يقصرها بالهم والأكدار
فيشح ماؤها ، وينضب معينها نهبا للهموم والأحزان
والمؤمن الذكي من تحقق له فيها الحظ الأوفر
لدفع التشاؤم العاجل والآجل ليحظى بالراحة والأمان في دنياه وآخرته
من ذكاء العاقل أن يلم بخياله حُلْمُ شامل
يبسط السعادة ويحي الأمل الخامل بماء
الطمأنينة والرعاية والحب الكامل
فإن كانت الحياة قصيرة فينبغي ألا يقصرها بالهم والأكدار
فيشح ماؤها ، وينضب معينها نهبا للهموم والأحزان
والمؤمن الذكي من تحقق له فيها الحظ الأوفر
لدفع التشاؤم العاجل والآجل ليحظى بالراحة والأمان في دنياه وآخرته
أشكرك سيدي محمد على طيب تفاعلك وجميل استحسانك. سعيد بتعليقك النير. تقديري
عذرا منك أيها الموت... لقد تاخرت كثيرا ألتجعلني أعيش كل هذا الخراب الروحي والمادي! ألتجعلني أتذوق مرارة البشاعة؟
أما كان عليك الإتيان باكرا لتريحني؟
لقد شلت يدي، وما لي حيلة لرد وردع هذه البشاعات...
أنطوي على نفسي باكيا بكاء العجائز، يا لقهري!
تعليق