ما ذكره المقريزى فى كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار الجزء الثاني ( 69 من 167 )
فأقول: إن مدينة مصر محدودة الآن بحدود أربعة: فحدها الشرقي اليوم: من قلعة الجبل وأنت آخذ إلى باب القرافة فتمر من داخل السور الفاصل بين القرافة ومصر إلى كوم الجارح وتمر من كوم الجارح وتجعل كيمان مصر كلها عن يمينك حتى تنتهي إلى الرصد حيث أول الحبش فهذا طول مصر من جهة المشرق وكان يقال لهذه الجهة عمل فوق.
حدها الغربي:

من قناطر السباع خارج القاهرة إلى موردة الحلفاء وتأخذ على شاطئ النيل إلى دير الطين فهذا أيضًا طولها من جهة المغرب.
حدها القبلي

من شاطئ النيل بدير الطين حيث ينتهي الحد الغربي إلى بركة الحبش تحت الرصد حيث انتهى الحد الشرقي فهذا عرض مصر من جهة الجنوب التي تسميها أهل مصر الجهة القبلية.
وحدها البحري:

من قناطر السباع حيث ابتداء الحد الغربي إلى قلعة الجبل حيث ابتداء الحد الشرقي فهذا عرض مصر من جهة الشمال التي تعرف بمصر بالجهة البحرية وما بين هذه الجهات الأربع فإنه يطلق عليه الآن مصر فيكون أول عرض مصر في الغرب بحر النيل وآخر عرضها في الشرق أول القرافة وأول طولها من قناطر السباع وآخره بركة الحبش
فإذا عرفت ذلك ففي الجهة الغربية خط السبع سقايات ويجاوره الخليج وعليه من شرقيه حكر أقبغا ومن غربيه المريس ومنشأه المهراني ويحاذي المنشأة من شرقي الخليج خط قنطرة السد وخط بين الزقاقين وخط موردة الحلفاءن وخط الجامع الجديد ومن شرقي خط الجامع الجديد خط المراغة ويتصل به خط الكبارة وخط المعاريج ويجاوز خط الجامع الجديد من بحريه الدور التي تطل على النيل وهي متصلة إلى جسر الأفرام المتصل بدير الطين وما جاوره إلى بركة الحبش وهذه الجهة هي أعمر ما في مصر الآن
وأما الجهة الشرقية فليس فيها شيء عامر إلا قلعة الجبل وخط المراغة المجاور لباب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة ويجاور خط مشهد السيدة نفيسة من قبليه الفضاء الذي كان موضع الموقف والعسكر إلى كوم الجارح ثم خط كوم الجارح وما بين كوم الجارح إلى آخر حد طول مصر عند بركة الحبش تحت الرصد فإنه كيمان وهي الخطط التي ذكرها الفضاعي وخربت في الشدة العظمى زمن المستنصر وعند حريق شاور لمصر كما تقدم
وأما عرض مصر الذي من قناطر السباع إلى القلعة فإنه عامر ويشتمل على بركة الفيل الصغرى وبجوار خط السبع سقايات ويجاور الدور التي على هذه البركة من شرقيها خط الكبش ثم خط جامع أحمد بن طولون ثم خط القبيبات وينتهي إلى الفضاء الذي يتصل بقلعة الجبل وأما عرض مصر الذي من شاطئ النيل بخط دير الطين إلى تحت الرصد حيث بركة الحبش فليس فيه عمارة سوة خط درير الطين وما عدا ذلك فقد خرب بخراب الخطط وكان فيه خط بني وائل وخط راشدة فأما خط السبع سقايات: فإنه من جملة الحمراء الدنيا وسيرد ذكر الأخطاط إن شاء الله تعالى وما عدا ذلك فإنه يتبين من ذكر ساحل مصر.
ساحل النيل بمدينة مصر

قد تقدم أن مدينة فسطاط مصر اختطها المسلمون حول جامع عمرو بن العاص وقصر الشمع وأن بحر النيل كان ينتهي إلى باب قصر الشمع الغربي المعروف بالباب الجديد ولم يكن عند فتح أرض مصر بين جامع عمرو وبين النيل حائل ثم انحسر ماء النيل عن أرض تجاه الجامع وقصر الشمع فابتنى فيها عبد العزيز بن مروان وحاز منه بشر بن مروان لما قدم على أخيه عبد العزيز ثم حاز منه هشام بن عبد الملك في خلافته وبنى فيه فلما زالت دولة بني أمية قبض ذلك في الصوافي ثم أقطعه الرشيد السري بن الحكم فصار في يد ورثته من بعده يكترونه ويأخذون حكره وذلك أنه كان قد اختط فيها المسلمون شيئًا بعد شيء وصار شاطئ النيل بعد انحساره ماء النيل عن الأرض المذكورة حيث الموضع الذي يعرف اليوم بسوق المعاريج.
قال القضاعي: كان ساحل أسفل الأرض بإزاء المعاريج القديم وكانت آثار المعاريج قائمة سبع درججحول ساحل البيما إلى ساحل البوري اليوم فعرف ساحل البوري بالمعاريج الجديد يعني بالمعاريج الجديد: موضع سوق المعاريج اليوم وكان من جملة خطط مدينة فسطاط مصرك الحمراوات الثلاث فالحمراء الأولى من جملتها سوق وردان وكان يشرف بغربيه على النيل ويجاوره: الحمراء الوسطى
ومن بعضها الموضع الذي يعلاف اليوم بالكبارة وكانت على النيل أيضًا وبجانب الكبارة: الحمراء القصوى وهي من بحري الحمراء الوسطى إلى الموضع الذي هو اليوم: خط قناطر السباع ومن جملة الحمراء القصوى: خط خليج مصر من حد قناطر السباع إلى تجارة قنطرة السد من شرقيها وبآخر الحمراء القصوى: الكبش وجبل يشكر وكان الكبش يشرف على النيل من غربيه وكان الساحل القديم فيما بين سوق المعاريج اليوم إلى دار التفاح بمصر وأنت مار إلى باب مصر بجوار الكبارة وموضع الكوم المجاور لباب مصر من شرقيه فلما خربت مصر بحريق شاور بن مجير إياها صار هذا الكوم من حينئذ وعرف بكوم المشانيق فأنه كان يشنق بأعلاه أرباب الجرائم ثم بنى الناس فوقه دورًا فعرف إلى يومنا هذا بكوم الكبارة وكان يقال لما بين سوق المعاريج وهذا الكوم لما كان ساحل النيل القالوص.
قال القضاعي: رأيت بخط جماعة من العلماء القالوص: بألف والذي يكتب في هذا الزمان القلوص بحذف الألف فأما القلوس: بحذف الألف فهي من الإبل والنعام الشابة وجمعها قلص وقلاص وقلائص والقلوص من الحباري الأنثى الصغيرة فلعل هذا المكان سمي بالقلوص لأنه في مقابلة الجمل الذي كان على باب الريحان الذي يأتي ذكره في عجائب مصر وأما القالوص بالألف: فهي كلمة رومية ومعناها بالعربية: مرحبًا بك ولعل الروم كانوا يصفقون لراكب هذا الجمل ويقولون هذه الكلمة على عاداته.
وقال ابن المتوج: والساحل القديم أوله من باب مصر المذكور يعني المجاور للكبارة وإلى المعاريج جميعه كان بحرًا يجري فيه ماء النيل وقيل: إن سوق المعاريج كان موردة سوق السمك يعني ما ذكره القضاعي من أنه كان يعرف بساحل البوري ثم عرف بالمعاريج الجديد.
قال ابن المتوج: ونقل أن بستان الجرف المقابل لبستان حوض ابن كيسان كان صناعة العمارة وأدركت أنا فيه بابها ورأيت زريبة من ركن المسجد المجاور للحوض من غربيه تتصل إلى قبالة مسجد العادل الذي بمراغة الدواب الآن.
قال مؤلفه رحمه الله: بستان الجرف يعرف بذلك إلى اليوم وهو على يمنة من سلك إلى مصر من طريق المراغة وهو جار في وقف الخانقاه التي تعرف بالواصلة بين الزقاقين وحوض ابن كيسان يعرف اليوم: بحوض الطواشي تجاه غيط الجرف المذكور يجاوره بستان ابن كيسان الذي صار صناعة وقد ذكر خبر هذه الصناعة عند ذكر مناظر الخلفاء ويعرف بستان ابن كيسان اليوم ببستان الطواشي أيضًا وبين بستان الجرف وبستان الطواشي هذا مراغة مصر قال ابن المتوج:
ورأيت من نقل عمن نقل عمن رأى هذا القلوص يتصل إلى آدر الساحل القديم وأنه شاهد ما عليه من العمائر المطلة على بحر النيل من الرباع والدور المطلة وعد الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على بحر النيل فكانت عدتها ستة عشر ألف سطل مؤبدة ببكر مؤبدة فيها أطناب ترخى بها وتملأ أخبرني بذلك من أثق بنقله وقال: إنه أخبره به من يثق به متصلًا بالمشاهد له الموثوق به قال: وباب مصر الآن بين البستان الذي قبلي الجامع الجديد يعني بستان العالمة وبين كوم المشانيق يعني كوم الكبارة
ورأيت السور يتصل به إلى دار النحاس وجميع ما بظاهره شون ولم يزل هذا السور القديم الذي هو قبلي بستان العالمة موجودًا أراه وأعرفه إلى أن اشترى أرضه من باب مصر إلى موقف المكارية بالخشابين القديمة الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري فأجر مكانه للعامة وصار كل من استأجر قطعة هدم ما بها من البناء بالطوب اللبن وقلع الأساس الحجر وبنى به فزال السور المذكور ثم حدث الساحل الجديد.
قال مؤلفه رحمه الله: وهذا الباب الذي ذكره ابن المتوج كان يقال له: باب الساحل وأول حفر ساحل مصر في سنة ست وثلاثين وثلثمائة وذلك أنه جف النيل عن بر مصر حتى احتاج الناس أن سيتقوا من بحر الجيزة الذي هو فيما بين جزيرة مصر التي تدعى الآن بالروضة وبين الجيزة وصار الناس يمشون هم والدواب إلى الجزيرة فحفر الأستاذ كافور الإخشيدي وهو يومئذ مقدم أمراء الدولة لأونوجور بن الإخشيد خليجًا حتى اتصل بخليج بني وائل ودخل الماء إلى ساحل مصر
ثم إنه لما كان قبل سنة ستمائة تقلص الماء عن ساحل مصر القديمة وصار في زمن الاحتراق يقل حتى تصير الطريق إلى المقاييس يبسًا فلما كان في سنة ثمان وعشرين وستمائة خاف اللطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب من تباعد البحر عن العمران بمصر فاهتم بحفر البحر من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التمر الفاضلية وعمل فيه بنفسه فوافقه على العمل في ذلك الجم الغفير واستوى في المساعدة السوقة والأمير وقسط مكان الحفر على الدور بالقاهرة ومصر والروضة والمقياس فاستمر العمل فيه من مستهل شعبان إلى سلخ شوال مدة ثلاثة أشهر حتى صار الماء يحيط بالمقياس وجزيرة الروضة دائمًا بعدما كان عند الزيادة يصير جدولًا رقيقًا في ذيل الروضة

فإذا اتصل ببحر بولاق في شهر أبيب كان ذلك من الأيام المشهودة بمصر فلما كانت أيام الملك الصالح وعمر قلعة الروضة أراد أن يكون الماء طول السنة كثيرًا فيما دار الروضة فإخذ في الاهتمام بذلك وغرق عدة مراكب مملوءة بالحجارة في بر الجيزة تجاه باب القنطرة خارج مدينة مصر ومن قبلي جزيرة الروضة فانعكس الماء وجعل البحر حينئذ يمر قليلًا قليلًا وتكاثر أولًا فأولًا في بر مصر قال ابن المتوج عن موضع الجامع الجديد: وكان في الدولة الصالحية يعني الملك الصالح نجم الدين أيوب: رملة تمرغ الناس فيها الدواب في زمن احتراق النيل وجفاف البحر الذي هو أمامها
فلما عمر السلطان الملك الصالح قلعة الجزيرة وصار في كل سنة يحفر هذا البحر بجنده ونفسه ويطرح بعض رمله في هذه البقعة شرع خواص السلطان في العمارة على شاطئ هذا البحر فذكر من عمر على هذا البحر من قبالة موضع الجامع الجديد الآن إلى المدرسة المعزية وذكر ما وراء هذه الدور من بستان العالمة المطل عليه الجامع الجديد وغيره ثم قال: وإنما عرف بالعالمة لأنه كان قد حله السلطان الملك الصالح لهذه العالمة فعمرت بجانبه منظرة لها وكان الماء يدخل من النيل لباب المنظرة المذكورة
فلما توفيب بقي البستان مدة في يد وزثتها ثم أخذ منهم وذكر أن بقعة الجامع الجديد كانت قبل عمارته شونًا للأتبان السلطانية وكذلك ما يجاورها فلما عمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد كثرت العمائر من حد موردة الحلفاء على شاطئ النيل حتى اتصلت بدير الطين وعمر أيضًا ما وراء الجامع من حد باب مصر الذي كان بحرًا كما تقدم إلى حد قنطرة السد وأدركنا ذلك كله على غاية العمارة وقد اختل منذ الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة فخرب خط بين الزقاقين المطل من غربيه على الخليج ومن شرقيه على بستان الجرف
ولم يبق به إلا القليل من الدور وموضعه كما تقدم كان في قديم الزمان غامرًا بماء النيل ثم ربى جرفًا وهو بين الزقاقين المذكور فعمر عمارة كبيرة ثم خرب الآن وخرب أيضًا خط موردة الحلفاء وكان في القديم غامرًا بالماء فلما ربى النيل الجرف المذكور وتربت الجزيرة قدام الساحل القديم الذي هو الآن البكارة إلى المعاريج وأنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد عمرت موردة الحلفاء هذه واتصلت من بحريها بمنشأة المهراني ومن قبليها بالأملاك التي تمتد من تجاه الجامع الجديد إلى دير الطين وصارت موردة الحلفاء عظيمة تقف عندها المراكب بالغلال وغيرها ويملأ منها الناس الروايا
وكان البحر لا يبرح طول السنة هناك ثم صار ينشف في فصل الربيع والصيف واستمر على ذلك إلى يومنا هذا وخراب ما خلف الجامع الجديد ايضًا من الأماكنالتي كانت بحرًا تجاه الساحل القديم ثم لما انحسر الماء صارت مراغة للدواب فعرفت اليوم بالمراغة وهي من آخر خط قنطرة السد إلى قريب من الكبارة ويحصرها من غربيها بستان الجرف المقدم ذكره وعدة دور كانت بستانًا وشونًا إلى باب مصر ومن شرقيها بستان ابن كيسان الذي صار صناعة وعرف الآن ببستان الطواشي ولم يبق الآن بخط المراغة إلا مساكن يسيرة حقيرة.
خليج مصر

اعلم أن خليج مصر كان يخرج من بحر النيل فيمر بطريق الحمراء القصوى وكان في الجانب الغربي من هذا الخليج عدة بساتين من جملتها بستان عرف ببستان الخشاب ثم خرب هذا البستان وموضعه الآن يعرف: بالمريس فلما كان بعد الخمسمائة من سني الهجةر انحسر النيل عن أرض فيما بين ميدان اللوق الآتي ذكره في الأحكار ظاهر القاهرة إن شاء الله تعالى وبين بستان الخشاب المذكورة فعرفت هذه الأرض بمنشأة الفاضل لأن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي اليساني أنشأ بها بستانًا عظيمًا كان يمير أهل القاهرة من ثماره وأعنابه وعمر بجانبه جامعًا وبنى حوله فقيل لتلك الخطة منشأة الفاضل
وكثرت بها العمارة وأنشأ بها موفق الدين محمد بن أبي بكر المهدوي العثماني الديباجي بستانًا دفع له فيه ألف دينار في أيام الظاهر بيبرس وكان الصرف قد بلغ كل دينار ثمانية وعشرين درهمًا ونصفًا فاستولى البحر على بستان الفاضل وجامعه وعلى سائر ما كان بمنشأة الفاضل من البساتين والدور وقطع ذلك حتى لم يبق لشيء منه أثر وما برح باعة العنب بالقاهرة ومصر تنادي على العنب بعد خراب بستان الفاضل هذا عدة سنين: رحم الله الفاضل يا عنب إشارة لكثرة إعناب بستان الفاضل وحسنهان
وكان أكل البحر لمنشأة الفاضل هذه بعد سنة ستين وستمائة وكان الموفق الديباجي المذكور يتولى خطابة جامع الفاضل الذي كان بالمنشأة فلم تلف الجامع باستيلاء النيل عليه سأل: الصاحب بهاء الدين بن حنا وألح عليه وكان من ألزامه حتى قام في عمارة الجامع بمنشأة المهراني ومنشأة المهراني هذه موضعها فيما بين النيل والخليج وفيها من الحمراء القصوى فوهة الخليج انحسر عنها ماء النيل قديمًا وعرف موضعها بالكوم الأحمر من أجل أنه كان يعمل فيها أقمنة الطوب فلما سأل الصاحب بهاء الدين بن حنا الملك الظاهر بيبرس في عمارة جامع بهذا المكان ليقوم مقام الجامع الذي كان بمنشأة الفاضل أجابه إلى ذلك وأنشأ الجامع بخط الكوم الأحمر كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع فأنشأ هناك الأمير سيف الدين بلبان المهراني دارًا وسكنها وبنى مسجدًا فعرفت هذه الخطة به
وقيل لها: منشأة المهراني فإن المهراني المذكور أول من ابتنى فيها بعد بناء الجامع وتتابع الناس في البناء بمنشأة المهراني وأكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة سوى من كان هناك من الزراء وأماثل الكتاب وأعيان القضاة ووجوه الناس ولم تزل على ذلك حتى انحسر الماء عن الجهة الشرقية فخربت وبها الآن بقية يسيرة من الدور ويتصل بخط الجامع الجديد خط دار النحاس وهو مطل على النيل ودار النحاس هذه من الدور القديمة وقد دثرت وصارت الخط: يعرف بها.
دار النحاس

قال القضاعي: دار النحاس اختطها: وردان مولى عمرو بن العاص فكتب مسلمة بن مخلد وهو أمير مصر إلى معاوية يسأله أن يجعلها ديوانًا فكتب معاوية إلى وردان يسأله فيها وعوضه فيها دار وردان التي بسوقه الآن وقال ربيعة: كانت هذه الدار من خطة الحجر من الأزد فاشتراها عمر بن مروان وبناها فكانت في يد ولده وقبضت عنهم وبيعت في الصوافي سنة ثمان وثلثمائة ثم صارت إلى شمول الإخشيدي فبناها قيسارية وحمامًا فصارت دار النحاس قيسارية شمول.
وقال ابن المتوج: دار النحاس خط نسب لدار النحاس وهو الآن فندق الأشراف ذو البابين أحدهما من رحبة أمامه والثاني شارع بالساحل القديم وبآخر هذه الشقة التي تطل على النيل " جسر الأفرام " وهو في طرف مصر فيما بين المدرسة المعزية وبين رباط الآثار كان مطلًا على النيل دائمًا والآن ينحسر الماء عنه عند هبوط النيل وعرف بالأمير عز الدين أيدمر الأفرم الصالحي النجمي أمير جندار وذلك أنه لما استأجر بركة الشعيبية كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب جعل منها فدانين من غربيها أذن للناس في تحكيرها فحكرت
وبنى عليها عدة دور بلغت الغاية في إتقان العمارة وتنافس عظماء دولة الناصر محمد بن قلاون من الوزراء وأعيان الكتاب في المساكن بهذا الجسر وبنوا وتأنقوا وتفننوا في بديع الزخرفة وبالغوا في تحسين الرخام وخرجوا عن الحد في كثرة إنفاق الأموال العظيمة على ذلك بحيث صار خط الجسر خلاصة العامر من إقليم مصر وسكانه أرق الناس عيشًا وأترف المتنعمين حياة وأوفرهم نعمة ثم خرب هذا الجسر بأسره وذهبت دوره.
الجهة الشرقية من مصر

وأما الجهة الشرقية من مصر: ففيها قلعة الجبل وقد أفردنا لها خبرًا مستقلًا يحتوي على فوائد كثيرة تضمنه هذا الكتاب فانظره ويتصل آخر قلعة الجبل بخط باب القرافة وهو من أطراف القطائع والعسكر ويلي خط باب القرافة الفضاء الذي كان يعرف بالعسكر وقد تقدم ذكره وكان بأطراف العسكر مما يلي كوم الجارح.
الموقف قال ابن وصيف شاه في أخبار الريان بن الوليد: وهو فرعون نبي الله يوسف صلوات الله عليه ودخل إلى البلد في أيامه غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته وباعوه وكانت قوافل الشام تعرس بناحية الموقف اليوم فأوقف الغلام ونودي عليه وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم فاشتراه أطفين العزيز ويقال: إن الذي أخرج يوسف من الجب: مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وقال القضاعي: كان الموقف فضاء لأم عبد الله بن مسلمة بن مخلد فتصدقت به على المسلمين فكان موقفًا تباع فيه الدواب ثم ملك بعد وقد ذكرته في الظهر يعني في خطط أهل وقال ابن المتوج: بقعة " خط الصفا " هذا الخط دهر جميعه ولم يبق له أثر وهو قبلي الفسطاط أوله بجوار المصنع وخط الطحانين أدركته كان صفين طواحين متلاصقة متصلة من درب الصفاء إلى كوم الجارح وأدركت به جماعة من أكابر المصريين أكثرهم عدول وكان المار بين هذين الصفين لا يسمع حديث رفيقه إذا حدثه لقوة دوران الطواحين وكان من جملتها طاحون واحد فيه سبعة أحجار دثر جميع ذلك ولم يبق له أثر.
درب الصفاء

قال: وبقعة درب الصفاء هو الدرب الذي كان باب مصر وقيل: إنه كان بظاهره سوق يوسف عليه السلام وكان بابًا بمصراعين يعلوهما عقد كبير وهو بعتبة كبيرة سفلى من صوان وكان بجوار المصنع الخراب الموجود الآن وكان حول المصنع عمد رخام بدائرة حاملة الساباط يعلوه مسجد معلق هدم ذلك جميعه في ولاية سيف الدين المعروف بابن سلار والي مصر في دولة الظاهر بيبرس وهذا الدرب يسلك منه إلى درب الصفاء والطحانين.
قال مؤلفه رحمه الله: كان هذا الباب المذكور أحد أبواب مدينة مصر وبابها الآخر من ناحية الساحل الذي موضعه اليوم باب مصر بجوار الكبارة وأنا أدركت آثار درب الصفاء المذكور والمصنع الخراب وكان يصب فيه الماء للسبيل وهو قريب من كوم الجارح وسيأتي ذكر كوم الجارح في ذكر الكيمان من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وأما الذي يلي كوم الجارح إلى آخر حد طول مصر عند بركة الحبش فإنها الخطط القديمة وأدركتها عامرة لا سيما خط النخالين وخط زقاق القناديل وخط المصاصة وقد خرب جميع ذلك وبيعت أنقاضه من بعد سنة تسعين وسبعمائة.
الجهة القبلية

وأما الجهة القبلية من مصر: فإن خط دير الطين حدثت العمارة فيه بعد سنة ستمائة لما أنشأ الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين علي بن حنا الجامع هناك وعمر الناس في جسر الأفرم وكان قبل ذلك آخر عمارة مدينة مصر دار الملك التي موضعها الآن بجوار المدرسة المعزية وأما موضع الجسر فإنه كان بركة ماء تتصل بخط راشدة حيث جامع راشدة ومن قبلي هذه البركة البستان الذي كان يعرف ببستان الأمير تميم بن المعز ويعرف اليوم: بالمعشوق وهو على رباط الآثار ويجاور المعشوق بركة الحبش وما بين خط دير الطين وآخر عرض مصر من الجهة القبلية طرف خط راشدة.
الجهة البحرية

وأما الجهة البحرية من مصر: فإنه يتصل بخط السبع سقايات الدور المطلة على البركة التي يقال لها بركة قارون وهي التي تجاور الآن حدرة ابن قميحة وهي من جملة الحمراء القصوى وبقبلي البركة المذكورة الكوم المعروف بالأسرى وهو من جملة العسكر وسيرد إن شاء الله تعالى ذكره عند ذكر الكيمان ويجاور البركة المذكورة خط الكبش وقد ذكر في الجبال ويأتي إن شاء الله تعالى له خبر عند ذكر الأخطاط ويلي خط الكبش خط الجامع الطولوني ويلي خط الجامع القبيبات وخط المشهد النفيسي وجميع ذلك إلى قلعة الجبل من جملة القطائع.
أبواب مدينة مصر

أبواب مدينة مصر وكان لفسطاط مصر أبواب في القديم خربت وتجدد لها بعد ذلك أبواب أخر.
باب الصفاء

هذا الباب كان هو في الحقيقة باب مدينة مصرن وهي في كمالها ومنه تخرج العساكر وتعبر القوافل وموضعه الآن بالقرب من كوم الجارح وهدم في أيام الملك الظاهر بيبرس.
باب الساحل:

كان يفضي بسالكه إلى ساحل النيل القديم وموضعه قريب من الكبارة.
باب مصر:

هذاالباب هو الذي بناه قراقوش ومنه يسلك الآن من دخل إلى مدينة مصر من الطريق التي تعرف بالمراغة وهو مجاور للكوم الذي يقال له: كوم المشانيق ويعرف اليوم بالكبارة وكان موضع هذا الباب عامرًا لماء النيل فلما انحسر الماء عن ساحل مصر صار الموضع المعروف بالمراغة والموضع المعروف بغيط الجرف إلى موردة الحلفاء فضاء لا يصل إليه ماء النيل البتة فأحب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أن يدير سورًا يجمع فيه القاهرة ومصر وقلعة الجبل فزاد في سور القاهرة على يد قراقوش من باب القنطرة إلى باب الشعرية وإلى باب البحر يريد أن يمد السور من باب البحر إلى الكوم الأحمر الذي هو اليوم حافة خليج مصر تجاه خط بين الزقاقين ليصل أيضًا من الكوم الأحمر إلى باب مصر هذا فلم يتهيأ له هذا وانقطع السور من عند جامع المقس وزاد في سور القاهرة أيضًا من باب النصر إلى قلعة الجبل فلم يكمل له ومد السور من قلعة الجبل إلى باب القنطرة خارج مصر فصار هذا الباب غير متصل بالسور.
باب القنطرة:

هذا الباب في قبلي مدينة مصر عرف بقنطرة بني وائل التي كانت هناك وهو أيضًا من بناء قراقوش.
المقريزى المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار الجزء الثاني ( 71 من 167 ) : " ما كان عليه موضع القاهرة قبل وضعها اعلم أن مدينة الإقليم منذ كان فتح مصر على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه كانت مدينة الفسطاط المعروفة في زماننا بمدينة: مصر قبلي القاهرة وبها كان محل الأمراء ومنزل ملكهم وإليها تجبى ثمرات الأقاليم وتأوي الكافة وكانت قد بلغت من وفور العمارة وكثرة الناس وسعة الأرزاق والتفنن في أنواع الحضارة والتأنق في النعيم ما أربت به على كل مدينة في المعمور حاشا بغداد فإنها كانت سوق العالم وقد زاحمتها مصر وكادت أن تساميها إلا قليلًا
ثم لما انقضت الدولة الإخشيدية من مصر واختل حال الإقليم بتوالي الغلوات وتواتر الأوباء والفنوات حدثت مدينة القاهرة عند قدوم جيوش المعز لدين الله أبي تميم معد أمير المؤمنين على يد عبده وكاتبه القائد جوهر فنزل حيث القاهرة الآن وأناخ هناك وكانت حينئذ رملة
الخليج الكبير وبالخليج الحاكمي وبين الخليج المعروف باليحاميم - أم دنين

وكانت فيما بين الخليج المعروف بالخليج الكبير وبالخليج الحاكمي وبين الخليج المعروف باليحاميم وهو الجبل الأحمر وكان الخليج المذكور فاصلًا بين الرملة المذكورة وبين القرية التي يقال لها: أم دنين ثم عرفت الآن بالمقس كان يعرف بمنية الأصبغ ثم عرف إلى يومنا بالخندق وتمر العساكر والتجار وغيرهم من منية الأصبغ إلى بني جعفر على غيفة وسلمنت إلى بلبيس وبينها وبين مدينة الفسطاط أربعة وعشرون ميلًا
ومن بلبيس إلى العلاقمة إلى الفرما ولم يكن الدرب الذي يسلك في وقتنا من القاهرة إلى العريش في الرمل يعرف في القديم وإنما عرف بعد خراب تنيس والفرما وإزاحة الفرنج عن بلاد الساحل بعد تملكهم له مدة من السنين وكان من يسافر في البر من الفسطاط إلى الحجاز ينزل بجب عميرة المعروف اليوم ببركة الجبة وببركة الحاج
الدير / بئر العظام والعامة تقول بئر العظمة

ولم يكن عند نزول جوهر بهذه الرملة فيها بنيان سوى أماكن هي بستان الإخشيد محمد بن ظفج المعروف اليوم بالكافوري من القاهرة ودير للنصارى يعرف بدير: العظام تزعم النصارى أن فيه بعض من أدرك المسيح عليه السلام وبقي الآن بئر هذا الدير وتعرف ببئر العظام والعامة تقول بئر العظمة وهي بجوار الجامع الأقمر من القاهرة ومنها ينقل الماء إليه وكان بهذه الرملة أيضًا مكان ثالث يعرف بقصير الشوك بصيغة التصغير تنزله بنو عذرة في الجاهلية وصار موضعه عند بناء القاهرة بعرف بقصر الشوك من جملة القصور الزاهرة
شاطئ المقس

هذا الذي اطلعت عليه أنه كان في موضع القاهرة قبل بنائها بعد الفحص والتفتيش وكان النيل حينئذ بشاطئ المقس يمر من موضع الساحل القديم بمصر الذي هو الآن سوق المعاريج وحمام طن والمراغة وبستان الجرف وموردة الحلفاء ومنشأة المهراني على ساحل الحمراء وهي موضع قناطر السباع فيمر النيل بساحل الحمراء إلى المقس موضع جامع المقس الآن
وفيما بين الخليج وبين ساحل النيل بساتين الفسطاط فإذا صار النيل إلى المقس حيث الجامع الآن مر من هناك على طرف الأرض التي تعرف اليوم بأرض الطبالة من الموضع المعروف اليوم بالجرف وصار إلى البعل ومر على طرف منية الأصبغ من غربي الخليج إلى المنية وكان فيما بين الخليج والجبل مما يلي بحري موضع القاهرة مسجد بني على رأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ثم مسجد تبر الإخشيدي فعرف بمسجد تبر والعامة تقول: مسجد التبن ولم يكن الممر من الفسطاط إلى عين شمس
وإلى الحوف الشرقي وإلى البلاد الشامية إلا بحافة الخليج ولا يكاد يمر بالرملة التي في موضعها الآن مدينة القاهرة كثير جدًا ولذلك كان بها دير للنصارى إلا أنه لما عمر الإخشيد البستان المعروف: بالكافوري أنشأ بجانبه ميدانًا وكان كثيرًا ما يقيم به وكان كافور أيضًا يقيم به وكان فيما بين موضع القاهرة ومدينة الفسطاط مما يلي الخليج المذكور: أرض تعرف في القديم منذ فتح مصر بالحمراء القصوى
وهي موضع قناطر السباع وجبل يشكر حيث الجامع الطولوني وما دار به وفي هذه الحمراء عدة كنائس وديارات للنصارى خربت شيئًا بعد شيء إلى أن خرب آخرها في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون وجميع ما بين القاهرة ومصر مما هو موجود الآن من العمائر فإنه حادث بعد بناء القاهرة ولم يكن هناك قبل بنائها شيء البتة سوى كنائس الحمراء
حدود القاهرة

قال ابن عبد الظاهر في كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة
الذي استقر عليه الحال أن حد القاهرة من مصر من السبع سقايات وكان قبل ذلك من المجنونة إلى مشهد السيد رقية عرضًا اه والآن تطلق القاهرة على ما حازه السور الحجر الذي طوله من باب زويلة الكبير إلى باب الفتوح وباب النصر وعرضه من باب سعادة وباب الخوخة إلى باب البرقية والباب المحروق ثم لما توسع الناس في العمارة بظاهر القاهرة
وبنوا خارج باب زويلة حتى اتصلت العمائر بمدينة فسطاط مصر وبنوا خارج باب الفتوح وباب النصر إلى أن انتهت العمائر إلى الريدانية وبنوا خارج باب القنطرة إلى حيث الموضع الذي يقال له بولاق حيث شاطئ النيل وامتدوا بالعمارة من بولاق على الشاطئ إلى أن اتصلت بمنشأة المهراني وبنوا خارج باب البرقية والباب المحروق إلى سفح الجبل بطول السور فصار حينئذ العامر بالسكنى على قسمين: أحدهما يقال له: القاهرة والآخر يقال له: مصر.
فأما مصر: فإن حدها ما وقع عليه الاصطلاح في زمننا هذا الذي نحنفيه من حد أول قناطر السباع إلى طرف بركة الحبش القبلي مما يلي بساتين الوزير وهذا هو طول حد مصر وحدها في العرض من شاطئ النيل الذي يعرف قديمًا بالساحل الجديد حيث فم الخليج الكبير وقنطرة السد إلى أول القرافة الكبرى.
طول القاهرة

وأما حد القاهرة فإن طولها من قناطر السباع إلى الريدانية وعرضه من شاطئ النيل ببولاق إلى الجبل الأحمر ويطلق على ذلك كله مصر والقاهرة وفي الحقيقة قاهرة المعز التي أنشأها القائد جوهر عند قدومه من حضرة مولاه المعز لدين الله أبي تميم معد إلى مصر في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة إنما هي ما دار عليه السور فقط
غير أن السور المذكور الذي أداره القائد جوهر تغير وعمل منذ بنيت إلى زمننا هذا ثلاث مرات ثم حدثت العمائر فيما وراء السور من القاهرة فصار يقال لداخل السور: القاهرة ولما خرج عن السور ظاهر القاهرة وظاهر القاهرة أربع جهات: الجهة القبلية وفيها الآن معظم العمارة وحد هذه الجهة طولًا من عتبة باب زويلة إلى الجامع الطولوني وما بعد الجامع الطولوني فإنه من حد مصر وحدها عرضًا من الجامع الطيبرسي بشاطئ النيل غربي المريس إلى قلعة الجبل
وفي الاصطلاح الآن أن القلعة من حكم مصر والجهة البحرية وكانت قبل السبعمائة من سني الهجرة وبعدها إلى قبيل الوباء الكبير فيها أكثر العمائر والمساكن ثم تلاشت من بعد ذلك وطول هذه الجهة من باب الفتوح وباب النصر إلى الريدانية
عرض القاهرة

وعرضها من منية الأمراء المعروفة في زمننا الذي نحن فيه بمنية الشيرج إلى الجبل الأحمر ويدخل في هذا الحد مسجد تبر والريدانية والجهة الشرقية إنها حيث ترب أهل القاهرة ولم تحدث بها العمر من التربة إلا بعد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وحد هذه الجهة طولًا من باب القلعة المعروف بباب السلسلة إلى ما يحاذي مسجد تبر في سفح الجبل وحدها عرضًا فيما بين سور القاهرة والجبل والجهة الغربية فأكثر العمائر بها لم يحدث أيضًا إلا بعد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وإنما كانت بساتين وبحرًا وحد هذه الجهة طولًا من منية الشيرج إلى منشأة المهراني بحافة بحر النيل وحدها عرضًا من باب القنطرة وباب الخوخة وباب سعادة إلى ساحة النيل
الظاهــــــــر

وهذه الأربع جهات من خارج السور يطلق عليها: ظاهر وتحوي مصر والقاهر من الجوام والمساجد والربط والمدارس والزوايا والدور العظيمة والمساكن الجليلة والمناظر البهجة والقصور الشامخة والبساتين النضرة والحمامات الفاخرة والقياسر المعمورة بأصناف الأنواع والأسواق المملوءة مما تشتهي الأنفس والخانات المشحونة بالواردين والفنادق الكاظة بالسكان والترب التي تحكي القصور ما لا يمكن حصره ولا يعرف ما هو قدره إلا أن قدر ذلك بالتقريب الذي يصدقه الاختبار طولًا بريدا وما يزيد عليه وهو من مسجد تبر إلى بساتين الوزير قبلي بركة الحبش وعرضًا يكون نصف بريد فما فوقه وهو من ساحل النيل إلى الجبل
ويدخل في هذا الطول والعرض بركة الحبش وما دار بها وسطح الجرف المسمى: بالرصد ومدينة الفسطاط التي يقال لها: مدينة مصر والقرافة الكبرى والصغرى وجزيرة الحصن المعروف اليوم: بالروضة ومنشأة المهراني وقطائع ابن طولون التي تعرف الآن بحدرة ابن قميحة وخط جامع بن طولون والرميلة تحت القلعة والقبيبات وقلعة الجبل والميدان الأسود الذي هو اليوم مقابر أهل القاهرة خارج باب البرقية إلى قبة النصر والقاهرة المعزية
وهو ما دار عليه السور الحجر والحسينية والريدانية والخندق وكوم الريش وجزيرة الفيل وبولاق والجزيرة الوسطى المعروفة بجزيرة أروى وزريبة قوصون وحكر ابن الأثير ومنشأة الكاتب والأحكار التي فيما بين القاهرة وساحل النيل وأراضي اللوق والخليج الكبير الذي تسمه العامة بالخليج الحاكمي والحبانية والصليبة والتبانة ومشهد السيدة نفيسة وباب القرافة وأرض الطبالة والخليج الناصري والمقس والدكة وغير ذلك مما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى وقد أدركنا هذه المواضع وهي عامرة والمشيخة تقول: هي خراب بالنسبة لما كانت عليه قبل حدوث طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة الذي يسميه أهل مصر: الفناء الكبير وقد تلاشت هذه الأماكن وعمها الخراب منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة ولله عاقبة الأمور.
بناء القاهرة في الدولة الفاطمية

بناء القاهرة وما كانت عليه في الدولة الفاطمية وذلك أن القائد جوهر الكاتب: لما قدم الجيزة بعساكر مولاه الإمام المعز لدين الله أبي تميم معد أقبل في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت منن شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وسارت عساكره بعد زوال الشمس وعبرت الجسر أفواجًا وجوهر في فرسانه إلى المناخ الذي رسم له المعز موضع القاهرة الآن فاستقر هناك واختط القصر
وبات المصريون فلما أصبحوا حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل وكانت فيه أزورارات غير معتدلة فلما شاهدها جوهر لم يعجبه ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة فتركه على حاله وأدخل فيه دير العظام ويقال: إن القاهرة اختطها جوهر في يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين واختطت كل قبيلة خطة عرفت بها: فزويلة بنت الحارة المعروفة بها واختطت جماعة من أهل برقة الحارة البرقية واختطت الروم حارتين: حارة الروم الآن وحارة الروم الجوانية بقرب باب النصر
وقصد جوهر باختطاط القاهرة حيث هي اليوم أن تصير حينًا فيما بين القرامطة وبين مدينة مصر ليقاتلهم من دونها فأدار السور اللبن على مناخه الذي نزل فيه بعساكره وأنشأ من داخل السور جامعًا وقصرًا وأعدها معقلًا يتحصن به وتنزله عساكره واحتفر الخندق من الجهة الشامية ليمنع اقتحام عساكر القرامطة إلى القاهرة وما وراءها من المدينة وكان مقدار القاهرة حينئذ أقل من مقدارها اليوم فإن أبوابها كانت من الجهات الأربعة ففي الجهة القبلية التي تفضي بالسالك منها إلى مدينة مصر: بابان متجاوران يقال لهما: بابا زويلة وموضعهما الآن بحذاء المسجد الذي تسميه العامة: بسام بن نوح
ولم يبق إلى هذا العهد سوى عقده ويعرف باب القوس وما بين باب القوس هذا وباب زويلة الكبير ليس هو من المدينة التي أسسها القائد جوهر وإنما هي زيادة حدثت بعد ذلك وكان في جهة القاهرة البحرية وهي التي يسلك منها إلى عين شمس بابان أحدهما باب النصر وموضعه بأول الرحبة التي قدام الجامع الحاكمي الآن وأدركت قطعة منه كانت قدام الركن الغربي من المدرسة القاصدية
وما بين هذا المكان وباب النصر الآن مما زيد في مقدار القاهرة بعد جوهر والباب الآخر من الجهة البحرية: باب الفتوح وعقده باق إلى يومنا هذا مع عضادته اليسرى وعليه أسطر مكتوبة بالقلم الكوفي وموضع هذا الباب الآن بآخر سوق المرحلين وأول رأس حارة بهاء الدين مما يلي باب الجامع الحاكمي وفيما بين هذا العقد وباب الفتوح من الزيادات التي زيدت في القاهرة من بعد جوهر وكان في الجهة الشرقية من القاهرة وهي الجهة التي يسلك منها إلى الجبل بابان: أحدهما يعرف الآن: بالباب المحروق والآخر يقال له: باب البرقية وموضعهما دون مكانهما إلى الآن
ويقال لهذه الزيادة من هذه الجهة: بين السورين وأحد البابين القديمين موجود إلى الآن اسكفته وكان في الجهة الغربية من القاهرة وهي المطلة على الخليج الكبير بابان أحدهما: باب سعادة والآخر باب الفرج وباب ثالث يعرف: بباب الخوخة أظنه حدث بعد جوهر وكان داخل سور القاهرة يشتمل على قصرين وجامع يقال لأحد القصرين: القصر الكبير الشرقي وهو منزل سكنى الخليفة ومحل حرمه وموضع جلوسه لدخول العساكر وأهل الدولة وفيه الدواوين وبيت المال وخزائن السلاح وغير ذلك وهو الذي أسسه القائد جوهر وزاد فيه المعز ومن بعده من الخلفاء والآخر تجاه هذا القصر ويعرف: بالقصر الغربي
وكان يشرف على البستان الكافوري ويتحول إليه الخليفة في أيام النيل للنزهة على الخليج وعلى ما كان إذ ذاك بجانب الخليج الغربي من البركة التي يقال لها بطن البقرة ومن البستان المعروف بالبغدادية وغيره من البساتين التي كانت تتصل بأرض اللوق وجنان الزهري وكان يقال لمجموع القصرين: القصور الزاهرة ويقال للجامع: جامع القاهرة والجامع الأزهر.
القصـــــــر الكبير الشرقى

فأما القصر الكبير الشرقي: فإنه كان من باب الذهب الذي موضعه الآن محراب المدرسة الظاهرية التي أنشأها الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري وكان يعلو عقد باب الذهب منظرة يشرف الخليفة فيها من طاقات في أوقات معروفة وكان باب الذهب هذا هو أعظم أبواب القصر ويسلك من باب الذهب المذكور إلى باب البحر وهو الباب الذي يعرف اليوم: بباب قصر بشتاك مقابل المدرسة الكاملية وهو من باب البحر إلى الركن االمخلق ومنه إلى باب الريح وقد أدركنا منه عضادتيه واسكفته وعليها أسطر بالقلم الكوفي
وجميع ذلك مبني بالحجر إلى أن هدمه الأمير الوزير المشير جمال الدين يوسف الإستادار وفي موضعه الآن قيسارية أنشأها المذكور بجوار مدرسته من رحبة باب العيد ويسلك من باب الريح المذكور إلى باب الزمرذ وهو موضع المدرسة الحجازية الآن ومن باب الزمرذ إلى باب العيد وعقده باق وفوقه قبة إلى الآن في درب السلامي بخط رحبة باب العيد وكان قبالة باب العيد هذا رحبة عظيمة في غاية الاتساع تقف فيها العساكر الكثيرة من الفارس والراجل في يومي العيدين تعرف: برحبة العيد وهي من باب الريح إلى خزانة البنود وكان يلي باب العيد السفينة وبجوار السفينة خزانة البنود ويسلك من خزانة البنود إلى باب قصر الشوك
وأدركت منه قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه الحمام التي عرفت بحمام الأيدمري ثم قيل لها في زمننا: حمام يونس بجوار المكان المعروف: بخزانة البنود وقد عمل موضع هذا الباب زقاق يسلك منه إلى المارستان العتيق وقصر الشوك ودرب السلامي وغيره ويسلك من باب قصر الشوك إلى باب الديلم وموضعه الآن المشهد الحسيني وكان فيما قصر الشوك وباب الديلم رحبة عظيمة تعرف برحبة قصر الشوك أولها من رحبة خزانة البنود وآخرها حيث المشهد الحسيني الآن
وكان قصر الشوك يشرف على اصطبل الطارمة ويسلك من باب الديلم إلى باب تربة الزعفران وهي مقبرة أهل القصر من الخلفاء وأولادهم ونسائهم وموضع باب تربة الزعفران فندق الخليلي في هذا الوقت ويعرف بخط الزراكشة العيتق وكان فيما بين باب الديلم وباب تربة الزعفران الخوخ السبع التي يتوصل منها الخليفة إلى الجامع الأزهر في ليالي الوقدات فيجلس بمنظرة الجامع الأزهر ومعه حرمه لمشاهدة الوقيد والجمع وبجوار الخوخ السبع اصطبل الطارمة وهو برسم الخيل الخاص المعدة لركاب الخليفة
وكان مقابل باب الديلم ومن وراء اصطبل الطارمة الجامع المعد لصلاة الخليفة بالناس أيام الجمع وهو الذي يعرف في وقتنا هذا بالجامع الأزهر ويسمى في كتب التاريخ: بجامع القاهرة وقدام هذا الجامع رحبة متسعة من حد اصطبل الطارمة إلى الموضع الذي يعرف اليوم: بالأكفانيين ويسلك من باب تربة الزعفران إلى باب الزهومة وموضعه الآن باب سر قاعة مدرسة الحنابلة من المدارس الصالحية
وفيما بين تربة الزعفران وباب الزهومة دراس العلم وخزانة الدرق ويسلك من باب الزهومة إلى باب الذهب المذكور أولًا وهذا هو دور القصر الشرقي الكبير وكان بحذاء رحبة باب العيد: دار الضيافة وهي الدار المعروفة: بدار سعيد السعداء التي هي اليوم: خانقاه للصوفية ويقابلها: دار الوزارة وهي حيث الزقاق المقابل لباب سعيد السعداء والمدرسة القراسنقرية وخانقاه بيبرس وما يجاورها إلى باب الجوانية وما وراء هذه الأماكن وبجوار دار الوزارة الحجر وهي من حذاء دار الوزارة بجوار باب الجوانية إلى باب النصر القديم ومن وراء دار الوزارة: المناخ السعيد ويجاوره حارة العطوفية وحارة الروم الجوانية
وكان جامع الخطبة الذي يعرف اليوم بجامع الحاكم خارجًا عن القاهرة وفي غربيه الزيادة التي هي باقية إلى اليوم وكانت أهراء لخزن الغلال التي تدخر بالقاهرة كما هي عادة الحصون وكان في غربي الجامع الأزهر: حارة الديلم وحارة الروم البرانية وحارة الأتراك وهي تعرف اليوم: بدرب الأتراك وحارة الباطلية وفيما بين باب الزهومة والجامع الأزهر وهذه الحارات خزائن القصر وهي خزانة الكتب وخزانة الأشربة وخزانة السروج وخزانة الخيم وخزائن الفرش وخزائن اكسوات وخزائن دار أفتكين ودار الفطرة ودار التعبية وغير ذلك من الخزائن هذا ما كان في الجهة الشرقية من القاهرة.
القصر الصغير الغربي

وأما القصر الصغير الغربي: فإنه موضع المارستان الكبير المنصوري إلى جوار حارة برجوان وبين هذا القصر وبين القصر الكبير الشرقي فضاء متسع يقف فيه عشرة آلاف من العساكر ما بين فارس وراجل يقال له: بين القصرين وبجوار القصر الغربي الميدان وهو الموضع الذي يعرف بالخرنشف واصطبلل الطارمة وبحذاء الميدان البستان الكافوري المطل من غربيه على الخليج الكبير ويجاور الميدان دار برجوان العزيزي وبحذائها رحبة الأفيال ودار الضيافة القديمة
ويقال لهذه المواضع الثلاثة: حارة برجوان ويقال دار برجان المنحر وموضعه الآن يعرف: بالدرب الأصفر ويدخل إليه من قبالة خانقاه بيبرس وفيما بين ظهر المنحر وباب حارة برجوان سوق أمير الجيوش وهو من باب حارة برجوان الآن إلى باب الجامع الحاكمي ويجاور حارة برجوان من بحريها اصطبل الحجرية وهو متصل بباب الفتوح الأول وموضع باب اصطبل الحجرية يعرف اليوم: بخان الوراقة والقيسارية تجاه الجملون الصغير وسوق المرحلين وتجاه اصطبل الحجرية الزيادة وفيما بين الزيادة والمنحر درب الفرنجية.
حارة زويلة

وبجوار البستان الكافوري حارة زويلة وهي تتصل بالخليج الكبير من غربيها وتجاه حارة زويلة اصطبل الجميزة وفيه خيول الخليفة أيضًا وفي هذا الاصطبل بئر زويلة وموضعها الآن قيسارية معقودة على البئر المذكورة يعلوها ربع يعرف: بقيسارية يونس من خط البندقانيين فكان اصطبل الجميزة المذكور فيما بين القصر الغربي من بحريه وبين حارة زويلة وموضعه الآن قبالة باب سر المارستان المنصوري إلى البندقانيين وبحذا القصر الغربي من قبيلة مطبخ القصر تجاه باب الزهومة المذكور والمطبخ موضعه الآن الصاغة قبالة المدارس الصالحية وبجوار المطبخ الحارة العدوية وهي من الموضع الذي يعرف بحمام خشيبة إلى حيث الفندق الذي يقال له فندق الزمام وبجوار العدوية حارة الأمراء ويقالل لها اليوم: سوق الزجاجين وسوق الحريريين الشرابيين.
الصاغة القديمة

ويجاور الصاغة القديمة: حبس المعونة وهي موضع قيسارية العنبر وتجاه حبس المعونة عقبة الصباغين وسوق القشاشين وهو يعرف اليوم: بالخراطين ويجاور حبس المعونة دكة الحسبة ودار العيار ويعرف موضع دكة الحسبة الآن بالإبزاريين وفيما بين دكة الحسبة وحارتي الروم والديلم: سوق السراجين ويقال له الآن: الشوايين وبطرف سوق السراجين مسجد ابن البناء الذي تسميه العامة: سام بن نوح ويجاور هذا المسجد: باب زويلة وكان منن حذاء حارة زويلة من ناحية باب الخوخة: دار الوزير يعقوب بن كليس وصارت بعده: دار الديباج ودار الاستعمال وموضعها الآن المدرسة الصالحية وما وراءها ويتصل دار الديباج بالحارة الوزيرية وإلى جانب الوزيرية: الميدان الآخر إلى باب سعادة وفيما بين باب سعادة وباب زويلة أهراء أيضًا وسطاح.
هذا ما كانت عليه صفة القاهرة في الدولة الفاطمية وحدثت هذه الأماكن شيئًا بعد شيء ولم تزل القاهرة دار خلافة ومنزل ملك ومعقل قتال لا ينزلها إلا الخليفة وعساكره وخواصه الذين يشرفهم بقربه فقط.
فأقول: إن مدينة مصر محدودة الآن بحدود أربعة: فحدها الشرقي اليوم: من قلعة الجبل وأنت آخذ إلى باب القرافة فتمر من داخل السور الفاصل بين القرافة ومصر إلى كوم الجارح وتمر من كوم الجارح وتجعل كيمان مصر كلها عن يمينك حتى تنتهي إلى الرصد حيث أول الحبش فهذا طول مصر من جهة المشرق وكان يقال لهذه الجهة عمل فوق.
حدها الغربي:

من قناطر السباع خارج القاهرة إلى موردة الحلفاء وتأخذ على شاطئ النيل إلى دير الطين فهذا أيضًا طولها من جهة المغرب.
حدها القبلي

من شاطئ النيل بدير الطين حيث ينتهي الحد الغربي إلى بركة الحبش تحت الرصد حيث انتهى الحد الشرقي فهذا عرض مصر من جهة الجنوب التي تسميها أهل مصر الجهة القبلية.
وحدها البحري:

من قناطر السباع حيث ابتداء الحد الغربي إلى قلعة الجبل حيث ابتداء الحد الشرقي فهذا عرض مصر من جهة الشمال التي تعرف بمصر بالجهة البحرية وما بين هذه الجهات الأربع فإنه يطلق عليه الآن مصر فيكون أول عرض مصر في الغرب بحر النيل وآخر عرضها في الشرق أول القرافة وأول طولها من قناطر السباع وآخره بركة الحبش
فإذا عرفت ذلك ففي الجهة الغربية خط السبع سقايات ويجاوره الخليج وعليه من شرقيه حكر أقبغا ومن غربيه المريس ومنشأه المهراني ويحاذي المنشأة من شرقي الخليج خط قنطرة السد وخط بين الزقاقين وخط موردة الحلفاءن وخط الجامع الجديد ومن شرقي خط الجامع الجديد خط المراغة ويتصل به خط الكبارة وخط المعاريج ويجاوز خط الجامع الجديد من بحريه الدور التي تطل على النيل وهي متصلة إلى جسر الأفرام المتصل بدير الطين وما جاوره إلى بركة الحبش وهذه الجهة هي أعمر ما في مصر الآن
وأما الجهة الشرقية فليس فيها شيء عامر إلا قلعة الجبل وخط المراغة المجاور لباب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة ويجاور خط مشهد السيدة نفيسة من قبليه الفضاء الذي كان موضع الموقف والعسكر إلى كوم الجارح ثم خط كوم الجارح وما بين كوم الجارح إلى آخر حد طول مصر عند بركة الحبش تحت الرصد فإنه كيمان وهي الخطط التي ذكرها الفضاعي وخربت في الشدة العظمى زمن المستنصر وعند حريق شاور لمصر كما تقدم
وأما عرض مصر الذي من قناطر السباع إلى القلعة فإنه عامر ويشتمل على بركة الفيل الصغرى وبجوار خط السبع سقايات ويجاور الدور التي على هذه البركة من شرقيها خط الكبش ثم خط جامع أحمد بن طولون ثم خط القبيبات وينتهي إلى الفضاء الذي يتصل بقلعة الجبل وأما عرض مصر الذي من شاطئ النيل بخط دير الطين إلى تحت الرصد حيث بركة الحبش فليس فيه عمارة سوة خط درير الطين وما عدا ذلك فقد خرب بخراب الخطط وكان فيه خط بني وائل وخط راشدة فأما خط السبع سقايات: فإنه من جملة الحمراء الدنيا وسيرد ذكر الأخطاط إن شاء الله تعالى وما عدا ذلك فإنه يتبين من ذكر ساحل مصر.
ساحل النيل بمدينة مصر

قد تقدم أن مدينة فسطاط مصر اختطها المسلمون حول جامع عمرو بن العاص وقصر الشمع وأن بحر النيل كان ينتهي إلى باب قصر الشمع الغربي المعروف بالباب الجديد ولم يكن عند فتح أرض مصر بين جامع عمرو وبين النيل حائل ثم انحسر ماء النيل عن أرض تجاه الجامع وقصر الشمع فابتنى فيها عبد العزيز بن مروان وحاز منه بشر بن مروان لما قدم على أخيه عبد العزيز ثم حاز منه هشام بن عبد الملك في خلافته وبنى فيه فلما زالت دولة بني أمية قبض ذلك في الصوافي ثم أقطعه الرشيد السري بن الحكم فصار في يد ورثته من بعده يكترونه ويأخذون حكره وذلك أنه كان قد اختط فيها المسلمون شيئًا بعد شيء وصار شاطئ النيل بعد انحساره ماء النيل عن الأرض المذكورة حيث الموضع الذي يعرف اليوم بسوق المعاريج.
قال القضاعي: كان ساحل أسفل الأرض بإزاء المعاريج القديم وكانت آثار المعاريج قائمة سبع درججحول ساحل البيما إلى ساحل البوري اليوم فعرف ساحل البوري بالمعاريج الجديد يعني بالمعاريج الجديد: موضع سوق المعاريج اليوم وكان من جملة خطط مدينة فسطاط مصرك الحمراوات الثلاث فالحمراء الأولى من جملتها سوق وردان وكان يشرف بغربيه على النيل ويجاوره: الحمراء الوسطى
ومن بعضها الموضع الذي يعلاف اليوم بالكبارة وكانت على النيل أيضًا وبجانب الكبارة: الحمراء القصوى وهي من بحري الحمراء الوسطى إلى الموضع الذي هو اليوم: خط قناطر السباع ومن جملة الحمراء القصوى: خط خليج مصر من حد قناطر السباع إلى تجارة قنطرة السد من شرقيها وبآخر الحمراء القصوى: الكبش وجبل يشكر وكان الكبش يشرف على النيل من غربيه وكان الساحل القديم فيما بين سوق المعاريج اليوم إلى دار التفاح بمصر وأنت مار إلى باب مصر بجوار الكبارة وموضع الكوم المجاور لباب مصر من شرقيه فلما خربت مصر بحريق شاور بن مجير إياها صار هذا الكوم من حينئذ وعرف بكوم المشانيق فأنه كان يشنق بأعلاه أرباب الجرائم ثم بنى الناس فوقه دورًا فعرف إلى يومنا هذا بكوم الكبارة وكان يقال لما بين سوق المعاريج وهذا الكوم لما كان ساحل النيل القالوص.
قال القضاعي: رأيت بخط جماعة من العلماء القالوص: بألف والذي يكتب في هذا الزمان القلوص بحذف الألف فأما القلوس: بحذف الألف فهي من الإبل والنعام الشابة وجمعها قلص وقلاص وقلائص والقلوص من الحباري الأنثى الصغيرة فلعل هذا المكان سمي بالقلوص لأنه في مقابلة الجمل الذي كان على باب الريحان الذي يأتي ذكره في عجائب مصر وأما القالوص بالألف: فهي كلمة رومية ومعناها بالعربية: مرحبًا بك ولعل الروم كانوا يصفقون لراكب هذا الجمل ويقولون هذه الكلمة على عاداته.
وقال ابن المتوج: والساحل القديم أوله من باب مصر المذكور يعني المجاور للكبارة وإلى المعاريج جميعه كان بحرًا يجري فيه ماء النيل وقيل: إن سوق المعاريج كان موردة سوق السمك يعني ما ذكره القضاعي من أنه كان يعرف بساحل البوري ثم عرف بالمعاريج الجديد.
قال ابن المتوج: ونقل أن بستان الجرف المقابل لبستان حوض ابن كيسان كان صناعة العمارة وأدركت أنا فيه بابها ورأيت زريبة من ركن المسجد المجاور للحوض من غربيه تتصل إلى قبالة مسجد العادل الذي بمراغة الدواب الآن.
قال مؤلفه رحمه الله: بستان الجرف يعرف بذلك إلى اليوم وهو على يمنة من سلك إلى مصر من طريق المراغة وهو جار في وقف الخانقاه التي تعرف بالواصلة بين الزقاقين وحوض ابن كيسان يعرف اليوم: بحوض الطواشي تجاه غيط الجرف المذكور يجاوره بستان ابن كيسان الذي صار صناعة وقد ذكر خبر هذه الصناعة عند ذكر مناظر الخلفاء ويعرف بستان ابن كيسان اليوم ببستان الطواشي أيضًا وبين بستان الجرف وبستان الطواشي هذا مراغة مصر قال ابن المتوج:
ورأيت من نقل عمن نقل عمن رأى هذا القلوص يتصل إلى آدر الساحل القديم وأنه شاهد ما عليه من العمائر المطلة على بحر النيل من الرباع والدور المطلة وعد الأسطال التي كانت بالطاقات المطلة على بحر النيل فكانت عدتها ستة عشر ألف سطل مؤبدة ببكر مؤبدة فيها أطناب ترخى بها وتملأ أخبرني بذلك من أثق بنقله وقال: إنه أخبره به من يثق به متصلًا بالمشاهد له الموثوق به قال: وباب مصر الآن بين البستان الذي قبلي الجامع الجديد يعني بستان العالمة وبين كوم المشانيق يعني كوم الكبارة
ورأيت السور يتصل به إلى دار النحاس وجميع ما بظاهره شون ولم يزل هذا السور القديم الذي هو قبلي بستان العالمة موجودًا أراه وأعرفه إلى أن اشترى أرضه من باب مصر إلى موقف المكارية بالخشابين القديمة الأمير حسام الدين طرنطاي المنصوري فأجر مكانه للعامة وصار كل من استأجر قطعة هدم ما بها من البناء بالطوب اللبن وقلع الأساس الحجر وبنى به فزال السور المذكور ثم حدث الساحل الجديد.
قال مؤلفه رحمه الله: وهذا الباب الذي ذكره ابن المتوج كان يقال له: باب الساحل وأول حفر ساحل مصر في سنة ست وثلاثين وثلثمائة وذلك أنه جف النيل عن بر مصر حتى احتاج الناس أن سيتقوا من بحر الجيزة الذي هو فيما بين جزيرة مصر التي تدعى الآن بالروضة وبين الجيزة وصار الناس يمشون هم والدواب إلى الجزيرة فحفر الأستاذ كافور الإخشيدي وهو يومئذ مقدم أمراء الدولة لأونوجور بن الإخشيد خليجًا حتى اتصل بخليج بني وائل ودخل الماء إلى ساحل مصر
ثم إنه لما كان قبل سنة ستمائة تقلص الماء عن ساحل مصر القديمة وصار في زمن الاحتراق يقل حتى تصير الطريق إلى المقاييس يبسًا فلما كان في سنة ثمان وعشرين وستمائة خاف اللطان الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب من تباعد البحر عن العمران بمصر فاهتم بحفر البحر من دار الوكالة بمصر إلى صناعة التمر الفاضلية وعمل فيه بنفسه فوافقه على العمل في ذلك الجم الغفير واستوى في المساعدة السوقة والأمير وقسط مكان الحفر على الدور بالقاهرة ومصر والروضة والمقياس فاستمر العمل فيه من مستهل شعبان إلى سلخ شوال مدة ثلاثة أشهر حتى صار الماء يحيط بالمقياس وجزيرة الروضة دائمًا بعدما كان عند الزيادة يصير جدولًا رقيقًا في ذيل الروضة

فإذا اتصل ببحر بولاق في شهر أبيب كان ذلك من الأيام المشهودة بمصر فلما كانت أيام الملك الصالح وعمر قلعة الروضة أراد أن يكون الماء طول السنة كثيرًا فيما دار الروضة فإخذ في الاهتمام بذلك وغرق عدة مراكب مملوءة بالحجارة في بر الجيزة تجاه باب القنطرة خارج مدينة مصر ومن قبلي جزيرة الروضة فانعكس الماء وجعل البحر حينئذ يمر قليلًا قليلًا وتكاثر أولًا فأولًا في بر مصر قال ابن المتوج عن موضع الجامع الجديد: وكان في الدولة الصالحية يعني الملك الصالح نجم الدين أيوب: رملة تمرغ الناس فيها الدواب في زمن احتراق النيل وجفاف البحر الذي هو أمامها
فلما عمر السلطان الملك الصالح قلعة الجزيرة وصار في كل سنة يحفر هذا البحر بجنده ونفسه ويطرح بعض رمله في هذه البقعة شرع خواص السلطان في العمارة على شاطئ هذا البحر فذكر من عمر على هذا البحر من قبالة موضع الجامع الجديد الآن إلى المدرسة المعزية وذكر ما وراء هذه الدور من بستان العالمة المطل عليه الجامع الجديد وغيره ثم قال: وإنما عرف بالعالمة لأنه كان قد حله السلطان الملك الصالح لهذه العالمة فعمرت بجانبه منظرة لها وكان الماء يدخل من النيل لباب المنظرة المذكورة
فلما توفيب بقي البستان مدة في يد وزثتها ثم أخذ منهم وذكر أن بقعة الجامع الجديد كانت قبل عمارته شونًا للأتبان السلطانية وكذلك ما يجاورها فلما عمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد كثرت العمائر من حد موردة الحلفاء على شاطئ النيل حتى اتصلت بدير الطين وعمر أيضًا ما وراء الجامع من حد باب مصر الذي كان بحرًا كما تقدم إلى حد قنطرة السد وأدركنا ذلك كله على غاية العمارة وقد اختل منذ الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة فخرب خط بين الزقاقين المطل من غربيه على الخليج ومن شرقيه على بستان الجرف
ولم يبق به إلا القليل من الدور وموضعه كما تقدم كان في قديم الزمان غامرًا بماء النيل ثم ربى جرفًا وهو بين الزقاقين المذكور فعمر عمارة كبيرة ثم خرب الآن وخرب أيضًا خط موردة الحلفاء وكان في القديم غامرًا بالماء فلما ربى النيل الجرف المذكور وتربت الجزيرة قدام الساحل القديم الذي هو الآن البكارة إلى المعاريج وأنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون الجامع الجديد عمرت موردة الحلفاء هذه واتصلت من بحريها بمنشأة المهراني ومن قبليها بالأملاك التي تمتد من تجاه الجامع الجديد إلى دير الطين وصارت موردة الحلفاء عظيمة تقف عندها المراكب بالغلال وغيرها ويملأ منها الناس الروايا
وكان البحر لا يبرح طول السنة هناك ثم صار ينشف في فصل الربيع والصيف واستمر على ذلك إلى يومنا هذا وخراب ما خلف الجامع الجديد ايضًا من الأماكنالتي كانت بحرًا تجاه الساحل القديم ثم لما انحسر الماء صارت مراغة للدواب فعرفت اليوم بالمراغة وهي من آخر خط قنطرة السد إلى قريب من الكبارة ويحصرها من غربيها بستان الجرف المقدم ذكره وعدة دور كانت بستانًا وشونًا إلى باب مصر ومن شرقيها بستان ابن كيسان الذي صار صناعة وعرف الآن ببستان الطواشي ولم يبق الآن بخط المراغة إلا مساكن يسيرة حقيرة.
خليج مصر

اعلم أن خليج مصر كان يخرج من بحر النيل فيمر بطريق الحمراء القصوى وكان في الجانب الغربي من هذا الخليج عدة بساتين من جملتها بستان عرف ببستان الخشاب ثم خرب هذا البستان وموضعه الآن يعرف: بالمريس فلما كان بعد الخمسمائة من سني الهجةر انحسر النيل عن أرض فيما بين ميدان اللوق الآتي ذكره في الأحكار ظاهر القاهرة إن شاء الله تعالى وبين بستان الخشاب المذكورة فعرفت هذه الأرض بمنشأة الفاضل لأن القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي اليساني أنشأ بها بستانًا عظيمًا كان يمير أهل القاهرة من ثماره وأعنابه وعمر بجانبه جامعًا وبنى حوله فقيل لتلك الخطة منشأة الفاضل
وكثرت بها العمارة وأنشأ بها موفق الدين محمد بن أبي بكر المهدوي العثماني الديباجي بستانًا دفع له فيه ألف دينار في أيام الظاهر بيبرس وكان الصرف قد بلغ كل دينار ثمانية وعشرين درهمًا ونصفًا فاستولى البحر على بستان الفاضل وجامعه وعلى سائر ما كان بمنشأة الفاضل من البساتين والدور وقطع ذلك حتى لم يبق لشيء منه أثر وما برح باعة العنب بالقاهرة ومصر تنادي على العنب بعد خراب بستان الفاضل هذا عدة سنين: رحم الله الفاضل يا عنب إشارة لكثرة إعناب بستان الفاضل وحسنهان
وكان أكل البحر لمنشأة الفاضل هذه بعد سنة ستين وستمائة وكان الموفق الديباجي المذكور يتولى خطابة جامع الفاضل الذي كان بالمنشأة فلم تلف الجامع باستيلاء النيل عليه سأل: الصاحب بهاء الدين بن حنا وألح عليه وكان من ألزامه حتى قام في عمارة الجامع بمنشأة المهراني ومنشأة المهراني هذه موضعها فيما بين النيل والخليج وفيها من الحمراء القصوى فوهة الخليج انحسر عنها ماء النيل قديمًا وعرف موضعها بالكوم الأحمر من أجل أنه كان يعمل فيها أقمنة الطوب فلما سأل الصاحب بهاء الدين بن حنا الملك الظاهر بيبرس في عمارة جامع بهذا المكان ليقوم مقام الجامع الذي كان بمنشأة الفاضل أجابه إلى ذلك وأنشأ الجامع بخط الكوم الأحمر كما ذكر في خبره عند ذكر الجوامع فأنشأ هناك الأمير سيف الدين بلبان المهراني دارًا وسكنها وبنى مسجدًا فعرفت هذه الخطة به
وقيل لها: منشأة المهراني فإن المهراني المذكور أول من ابتنى فيها بعد بناء الجامع وتتابع الناس في البناء بمنشأة المهراني وأكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة سوى من كان هناك من الزراء وأماثل الكتاب وأعيان القضاة ووجوه الناس ولم تزل على ذلك حتى انحسر الماء عن الجهة الشرقية فخربت وبها الآن بقية يسيرة من الدور ويتصل بخط الجامع الجديد خط دار النحاس وهو مطل على النيل ودار النحاس هذه من الدور القديمة وقد دثرت وصارت الخط: يعرف بها.
دار النحاس

قال القضاعي: دار النحاس اختطها: وردان مولى عمرو بن العاص فكتب مسلمة بن مخلد وهو أمير مصر إلى معاوية يسأله أن يجعلها ديوانًا فكتب معاوية إلى وردان يسأله فيها وعوضه فيها دار وردان التي بسوقه الآن وقال ربيعة: كانت هذه الدار من خطة الحجر من الأزد فاشتراها عمر بن مروان وبناها فكانت في يد ولده وقبضت عنهم وبيعت في الصوافي سنة ثمان وثلثمائة ثم صارت إلى شمول الإخشيدي فبناها قيسارية وحمامًا فصارت دار النحاس قيسارية شمول.
وقال ابن المتوج: دار النحاس خط نسب لدار النحاس وهو الآن فندق الأشراف ذو البابين أحدهما من رحبة أمامه والثاني شارع بالساحل القديم وبآخر هذه الشقة التي تطل على النيل " جسر الأفرام " وهو في طرف مصر فيما بين المدرسة المعزية وبين رباط الآثار كان مطلًا على النيل دائمًا والآن ينحسر الماء عنه عند هبوط النيل وعرف بالأمير عز الدين أيدمر الأفرم الصالحي النجمي أمير جندار وذلك أنه لما استأجر بركة الشعيبية كما ذكر عند ذكر البرك من هذا الكتاب جعل منها فدانين من غربيها أذن للناس في تحكيرها فحكرت
وبنى عليها عدة دور بلغت الغاية في إتقان العمارة وتنافس عظماء دولة الناصر محمد بن قلاون من الوزراء وأعيان الكتاب في المساكن بهذا الجسر وبنوا وتأنقوا وتفننوا في بديع الزخرفة وبالغوا في تحسين الرخام وخرجوا عن الحد في كثرة إنفاق الأموال العظيمة على ذلك بحيث صار خط الجسر خلاصة العامر من إقليم مصر وسكانه أرق الناس عيشًا وأترف المتنعمين حياة وأوفرهم نعمة ثم خرب هذا الجسر بأسره وذهبت دوره.
الجهة الشرقية من مصر

وأما الجهة الشرقية من مصر: ففيها قلعة الجبل وقد أفردنا لها خبرًا مستقلًا يحتوي على فوائد كثيرة تضمنه هذا الكتاب فانظره ويتصل آخر قلعة الجبل بخط باب القرافة وهو من أطراف القطائع والعسكر ويلي خط باب القرافة الفضاء الذي كان يعرف بالعسكر وقد تقدم ذكره وكان بأطراف العسكر مما يلي كوم الجارح.
الموقف قال ابن وصيف شاه في أخبار الريان بن الوليد: وهو فرعون نبي الله يوسف صلوات الله عليه ودخل إلى البلد في أيامه غلام من أهل الشام احتال عليه إخوته وباعوه وكانت قوافل الشام تعرس بناحية الموقف اليوم فأوقف الغلام ونودي عليه وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم فاشتراه أطفين العزيز ويقال: إن الذي أخرج يوسف من الجب: مالك بن دعر بن حجر بن جزيلة بن لخم بن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وقال القضاعي: كان الموقف فضاء لأم عبد الله بن مسلمة بن مخلد فتصدقت به على المسلمين فكان موقفًا تباع فيه الدواب ثم ملك بعد وقد ذكرته في الظهر يعني في خطط أهل وقال ابن المتوج: بقعة " خط الصفا " هذا الخط دهر جميعه ولم يبق له أثر وهو قبلي الفسطاط أوله بجوار المصنع وخط الطحانين أدركته كان صفين طواحين متلاصقة متصلة من درب الصفاء إلى كوم الجارح وأدركت به جماعة من أكابر المصريين أكثرهم عدول وكان المار بين هذين الصفين لا يسمع حديث رفيقه إذا حدثه لقوة دوران الطواحين وكان من جملتها طاحون واحد فيه سبعة أحجار دثر جميع ذلك ولم يبق له أثر.
درب الصفاء

قال: وبقعة درب الصفاء هو الدرب الذي كان باب مصر وقيل: إنه كان بظاهره سوق يوسف عليه السلام وكان بابًا بمصراعين يعلوهما عقد كبير وهو بعتبة كبيرة سفلى من صوان وكان بجوار المصنع الخراب الموجود الآن وكان حول المصنع عمد رخام بدائرة حاملة الساباط يعلوه مسجد معلق هدم ذلك جميعه في ولاية سيف الدين المعروف بابن سلار والي مصر في دولة الظاهر بيبرس وهذا الدرب يسلك منه إلى درب الصفاء والطحانين.
قال مؤلفه رحمه الله: كان هذا الباب المذكور أحد أبواب مدينة مصر وبابها الآخر من ناحية الساحل الذي موضعه اليوم باب مصر بجوار الكبارة وأنا أدركت آثار درب الصفاء المذكور والمصنع الخراب وكان يصب فيه الماء للسبيل وهو قريب من كوم الجارح وسيأتي ذكر كوم الجارح في ذكر الكيمان من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وأما الذي يلي كوم الجارح إلى آخر حد طول مصر عند بركة الحبش فإنها الخطط القديمة وأدركتها عامرة لا سيما خط النخالين وخط زقاق القناديل وخط المصاصة وقد خرب جميع ذلك وبيعت أنقاضه من بعد سنة تسعين وسبعمائة.
الجهة القبلية

وأما الجهة القبلية من مصر: فإن خط دير الطين حدثت العمارة فيه بعد سنة ستمائة لما أنشأ الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين علي بن حنا الجامع هناك وعمر الناس في جسر الأفرم وكان قبل ذلك آخر عمارة مدينة مصر دار الملك التي موضعها الآن بجوار المدرسة المعزية وأما موضع الجسر فإنه كان بركة ماء تتصل بخط راشدة حيث جامع راشدة ومن قبلي هذه البركة البستان الذي كان يعرف ببستان الأمير تميم بن المعز ويعرف اليوم: بالمعشوق وهو على رباط الآثار ويجاور المعشوق بركة الحبش وما بين خط دير الطين وآخر عرض مصر من الجهة القبلية طرف خط راشدة.
الجهة البحرية

وأما الجهة البحرية من مصر: فإنه يتصل بخط السبع سقايات الدور المطلة على البركة التي يقال لها بركة قارون وهي التي تجاور الآن حدرة ابن قميحة وهي من جملة الحمراء القصوى وبقبلي البركة المذكورة الكوم المعروف بالأسرى وهو من جملة العسكر وسيرد إن شاء الله تعالى ذكره عند ذكر الكيمان ويجاور البركة المذكورة خط الكبش وقد ذكر في الجبال ويأتي إن شاء الله تعالى له خبر عند ذكر الأخطاط ويلي خط الكبش خط الجامع الطولوني ويلي خط الجامع القبيبات وخط المشهد النفيسي وجميع ذلك إلى قلعة الجبل من جملة القطائع.
أبواب مدينة مصر

أبواب مدينة مصر وكان لفسطاط مصر أبواب في القديم خربت وتجدد لها بعد ذلك أبواب أخر.
باب الصفاء

هذا الباب كان هو في الحقيقة باب مدينة مصرن وهي في كمالها ومنه تخرج العساكر وتعبر القوافل وموضعه الآن بالقرب من كوم الجارح وهدم في أيام الملك الظاهر بيبرس.
باب الساحل:

كان يفضي بسالكه إلى ساحل النيل القديم وموضعه قريب من الكبارة.
باب مصر:

هذاالباب هو الذي بناه قراقوش ومنه يسلك الآن من دخل إلى مدينة مصر من الطريق التي تعرف بالمراغة وهو مجاور للكوم الذي يقال له: كوم المشانيق ويعرف اليوم بالكبارة وكان موضع هذا الباب عامرًا لماء النيل فلما انحسر الماء عن ساحل مصر صار الموضع المعروف بالمراغة والموضع المعروف بغيط الجرف إلى موردة الحلفاء فضاء لا يصل إليه ماء النيل البتة فأحب السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أن يدير سورًا يجمع فيه القاهرة ومصر وقلعة الجبل فزاد في سور القاهرة على يد قراقوش من باب القنطرة إلى باب الشعرية وإلى باب البحر يريد أن يمد السور من باب البحر إلى الكوم الأحمر الذي هو اليوم حافة خليج مصر تجاه خط بين الزقاقين ليصل أيضًا من الكوم الأحمر إلى باب مصر هذا فلم يتهيأ له هذا وانقطع السور من عند جامع المقس وزاد في سور القاهرة أيضًا من باب النصر إلى قلعة الجبل فلم يكمل له ومد السور من قلعة الجبل إلى باب القنطرة خارج مصر فصار هذا الباب غير متصل بالسور.
باب القنطرة:

هذا الباب في قبلي مدينة مصر عرف بقنطرة بني وائل التي كانت هناك وهو أيضًا من بناء قراقوش.
المقريزى المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار الجزء الثاني ( 71 من 167 ) : " ما كان عليه موضع القاهرة قبل وضعها اعلم أن مدينة الإقليم منذ كان فتح مصر على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه كانت مدينة الفسطاط المعروفة في زماننا بمدينة: مصر قبلي القاهرة وبها كان محل الأمراء ومنزل ملكهم وإليها تجبى ثمرات الأقاليم وتأوي الكافة وكانت قد بلغت من وفور العمارة وكثرة الناس وسعة الأرزاق والتفنن في أنواع الحضارة والتأنق في النعيم ما أربت به على كل مدينة في المعمور حاشا بغداد فإنها كانت سوق العالم وقد زاحمتها مصر وكادت أن تساميها إلا قليلًا
ثم لما انقضت الدولة الإخشيدية من مصر واختل حال الإقليم بتوالي الغلوات وتواتر الأوباء والفنوات حدثت مدينة القاهرة عند قدوم جيوش المعز لدين الله أبي تميم معد أمير المؤمنين على يد عبده وكاتبه القائد جوهر فنزل حيث القاهرة الآن وأناخ هناك وكانت حينئذ رملة
الخليج الكبير وبالخليج الحاكمي وبين الخليج المعروف باليحاميم - أم دنين

وكانت فيما بين الخليج المعروف بالخليج الكبير وبالخليج الحاكمي وبين الخليج المعروف باليحاميم وهو الجبل الأحمر وكان الخليج المذكور فاصلًا بين الرملة المذكورة وبين القرية التي يقال لها: أم دنين ثم عرفت الآن بالمقس كان يعرف بمنية الأصبغ ثم عرف إلى يومنا بالخندق وتمر العساكر والتجار وغيرهم من منية الأصبغ إلى بني جعفر على غيفة وسلمنت إلى بلبيس وبينها وبين مدينة الفسطاط أربعة وعشرون ميلًا
ومن بلبيس إلى العلاقمة إلى الفرما ولم يكن الدرب الذي يسلك في وقتنا من القاهرة إلى العريش في الرمل يعرف في القديم وإنما عرف بعد خراب تنيس والفرما وإزاحة الفرنج عن بلاد الساحل بعد تملكهم له مدة من السنين وكان من يسافر في البر من الفسطاط إلى الحجاز ينزل بجب عميرة المعروف اليوم ببركة الجبة وببركة الحاج
الدير / بئر العظام والعامة تقول بئر العظمة

ولم يكن عند نزول جوهر بهذه الرملة فيها بنيان سوى أماكن هي بستان الإخشيد محمد بن ظفج المعروف اليوم بالكافوري من القاهرة ودير للنصارى يعرف بدير: العظام تزعم النصارى أن فيه بعض من أدرك المسيح عليه السلام وبقي الآن بئر هذا الدير وتعرف ببئر العظام والعامة تقول بئر العظمة وهي بجوار الجامع الأقمر من القاهرة ومنها ينقل الماء إليه وكان بهذه الرملة أيضًا مكان ثالث يعرف بقصير الشوك بصيغة التصغير تنزله بنو عذرة في الجاهلية وصار موضعه عند بناء القاهرة بعرف بقصر الشوك من جملة القصور الزاهرة
شاطئ المقس

هذا الذي اطلعت عليه أنه كان في موضع القاهرة قبل بنائها بعد الفحص والتفتيش وكان النيل حينئذ بشاطئ المقس يمر من موضع الساحل القديم بمصر الذي هو الآن سوق المعاريج وحمام طن والمراغة وبستان الجرف وموردة الحلفاء ومنشأة المهراني على ساحل الحمراء وهي موضع قناطر السباع فيمر النيل بساحل الحمراء إلى المقس موضع جامع المقس الآن
وفيما بين الخليج وبين ساحل النيل بساتين الفسطاط فإذا صار النيل إلى المقس حيث الجامع الآن مر من هناك على طرف الأرض التي تعرف اليوم بأرض الطبالة من الموضع المعروف اليوم بالجرف وصار إلى البعل ومر على طرف منية الأصبغ من غربي الخليج إلى المنية وكان فيما بين الخليج والجبل مما يلي بحري موضع القاهرة مسجد بني على رأس إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ثم مسجد تبر الإخشيدي فعرف بمسجد تبر والعامة تقول: مسجد التبن ولم يكن الممر من الفسطاط إلى عين شمس
وإلى الحوف الشرقي وإلى البلاد الشامية إلا بحافة الخليج ولا يكاد يمر بالرملة التي في موضعها الآن مدينة القاهرة كثير جدًا ولذلك كان بها دير للنصارى إلا أنه لما عمر الإخشيد البستان المعروف: بالكافوري أنشأ بجانبه ميدانًا وكان كثيرًا ما يقيم به وكان كافور أيضًا يقيم به وكان فيما بين موضع القاهرة ومدينة الفسطاط مما يلي الخليج المذكور: أرض تعرف في القديم منذ فتح مصر بالحمراء القصوى
وهي موضع قناطر السباع وجبل يشكر حيث الجامع الطولوني وما دار به وفي هذه الحمراء عدة كنائس وديارات للنصارى خربت شيئًا بعد شيء إلى أن خرب آخرها في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون وجميع ما بين القاهرة ومصر مما هو موجود الآن من العمائر فإنه حادث بعد بناء القاهرة ولم يكن هناك قبل بنائها شيء البتة سوى كنائس الحمراء
حدود القاهرة

قال ابن عبد الظاهر في كتاب الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة
الذي استقر عليه الحال أن حد القاهرة من مصر من السبع سقايات وكان قبل ذلك من المجنونة إلى مشهد السيد رقية عرضًا اه والآن تطلق القاهرة على ما حازه السور الحجر الذي طوله من باب زويلة الكبير إلى باب الفتوح وباب النصر وعرضه من باب سعادة وباب الخوخة إلى باب البرقية والباب المحروق ثم لما توسع الناس في العمارة بظاهر القاهرة
وبنوا خارج باب زويلة حتى اتصلت العمائر بمدينة فسطاط مصر وبنوا خارج باب الفتوح وباب النصر إلى أن انتهت العمائر إلى الريدانية وبنوا خارج باب القنطرة إلى حيث الموضع الذي يقال له بولاق حيث شاطئ النيل وامتدوا بالعمارة من بولاق على الشاطئ إلى أن اتصلت بمنشأة المهراني وبنوا خارج باب البرقية والباب المحروق إلى سفح الجبل بطول السور فصار حينئذ العامر بالسكنى على قسمين: أحدهما يقال له: القاهرة والآخر يقال له: مصر.
فأما مصر: فإن حدها ما وقع عليه الاصطلاح في زمننا هذا الذي نحنفيه من حد أول قناطر السباع إلى طرف بركة الحبش القبلي مما يلي بساتين الوزير وهذا هو طول حد مصر وحدها في العرض من شاطئ النيل الذي يعرف قديمًا بالساحل الجديد حيث فم الخليج الكبير وقنطرة السد إلى أول القرافة الكبرى.
طول القاهرة

وأما حد القاهرة فإن طولها من قناطر السباع إلى الريدانية وعرضه من شاطئ النيل ببولاق إلى الجبل الأحمر ويطلق على ذلك كله مصر والقاهرة وفي الحقيقة قاهرة المعز التي أنشأها القائد جوهر عند قدومه من حضرة مولاه المعز لدين الله أبي تميم معد إلى مصر في شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة إنما هي ما دار عليه السور فقط
غير أن السور المذكور الذي أداره القائد جوهر تغير وعمل منذ بنيت إلى زمننا هذا ثلاث مرات ثم حدثت العمائر فيما وراء السور من القاهرة فصار يقال لداخل السور: القاهرة ولما خرج عن السور ظاهر القاهرة وظاهر القاهرة أربع جهات: الجهة القبلية وفيها الآن معظم العمارة وحد هذه الجهة طولًا من عتبة باب زويلة إلى الجامع الطولوني وما بعد الجامع الطولوني فإنه من حد مصر وحدها عرضًا من الجامع الطيبرسي بشاطئ النيل غربي المريس إلى قلعة الجبل
وفي الاصطلاح الآن أن القلعة من حكم مصر والجهة البحرية وكانت قبل السبعمائة من سني الهجرة وبعدها إلى قبيل الوباء الكبير فيها أكثر العمائر والمساكن ثم تلاشت من بعد ذلك وطول هذه الجهة من باب الفتوح وباب النصر إلى الريدانية
عرض القاهرة

وعرضها من منية الأمراء المعروفة في زمننا الذي نحن فيه بمنية الشيرج إلى الجبل الأحمر ويدخل في هذا الحد مسجد تبر والريدانية والجهة الشرقية إنها حيث ترب أهل القاهرة ولم تحدث بها العمر من التربة إلا بعد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وحد هذه الجهة طولًا من باب القلعة المعروف بباب السلسلة إلى ما يحاذي مسجد تبر في سفح الجبل وحدها عرضًا فيما بين سور القاهرة والجبل والجهة الغربية فأكثر العمائر بها لم يحدث أيضًا إلا بعد سنة اثنتي عشرة وسبعمائة وإنما كانت بساتين وبحرًا وحد هذه الجهة طولًا من منية الشيرج إلى منشأة المهراني بحافة بحر النيل وحدها عرضًا من باب القنطرة وباب الخوخة وباب سعادة إلى ساحة النيل
الظاهــــــــر

وهذه الأربع جهات من خارج السور يطلق عليها: ظاهر وتحوي مصر والقاهر من الجوام والمساجد والربط والمدارس والزوايا والدور العظيمة والمساكن الجليلة والمناظر البهجة والقصور الشامخة والبساتين النضرة والحمامات الفاخرة والقياسر المعمورة بأصناف الأنواع والأسواق المملوءة مما تشتهي الأنفس والخانات المشحونة بالواردين والفنادق الكاظة بالسكان والترب التي تحكي القصور ما لا يمكن حصره ولا يعرف ما هو قدره إلا أن قدر ذلك بالتقريب الذي يصدقه الاختبار طولًا بريدا وما يزيد عليه وهو من مسجد تبر إلى بساتين الوزير قبلي بركة الحبش وعرضًا يكون نصف بريد فما فوقه وهو من ساحل النيل إلى الجبل
ويدخل في هذا الطول والعرض بركة الحبش وما دار بها وسطح الجرف المسمى: بالرصد ومدينة الفسطاط التي يقال لها: مدينة مصر والقرافة الكبرى والصغرى وجزيرة الحصن المعروف اليوم: بالروضة ومنشأة المهراني وقطائع ابن طولون التي تعرف الآن بحدرة ابن قميحة وخط جامع بن طولون والرميلة تحت القلعة والقبيبات وقلعة الجبل والميدان الأسود الذي هو اليوم مقابر أهل القاهرة خارج باب البرقية إلى قبة النصر والقاهرة المعزية
وهو ما دار عليه السور الحجر والحسينية والريدانية والخندق وكوم الريش وجزيرة الفيل وبولاق والجزيرة الوسطى المعروفة بجزيرة أروى وزريبة قوصون وحكر ابن الأثير ومنشأة الكاتب والأحكار التي فيما بين القاهرة وساحل النيل وأراضي اللوق والخليج الكبير الذي تسمه العامة بالخليج الحاكمي والحبانية والصليبة والتبانة ومشهد السيدة نفيسة وباب القرافة وأرض الطبالة والخليج الناصري والمقس والدكة وغير ذلك مما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى وقد أدركنا هذه المواضع وهي عامرة والمشيخة تقول: هي خراب بالنسبة لما كانت عليه قبل حدوث طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة الذي يسميه أهل مصر: الفناء الكبير وقد تلاشت هذه الأماكن وعمها الخراب منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة ولله عاقبة الأمور.
بناء القاهرة في الدولة الفاطمية

بناء القاهرة وما كانت عليه في الدولة الفاطمية وذلك أن القائد جوهر الكاتب: لما قدم الجيزة بعساكر مولاه الإمام المعز لدين الله أبي تميم معد أقبل في يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت منن شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وسارت عساكره بعد زوال الشمس وعبرت الجسر أفواجًا وجوهر في فرسانه إلى المناخ الذي رسم له المعز موضع القاهرة الآن فاستقر هناك واختط القصر
وبات المصريون فلما أصبحوا حضروا للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل وكانت فيه أزورارات غير معتدلة فلما شاهدها جوهر لم يعجبه ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة فتركه على حاله وأدخل فيه دير العظام ويقال: إن القاهرة اختطها جوهر في يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين واختطت كل قبيلة خطة عرفت بها: فزويلة بنت الحارة المعروفة بها واختطت جماعة من أهل برقة الحارة البرقية واختطت الروم حارتين: حارة الروم الآن وحارة الروم الجوانية بقرب باب النصر
وقصد جوهر باختطاط القاهرة حيث هي اليوم أن تصير حينًا فيما بين القرامطة وبين مدينة مصر ليقاتلهم من دونها فأدار السور اللبن على مناخه الذي نزل فيه بعساكره وأنشأ من داخل السور جامعًا وقصرًا وأعدها معقلًا يتحصن به وتنزله عساكره واحتفر الخندق من الجهة الشامية ليمنع اقتحام عساكر القرامطة إلى القاهرة وما وراءها من المدينة وكان مقدار القاهرة حينئذ أقل من مقدارها اليوم فإن أبوابها كانت من الجهات الأربعة ففي الجهة القبلية التي تفضي بالسالك منها إلى مدينة مصر: بابان متجاوران يقال لهما: بابا زويلة وموضعهما الآن بحذاء المسجد الذي تسميه العامة: بسام بن نوح
ولم يبق إلى هذا العهد سوى عقده ويعرف باب القوس وما بين باب القوس هذا وباب زويلة الكبير ليس هو من المدينة التي أسسها القائد جوهر وإنما هي زيادة حدثت بعد ذلك وكان في جهة القاهرة البحرية وهي التي يسلك منها إلى عين شمس بابان أحدهما باب النصر وموضعه بأول الرحبة التي قدام الجامع الحاكمي الآن وأدركت قطعة منه كانت قدام الركن الغربي من المدرسة القاصدية
وما بين هذا المكان وباب النصر الآن مما زيد في مقدار القاهرة بعد جوهر والباب الآخر من الجهة البحرية: باب الفتوح وعقده باق إلى يومنا هذا مع عضادته اليسرى وعليه أسطر مكتوبة بالقلم الكوفي وموضع هذا الباب الآن بآخر سوق المرحلين وأول رأس حارة بهاء الدين مما يلي باب الجامع الحاكمي وفيما بين هذا العقد وباب الفتوح من الزيادات التي زيدت في القاهرة من بعد جوهر وكان في الجهة الشرقية من القاهرة وهي الجهة التي يسلك منها إلى الجبل بابان: أحدهما يعرف الآن: بالباب المحروق والآخر يقال له: باب البرقية وموضعهما دون مكانهما إلى الآن
ويقال لهذه الزيادة من هذه الجهة: بين السورين وأحد البابين القديمين موجود إلى الآن اسكفته وكان في الجهة الغربية من القاهرة وهي المطلة على الخليج الكبير بابان أحدهما: باب سعادة والآخر باب الفرج وباب ثالث يعرف: بباب الخوخة أظنه حدث بعد جوهر وكان داخل سور القاهرة يشتمل على قصرين وجامع يقال لأحد القصرين: القصر الكبير الشرقي وهو منزل سكنى الخليفة ومحل حرمه وموضع جلوسه لدخول العساكر وأهل الدولة وفيه الدواوين وبيت المال وخزائن السلاح وغير ذلك وهو الذي أسسه القائد جوهر وزاد فيه المعز ومن بعده من الخلفاء والآخر تجاه هذا القصر ويعرف: بالقصر الغربي
وكان يشرف على البستان الكافوري ويتحول إليه الخليفة في أيام النيل للنزهة على الخليج وعلى ما كان إذ ذاك بجانب الخليج الغربي من البركة التي يقال لها بطن البقرة ومن البستان المعروف بالبغدادية وغيره من البساتين التي كانت تتصل بأرض اللوق وجنان الزهري وكان يقال لمجموع القصرين: القصور الزاهرة ويقال للجامع: جامع القاهرة والجامع الأزهر.
القصـــــــر الكبير الشرقى

فأما القصر الكبير الشرقي: فإنه كان من باب الذهب الذي موضعه الآن محراب المدرسة الظاهرية التي أنشأها الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري وكان يعلو عقد باب الذهب منظرة يشرف الخليفة فيها من طاقات في أوقات معروفة وكان باب الذهب هذا هو أعظم أبواب القصر ويسلك من باب الذهب المذكور إلى باب البحر وهو الباب الذي يعرف اليوم: بباب قصر بشتاك مقابل المدرسة الكاملية وهو من باب البحر إلى الركن االمخلق ومنه إلى باب الريح وقد أدركنا منه عضادتيه واسكفته وعليها أسطر بالقلم الكوفي
وجميع ذلك مبني بالحجر إلى أن هدمه الأمير الوزير المشير جمال الدين يوسف الإستادار وفي موضعه الآن قيسارية أنشأها المذكور بجوار مدرسته من رحبة باب العيد ويسلك من باب الريح المذكور إلى باب الزمرذ وهو موضع المدرسة الحجازية الآن ومن باب الزمرذ إلى باب العيد وعقده باق وفوقه قبة إلى الآن في درب السلامي بخط رحبة باب العيد وكان قبالة باب العيد هذا رحبة عظيمة في غاية الاتساع تقف فيها العساكر الكثيرة من الفارس والراجل في يومي العيدين تعرف: برحبة العيد وهي من باب الريح إلى خزانة البنود وكان يلي باب العيد السفينة وبجوار السفينة خزانة البنود ويسلك من خزانة البنود إلى باب قصر الشوك
وأدركت منه قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه الحمام التي عرفت بحمام الأيدمري ثم قيل لها في زمننا: حمام يونس بجوار المكان المعروف: بخزانة البنود وقد عمل موضع هذا الباب زقاق يسلك منه إلى المارستان العتيق وقصر الشوك ودرب السلامي وغيره ويسلك من باب قصر الشوك إلى باب الديلم وموضعه الآن المشهد الحسيني وكان فيما قصر الشوك وباب الديلم رحبة عظيمة تعرف برحبة قصر الشوك أولها من رحبة خزانة البنود وآخرها حيث المشهد الحسيني الآن
وكان قصر الشوك يشرف على اصطبل الطارمة ويسلك من باب الديلم إلى باب تربة الزعفران وهي مقبرة أهل القصر من الخلفاء وأولادهم ونسائهم وموضع باب تربة الزعفران فندق الخليلي في هذا الوقت ويعرف بخط الزراكشة العيتق وكان فيما بين باب الديلم وباب تربة الزعفران الخوخ السبع التي يتوصل منها الخليفة إلى الجامع الأزهر في ليالي الوقدات فيجلس بمنظرة الجامع الأزهر ومعه حرمه لمشاهدة الوقيد والجمع وبجوار الخوخ السبع اصطبل الطارمة وهو برسم الخيل الخاص المعدة لركاب الخليفة
وكان مقابل باب الديلم ومن وراء اصطبل الطارمة الجامع المعد لصلاة الخليفة بالناس أيام الجمع وهو الذي يعرف في وقتنا هذا بالجامع الأزهر ويسمى في كتب التاريخ: بجامع القاهرة وقدام هذا الجامع رحبة متسعة من حد اصطبل الطارمة إلى الموضع الذي يعرف اليوم: بالأكفانيين ويسلك من باب تربة الزعفران إلى باب الزهومة وموضعه الآن باب سر قاعة مدرسة الحنابلة من المدارس الصالحية
وفيما بين تربة الزعفران وباب الزهومة دراس العلم وخزانة الدرق ويسلك من باب الزهومة إلى باب الذهب المذكور أولًا وهذا هو دور القصر الشرقي الكبير وكان بحذاء رحبة باب العيد: دار الضيافة وهي الدار المعروفة: بدار سعيد السعداء التي هي اليوم: خانقاه للصوفية ويقابلها: دار الوزارة وهي حيث الزقاق المقابل لباب سعيد السعداء والمدرسة القراسنقرية وخانقاه بيبرس وما يجاورها إلى باب الجوانية وما وراء هذه الأماكن وبجوار دار الوزارة الحجر وهي من حذاء دار الوزارة بجوار باب الجوانية إلى باب النصر القديم ومن وراء دار الوزارة: المناخ السعيد ويجاوره حارة العطوفية وحارة الروم الجوانية
وكان جامع الخطبة الذي يعرف اليوم بجامع الحاكم خارجًا عن القاهرة وفي غربيه الزيادة التي هي باقية إلى اليوم وكانت أهراء لخزن الغلال التي تدخر بالقاهرة كما هي عادة الحصون وكان في غربي الجامع الأزهر: حارة الديلم وحارة الروم البرانية وحارة الأتراك وهي تعرف اليوم: بدرب الأتراك وحارة الباطلية وفيما بين باب الزهومة والجامع الأزهر وهذه الحارات خزائن القصر وهي خزانة الكتب وخزانة الأشربة وخزانة السروج وخزانة الخيم وخزائن الفرش وخزائن اكسوات وخزائن دار أفتكين ودار الفطرة ودار التعبية وغير ذلك من الخزائن هذا ما كان في الجهة الشرقية من القاهرة.
القصر الصغير الغربي

وأما القصر الصغير الغربي: فإنه موضع المارستان الكبير المنصوري إلى جوار حارة برجوان وبين هذا القصر وبين القصر الكبير الشرقي فضاء متسع يقف فيه عشرة آلاف من العساكر ما بين فارس وراجل يقال له: بين القصرين وبجوار القصر الغربي الميدان وهو الموضع الذي يعرف بالخرنشف واصطبلل الطارمة وبحذاء الميدان البستان الكافوري المطل من غربيه على الخليج الكبير ويجاور الميدان دار برجوان العزيزي وبحذائها رحبة الأفيال ودار الضيافة القديمة
ويقال لهذه المواضع الثلاثة: حارة برجوان ويقال دار برجان المنحر وموضعه الآن يعرف: بالدرب الأصفر ويدخل إليه من قبالة خانقاه بيبرس وفيما بين ظهر المنحر وباب حارة برجوان سوق أمير الجيوش وهو من باب حارة برجوان الآن إلى باب الجامع الحاكمي ويجاور حارة برجوان من بحريها اصطبل الحجرية وهو متصل بباب الفتوح الأول وموضع باب اصطبل الحجرية يعرف اليوم: بخان الوراقة والقيسارية تجاه الجملون الصغير وسوق المرحلين وتجاه اصطبل الحجرية الزيادة وفيما بين الزيادة والمنحر درب الفرنجية.
حارة زويلة

وبجوار البستان الكافوري حارة زويلة وهي تتصل بالخليج الكبير من غربيها وتجاه حارة زويلة اصطبل الجميزة وفيه خيول الخليفة أيضًا وفي هذا الاصطبل بئر زويلة وموضعها الآن قيسارية معقودة على البئر المذكورة يعلوها ربع يعرف: بقيسارية يونس من خط البندقانيين فكان اصطبل الجميزة المذكور فيما بين القصر الغربي من بحريه وبين حارة زويلة وموضعه الآن قبالة باب سر المارستان المنصوري إلى البندقانيين وبحذا القصر الغربي من قبيلة مطبخ القصر تجاه باب الزهومة المذكور والمطبخ موضعه الآن الصاغة قبالة المدارس الصالحية وبجوار المطبخ الحارة العدوية وهي من الموضع الذي يعرف بحمام خشيبة إلى حيث الفندق الذي يقال له فندق الزمام وبجوار العدوية حارة الأمراء ويقالل لها اليوم: سوق الزجاجين وسوق الحريريين الشرابيين.
الصاغة القديمة

ويجاور الصاغة القديمة: حبس المعونة وهي موضع قيسارية العنبر وتجاه حبس المعونة عقبة الصباغين وسوق القشاشين وهو يعرف اليوم: بالخراطين ويجاور حبس المعونة دكة الحسبة ودار العيار ويعرف موضع دكة الحسبة الآن بالإبزاريين وفيما بين دكة الحسبة وحارتي الروم والديلم: سوق السراجين ويقال له الآن: الشوايين وبطرف سوق السراجين مسجد ابن البناء الذي تسميه العامة: سام بن نوح ويجاور هذا المسجد: باب زويلة وكان منن حذاء حارة زويلة من ناحية باب الخوخة: دار الوزير يعقوب بن كليس وصارت بعده: دار الديباج ودار الاستعمال وموضعها الآن المدرسة الصالحية وما وراءها ويتصل دار الديباج بالحارة الوزيرية وإلى جانب الوزيرية: الميدان الآخر إلى باب سعادة وفيما بين باب سعادة وباب زويلة أهراء أيضًا وسطاح.
هذا ما كانت عليه صفة القاهرة في الدولة الفاطمية وحدثت هذه الأماكن شيئًا بعد شيء ولم تزل القاهرة دار خلافة ومنزل ملك ومعقل قتال لا ينزلها إلا الخليفة وعساكره وخواصه الذين يشرفهم بقربه فقط.
تعليق