أقاسمكم قراءة الأخ الكريم، سيدي سعيد، لقصة لي:
**
عبدالرحيم التدلاوي : شرود السارد الشخصية ، وتيه بين الواقع الكبير الغير امن ، وحد صغير/ كتاب، مصدر راحة واطمئنان.
نص : شرود.
كانت لحظة مواتية تلك التي رفع فيها الرجل هامته، ووقف على أطراف أصابع قدمه كراقص بالي، ومد يده كما عنقه عاليا لبلوغ كتاب ما لمسته يد منذ زمان، تلك اللحظة التي مكنتني من السقوط أرضا كما لو كانت إعلان ميلادي، أو انبعاثي، والحق أنني أنا من تسللت عمدا بعد أن كاد الهجر يخنقني، سقطت أرضا طلبا للخلاص، وما كنت أتوقع أن ترفضني الأفكار التي تمرح في المكتبة دون ضوابط، كانت تتجنبني لأن رائحة العفونة تفوح مني بفعل الرطوبة والبقاء جثة هامدة وسط مقبرة الكتاب الذي حالت صفحاته.
شعرت بوحدة قاتلة، أنا الذي كنت أتوقع استقبالا يليق بمقامي العالي، أنا القادمة من أعماق الزمن.
سرت على غير هدى تأكلني الحسرة والغضب، ولم أشعر إلا وأنا أتعثر برجل يبدو عليه الحزن والوحدة، كان لباسه الممزق والمتسخ يوحيان بذلك.
خطرت بذهني فكرة طريفة، أن أسكن ذهنه، فخير لي أن أكون في دماغ رجل على أن أظل متشردة أجوب الشوارع والحواري دون هدف، على الأقل، سيكون لي مأوى.
تسللت خفية وقبعت في تجاويف ذهنه، لفترة، وإذا بي ألاحظ تغيرا طفيفا في البداية، وقويا بعد ذلك، فقد صار الرجل يمتلك فصاحة لسان، وبدأ يزيح عن نفسه ركام الشرود، ويبعد عنه نحس الوحدة حين وجد لقوله آذانا صاغية، تغيرت حياته، وصار يلبس ألبسة غريبة، وحلق شعر رأسع وحف شاربيه، وأطلق لحيته، وبفعل قدرته على الإقناع، كون دائرة بدأت تكبر من المريدين، ذوي وجوه صارمة، لا يفارقها عبوس، كلماتهم كالمناجل تنتظر حصادا..
خفت من سوء المآل، فتسللت من ذهن الرجل، وعدت لواذا إلى كتابي، فخير لي أن أقبع فيه من أن أكون فكرة في ذهن رجل صعلوك.
خير ما يبدو مفيدا ان استهل به متابعتي لهذا النص القصير للمبدع عبدالرحيم التدلاوي هو استحضار قولة جاء فيه: انا القادمة من اعماق الزمن. مما يحلينا ان السارد هو امراة، ظهرت في النص بقيمتين متمايزتين، قيمة اختيار ، كما قالت، ان تسكن ذهن رجل، او تمتطي حصانا سراجه كتاب ، اختيار ميز بين موضوعين مهمين ، اما ان تحتمي برجل وتسكن ذماغه ضمانا لماوى وتجنبا تشردا من نوع معين ، في شوارع مدينة غير رحيمة.عليها ان تختار بقناعة ، ان الرجل في حياتها يضمن لها استقرارا وملكا لماوى، تؤهلها تجنب الشارع وتتحنب طرق الاغتصاب والتعدي بدرجات متفاوتة، انتقال وتحول تحكم في النص ككل ، بدرجات متفاوتة من الفائدة والسلب، اختيار رجل يعني حماية بدرجات متفاوتة ، لكنها في نفس الوقت ( خافت من سوء المعاملة)، وهي تيمة ذات منحى سلبي، بذالك جعلها تكشف لنا (الساردة) عن المفارقات التي تعيشها المراة العربية من زاوية اختناقها في عزلتها عن الرجل، وخوفها من ضياع ناتج عن سوء المعاملة ، في التقرب منه، فلجات الى الكتاب كخيار نهائي باعتباره مخلصا ومفيدا للخروج من دوامة التصدع. هي ساردة ، لانها تحكي القصة كاملة، وفي نفس الوقت ، تمثل شخصية لانها هي الفاعل الحقيقي في الحكي ككل.
قصة قصيرة بمواصفات القصة القصيرة الحديثة، شكلا ، اختار القاص شخصية تعرف عن نفسها ما تحكي، لان القاص والسارد الوحيد الذاي يعرف مايحكي، لانه هو المعني بصفته الفاعل في الاحدات من زاوية كونه اادلشخصية المحورية؛ اما مضمونا ، اختار موضوع حياسيا ، في مجتمعنا العربية ، هن زاوية ان النظر الى المرأة من زاوية انها هي الفاعل الحقيقي المتحكم في زمام كتابتها .
النساء ورد الله
ينبتن على ضفاف المعنى
ويتوالدن على مشارف الروح
يأتين على ظهر الغيم
كرياح لواقح
يحرسن الحرف من الأيدي الملوثة
النساء رياحين
يكتبن عشقنا
يملأن ثقوب حياتنا
بأريج خصوبتهن
النساء صدور عامرة بالمحبة
أشجار سامقة الثمار
لا يقطفها إلا المتطهرون.
وما أنا
برقم صعب
في معادلة الحياة
ما أنا
يا صديقي
سوى
جمرة مطفأة
تحت غبار كثيف
وظلام عابث
يغريني
بالغطس
ذاك الماء المتدفق
في أعماق الجوف
ذاك الماء
الذي يمر
بجانبي ضاحكا
يزيد من ألم موتي
فإن كنت
تحبني
فانفخ في
من بعض روحك
حتى أشتعل
فأطفو
نارا حارقة
تلتهم
ما تيبس من معاني
لتصير الأرض
جرداء
وأبعث بك
خلقا جديدا
ونبعا لكل وارد ومريد.
تعليق