كن تلقائيا هنا .. قصة / قصيدة / خاطرة

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    سألنا"ف":الى أين ستخرجان؟
    قال"ي"الى عدن..
    وأنت؟سألني
    قلت:لا اعرف.
    صمت صمت من حديد.كنا ثلاثة،فصرنا واحد في ما
    ينهار حولنا من عالم،كأننا نعتني بمواد قابلة للانكسار
    ونحن نستعدُّ لاستيعاب عملية انتقال الواقع برمته الى
    ذكريات،نحن الذكريات.
    ابتداءً من هذه اللحظة سيتذكر بعضنا بعضاً كما نتذكر
    عالماً بعيداً تلاشى في زرقة صارت أشد زرقة مما كانت عليه
    سنفترق في أوج اللهفة.
    ونحن الثلاثة نعرف الحقيقة:سنخرج ونعرف قسوة أقسى
    لا يجرؤ أحد على أن يُرى وهو يراها:
    إن الناس معنا لأننا خارجون.
    قلت:لن أخرج،لأنني لاأعرف الى أين أخرج،
    ولأنني لاأعرف الى أين أخرج فلن أخرج.
    وسألت"ف"وأنت؟
    قال:أنا باق،أنا لبناني،وهذه بلادي
    فإلى أين أذهب!!
    خجلت من سؤالي ومن فرط ما صارت بيروت نشيدي...ونشيد مَن لا وطن له
    خجلت من شدة إلتباس الفكرة.
    وفي فندق الكومودور وهو معقل الصحفيين الأجانب،
    يستجوبني كاتب صحفي أمريكي:ماذا تكتب أيها الشاعر في الحرب؟
    أكتب صمتي
    هل تعني أن للكلام مدافع؟
    نعم،صوتها أعلى من أي صوت
    ماذاتفعل إذن؟
    أدعو الى الصمود
    وهل ستنتصرون في هذه الحرب؟
    لاالمهم أن نبقى.بقاؤنا إنتصار
    وماذا بعد ذلك؟
    سيبدأ زمن جديد
    ومتى تعود لكتابة الشِعر؟
    حين تسكت المدافع قليلاَ
    حين أُفجر صمتي المليئ بجميع هذه الأصوات
    حين أجد لغتي الملائمة
    أليس لك من دور؟
    لا،لا دور لي في الشِعر الآن،
    دَوْري خارج القصيدة،
    دوري أن أكون هنا مع المواطنين ومع المقاتلين.
    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      لقد وجد بعض المثقفين وقت الحصار ملائما لتصفية حساباتهم الصغيرة.
      فشرعوا أقلامهم السامة في صدور زملائهم.
      وعبثا كنا نصرخ:ما لكم وهذه الصغائر،
      فليس أحد من الكتاب هو الذي يحاصر بيروت،
      وليس تقصيرهم أو هروبهم هو الذي يهيل البنايات على سكانها
      وفي أسوأ الأحوال ليست كتابتكم هذه أدباً.
      وليست مدافع فعَّالة مضادة للطائرات في أفضل الأحوال.
      كلا_يقولون:هذا هو المحك الأول والأخير لثورية الكاتب والشاعر.
      فإما أن تولد القصيدة الآن،وإما أن تُحرَم من حقها في الولادة.
      وكنا نسخر:لماذا أذنتم لهوميروس بكتابة الإلياذة والأوذيسة؟
      ولماذا سمحتم لأنجيليوس ويوربيدوس وأرسطوفان وتولستوي وغيرهم؟
      ليس ردِّ الفعل واحداً_أيها الكتّاب فمَن يستطيع الكتابة الآن فليكتب.
      وإذا أذنتم لي بأن أبدي رأيي دون إتهام فسأعبِّر عن ظنِّي بأن
      الجرحى والعطاش والباحثين عن الماء والخبز والملجأ
      لا يطالبوكم بالغناء والمقاتلين لا يكترثون بغنائكم.
      غَنّوا إذا شئتم أو فاصمتوا إذا شئتم.فنحن هامشيون في الحرب.
      وفي وسعنا أن نُقدِّم خدمات أخرى للناس فإن تنكة من الماء تساوي وادي عبقر.

      المطلوب منًّا الآن هو الفاعلية الانسانية لا الجمالية الإبداعية.
      فلتوقِفوا عمليات الاغتيال:وماذا لو انهارت أعصاب الناقد وخرج من بيروت؟
      وماذا لو عجز المسرحي عن إجتياز الشارع من الخوف؟
      وماذا لو أضاع الشاعر إيقاعه قليلاً؟
      ألأن الناقد لم يُعجَب برواياتكم وقصائدكم تضربون عليه الحصار وتقصفونه بالتشهير؟
      لقد اعتادت الأوساط الأدبية العربية أن تطرح سؤال الشعر
      في سياق الحرب المندلعة استجابة للراسب الثقافي فينا
      الذي يربط صيحة الرحب بحماسة الشعر،
      باعتبار الشاعر معلقاً على الأحداث،حاضّا على الجهاد،
      او مراسلا جربيا.
      في كل معركة يقولون:أين القصيدة؟
      لقد اختلط مفهوم الشعر السياسي بمفهوم الحدث،معزولا عن السياق التاريخي..
      وفي هذه اللحظة المحددة،حيث تحرث الطائرات أجسادنا،
      يطالب المثقفون المتحلقون حول جسد غائب بقصيدة
      تعادل قوة الغارة أو تقلب موازين القوى على الأقل.
      لإذا لم تولد القصيدة"الآن فمتى تولد؟
      وإذا وُلِدت فيما بعد فما هي قيمتها الآن.
      سؤال بسيط ومعقَّد يحتاج الى جواب مركب
      كأن يتاح لنا القول إن القصيدة تولد الآن:
      تولد في مكان ما، في لغة ما،في جسد ما
      ولكنها لا تصل الى الحنجرةوالورق.
      سؤال بريئ يحتاج الى جواب بريئ لولا
      أنه مليئ في هذه الجلسة بالرغبة في اغتيال الشاعر
      الذي جرؤ على الإعلان بأنه يكتب صمته.
      ومن المثير للمرارة أن تنتزع من زمن الغارات هذا الوقت للثرثرة
      وللدفاع عن دور الشاعر الذي يستمد خاصيته من
      تاريخ كتابة الشعر في علاقته بتطور الواقع،
      أمام لحظة يتوقف فيها كل شيئ عن الكلام،
      لحظة تصوغ فيها الملحمة الشعبية تاريخها وإبداعها الجماعي.
      بيروت هي الكتابة الإبداعية المثيرة.
      شعراؤها الحقيقيون ومنشدوها منهم مقاتلوها وناسها
      الذين لا يحتاجون الى ترفيه وتشجيع على عودمقطوع الأوتار.
      هم التأسيس الحقيقي لكتابة ستبحث طويلا وطويلا عن المعادل اللغوي لبطولتهم وحياتهم المدهشة.
      فكيف تستطيع الكتابة الجديدة،المحتاجة الى كسل أن تتبلور وتتشكل
      في اوج معركة لها هذا الايقاع الصاروخي؟
      وكيف يستطي عالشعر التقليدي وكل شعر تقليدي في هذه اللحظة
      أن يصف هذا الشعر الجديد المختمر في بطن الزلزال؟
      صبراًأيها المثقفون!!فسؤال الحياة والموت المهيمن الآن،
      سؤال الإرادة التي تدفع بأسلحتها كلها في هذه الساحة،

      سؤال الوجود الذي يصوغ شكله المادي والألوهي،
      أهم من السؤال الأخلاقي عن دور الشعر والشاعر.
      ومن اللائق أن تحترم الرهبة التي تنشرها هذه الساعات،
      ساعات انتقال الوجود الانساني من ضفة الى أخرى ومن طور الى طور.
      ومن اللائق أن يعرف الشعر القديم كيف يصمت،
      في خشوع أمام حضرة هذا المولود الجديد.
      وإذا كان من الضروري أن يتحول المثقفين أو بعضهم الى قنَّاصة ،
      فليحاولوا قنص مفاهيمهم القديمة وأسئلتهم القديمة وأخلاقهم القديمة
      نحن الآن لا نصف بقدر ما نوصف ،نحن نولد تماماً أو نموت تماما..

      ولكن صديقنا الكبير الباكستاني فايز أحمد فايز كان مشغولاً بسؤال آخر:
      أين الرسامون؟
      قلت:أيُّ رسامون يا فايز؟
      قال:رسَّامو بيروت
      قلت:ماذا تريد منهم؟
      قال:أن يرسموا هذه الحرب على جدران المدينة
      قلت:ماذا دهالك يا فايز،ألا ترى سقوط الجدران؟
      sigpic

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        لماذا أرى الطاووس العجوز يدبُ على عصا من عاج مدججاً بمسدسين
        مترعاً بالزهور،ثملاً بالهجاء،مفتوناً ببصاق مُتَّوج؟
        لماذا أرى الطاووس العجوز سارق الريش الملون،
        يرشني بابتسامة حاقنة،ويغمد خنجرا في نخاعي؟؟ً
        لماذا أرى الطاووس العجوز،يريم عليَّ رائحة العرق والعرق
        ويحاول أن يُقبِّل حذائي،ليدس لي قبرا تحت الحذاء؟
        لماذا أرى الطاووس العجوز،يشرئِّبُّ على المعقد والجدار،
        ليطلُّ على قلبي ويسرق حزن الليمون،ويهرِّبه الى قبطان
        سفينة لاتصل،ظنها سفينة نوح ولم تصل؟
        لماذا أرى الطاووس العجوز،مزداناً بنعل حصان قتيل ظنًّها وسام شرف؟
        لماذا ارى الطاوووس مدججا بمسدسين:
        واحدِ لقتلي وواحد لقفاه الجَشِع؟
        لماذا ارى الطاووس العجوز؟
        لماذا ارى الطاووس؟
        لماذا أرى؟
        لماذا؟
        sigpic

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          حترقَ المكتب،قذيفة بحرية جعلته مخزناً للفحم
          إحترق المكتب قبل وصولنا بساعات.أين نجد
          مكاناًآخر لنتابع الثرثرة،
          مهمتنا الخالدة في الحرب وفي الهدنة هي الثرثرة
          أين نتابعها:نخرج،أم لا نخرج؟
          فقد حسب المثقفون المنصهرون في ورشة الصمود الرائعة
          انصهاراً مدهشاً أن هذا السؤال هو سؤالهم.
          وحسبوا أن لهم حقِّ الفيتو على القرار السياسي.
          وكان بعضهم يعتقد أن نشرة"المعركة"هي التي ستحدد مصير المعركة.
          وقرروا أن هذا المنبر الشجاع هو الذي سيشهد للتاريخ أن المثقفين
          هم الذين يقودون انعطاف التاريخ.ماأجملهم!ما أجملهم!
          الساعة الحادية عشرة وعشرون ألف قذيفة وثلاثون ثانية،
          خرجنا من المكتب المُحترِق الى فضضاء مشتعل.
          السماء تعانق الأرض عناقاً دخانياً،ـ
          تتدلى مُثقَلة بالرصاص المصهور،
          برمادي داكن لا يفتح انغلاقه العدمي سوى لون برتقالي
          تَبُولُه الطائرات الفضية المائلة الى البياض الوهج.
          طائرات خفيفة رشيقة تثب على هواء آمن كأن فيه أخاديد.
          .................................
          قال"ز"هيا بنا.قلت:الى أين؟قال:نبحث عن أي شيئ
          عن غداء مثلاً،ما الحالة؟زفت.
          شروط الخروج مذلة،ونحن نناور،ونحاول أن نشتري الوقت بأي ثمن؟
          بأي ثمن..بمدافع مضادة للطائرات نفدت ذخيرتها،
          ببطولة شباب حيَّروا العلَم العسكري وحيروا الجنون.إلى متى؟
          الى أن يحدث شيئ ما لن يحدث.
          لم يحدث تغيير.مازلنا وحدنا.هل سيدخلون بيروت؟
          لن يدخلوا بيروت،سيتكبدون خسائر لا يتحملون نتائجها.
          ولكنهم يحاولون قضم أطراف المدينة،
          حاولوا عند المتحف وفشلوا.
          معنويات الشباب عالية،عالية جداً.
          إنهم أشباه شياطين، يائسون من النجدة
          يائسون من تحرُّك العالم العربي
          يائسون من التوازن الاستراتيجي،
          ولذلك كله يُقاتلون بجنون.
          هل يبلغهم حديث الخروج؟
          نعم يبلغهم ولا يصدقون.يقولون:تلك مناورة،ويقاتِلون
          ،ويعرفون أن هذا الصمت الذي يتوِّج العالم يعطيهم منصَّة الكلام.
          دمهم وحدهم هو الذي يتكلم في هذا الزمن.
          وماذا ستكتب في المعركة أمام حديث المفاوضات والخروج؟
          ندعو الى القتال والصمود،
          ندعوا الى القتال والصمود:
          بيروت من الخارج:
          محاصرةبالدبابات الاسرائيلية وبالشلل العربي الرسمي
          بيروت غارقة في الظلام والابتزاز.بيروت تعطش.
          ولكن بيروت الداخل،
          بيروت من الداخل تُعِدُّ حقيقتها الأخرى،
          تمتلك ارادتها
          وترفع بنادقها
          لتحافظ على إشراقة معانيها:عاصمة الأمل العربي.
          بشعار إنقاذ بيروت الجهنمي السلس القاتل كالسم الناعم،
          يُراد لهذا الأمل
          أن ينتحر في مسادة عربية منقولة عن الذاهبين الى انتحارهم في أوج انتصارهم.
          واللفظ الوحيد الذي يضعه مبتكرو لفظة"إنقاذ"هو:
          الاستسلام،تاريخ من المعاني المُسقيَّة بالدم
          استسلام كامل الغضب استسلام كل السلاح.استسلام بلا تكاليف.
          ولكن هل يعرف خبراء صناعة الإبتزاز ما معنى هذا اليأس ؟
          ما نتاج هذا اليأس؟
          لا نقول إبتزازامضاداً،
          ولا نُهدّد بسقوط الهيكل علينا وعلى أعدائنا وعلى حلفائنا.
          ولكننا نَشهر:
          حريتنا الوحيدة
          وشرطنا الوحيدعلى مائدة المفاوضات:أن تُقاتل.
          .....................................
          بيروت ليست رهينة،ونحن خلف متاريسنا لانُرهن حياتنا لغير المستقبل،
          ولتَجدُّد دورة الأيام كلها.
          إذ لا خيار لنا إلا الإحتفاظ بشرط حياتنا الحاضر:السلاح.
          السلاح الذي يعني تجريدنا منه تجريدنا من أداة الوجود،
          ومن حماية شعلة أوقدناها بغابة من أشجار دمائنا،
          ومن الاستمرار في إيقاظ القارة العربية النائمة تحت قمع الأنظمة.
          إن صمودنا في قلعة بيروت غير القابلة للتدمير هو الأداة الوحيدة
          لتحريك العملاق العربي المتمدِّد ما بين شاطئي محيطين.
          وهو الأفق الوحيد المطلُّ من:
          فوهة بندقية ومن ثقب جزمة مقاتل ومن جرح يضيئ هذا العصر الأسود.
          هكذا..هكذا نفك الحصار عن بيروت وعن غضب الملايين..
          وهكذا تكون صورة بيروت من الداخل نقيض صورة بيروت من الخارج...
          وهكذا كنَّا نكتب،فماذا نكتب الآن؟
          قال"ز"بلا تردد:الكلام إياه.
          وماهو رأي الناس،أهل بيروت؟
          قال:مع الصمود،
          قلت:مع الصمود حتى الخروج...هل تستطيع أن تتجاهل ذلك؟
          قال:لا نستطيع ان نتجاهل ذلك.ولكن ما العمل؟ما العمل؟

          أكتفي بهذا القدر من هذا العمل المدهش لدرويش ( هوميروس العرب )
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            من أروع ما غنى درويش

            ايها المارون في الكلمات العابرة
            احملوا أسماءكم .. و انصرفوا
            وأسحبوا ساعاتكم من وقتنا .. و انصرفوا
            وخذوا ما شئتم من زرقة البحر و رمل الذاكرة
            و خذوا ما شئتم من صور،كي تعرفوا
            انكم لن تعرفوا
            كيف يبني حجر من ارضنا سقف السماء (f)

            ***
            ايها المارون بين الكلمات العابرة
            منكم السيف - ومنا دمنا
            منكم الفولاذ والنار- ومنا لحمنا
            منكم دبابة اخرى- ومنا حجر
            منكم قنبلة الغاز - ومنا المطر
            وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
            فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
            وادخلوا حفل عشاء راقص..و انصرفوا
            وعلينا ، نحن ، ان نحرس ورد الشهداء
            و علينا ، نحن ، ان نحيا كما نحن نشاء(f)

            ***
            ايها المارون بين الكلمات العابرة
            كالغبار المر مروا اينما شئتم ولكن
            لا تمروا بيننا كالحشرات الطائرة
            خلنا في ارضنا ما نعمل
            و لنا قمح نربيه و نسقيه ندى اجسادنا
            و لنا ما ليس يرضيكم هنا
            حجر.. او خجل
            فخذوا الماضي ... اذا شئتم الى سوق التحف
            و اعيدوا الهيكل العظمي للهدهد ، ان شئتم
            على صحن خزف لناما ليس يرضيكم ، لنا المستقبل ولنا في ارضنا ما نعمل(f)

            ***
            ايها المارون بين الكلمات العابره
            كدسوا اوهامكم في حفرة مهجورة ،.. وانصرفوا
            واعيدوا عقرب الوقت الى شرعية العجل المقدس
            !او الى توقيت موسيقى مسدس
            فلنا ما ليس يرضيكم هنا ،... فانصرفوا
            ولنا ما ليس فيكم ....وطن ينزف و شعبا ينزف
            وطنا يصلح للنسيان او للذاكرة
            ايها المارون بين الكلمات العابرة
            آن ان تنصرفوا ...
            وتقيموا اينما شئتم ولكن لا تقيموا يننا
            آن ان تنصرفوا ......
            ولتموتوا اينما شئتم ولكن لا تموتو بيننا
            فلنا في ارضنا مانعمل
            ولنا الماضي هنا ..
            ولنا صوت الحياة الاول
            ولنا الحاضر .. والحاضر .... والمستقبل
            ولنا الدنيا هنا.... و الاخرة
            فاخرجوا من ارضنا
            من برنا ..من بحرنا
            من قمحنا ..من ملحنا ..من جرحنا
            من كل شيء ......... واخرجوا
            من ذكريات الذاكرة .....
            ايها المارون بين الكلمات العابرة ...
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              الجدارية

              هذا هُوَ اسمُكَ /
              قالتِ امرأةٌ ،
              وغابتْ في المَمَرِّ اللولبيِّ…
              أرى السماءَ هُنَاكَ في مُتَناوَلِ الأَيدي .
              ويحملُني جناحُ حمامةٍ بيضاءَ صَوْبَ
              طُفُولَةٍ أَخرى . ولم أَحلُمْ بأني
              كنتُ أَحلُمُ . كُلُّ شيءٍ واقعيٌّ . كُنْتُ
              أَعلَمُ أَنني أُلْقي بنفسي جانباً…
              وأَطيرُ . سوف أكونُ ما سأَصيرُ في
              الفَلَك الأَخيرِ .

              وكُلُّ شيء أَبيضُ ،
              البحرُ المُعَلَّقُ فوق سقف غمامةٍ
              بيضاءَ . والَّلا شيء أَبيضُ في
              سماء المُطْلَق البيضاءِ . كُنْتُ ، ولم
              أَكُنْ . فأنا وحيدٌ في نواحي هذه
              الأَبديَّة البيضاء . جئتُ قُبَيْل ميعادي
              فلم يَظْهَرْ ملاكٌ واحدٌ ليقول لي :
              (( ماذا فعلتَ ، هناك ، في الدنيا ؟ ))
              ولم أَسمع هُتَافَ الطيِّبينَ ، ولا
              أَنينَ الخاطئينَ ، أَنا وحيدٌ في البياض ،
              أَنا وحيدُ …

              لاشيء يُوجِعُني على باب القيامةِ .
              لا الزمانُ ولا العواطفُ . لا
              أُحِسُّ بخفَّةِ الأشياء أَو ثِقَلِ
              الهواجس . لم أَجد أَحداً لأسأل :
              أَين (( أَيْني )) الآن ؟ أَين مدينةُ
              الموتى ، وأَين أَنا ؟ فلا عَدَمٌ
              هنا في اللا هنا … في اللازمان ،
              ولا وُجُودُ

              وكأنني قد متُّ قبل الآن …
              أَعرفُ هذه الرؤيا ، وأَعرفُ أَنني
              أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ . رُبَّما
              ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ
              ما أُريدُ …
              سأصيرُ يوماً ما أُريدُ

              سأَصيرُ يوماً فكرةً . لا سَيْفَ يحملُها
              إلى الأرضِ اليبابِ ، ولا كتابَ …
              كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من
              تَفَتُّح عُشْبَةٍ ،
              لا القُوَّةُ انتصرتْ
              ولا العَدْلُ الشريدُ

              سأَصير يوماً ما أُريدُ

              سأصير يوماً طائراً ، وأَسُلُّ من عَدَمي
              وجودي . كُلَّما احتَرقَ الجناحانِ
              اقتربتُ من الحقيقةِ ، وانبعثتُ من
              الرمادِ . أَنا حوارُ الحالمين ، عَزَفْتُ
              عن جَسَدي وعن نفسي لأُكْمِلَ
              رحلتي الأولى إلى المعنى ، فأَحْرَقَني
              وغاب . أَنا الغيابُ . أَنا السماويُّ
              الطريدُ .

              سأَصير يوماً ما أُريدُ

              سأَصير يوماً كرمةً ،
              فَلْيَعْتَصِرني الصيفُ منذ الآن ،
              وليشربْ نبيذي العابرون على
              ثُرَيَّات المكان السُكَّريِّ !
              أَنا الرسالةُ والرسولُ
              أَنا العناوينُ الصغيرةُ والبريدُ

              سأَصير يوماً ما أُريدُ

              هذا هُوَ اسمُكَ /
              قالتِ امرأةٌ ،
              وغابتْ في مَمَرِّ بياضها .
              هذا هُوَ اسمُكَ ، فاحفظِ اسْمَكَ جَيِّداً !
              لا تختلفْ مَعَهُ على حَرْفٍ
              ولا تَعْبَأْ براياتِ القبائلِ ،
              كُنْ صديقاً لاسمك الأُفُقِيِّ
              جَرِّبْهُ مع الأحياء والموتى
              ودَرِّبْهُ على النُطْق الصحيح برفقة الغرباء
              واكتُبْهُ على إحدى صُخُور الكهف ،
              يااسمي : سوف تكبَرُ حين أَكبَرُ
              سوف تحمِلُني وأَحملُكَ
              الغريبُ أَخُ الغريب
              سنأخُذُ الأُنثى بحرف العِلَّة المنذور للنايات
              يا اسمي: أَين نحن الآن ؟
              قل : ما الآن ، ما الغَدُ ؟
              ما الزمانُ وما المكانُ
              وما القديمُ وما الجديدُ ؟

              سنكون يوماً ما نريدُ

              لا الرحلةُ ابتدأتْ ، ولا الدربُ انتهى
              لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ
              كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ
              ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ ،
              فلنذهب إلى أَعلى الجداريات :
              أَرضُ قصيدتي خضراءُ ، عاليةُ ،
              كلامُ الله عند الفجر أَرضُ قصيدتي
              وأَنا البعيدُ
              أَنا البعيدُ

              في كُلِّ ريحٍ تَعْبَثُ امرأةٌ بشاعرها
              - خُذِ الجهةَ التي أَهديتني
              الجهةَ التي انكَسَرتْ ،
              وهاتِ أُنوثتي ،
              لم يَبْقَ لي إلاّ التَأمُّلُ في
              تجاعيد البُحَيْرَة . خُذْ غدي عنِّي
              وهاتِ الأمس ، واتركنا معاً
              لا شيءَ ، بعدَكَ ، سوف يرحَلُ
              أَو يَعُودُ

              - وخُذي القصيدةَ إن أَردتِ
              فليس لي فيها سواكِ
              خُذي (( أَنا )) كِ . سأُكْملُ المنفى
              بما تركَتْ يداكِ من الرسائل لليمامِ .
              فأيُّنا منا (( أَنا )) لأكون آخرَها ؟
              ستسقطُ نجمةٌ بين الكتابة والكلامِ
              وتَنْشُرُ الذكرى خواطرها : وُلِدْنا
              في زمان السيف والمزمار بين
              التين والصُبَّار . كان الموتُ أَبطأَ .
              كان أَوْضَح . كان هُدْنَةَ عابرين
              على مَصَبِّ النهر . أَما الآن ،
              فالزرُّ الإلكترونيُّ يعمل وَحْدَهُ . لا
              قاتلٌ يُصْغي إلى قتلى . ولا يتلو
              وصيَّتَهُ شهيدُ

              من أَيِّ ريح جئتِ ؟
              قولي ما اسمُ جُرْحِكِ أَعرفِ
              الطُرُقَ التي سنضيع فيها مَرّتيْنِ !
              وكُلُّ نَبْضٍ فيكِ يُوجعُني ، ويُرْجِعُني
              إلى زَمَنٍ خرافيّ . ويوجعني دمي
              والملحُ يوجعني … ويوجعني الوريدُ

              في الجرّة المكسورةِ انتحبتْ نساءُ
              الساحل السوريّ من طول المسافةِ ،
              واحترقْنَ بشمس آبَ . رأيتُهنَّ على
              طريق النبع قبل ولادتي . وسمعتُ
              صَوْتَ الماء في الفخّار يبكيهنّ :
              عُدْنَ إلى السحابة يرجعِ الزَمَنُ الرغيدُ

              قال الصدى :
              لاشيء يرجعُ غيرُ ماضي الأقوياء
              على مِسلاَّت المدى … [ ذهبيّةٌٌ آثارُهُمْ
              ذهبيّةٌٌ ] ورسائلِ الضعفاءِ للغَدِ ،
              أَعْطِنا خُبْزَ الكفاف ، وحاضراً أَقوى .
              فليس لنا التقمُّصُ والحُلُولُ ولا الخُلُودُ

              قال الصدى :
              وتعبتُ من أَملي العُضَال . تعبتُ
              من شَرَك الجماليّات : ماذا بعد
              بابلَ؟ كُلَّما اتَّضَحَ الطريقُ إلى
              السماء ، وأَسْفَرَ المجهولُ عن هَدَفٍ
              نهائيّ تَفَشَّى النثرُ في الصلوات ،
              وانكسر النشيدُ

              خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ عالية ٌ…
              تُطِلُّ عليَّ من بطحاء هاويتي …
              غريبٌ أَنتَ في معناك . يكفي أَن
              تكون هناك ، وحدك ، كي تصيرَ
              قبيلةً…
              غَنَّيْتُ كي أَزِنَ المدى المهدُورَ
              في وَجَع الحمامةِ ،
              لا لأَشْرَحَ ما يقولُ اللهُ للإنسان ،
              لَسْتُ أَنا النبيَّ لأَدَّعي وَحْياً
              وأُعْلِنَ أَنَّ هاويتي صُعُودُ

              وأَنا الغريب بكُلِّ ما أُوتيتُ من
              لُغَتي . ولو أخضعتُ عاطفتي بحرف
              الضاد ، تخضعني بحرف الياء عاطفتي ،
              وللكلمات وَهيَ بعيدةٌ أَرضٌ تُجاوِرُ
              كوكباً أَعلى . وللكلمات وَهيَ قريبةٌ
              منفى . ولا يكفي الكتابُ لكي أَقول :
              وجدتُ نفسي حاضراً مِلْءَ الغياب .
              وكُلَّما فَتَّشْتُ عن نفسي وجدتُ
              الآخرين . وكُلَّما فتَّشْتُ عَنْهُمْ لم
              أَجد فيهم سوى نَفسي الغريبةِ ،
              هل أَنا الفَرْدُ الحُشُودُ ؟

              وأَنا الغريبُ . تَعِبْتُ من ” درب الحليب ”
              إلى الحبيب . تعبتُ من صِفَتي .
              يَضيقُ الشَّكْلُ . يَتّسعُ الكلامُ . أُفيضُ
              عن حاجات مفردتي . وأَنْظُرُ نحو
              نفسي في المرايا :
              هل أَنا هُوَ ؟
              هل أُؤدِّي جَيِّداً دَوْرِي من الفصل
              الأخيرِ ؟
              وهل قرأتُ المسرحيَّةَ قبل هذا العرض ،
              أَم فُرِضَتْ عليَّ ؟
              وهل أَنا هُوَ من يؤدِّي الدَّوْرَ
              أَمْ أَنَّ الضحيَّة غَيَّرتْ أَقوالها
              لتعيش ما بعد الحداثة ، بعدما
              انْحَرَفَ المؤلّفُ عن سياق النصِّ
              وانصرَفَ المُمَثّلُ والشهودُ ؟

              وجلستُ خلف الباب أَنظُرُ :
              هل أَنا هُوَ ؟
              هذه لُغَتي . وهذا الصوت وَخْزُ دمي
              ولكن المؤلِّف آخَرٌ…
              أَنا لستُ مني إن أَتيتُ ولم أَصِلْ
              أَنا لستُ منِّي إن نَطَقْتُ ولم أَقُلْ
              أَنا مَنْ تَقُولُ له الحُروفُ الغامضاتُ :
              اكتُبْ تَكُنْ !
              واقرأْ تَجِدْ !
              وإذا أردْتَ القَوْلَ فافعلْ ، يَتَّحِدْ
              ضدَّاكَ في المعنى …
              وباطِنُكَ الشفيفُ هُوَ القصيدُ

              بَحَّارَةٌ حولي ، ولا ميناء
              أَفرغني الهباءُ من الإشارةِ والعبارةِ ،
              لم أَجد وقتاً لأعرف أَين مَنْزِلَتي ،
              الهُنَيْهةَ ، بين مَنْزِلَتَيْنِ . لم أَسأل
              سؤالي ، بعد ، عن غَبَش التشابُهِ
              بين بابَيْنِ : الخروج أم الدخول …
              ولم أَجِدْ موتاً لأقْتَنِصَ الحياةَ .
              ولم أَجِدْ صوتاً لأَصرخَ : أَيُّها
              الزَمَنُ السريعُ ! خَطَفْتَني مما تقولُ
              لي الحروفُ الغامضاتُ :
              ألواقعيُّ هو الخياليُّ الأَكيدُ

              يا أيها الزَمَنُ الذي لم ينتظِرْ …
              لم يَنْتَظِرْ أَحداً تأخَّر عن ولادتِهِ ،
              دَعِ الماضي جديداً ، فَهْوَ ذكراكَ
              الوحيدةُ بيننا ، أيَّامَ كنا أَصدقاءك ،
              لا ضحايا مركباتك . واترُكِ الماضي
              كما هُوَ ، لا يُقَادُ ولا يَقُودُ

              ورأيتُ ما يتذكَّرُ الموتى وما ينسون …
              هُمْ لا يكبرون ويقرأون الوَقْتَ في
              ساعات أيديهمْ . وَهُمْ لايشعرون
              بموتنا أَبداً ولا بحياتهِمْ . لا شيءَ
              ممَّا كُنْتُ أو سأكونُ . تنحلُّ الضمائرُ
              كُلُّها . ” هو ” في ” أنا ” في ” أَنت ” .
              لا كُلٌّ ولاجُزْءٌ . ولا حيٌّ يقول
              لميِّتٍ : كُنِّي !

              .. وتنحلُّ العناصرُ والمشاعرُ . لا
              أَرى جَسَدي هُنَاكَ ، ولا أُحسُّ
              بعنفوان الموت ، أَو بحياتيَ الأُولى .
              كأنِّي لَسْتُ منّي . مَنْ أَنا ؟ أَأَنا
              الفقيدُ أَم الوليدُ ؟

              الوقْتُ صِفْرٌ . لم أُفكِّر بالولادة
              حين طار الموتُ بي نحو السديم ،
              فلم أكُن حَيّاً ولا مَيْتاً،
              ولا عَدَمٌ هناك ، ولا وُجُودُ

              تقولُ مُمَرِّضتي : أَنتَ أَحسَنُ حالا ً.
              وتحقُنُني بالمُخَدِّر : كُنْ هادئاً
              وجديراً بما سوف تحلُمُ
              عما قليل …

              رأيتُ طبيبي الفرنسيَّ
              يفتح زنزانتي
              ويضربني بالعصا
              يُعَاونُهُ اثنانِ من شُرْطة الضاحيةْ

              رأيتُ أَبي عائداً
              من الحجِّ ، مُغمىً عليه
              مُصَاباً بضربة شمسٍ حجازيّة
              يقول لرفِّ ملائكةٍ حَوْلَهُ :
              أَطفئوني ! …

              رأيتُ شباباً مغاربةً
              يلعبون الكُرَةْ
              ويرمونني بالحجارة : عُدْ بالعبارةِ
              واترُكْ لنا أُمَّنا
              يا أَبانا الذي أخطَأَ المقبرةْ !

              رأيت ” ريني شار ”
              يجلس مع ” هيدغر ”
              على بُعْدِ مترين منِّي ،
              رأيتهما يشربان النبيذَ
              ولا يبحثان عن الشعر …
              كان الحوار شُعَاعاً
              وكان غدٌ عابرٌ ينتظرْ

              رأيتُ رفاقي الثلاثَةَ ينتحبونَ
              وَهُمْ
              يَخيطونَ لي كَفَناً
              بخُيوطِ الذَّهَبْ

              رأيت المعريَّ يطرد نُقَّادَهُ
              من قصيدتِهِ :
              لستُ أَعمى
              لأُبْصِرَ ما تبصرونْ ،
              فإنَّ البصيرةَ نورٌ يؤدِّي
              إلى عَدَمٍ …. أَو جُنُونْ

              رأيتُ بلاداً تعانقُني
              بأَيدٍ صَبَاحيّة : كُنْ
              جديراً برائحة الخبز . كُنْ
              لائقا ً بزهور الرصيفْ
              فما زال تَنُّورُ أُمِّكَ
              مشتعلاً ،
              والتحيَّةُ ساخنةً كالرغيفْ !

              خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ . نهرٌ واحدٌ يكفي
              لأهمس للفراشة : آهِ ، يا أُختي ، ونَهْرٌ واحدٌ يكفي لإغواءِ
              الأساطير القديمة بالبقاء على جناح الصَّقْر ، وَهْوَ يُبَدِّلُ
              الراياتِ والقممَ البعيدةَ ، حيث أَنشأتِ الجيوشُ ممالِكَ
              النسيان لي . لاشَعْبَ أَصْغَرُ من قصيدته . ولكنَّ السلاحَ
              يُوَسِّعُ الكلمات للموتى وللأحياء فيها ، والحُرُوفَ تُلَمِّعُ
              السيفَ المُعَلَّقَ في حزام الفجر ، والصحراء تنقُصُ
              بالأغاني ، أَو تزيدُ

              لاعُمْرَ يكفي كي أَشُدَّ نهايتي لبدايتي
              أَخَذَ الرُّعَاةُ حكايتي وتَوَغَّلُوا في العشب فوق مفاتن
              الأنقاض ، وانتصروا على النسيان بالأَبواق والسَّجَع
              المشاع ، وأَورثوني بُحَّةَ الذكرى على حَجَرِ الوداع ، ولم
              يعودوا …

              رَعَويَّةٌ أَيَّامنا رَعَويَّةٌ بين القبيلة والمدينة ، لم أَجد لَيْلاً
              خُصُوصِيّاً لهودجِكِ المُكَلَّلِ بالسراب ، وقلتِ لي :
              ما حاجتي لاسمي بدونكَ ؟ نادني ، فأنا خلقتُكَ
              عندما سَمَّيْتَني ، وقتلتَني حين امتلكتَ الاسمَ …
              كيف قتلتَني ؟ وأَنا غريبةُ كُلِّ هذا الليل ، أَدْخِلْني
              إلى غابات شهوتك ، احتضنِّي واعْتَصِرْني ،
              واسفُك العَسَلَ الزفافيَّ النقيَّ على قفير النحل .
              بعثرني بما ملكتْ يداك من الرياح ولُمَّني .
              فالليل يُسْلِمُ روحَهُ لك يا غريبُ ، ولن تراني نجمةٌ
              إلاّ وتعرف أَنَّ عائلتي ستقتلني بماء اللازوردِ ،
              فهاتِني ليكونَ لي - وأَنا أُحطِّمُ جَرَّتي بيديَّ -
              حاضِريَ السعيدُ

              - هل قُلْتَ لي شيئاً يُغَيِّر لي سبيلي ؟
              - لم أَقُلْ . كانت حياتي خارجي
              أَنا مَنْ يُحَدِّثُ نفسَهُ :
              وَقَعَتْ مُعَلَّقتي الأَخيرةُ عن نخيلي
              وأَنا المُسَافِرُ داخلي
              وأَنا المُحَاصَرُ بالثنائياتِ ،
              لكنَّ الحياة جديرَةٌ بغموضها
              وبطائرِ الدوريِّ …
              لم أُولَدْ لأَعرفَ أَنني سأموتُ ، بل لأُحبَّ محتوياتِ ظلِّ
              اللهِ
              يأخُذُني الجمالُ إلى الجميلِ
              وأُحبُّ حُبَّك ، هكذا متحرراً من ذاتِهِ وصفاتِهِ
              وأِنا بديلي …

              أَنا من يُحَدِّثُ نَفْسَهُ :
              مِنْ أَصغر الأشياءِ تُولَدُ أكبرُ الأفكار
              والإيقاعُ لا يأتي من الكلمات ،
              بل مِنْ وحدة الجَسَدَيْنِ
              في ليلٍ طويلٍ …

              أَنا مَنْ يحدِّثُ نَفْسَهُ
              ويروِّضُ الذكرى … أَأَنتِ أَنا ؟
              وثالثُنا يرفرف بيننا ” لا تَنْسَيَاني دائماً ”
              يا مَوْتَنا ! خُذْنَا إليكَ على طريقتنا ، فقد نتعلَّمُ الإشراق …
              لا شَمْسٌ ولا قَمَرٌ عليَّ
              تركتُ ظلِّي عالقاً بغصون عَوْسَجَةٍ
              فخفَّ بِيَ المكانُ
              وطار بي روحي الشَّرُودُ

              أَنا مَنْ يحدِّثُ نفسَهُ :
              يا بنتُ : ما فَعَلَتْ بكِ الأشواقُ ؟
              إن الريح تصقُلُنا وتحملنا كرائحة الخريفِ ،
              نضجتِ يا امرأتي على عُكَّازَتيَّ ،
              بوسعك الآن الذهابُ على ” طريق دمشق ”
              واثقةً من الرؤيا . مَلاَكٌ حارسٌ
              وحمامتان ترفرفان على بقيَّة عمرنا ، والأرضُ عيدُ …

              الأرضُ عيدُ الخاسرين [ ونحن منهُمْ ]
              نحن من أَثَرِ النشيد الملحميِّ على المكان ، كريشةِ النَّسْرِ
              العجوز خيامُنا في الريح . كُنَّا طيِّبين وزاهدين بلا تعاليم
              المسيح . ولم نكُنْ أَقوى من الأعشابِ إلاّ في ختام
              الصَيْفِ ،
              أَنتِ حقيقتي ، وأَنا سؤالُكِ
              لم نَرِثْ شيئاً سوى اسْميْنَا
              وأَنتِ حديقتي ، وأَنا ظلالُكِ
              عند مفترق النشيد الملحميِّ …
              ولم نشارك في تدابير الإلهات اللواتي كُنَّ يبدأن النشيد
              بسحرهنَّ وكيدهنَّ . وكُنَّ يَحْمِلْنَ المكانَ على قُرُون
              الوعل من زَمَنِ المكان إلى زمان آخرٍ …

              كنا طبيعيِّين لو كانت نجومُ سمائنا أَعلى قليلاً من
              حجارة بئرنا ، والأَنبياءُ أَقلَّ إلحاحاً ، فلم يسمع مدائحَنا
              الجُنُودُ …

              خضراءُ ، أرضُ قصيدتي خضراءُ
              يحملُها الغنائيّون من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ كما هِيَ في
              خُصُوبتها .
              ولي منها : تأمُّلُ نَرْجسٍ في ماء صُورَتِهِ
              ولي منها وُضُوحُ الظلِّ في المترادفات
              ودقَّةُ المعنى …
              ولي منها : التَّشَابُهُ في كلام الأَنبياءِ
              على سُطُوح الليلِ
              لي منها : حمارُ الحكمةِ المنسيُّ فوق التلِّ
              يسخَرُ من خُرافتها وواقعها …
              ولي منها : احتقانُ الرمز بالأضدادِ
              لا التجسيدُ يُرجِعُها من الذكرى
              ولا التجريدُ يرفَعُها إلى الإشراقة الكبرى
              ولي منها : ” أَنا ” الأُخرى
              تُدَوِّنُ في مُفَكِّرَة الغنائيِّين يوميَّاتها :
              (( إن كان هذا الحُلْمُ لا يكفي
              فلي سَهَرٌ بطوليٌّ على بوابة المنفى … ))
              ولي منها : صَدَى لُغتي على الجدران
              يكشِطُ مِلْحَهَا البحريَّ
              حين يخونني قَلْبٌ لَدُودُ …

              أَعلى من الأَغوار كانت حكمتي
              إذ قلتُ للشيطان : لا . لا تَمْتَحِنِّي !
              لا تَضَعْني في الثُّنَائيّات ، واتركني
              كما أَنا زاهداً برواية العهد القديم
              وصاعداً نحو السماء ، هُنَاكَ مملكتي
              خُذِ التاريخَ ، يا ابنَ أَبي ، خُذِ
              التاريخَ … واصنَعْ بالغرائز ما تريدُ

              وَلِيَ السكينةُ . حَبَّةُ القمح الصغيرةُ
              سوف تكفينا ، أَنا وأَخي العَدُوّ ،
              فساعتي لم تَأْتِ بَعْدُ . ولم يَحِنْ
              وقتُ الحصاد . عليَّ أَن أَلِجَ الغيابَ
              وأَن أُصدِّقَ أوَّلاً قلبي وأتبعَهُ إلى
              قانا الجليل . وساعتي لم تأتِ بَعْدُ .
              لَعَلَّ شيئاً فيَّ ينبُذُني . لعلِّي واحدٌ
              غيري . فلم تنضج كُرومُ التين حول
              ملابس الفتيات بَعْدُ . ولم تَلِدْني
              ريشةُ العنقاء . لا أَحَدٌ هنالك
              في انتظاري . جئْتُ قبل ، وجئتُ
              بعد ، فلم أَجد أحداً يُصَدِّق ما
              أرى . أنا مَنْ رأى . وأَنا البعيدُ
              أَنا البعيدُ

              مَنْ أَنتَ ، يا أَنا ؟ في الطريقِ
              اثنانِ نَحْنُ ، وفي القيامة واحدٌ .
              خُذْني إلى ضوء التلاشي كي أَرى
              صَيْرُورتي في صُورَتي الأُخرى . فَمَنْ
              سأكون بعدَكَ ، يا أَنا ؟ جَسَدي
              ورائي أم أَمامَكَ ؟ مَنْ أَنا يا
              أَنت ؟ كَوِّنِّي كما كَوَّنْتُكَ ، ادْهَنِّي
              بزيت اللوز ، كَلِّلني بتاج الأرز .
              واحملني من الوادي إلى أَبديّةٍ
              بيضاءَ . عَلِّمني الحياةَ على طريقتِكَ ،
              اختَبِرْني ذَرَّةً في العالم العُلْوِيِّ .
              ساعِدْني على ضَجَر الخلود ، وكُنْ
              رحيماً حين تجرحني وتبزغ من
              شراييني الورودُ …

              لم تـأت سـاعـتُنا . فـلا رُسُـلٌ يَـقِـيـسُـونَ
              الزمانَ بقبضة العشب الأخير . هل استدار ؟ ولا ملائكةٌ
              يزورون المكانَ ليتركَ الشعراءُ ماضِيَهُمْ على الشَّفَق
              الجميل ، ويفتحوا غَدَهُمْ بأيديهمْ .
              فغنِّي يا إلهتيَ الأثيرةَ ، ياعناةُ ،
              قصيدتي الأُولى عن التكوين ثانيةً …
              فقد يجدُ الرُّوَاةُ شهادةَ الميلاد
              للصفصاف في حَجَرٍ خريفيّ . وقد يجدُ
              الرعاةُ البئرَ في أَعماق أُغنية . وقد
              تأتي الحياةُ فجاءةً للعازفين عن
              المعاني من جناح فراشةٍ عَلِقَتْ
              بقافيةٍ ، فغنِّي يا إلهتيَ الأَثيرةَ
              يا عناةُ ، أَنا الطريدةُ والسهامُ ،
              أَنا الكلامُ . أَنا المؤبِّنُ والمؤذِّنُ
              والشهيدُ

              ما قلتُ للطَّلَلِ : الوداع . فلم أَكُنْ
              ما كُنْتُ إلاّ مَرَّةً . ما كُنْتُ إلاّ
              مرَّةً تكفي لأَعرف كيف ينكسرُ الزمانُ
              كخيمة البدويِّ في ريح الشمال ،
              وكيف يَنْفَطِرُ المكانُ ويرتدي الماضي
              نُثَارَ المعبد المهجور . يُشبهُني كثيراً
              كُلُّ ما حولي ، ولم أُشْبِهْ هنا
              شيئاً . كأنَّ الأرض ضَيِّقَةٌ على
              المرضى الغنائيِّين ، أَحفادِ الشياطين
              المساكين المجانين الذين إذا رأوا
              حُلْماً جميلاً لَقَّنُوا الببغاءَ شِعْر
              الحب ، وانفتَحتْ أَمامَهُمُ الحُدُودُ …

              وأُريدُ أُن أُحيا …
              فلي عَمَلٌ على ظهر السفينة . لا
              لأُنقذ طائراً من جوعنا أَو من
              دُوَارِ البحر ، بل لأُشاهِدَ الطُوفانَ
              عن كَثَبٍ : وماذا بعد ؟ ماذا
              يفعَلُ الناجونَ بالأرض العتيقة ؟
              هل يُعيدونَ الحكايةَ ؟ ما البدايةُ ؟
              ما النهايةُ ؟ لم يعد أَحَدٌ من
              الموتى ليخبرنا الحقيقة … /
              أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض ،
              انتظرني في بلادِكَ ، ريثما أُنهي
              حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي
              قرب خيمتكَ ، انتظِرْني ريثما أُنهي
              قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد . يُغْريني
              الوجوديّون باستنزاف كُلِّ هُنَيْهَةٍ
              حريةً ، وعدالةً ، ونبيذَ آلهةٍ … /
              فيا مَوْتُ ! انتظرني ريثما أُنهي
              تدابيرَ الجنازة في الربيع الهَشّ ،
              حيث وُلدتُ ، حيث سأمنع الخطباء
              من تكرار ما قالوا عن البلد الحزين
              وعن صُمُود التينِ والزيتونِ في وجه
              الزمان وجيشِهِ . سأقول : صُبُّوني
              بحرف النون ، حيث تَعُبُّ روحي
              سورةُ الرحمن في القرآن . وامشوا
              صامتين معي على خطوات أَجدادي
              ووقع الناي في أَزلي . ولا
              تَضَعُوا على قبري البنفسجَ ، فَهْوَ
              زَهْرُ المُحْبَطين يُذَكِّرُ الموتى بموت
              الحُبِّ قبل أَوانِهِ . وَضَعُوا على
              التابوتِ سَبْعَ سنابلٍ خضراءَ إنْ
              وُجِدَتْ ، وبَعْضَ شقائقِ النُعْمانِ إنْ
              وُجِدَتْ . وإلاّ ، فاتركوا وَرْدَ
              الكنائس للكنائس والعرائس /
              أَيُّها الموت انتظر ! حتى أُعِدَّ
              حقيبتي : فرشاةَ أسناني ، وصابوني
              وماكنة الحلاقةِ ، والكولونيا ، والثيابَ .
              هل المناخُ هُنَاكَ مُعْتَدِلٌ ؟ وهل
              تتبدَّلُ الأحوالُ في الأبدية البيضاء ،
              أم تبقى كما هِي في الخريف وفي
              الشتاء ؟ وهل كتابٌ واحدٌ يكفي
              لِتَسْلِيَتي مع اللاَّ وقتِ ، أمْ أَحتاجُ
              مكتبةً ؟ وما لُغَةُ الحديث هناك ،
              دارجةٌ لكُلِّ الناس أَم عربيّةٌ
              فُصْحى/

              .. ويا مَوْتُ انتظرْ ، ياموتُ ،
              حتى أستعيدَ صفاءَ ذِهْني في الربيع
              وصحّتي ، لتكون صيَّاداً شريفاً لا
              يَصيدُ الظَّبْيَ قرب النبع . فلتكنِ العلاقةُ
              بيننا وُدّيَّةً وصريحةً : لَكَ أنَتَ
              مالَكَ من حياتي حين أَملأُها ..
              ولي منك التأمُّلُ في الكواكب :
              لم يَمُتْ أَحَدٌ تماماً ، تلك أَرواحٌ
              تغيِّر شَكْلَها ومُقَامَها /
              يا موت ! ياظلِّي الذي
              سيقودُني ، يا ثالثَ الاثنين ، يا
              لَوْنَ التردُّد في الزُمُرُّد والزَّبَرْجَدِ ،
              يا دَمَ الطاووس ، يا قَنَّاصَ قلب
              الذئب ، يا مَرَض الخيال ! اجلسْ
              على الكرسيّ ! ضَعْ أَدواتِ صيدكَ
              تحت نافذتي . وعلِّقْ فوق باب البيت
              سلسلةَ المفاتيح الثقيلةَ ! لا تُحَدِّقْ
              يا قويُّ إلى شراييني لترصُدَ نُقْطَةَ
              الضعف الأَخيرةَ . أَنتَ أَقوى من
              نظام الطبّ . أَقوى من جهاز
              تَنَفُّسي . أَقوى من العَسَلِ القويّ ،
              ولَسْتَ محتاجاً - لتقتلني - إلى مَرَضي .
              فكُنْ أَسْمَى من الحشرات . كُنْ مَنْ
              أَنتَ ، شفَّافاً بريداً واضحاً للغيب .
              كن كالحُبِّ عاصفةً على شجر ، ولا
              تجلس على العتبات كالشحَّاذ أو جابي
              الضرائبِ . لا تكن شُرطيّ سَيْرٍ في
              الشوارع . كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
              الثعالب . كُنْ
              فروسياً ، بهياً ، كامل الضربات . قُلْ
              ماشئْتَ : (( من معنى إلى معنى
              أَجيءُ . هِيَ الحياةُ سُيُولَةٌ ، وأَنا
              أكثِّفُها ، أُعرِّفُها بسُلْطاني وميزاني )) .. /
              ويامَوْتُ انتظرْ ، واجلس على
              الكرسيّ . خُذْ كأسَ النبيذ ، ولا
              تفاوِضْني ، فمثلُكَ لا يُفاوِضُ أَيَّ
              إنسانٍ ، ومثلي لا يعارضُ خادمَ
              الغيبِ . استرح … فَلَرُبَّما أُنْهِكْتَ هذا
              اليوم من حرب النجوم . فمن أَنا
              لتزورني ؟ أَلَدَيْكَ وَقْتٌ لاختبار
              قصيدتي . لا . ليس هذا الشأنُ
              شأنَكَ . أَنت مسؤولٌ عن الطينيِّ في
              البشريِّ ، لا عن فِعْلِهِ أو قَوْلِهِ /
              هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها .
              هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد
              الرافدين . مِسَلَّةُ المصريّ ، مقبرةُ الفراعنةِ ،
              النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ
              وانتصرتْ ، وأِفْلَتَ من كمائنك
              الخُلُودُ …
              فاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريدُ

              وأَنا أُريدُ ، أريدُ أَن أَحيا …
              فلي عَمَلٌ على جغرافيا البركان .
              من أَيام لوط إلى قيامة هيروشيما
              واليبابُ هو اليبابُ . كأنني أَحيا
              هنا أَبداً ، وبي شَبَقٌ إلى ما لست
              أَعرف . قد يكون ” الآن ” أَبعَدَ .
              قد يكونُ الأمس أَقربَ . والغَدُ الماضي .
              ولكني أَشدُّ ” الآن ” من يَدِهِ ليعبُرَ
              قربيَ التاريخُ ، لا الزَّمَنُ المُدَوَّرُ ،
              مثل فوضى الماعز الجبليِّ . هل
              أنجو غداً من سرعة الوقت الإلكترونيّ ،
              أَم أَنجو غداً من بُطْء قافلتي
              على الصحراء؟ لي عَمَلٌ لآخرتي
              كأني لن أَعيش غداً. ولي عَمَلٌ ليومٍ
              حاضرٍ أَبداً . لذا أُصغي ، على مَهَلٍ
              على مَهَل ، لصوت النمل في قلبي :
              أعينوني على جَلَدي . وأَسمع صَرْخَةَ
              الحَجَر الأسيرةَ : حَرِّروا جسدي . وأُبصرُ
              في الكمنجة هجرةَ الأشواق من بَلَدٍ
              تُرَابيّ إلى بَلَدٍ سماويّ . وأَقبضُ في
              يد الأُنثى على أَبَدِي الأليفِ : خُلِقتُ
              ثم عَشِقْتُ ، ثم زهقت ، ثم أَفقتُ
              في عُشْبٍ على قبري يدلُّ عليَّ من
              حينٍ إلى حينٍ . فما نَفْعُ الربيع
              السمح إن لم يُؤْنِس الموتى ويُكْمِلْ
              بعدهُمْ فَرَحَ الحياةِ ونَضْرةَ النسيان ؟
              تلك طريقةٌ في فكِّ لغز الشعرِ ،
              شعري العاطفيّ على الأَقلِّ . وما
              المنامُ سوى طريقنا الوحيدة في الكلام /
              وأَيُّها الموتُ التَبِسْ واجلسْ
              على بلَّوْرِ أَيامي ، كأنَّكَ واحدٌ من
              أَصدقائي الدائمين ، كأنَّكَ المنفيُّ بين
              الكائنات . ووحدك المنفيُّ . لا تحيا
              حياتَكَ . ما حياتُكَ غير موتي . لا
              تعيش ولا تموت . وتخطف الأطفالَ
              من عَطَشِ الحليب إلى الحليب . ولم
              تكن طفلاً تهزُّ له الحساسينُ السريرَ ،
              ولم يداعِبْكَ الملائكةُ الصغارُ ولا
              قُرونُ الأيِّل الساهي ، كما فَعَلَتْ لنا
              نحن الضيوفَ على الفراشة . وحدك
              المنفيُّ ، يا مسكين ، لا امرأةٌ تَضُمُّك
              بين نهديها ، ولا امرأةٌ تقاسِمُك
              الحنين إلى اقتصاد الليل باللفظ الإباحيِّ
              المرادفِ لاختلاط الأرض فينا بالسماءِ .
              ولم تَلِدْ وَلَداً يجيئك ضارعاً : أَبتي ،
              أُحبُّكَ . وحدك المنفيُّ ، يا مَلِكَ
              الملوك ، ولا مديحَ لصولجانكَ . لا
              صُقُورَ على حصانك . لا لآلئَ حول
              تاجك . أَيُّها العاري من الرايات
              والبُوق المُقَدَّسِ ! كيف تمشي هكذا
              من دون حُرَّاسٍ وجَوْقَةِ منشدين ،
              كَمِشْيَة اللصِّ الجبان . وأَنتَ مَنْ
              أَنتَ ، المُعَظَّمُ ، عاهلُ الموتى ، القويُّ ،
              وقائدُ الجيش الأَشوريِّ العنيدُ
              فاصنع بنا ، واصنع بنفسك ما تريدُ

              وأَنا أُريدُ ، أُريد أَن أَحيا ، وأَن
              أَنساك …. أَن أَنسى علاقتنا الطويلة
              لا لشيءٍ ، بل لأَقرأ ما تُدَوِّنُهُ
              السماواتُ البعيدةُ من رسائلَ . كُلَّما
              أَعددتُ نفسي لا نتظار قدومِكَ
              ازددتَ ابتعاداً . كلما قلتُ : ابتعدْ
              عني لأُكمل دَوْرَةَ الجَسَدَيْنِ ، في جَسَدٍ
              يفيضُ ، ظهرتَ ما بيني وبيني
              ساخراً : ” لا تَنْسَ مَوْعِدَنا … ”
              - متى ؟ - في ذِرْوَة النسيان
              حين تُصَدِّقُ الدنيا وتعبُدُ خاشعاً
              خَشَبَ الهياكل والرسومَ على جدار الكهف ،
              حيث تقول : ” آثاري أَنا وأَنا ابنُ نفسي ” . - أَين موعدُنا ؟
              أَتأذن لي بأن أَختار مقهىً عند
              باب البحر ؟ - لا …. لا تَقْتَرِبْ
              يا ابنَ الخطيئةِ ، يا ابن آدمَ من
              حدود الله ! لم تُولَدْ لتسأل ، بل
              لتعمل …. - كُن صديقاً طَيِّباً يا
              موت ! كُنْ معنىً ثقافياً لأُدرك
              كُنْهَ حكمتِكَ الخبيئةِ ! رُبَّما أَسْرَعْتَ
              في تعليم قابيلَ الرمايةَ . رُبَّما
              أَبطأتَ في تدريب أَيُّوبٍ على
              الصبر الطويل . وربما أَسْرَجْتَ لي
              فَرَسا ً لتقتُلَني على فَرَسي . كأني
              عندما أَتذكَّرُ النسيانَ تُنقِذُ حاضري
              لُغَتي . كأني حاضرٌ أَبداً . كأني
              طائر أَبداً . كأني مُذْ عرفتُكَ
              أَدمنتْ لُغَتي هَشَاشَتَها على عرباتك
              البيضاءِ ، أَعلى من غيوم النوم ،
              أَعلى عندما يتحرَّرُ الإحساس من عبء
              العناصر كُلّها . فأنا وأَنتَ على طريق
              الله صوفيَّانِ محكومان بالرؤيا ولا يَرَيَان /
              عُدْ يا مَوْتُ وحدَكَ سالماً ،
              فأنا طليق ههنا في لا هنا
              أو لا هناك . وَعُدْ إلى منفاك
              وحدك . عُدْ إلى أدوات صيدك ،
              وانتظرني عند باب البحر . هَيِّئ لي
              نبيذاً أَحمراً للاحتفال بعودتي لِعِيادَةِ
              الأرضِ المريضة . لا تكن فظّا ً غليظ
              القلب ! لن آتي لأَسخر منك ، أَو
              أَمشي على ماء البُحَيْرَة في شمال
              الروح . لكنِّي - وقد أَغويتَني - أَهملتُ
              خاتمةَ القصيدةِ : لم أَزفَّ إلى أَبي
              أُمِّي على فَرَسي . تركتُ الباب مفتوحاً
              لأندلُسِ الغنائيِّين ، واخترتُ الوقوفَ
              على سياج اللوز والرُمَّان ، أَنفُضُ
              عن عباءة جدِّيَ العالي خُيُوطَ
              العنكبوت . وكان جَيْشٌ أَجنبيٌّ يعبر
              الطُرُقَ القديمةَ ذاتها ، ويَقِيسُ أَبعادَ
              الزمان بآلة الحرب القديمة ذاتها … /

              يا موت ، هل هذا هو التاريخُ ،
              صِنْوُكَ أَو عَدُوُّك ، صاعداً ما بين
              هاويتين ؟ قد تبني الحمامة عُشَّها
              وتبيضُ في خُوَذ الحديد . وربما ينمو
              نباتُ الشِّيحِ في عَجَلاتِ مَرْكَبَةٍ مُحَطَّمةٍ .
              فماذا يفعل التاريخُ ، صنوُكَ أو عَدُوُّكَ ،
              بالطبيعة عندما تتزوَّجُ الأرضَ السماءُ
              وتذرفُ المَطَرَ المُقَدَّسَ ؟ /

              أَيها الموت ، انتظرني عند باب
              البحر في مقهى الرومانسيِّين . لم
              أَرجِعْ وقد طاشَتْ سهامُكَ مَرَّةً
              إلاّ لأُودِعَ داخلي في خارجي ،
              وأُوزِّعَ القمح الذي امتلأتْ به رُوحي
              على الشحرور حطَّ على يديَّ وكاهلي ،
              وأُودِّعَ الأرضَ التي تمتصُّني ملحاً ، وتنثرني
              حشيشاً للحصان وللغزالة . فانتظرني
              ريثما أُنهي زيارتي القصيرة للمكان وللزمان ،
              ولا تُصَدِّقْني أَعودُ ولا أَعودُ
              وأَقول : شكراً للحياة !
              ولم أكن حَيّاً ولا مَيْتاً
              ووحدك ، كنتَ وحدك ، يا وحيدُ !

              تقولُ مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي
              كثيراً ، وتصرخُ : يا قلبُ !
              يا قَلْبُ ! خُذْني
              إلى دَوْرَة الماءِ …/

              ما قيمةُ الروح إن كان جسمي
              مريضاً ، ولا يستطيعُ القيامَ
              بواجبه الأوليِّ ؟
              فيا قلبُ ، يا قلبُ أَرجعْ خُطَايَ
              إليَّ ، لأَمشي إلى دورة الماء
              وحدي !

              نسيتُ ذراعيَّ ، ساقيَّ ، والركبتين
              وتُفَّاحةَ الجاذبيَّةْ
              نسيتُ وظيفةَ قلبي
              وبستانَ حوَّاءَ في أَوَّل الأبديَّةْ
              نسيتُ وظيفةَ عضوي الصغير
              نسيتُ التنفُّسَ من رئتيّ .
              نسيتُ الكلام
              أَخاف على لغتي
              فاتركوا كُلَّّ شيء على حالِهِ
              وأَعيدوا الحياة إلى لُغَتي !..

              تقول مُمَرِّضتي : كُنْتَ تهذي
              كثيراً ، وتصرخ بي قائلا ً :
              لا أُريدُ الرجوعَ إلى أَحَدِ
              لا أُريدُ الرجوعَ إلى بلدِ
              بعد هذا الغياب ألطويل …
              أُريدُ الرجوعَ فَقَطْ
              إلى لغتي في أقاصي الهديل

              تقولُ مُمَرِّضتي :
              كُنْتَ تهذي طويلا ً ، وتسألني :
              هل الموتُ ما تفعلين بي الآنَ
              أَم هُوَ مَوْتُ اللُغَةْ ؟

              خضراءُ ، أَرضُ قصيدتي خضراءُ ، عاليةٌ …
              على مَهَلٍ أُدوِّنُها ، على مَهَلٍ ، على
              وزن النوارس في كتاب الماءِ . أَكتُبُها
              وأُورِثُها لمنْ يتساءلون : لمنْ نُغَنِّي
              حين تنتشرُ المُلُوحَةُ في الندى ؟ …
              خضراءُ ، أكتُبُها على نَثْرِ السنابل في
              كتاب الحقلِ ، قَوَّسَها امتلاءٌ شاحبٌ
              فيها وفيَّ . وكُلَّما صادَقْتُ أَو
              آخَيْتُ سُنْبُلةً تَعَلَّمْتُ البقاءَ من
              الفَنَاء وضدَّه : (( أَنا حَبَّةُ القمح
              التي ماتت لكي تَخْضَرَّ ثانيةً . وفي
              موتي حياةٌ ما … ))

              كأني لا كأنّي
              لم يمت أَحَدٌ هناك نيابةً عني .
              فماذا يحفظُ الموتى من الكلمات غيرَ
              الشُّكْرِ : ” إنَّ الله يرحَمُنا ” …
              ويُؤْنِسُني تذكُّرُ ما نَسِيتُ مِنَ
              البلاغة : ” لم أَلِدْ وَلَدا ً ليحمل مَوْتَ
              والِدِهِ ” …
              وآثَرْتُ الزواجَ الحُرَّ بين المُفْرَدات ….
              سَتَعْثُرُ الأُنثى على الذَّّكَر المُلائِمِ
              في جُنُوح الشعر نحو النثر ….
              سوف تشُّبُّ أَعضائي على جُمَّيزَةٍ ،
              ويصُبُّ قلبي ماءَهُ الأَرضيَّ في
              أَحَدِ الكواكب … مَنْ أَنا في الموت
              بعدي ؟ مَنْ أَنا في الموت قبلي
              قال طيفٌ هامشيٌّ : (( كان أوزيريسُ
              مثْلَكَ ، كان مثلي . وابنُ مَرْيَمَ
              كان مثلَكَ ، كان مثلي . بَيْدَ أَنَّ
              الجُرْحَ في الوقت المناسب يُوجِعُ
              العَدَمَ المريضَ ، ويَرْفَعُ الموتَ المؤقَّّتَ
              فكرةً … )).
              من أَين تأتي الشاعريَّةُ ؟ من
              ذكاء القلب ، أَمْ من فِطْرة الإحساس
              بالمجهول ؟ أَمْ من وردةٍ حمراءَ
              في الصحراء ؟ لا الشخصيُّ شخصيُّ
              ولا الكونيُّ كونيٌّ …

              كأني لا كأني …/
              كلما أَصغيتُ للقلب امتلأتُ
              بما يقول الغَيْبُ ، وارتفعتْ بِيَ
              الأشجارُ . من حُلْم إلى حُلْمٍ
              أَطيرُ وليس لي هَدَفٌ أَخيرٌ .
              كُنْتُ أُولَدُ منذ آلاف السنين
              الشاعريَّةِ في ظلامٍ أَبيض الكتّان
              لم أَعرف تماماً مَنْ أَنا فينا ومن
              حُلْمي . أَنا حُلْمي
              كأني لا كأني …
              لم تَكُنْ لُغَتي تُودِّعُ نَبْرها الرعويَّ
              إلاّ في الرحيل إلى الشمال . كلابُنا
              هَدَأَتْ . وماعِزُنا توشَّح بالضباب على
              التلال . وشجَّ سَهْمٌ طائش وَجْهَ
              اليقين . تعبتُ من لغتي تقول ولا
              تقولُ على ظهور الخيل ماذا يصنعُ
              الماضي بأيَّامِ امرئ القيس المُوَزَّعِ
              بين قافيةٍ وقَيْصَرَ …/
              كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ آلهتي ،
              هنالك ، في بلاد الأرجوان أَضاءني
              قَمَرٌ تُطَوِّقُهُ عناةُ ، عناةُ سيِّدَةُ
              الكِنايةِ في الحكايةِ . لم تكن تبكي على
              أَحَدِ ، ولكنْ من مَفَاتِنِها بَكَتْ :
              هَلْ كُلُّ هذا السحرِ لي وحدي
              أَما من شاعرٍ عندي
              يُقَاسِمُني فَرَاغَ التَخْتِ في مجدي ؟
              ويقطفُ من سياج أُنوثتي
              ما فاض من وردي ؟
              أَما من شاعر يُغْوي
              حليبَ الليل في نهدي ؟
              أَنا الأولى
              أَنا الأخرى
              وحدِّي زاد عن حدِّي
              وبعدي تركُضُ الغِزلانُ في الكلمات
              لا قبلي … ولا بعدي /

              سأحلُمُ ، لا لأُصْلِحَ مركباتِ الريحِ
              أَو عَطَباً أَصابَ الروحَ
              فالأسطورةُ اتَّخَذَتْ مكانَتَها / المكيدةَ
              في سياق الواقعيّ . وليس في وُسْعِ القصيدة
              أَن تُغَيِّرَ ماضياً يمضي ولا يمضي
              ولا أَنْ تُوقِفَ الزلزالَ
              لكني سأحلُمُ ،
              رُبَّما اتسَعَتْ بلادٌ لي ، كما أَنا
              واحداً من أَهل هذا البحر ،
              كفَّ عن السؤال الصعب : (( مَنْ أَنا ؟ …
              هاهنا ؟ أَأَنا ابنُ أُمي ؟ ))
              لا تساوِرُني الشكوكُ ولا يحاصرني
              الرعاةُ أو الملوكُ . وحاضري كغدي معي .
              ومعي مُفَكِّرتي الصغيرةُ : كُلَّما حَكَّ
              السحابةَ طائرٌ دَوَّنتُ : فَكَّ الحُلْمُ
              أَجنحتي . أنا أَيضاً أطيرُ . فَكُلُّ
              حيّ طائرٌ . وأَنا أَنا ، لا شيءَ
              آخَرَ /

              واحدٌ من أَهل هذا السهل …
              في عيد الشعير أَزورُ أطلالي
              البهيَّة مثل وَشْم في الهُوِيَّةِ .
              لا تبدِّدُها الرياحُ ولا تُؤبِّدُها … /
              وفي عيد الكروم أَعُبُّ كأساً
              من نبيذ الباعة المتجوِّلينَ … خفيفةٌ
              روحي ، وجسمي مُثْقَلٌ بالذكريات وبالمكان /
              وفي الربيع ، أكونُ خاطرةً لسائحةٍ
              ستكتُبُ في بطاقات البريد : (( على
              يسار المسرح المهجور سَوْسَنَةٌ وشَخْصٌ
              غامضٌ . وعلى اليمين مدينةٌ عصريَّةٌ )) /

              وأَنا أَنا ، لا شيء آخَرَ …
              لَسْتُ من أَتباع روما الساهرينَ
              على دروب الملحِ . لكنِّي أسَدِّدُ نِسْبَةً
              مئويَّةً من ملح خبزي مُرْغَماً ، وأَقول
              للتاريخ : زَيِّنْ شاحناتِكَ بالعبيد وبالملوك الصاغرينَ ، ومُرَّ
              … لا أَحَدٌ يقول
              الآن : لا .

              وأَنا أَنا ، لا شيء آخر
              واحدٌ من أَهل هذا الليل . أَحلُمُ
              بالصعود على حصاني فَوْقَ ، فَوْقَ …
              لأَتبع اليُنْبُوعَ خلف التلِّ
              فاصمُدْ يا حصاني . لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ

              أَنتَ فُتُوَّتي وأَنا خيالُكَ . فانتصِبْ
              أَلِفاً ، وصُكَّ البرقَ . حُكَّ بحافر
              الشهوات أَوعيةَ الصَدَى . واصعَدْ ،
              تَجَدَّدْ ، وانتصبْ أَلفاً ، توتَّرْ يا
              حصاني وانتصبْ ألفا ً ، ولا تسقُطْ
              عن السفح الأَخير كرايةٍ مهجورةٍ في
              الأَبجديَّة . لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ ،
              أَنت تَعِلَّتي وأَنا مجازُكَ خارج الركب
              المُرَوَّضِ كالمصائرِ . فاندفِعْ واحفُرْ زماني
              في مكاني يا حصاني . فالمكانُ هُوَ
              الطريق ، ولا طريقَ على الطريق سواكَ
              تنتعلُ الرياحَ . أَُضئْ نُجوماً في السراب !
              أَضئْ غيوماً في الغياب ، وكُنْ أَخي
              ودليلَ برقي يا حصاني . لا تَمُتْ
              قبلي ولا بعدي عَلى السفح الأخير
              ولا معي . حَدِّقْ إلى سيَّارة الإسعافِ
              والموتى … لعلِّي لم أَزل حيّاً /

              سأَحلُمُ ، لا لأُصْلِحَ أَيَّ معنىً خارجي .
              بل كي أُرمِّمَ داخلي المهجورَ من أَثر
              الجفاف العاطفيِّ . حفظتُ قلبي كُلَّهُ
              عن ظهر قلبٍ : لم يَعُدْ مُتَطفِّلاً
              ومُدَلّلاً . تَكْفيهِ حَبَّةُ ” أَسبرين ” لكي
              يلينَ ويستكينَ . كأنَّهُ جاري الغريبُ
              ولستُ طَوْعَ هوائِهِ ونسائِهِ . فالقلب
              يَصْدَأُ كالحديدِ ، فلا يئنُّ ولا يَحِنُّ
              ولا يُجَنُّ بأوَّل المطر الإباحيِّ الحنينِ ،
              ولا يرنُّ ّكعشب آبَ من الجفافِ .
              كأنَّ قلبي زاهدٌ ، أَو زائدٌ
              عني كحرف ” الكاف ” في التشبيهِ
              حين يجفُّ ماءُ القلب تزدادُ الجمالياتُ
              تجريداً ، وتدَّثرُ العواطف بالمعاطفِ ،
              والبكارةُ بالمهارة /

              كُلَّما يَمَّمْتُ وجهي شَطْرَ أُولى
              الأغنيات رأيتُ آثارَ القطاة على
              الكلام . ولم أَكن ولداً سعيداً
              كي أَقولَ : الأمس أَجملُ دائماً .
              لكنَّ للذكرى يَدَيْنِ خفيفتين تُهَيِّجانِ
              الأرضَ بالحُمَّى . وللذكرى روائحُ زهرةٍ
              ليليَّةٍ تبكي وتُوقظُ في دَمِ المنفيِّ
              حاجتَهُ إلى الإنشاد : (( كُوني
              مُرْتَقى شَجَني أَجدْ زمني )) … ولستُ
              بحاجةٍ إلاّ لِخَفْقَةِ نَوْرَسِ لأتابعَ
              السُفُنَ القديمةَ . كم من الوقت
              انقضى منذ اكتشفنا التوأمين : الوقتَ
              والموتَ الطبيعيَّ المُرَادِفَ للحياة ؟
              ولم نزل نحيا كأنَّ الموتَ يُخطئنا ،
              فنحن القادرين على التذكُّر قادرون
              على التحرُّر ، سائرون على خُطى
              جلجامشَ الخضراءِ من زَمَنٍ إلى زَمَنٍ … /

              هباءٌ كاملُ التكوينِ …
              يكسرُني الغيابُ كجرَّةِ الماءِ الصغيرة .
              نام أَنكيدو ولم ينهض . جناحي نام
              مُلْتَفّاً بحَفْنَةِ ريشِهِ الطينيِّ . آلهتي
              جمادُ الريح في أَرض الخيال . ذِراعِيَ
              اليُمْنى عصا خشبيَّةٌ . والقَلْبُ مهجورٌ
              كبئرٍ جفَّ فيها الماءُ ، فاتَّسَعَ الصدى
              الوحشيُّ : أنكيدو ! خيالي لم يَعُدْ
              يكفي لأُكملَ رحلتي . لا بُدَّ لي من
              قُوَّةٍ ليكون حُلْمي واقعيّاً . هاتِ
              أَسْلِحتي أُلَمِّعْها بمِلح الدمعِ . هاتِ
              الدمعَ ، أنكيدو ، ليبكي المَيْتُ فينا
              الحيَّ . ما أنا ؟ مَنْ ينامُ الآن
              أنكيدو ؟ أَنا أَم أَنت ؟ آلهتي
              كقبض الريحِ . فانهَضْ بي بكامل
              طيشك البشريِّ ، واحلُمْ بالمساواةِ
              القليلةِ بين آلهة السماء وبيننا . نحن
              الذين نُعَمِّرُ الأرضَ الجميلةَ بين
              دجلةَ والفراتِ ونحفَظُ الأسماءَ . كيف
              مَلَلْتَني ، يا صاحبي ، وخَذَلْتَني ، ما نفْعُ حكمتنا بدون
              فُتُوّةٍ … ما نفعُ حكمتنا ؟ على باب المتاهِ خذلتني ،
              يا صاحبي ، فقتلتَني ، وعليَّ وحدي
              أَن أرى ، وحدي ، مصائرنا . ووحدي
              أَحملُ الدنيا على كتفيَّ ثوراً هائجاً .
              وحدي أَفتِّشُ شاردَ الخطوات عن
              أَبديتي . لا بُدَّ لي من حَلِّ هذا
              اللُغْزِ ، أنكيدو ، سأحملُ عنكَ
              عُمْرَكَ ما استطعتُ وما استطاعت
              قُوَّتي وإرادتي أَن تحملاكَ . فمن
              أَنا وحدي ؟ هَبَاءٌ كاملُ التكوينِ
              من حولي . ولكني سأُسْنِدُ ظلَّّك
              العاري على شجر النخيل . فأين ظلُّكَ ؟
              أَين ظلُّك بعدما انكسرَتْ جُذُوعُك؟
              قمَّةُ
              الإنسان
              هاويةٌ …
              ظلمتُكَ حينما قاومتُ فيكَ الوَحْشَ ،
              بامرأةٍ سَقَتْكَ حليبَها ، فأنِسْتَ …
              واستسلمتَ للبشريِّ . أَنكيدو ، ترفَّقْ
              بي وعُدْ من حيث مُتَّ ، لعلَّنا
              نجدُ الجوابَ ، فمن أَنا وحدي ؟
              حياةُ الفرد ناقصةٌ ، وينقُصُني
              السؤالُ ، فمن سأسألُ عن عبور
              النهر ؟ فانهَضْ يا شقيقَ الملح
              واحملني . وأَنتَ تنامُ هل تدري
              بأنك نائمٌ ؟ فانهض .. كفى نوما ً!
              تحرَّكْ قبل أَن يتكاثَرَ الحكماءُ حولي
              كالثعالب : [ كُلُّ شيء باطلٌ ، فاغنَمْ
              حياتَكَ مثلما هِيَ برهةً حُبْلَى بسائلها ،
              دَمِ العُشْب المُقَطَّرِ . عِشْ ليومك لا
              لحلمك . كلُّ شيء زائلٌ . فاحذَرْ
              غداً وعشِ الحياةَ الآن في امرأةٍ
              تحبُّكَ . عِشْ لجسمِكَ لا لِوَهْمِكَ .

              وانتظرْ
              ولداً سيحمل عنك رُوحَكَ
              فالخلودُ هُوَ التَّنَاسُلُ في الوجود .
              وكُلُّ شيءٍ باطلٌ أو زائل ، أو
              زائل أو باطلٌ ]

              مَنْ أَنا ؟
              أَنشيدُ الأناشيد
              أم حِكْمَةُ الجامعةْ ؟
              وكلانا أَنا …
              وأَنا شَاعرٌ
              ومَلِكْ
              وحكيمٌ على حافّة البئرِ
              لا غيمةٌ في يدي
              ولا أَحَدَ عَشَرَ كوكباً
              على معبدي
              ضاق بي جَسَدي
              ضاق بي أَبدي
              وغدي
              جالسٌ مثل تاج الغبار
              على مقعدي

              باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
              كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ

              أَلرياحُ شماليَّةٌ
              والرياحُ جنوبيَّةٌ
              تُشْرِقُ الشمسُ من ذاتها
              تَغْرُبُ الشمسُ في ذاتها
              لا جديدَ ، إذاً
              والزَمَنْ
              كان أَمسِ ،
              سُدىً في سُدَى .
              ألهياكلُ عاليةٌ
              والسنابلُ عاليةٌ
              والسماءُ إذا انخفضت مَطَرتْ
              والبلادُ إذا ارتفعت أَقفرت
              كُلُّ شيء إذا زاد عن حَدِّهِ
              صار يوماً إلى ضدِّهِ .
              والحياةُ على الأرض ظلٌّ
              لما لا نرى ….

              باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
              كلُّ شيء على البسيطة زائلْ

              1400 مركبة
              و12,000 فرس
              تحمل اسمي المُذَهَّبَ من
              زَمَنٍ نحو آخر …
              عشتُ كما لم يَعِشْ شاعرٌ
              مَلكاً وحكيماً …
              هَرِمْتُ ، سَئِمْتُ من المجدِ
              لا شيءَ ينقصني
              أَلهذا إذاً
              كلما ازداد علمي
              تعاظَمَ هَمِّي ؟
              فما أُورشليمُ وما العَرْشُ ؟
              لا شيءَ يبقى على حالِه
              للولادة وَقْتٌ
              وللموت وقتٌ
              وللصمت وَقْتٌ
              وللنُّطق وقْتٌ
              وللحرب وقْتٌ
              وللصُّلحِ وقْتٌ
              وللوقتِ وقْتٌ
              ولا شيءَ يبقى على حالِهِ …
              كُلُّ نَهْرٍ سيشربُهُ البحرُ
              والبحرُ ليس بملآنَ ،
              لاشيءَ يبقى على حالِهِ
              كُلُّ حيّ يسيرُ إلى الموت
              والموتُ ليس بملآنَ ،
              لا شيءَ يبقى سوى اسمي المُذَهَّبِ
              بعدي :
              (( سُلَيمانُ كانَ )) …
              فماذا سيفعل موتى بأسمائهم
              هل يُضيءُ الذَّهَبْ
              ظلمتي الشاسعةْ
              أَم نشيدُ الأناشيد
              والجامعةْ ؟

              باطلٌ ، باطلُ الأباطيل … باطلْ
              كُلُّ شيء على البسيطة زائلْ /…

              مثلما سار المسيحُ على البُحَيْرَةِ ،
              سرتُ في رؤيايَ . لكنِّي نزلتُ عن
              الصليب لأَنني أَخشى العُلُوَّ ،ولا
              أُبَشِّرُ بالقيامةِ . لم أُغيِّرْ غَيْرَ
              إيقاعي لأَسمَعَ صوتَ قلبي واضحاً .
              للملحميِّين النُّسُورُ ولي أَنا : طوقُ
              الحمامةِ ، نجمةٌ مهجورةٌ فوق السطوح ،
              وشارعٌ مُتَعرِّجُ يُفْضي إلى ميناءِ
              عكا - ليس أكثرَ أَو أَقلَّ -
              أُريد أَن أُلقي تحيَّاتِ الصباح عليَّ
              حيث تركتُني ولداً سعيدا [ لم
              أَكُنْ ولداً سَعيدَ الحظِّ يومئذٍ ،
              ولكنَّ المسافةَ، مثلَ حدَّادينَ ممتازينَ ،
              تصنَعُ من حديدٍ تافهٍ قمراً]
              - أَتعرفني ؟
              سألتُ الظلَّ قرب السورِ ،
              فانتبهتْ فتاةُ ترتدي ناراً ،
              وقالت : هل تُكَلِّمني ؟
              فقلتُ : أُكَلِّمُ الشَبَحَ القرينَ
              فتمتمتْ : مجنونُ ليلى آخرٌ يتفقَُّّد
              الأطلالَ ،
              وانصرفتْ إلى حانوتها في آخر السُوق
              القديمةِ…
              ههنا كُنَّا . وكانت نَخْلَتانِ تحمِّلان
              البحرَ بعضَ رسائلِ الشعراءِ …
              لم نكبر كثيراً يا أَنا . فالمنظرُ
              البحريُّ ، والسُّورُ المُدَافِعُ عن خسارتنا ،
              ورائحةُ البَخُور تقول : ما زلنا هنا ،
              حتى لو انفصَلَ الزمانُ عن المكانِ .
              لعلَّنا لم نفترق أَبداً
              - أَتعرفني ؟
              بكى الوَلَدُ الذي ضيَّعتُهُ :
              (( لم نفترق . لكننا لن نلتقي أَبداً )) …
              وأَغْلَقَ موجتين صغيرتين على ذراعيه ،
              وحلَّّق عالياً …
              فسألتُ : مَنْ منَّا المُهَاجِرُ ؟ /
              قلتُ للسّجَّان عند الشاطئ الغربيّ :
              - هل أَنت ابنُ سجّاني القديمِ ؟
              - نعم !
              - فأين أَبوك ؟
              قال : أَبي توفِّيَ من سنين.
              أُصيبَ بالإحباط من سَأَم الحراسة .
              ثم أَوْرَثَني مُهمَّتَهُ ومهنته ، وأوصاني
              بان أَحمي المدينةَ من نشيدكَ …
              قُلْتُ : مُنْذُ متى تراقبني وتسجن
              فيَّ نفسَكَ ؟
              قال : منذ كتبتَ أُولى أُغنياتك
              قلت : لم تَكُ قد وُلِدْتَ
              فقال : لي زَمَنٌ ولي أَزليَّةٌ ،
              وأُريد أن أَحيا على إيقاعِ أمريكا
              وحائطِ أُورشليمَ
              فقلتُ : كُنْ مَنْ أَنتَ . لكني ذهبتُ .
              ومَنْ تراه الآن ليس أنا ، أنا شَبَحي
              فقال : كفى ! أَلسْتَ اسمَ الصدى
              الحجريِّ ؟ لم تذهَبْ ولم تَرْجِعْ إذاً .
              ما زلتَ داخلَ هذه الزنزانة الصفراءِ .
              فاتركني وشأني !
              قلتُ : هل ما زلتُ موجودا ً
              هنا ؟ أَأَنا طليقٌ أَو سجينٌ دون
              أن أدري . وهذا البحرُ خلف السور بحري ؟
              قال لي : أَنتَ السجينُ ، سجينُ
              نفسِكَ والحنينِ . ومَنْ تراهُ الآن
              ليس أَنا . أَنا شَبَحي
              فقلتُ مُحَدِّثاً نفسي : أَنا حيٌّ
              وقلتُ : إذا التقى شَبَحانِ
              في الصحراء ، هل يتقاسمانِ الرملَ ،
              أَم يتنافسان على احتكار الليل ؟ /

              المقطع قبل الأخير
              كانت ساعَةُ الميناءِ تعمَلُ وحدها
              لم يكترثْ أَحَدٌ بليل الوقت ، صَيَّادو
              ثمار البحر يرمون الشباك ويجدلون
              الموجَ . والعُشَّاقُ في الـ” ديسكو ” .
              وكان الحالمون يُرَبِّتُون القُبَّراتِ النائماتِ
              ويحلمون …
              وقلتُ : إن متُّ انتبهتُ …
              لديَّ ما يكفي من الماضي
              وينقُصُني غَدٌ …
              سأسيرُ في الدرب القديم على
              خُطَايَ ، على هواءِ البحر . لا
              امرأةٌ تراني تحت شرفتها . ولم
              أملكْ من الذكرى سوى ما ينفَعُ
              السَّفَرَ الطويلَ . وكان في الأيام
              ما يكفي من الغد . كُنْتُ أصْغَرَ
              من فراشاتي ومن غَمَّازتينِ :
              خُذي النُّعَاسَ وخبِّئيني في
              الرواية والمساء العاطفيّ /
              وَخبِّئيني تحت إحدى النخلتين /
              وعلِّميني الشِعْرَ / قد أَتعلَّمُ
              التجوال في أنحاء ” هومير ” / قد
              أُضيفُ إلى الحكاية وَصْفَ
              عكا / أقدمِ المدنِ الجميلةِ ،
              أَجملِ المدن القديمةِ / علبَةٌ
              حَجَريَّةٌ يتحرَّكُ الأحياءُ والأمواتُ
              في صلصالها كخليَّة النحل السجين
              ويُضْرِبُونَ عن الزهور ويسألون
              البحر عن باب الطوارئ كُلَّما
              اشتدَّ الحصارُ / وعلِّميني الشِعْرَ /
              قد تحتاجُ بنتٌ ما إلى أُغنية
              لبعيدها : (( خُذْني ولو قَسْراً
              إليكَ ، وضَعْ منامي في
              يَدَيْكَ )) . ويذهبان إلى الصدى
              مُتَعانِقَيْنِ / كأنَّني زوَّجتُ ظبياً
              شارداً لغزالةٍ / وفتحتُ أبوابَ
              الكنيسةِ للحمام … / وعَلِّميني
              الشِعْرَ / مَنْ غزلتْ قميصَ
              الصوف وانتظرتْ أمام الباب
              أَوْلَى بالحديث عن المدى ، وبخَيْبَةِ
              الأَمَلِ : المُحاربُ لم يَعُدْ ، أو
              لن يعود ، فلستَ أَنتَ مَن
              انتظرتُ … /

              ومثلما سار المسيحُ على البحيرة …
              سرتُ في رؤيايَ . لكنِّي نزلتُ عن
              الصليب لأنني أَخشى العُلُوَّ ولا
              أُبشِّرُ بالقيامة . لم أُغيِّر غيرَ إيقاعي
              لأَسمع صوتَ قلبي واضحاً …
              للملحميِّين النُسُورُ ولي أَنا طَوْقُ
              الحمامة ، نَجْمَةٌ مهجورةٌ فوق السطوح ،
              وشارعٌ يُفضي إلى الميناء … /
              هذا البحرُ لي
              هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
              هذا الرصيفُ وما عَلَيْهِ
              من خُطَايَ وسائلي المنويِّ … لي
              ومحطَّةُ الباصِ القديمةُ لي . ولي
              شَبَحي وصاحبُهُ . وآنيةُ النحاس
              وآيةُ الكرسيّ ، والمفتاحُ لي
              والبابُ والحُرَّاسُ والأجراسُ لي
              لِيَ حَذْوَةُ الفَرَسِ التي
              طارت عن الأسوار … لي
              ما كان لي . وقصاصَةُ الوَرَقِ التي
              انتُزِعَتْ من الإنجيل لي
              والملْحُ من أَثر الدموع على
              جدار البيت لي …
              واسمي ، إن أخطأتُ لَفْظَ اسمي
              بخمسة أَحْرُفٍ أُفُقيّةِ التكوين لي :
              ميمُ / المُتَيَّمُ والمُيتَّمُ والمتمِّمُ ما مضى
              حاءُ / الحديقةُ والحبيبةُ ، حيرتانِ وحسرتان
              ميمُ / المُغَامِرُ والمُعَدُّ المُسْتَعدُّ لموته
              الموعود منفيّاً ، مريضَ المُشْتَهَى
              واو / الوداعُ ، الوردةُ الوسطى ،
              ولاءٌ للولادة أَينما وُجدَتْ ، وَوَعْدُ الوالدين
              دال / الدليلُ ، الدربُ ، دمعةُ
              دارةٍ دَرَسَتْ ، ودوريّ يُدَلِّلُني ويُدْميني /
              وهذا الاسمُ لي …
              ولأصدقائي ، أينما كانوا ، ولي
              جَسَدي المُؤَقَّتُ ، حاضراً أم غائباً …
              مِتْرانِ من هذا التراب سيكفيان الآن …
              لي مِتْرٌ و75 سنتمتراً …
              والباقي لِزَهْرٍ فَوْضَويّ اللونِ ،
              يشربني على مَهَلٍ ، ولي
              ما كان لي : أَمسي ، وما سيكون لي
              غَدِيَ البعيدُ ، وعودة الروح الشريد
              كأنَّ شيئا ً لم يَكُنْ
              وكأنَّ شيئاً لم يكن
              جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العَبَثيِّ …
              والتاريخُ يسخر من ضحاياهُ
              ومن أَبطالِهِ …
              يُلْقي عليهمْ نظرةً ويمرُّ …
              هذا البحرُ لي
              هذا الهواءُ الرَّطْبُ لي
              واسمي -
              وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التابوت -
              لي .
              أَما أَنا - وقد امتلأتُ
              بكُلِّ أَسباب الرحيل -
              فلستُ لي .
              أَنا لَستُ لي
              أَنا لَستُ لي …
              sigpic

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                خذني معك
                رثاء سميح القاسم لدرويش

                تَخلَّيتَ عن وِزرِ حُزني

                ووزرِ حياتي

                وحَمَّلتَني وزرَ مَوتِكَ،

                أنتَ تركْتَ الحصانَ وَحيداً.. لماذا؟

                وآثَرْتَ صَهوةَ مَوتِكَ أُفقاً،

                وآثَرتَ حُزني مَلاذا

                أجبني. أجبني.. لماذا؟.


                • • • • •


                عَصَافيرُنا يا صَديقي تطيرُ بِلا أَجنحهْ

                وأَحلامُنا يا رَفيقي تَطيرُ بِلا مِرْوَحَهْ

                تَطيرُ على شَرَكِ الماءِ والنَّار. والنَّارِ والماءِ.

                مَا مِن مكانٍ تحطُّ عليهِ.. سوى المذبَحَهْ

                وتَنسى مناقيرَها في تُرابِ القُبورِ الجماعيَّةِ.. الحَبُّ والحُبُّ

                أَرضٌ مُحَرَّمَةٌ يا صَديقي

                وتَنفَرِطُ المسْبَحَهْ

                هو الخوفُ والموتُ في الخوفِ. والأمنُ في الموتِ

                لا أمْنَ في مجلِسِ الأَمنِ يا صاحبي. مجلسُ الأمنِ

                أرضٌ مُحايدَةٌ يا رفيقي

                ونحنُ عذابُ الدروبِ

                وسخطُ الجِهاتِ

                ونحنُ غُبارُ الشُّعوبِ

                وعَجْزُ اللُّغاتِ

                وبَعضُ الصَّلاةِ

                على مَا يُتاحُ مِنَ الأَضرِحَهْ

                وفي الموتِ تكبُرُ أرتالُ إخوتنا الطارئينْ

                وأعدائِنا الطارئينْ

                ويزدَحمُ الطقسُ بالمترَفين الذينْ

                يُحبّونَنا مَيِّتينْ

                ولكنْ يُحبُّونَنَا يا صديقي

                بِكُلِّ الشُّكُوكِ وكُلِّ اليَقينْ

                وهاجَرْتَ حُزناً. إلى باطلِ الحقِّ هاجَرْتَ

                مِن باطلِ الباطِلِ

                ومِن بابل بابلٍ

                إلى بابلٍ بابلِ

                ومِن تافِهٍ قاتلٍ

                إلى تافِهٍ جاهِلِ

                ومِن مُجرمٍ غاصِبٍ

                إلى مُتخَمٍ قاتلِ

                ومِن مفترٍ سافلٍ

                إلى مُدَّعٍ فاشِلِ

                ومِن زائِلٍ زائِلٍ

                إلى زائِلٍ زائِلِ

                وماذا وَجَدْتَ هُناكْ

                سِوى مَا سِوايَ

                وماذا وَجّدْتَ

                سِوى مَا سِواكْ؟

                أَخي دَعْكَ مِن هذه المسألَهْ

                تُحِبُّ أخي.. وأُحِبُّ أَخاكْ

                وأَنتَ رَحَلْتَ. رَحَلْتَ.

                ولم أبْقَ كالسَّيفِ فرداً. وما أنا سَيفٌ ولا سُنبُلَهْ

                وَلا وَردةٌ في يَميني.. وَلا قُنبُلَهْ

                لأنّي قَدِمْتُ إلى الأرضِ قبلكَ،

                صِرْتُ بما قَدَّرَ اللهُ. صِرْتُ

                أنا أوَّلَ الأسئلَهْ

                إذنْ.. فَلْتَكُنْ خَاتَمَ الأسئِلَهْ

                لَعّلَّ الإجاباتِ تَستَصْغِرُ المشكلَهْ

                وَتَستَدْرِجُ البدءَ بالبَسمَلَهْ

                إلى أوَّلِ النّورِ في نَفَقِ المعضِلَهْ.


                • • • • •


                تَخَفَّيْتَ بِالموتِ،

                تَكتيكُنا لم يُطِعْ إستراتيجيا انتظارِ العَجَائِبْ

                ومَا مِن جيوشٍ. ومَا مِن زُحوفٍ. ومَا مِن حُشودٍ.

                ومَا مِن صُفوفٍ. ومَا مِن سَرايا. ومَا مِن كَتائِبْ

                ومَا مِن جِوارٍ. ومَا مِن حِوارٍ. ومَا مِن دِيارٍ.

                ومَا مِن أقارِبْ

                تَخَفَّيْتَ بِالموْتِ. لكنْ تَجَلَّى لِكُلِّ الخلائِقِ

                زَحْفُ العَقَارِبْ

                يُحاصِرُ أكْفانَنا يا رفيقي ويَغْزو المضَارِبَ تِلْوَ المضارِبْ

                ونحنُ مِنَ البَدْوِ. كُنّا بثوبٍ مِنَ الخيشِ. صِرنا

                بربطَةِ عُنْقٍ. مِنَ البَدْوِ كُنّا وصِرنا.

                وذُبيانُ تَغزو. وعَبْسٌ تُحارِبْ.


                • • • • •


                وهَا هُنَّ يا صاحبي دُونَ بابِكْ

                عجائِزُ زوربا تَزَاحَمْنَ فَوقَ عَذابِكْ

                تَدَافَعْنَ فَحماً وشَمعاً

                تَشَمَّمْنَ مَوتَكَ قَبل مُعايشَةِ الموتِ فيكَ

                وفَتَّشْنَ بينَ ثيابي وبينَ ثيابِكْ

                عنِ الثَّروةِ الممكنهْ

                عنِ السرِّ. سِرِّ القصيدَهْ

                وسِرِّ العَقيدَهْ

                وأوجاعِها المزمِنَهْ

                وسِرِّ حُضورِكَ مِلءَ غِيابِكْ

                وفَتَّشْنَ عمَّا تقولُ الوصيَّهْ

                فَهَلْ مِن وَصيَّهْ؟

                جُموعُ دُخانٍ وقَشٍّ تُجَلجِلُ في ساحَةِ الموتِ:

                أينَ الوصيَّهْ؟

                نُريدُ الوصيَّهْ!

                ومَا أنتَ كسرى. ولا أنتَ قيصَرْ

                لأنَّكَ أعلى وأغلى وأكبَرْ

                وأنتَ الوصيَّهْ

                وسِرُّ القضيَّهْ

                ولكنَّها الجاهليَّهْ

                أجلْ يا أخي في عَذابي

                وفي مِحْنَتي واغترابي

                أتسمَعُني؟ إنَّها الجاهليَّهْ

                وَلا شيءَ فيها أَقَلُّ كَثيراً سِوى الوَرْدِ،

                والشَّوكُ أَقسى كَثيراً. وأَعتى كَثيراً. وَأكثَرْ

                ألا إنَّها يا أخي الجاهليَّهْ

                وَلا جلفَ مِنَّا يُطيقُ سَماعَ الوَصيَّهْ

                وَأنتَ الوَصيَّةُ. أنتَ الوَصيَّةُ

                واللهُ أكبَرُْ.


                • • • • •


                سَتذكُرُ. لَو قَدَّرَ الله أنْ تَذكُرا

                وتَذكُرُ لَو شِئْتَ أنْ تَذكُرا

                قرأْنا امرأَ القَيسِ في هاجِسِ الموتِ،

                نحنُ قرأْنا مَعاً حُزنَ لوركا

                وَلاميّةَ الشّنفرى

                وسُخطَ نيرودا وسِحرَ أراغون

                ومُعجزَةَ المتنبّي،

                أَلَمْ يصهَر الدَّهرَ قافيةً.. والرَّدَى منبرا

                قرأْنا مَعاً خَوفَ ناظم حِكمَت

                وشوقَ أتاتورك. هذا الحقيقيّ

                شَوقَ أخينا الشّقيّ المشَرَّدْ

                لأُمِّ محمَّدْ

                وطفلِ العَذابِ محمَّد

                وسِجنِ البلادِ المؤبَّدْ

                قرأْنا مَعاً مَا كَتَبنا مَعاً وكَتَبنا

                لبِروَتنا السَّالِفَهْ

                وَرامَتِنا الخائِفَهْ

                وَعكّا وحيفا وعمّان والنّاصرَهْ

                لبيروتَ والشّام والقاهِرَهْ

                وللأمَّةِ الصَّابرَهْ

                وللثورَةِ الزَّاحفَهْ

                وَلا شَيءَ. لا شَيءَ إلاّ تَعاويذ أحلامِنا النَّازِفَهْ

                وساعاتِنا الواقِفَهْ

                وأشلاءَ أوجاعِنا الثَّائِرَهْ.


                • • • • •


                وَمِن كُلِّ قلبِكَ أنتَ كَتبتُ

                وَأنتَ كَتبتَ.. ومِن كُلِّ قلبي

                كَتَبْنا لشعْبٍ بأرضٍ.. وأرضٍ بشعبِ

                كَتَبْنا بحُبٍّ.. لِحُبِّ

                وتعلَمُ أنَّا كَرِهْنا الكراهيّةَ الشَّاحبَهْ

                كَرِهْنا الغُزاةَ الطُّغاةَ،

                وَلا.. ما كَرِهْنا اليهودَ ولا الإنجليزَ،

                وَلا أيَّ شَعبٍ عَدُوٍ.. ولا أيَّ شَعبٍ صديقٍ،

                كَرِهْنا زبانيةَ الدولِ الكاذِبَهْ

                وَقُطعانَ أوْباشِها السَّائِبَهْ

                كَرِهْنا جنازيرَ دبَّابَةٍ غاصِبَهْ

                وأجنحَةَ الطائِراتِ المغيرَةِ والقُوَّةَ الضَّارِبَهْ

                كَرِهْنا سَوَاطيرَ جُدرانِهِم في عِظامِ الرّقابِ

                وأوتادَهُم في الترابِ وَرَاءَ الترابِ وَرَاءَ الترابِ

                يقولونَ للجوِّ والبَرِّ إنّا نُحاولُ للبحْرِ إلقاءَهُم،

                يكذبُونْ

                وهُم يضحكُونَ بُكاءً مَريراً وَيستعطفونْ

                ويلقونَنَا للسَّرابِ

                ويلقونَنَا للأفاعِي

                ويلقونَنَا للذّئابِ

                ويلقونَنَا في الخرابِ

                ويلقونَنا في ضَياعِ الضَّياعِ

                وتَعلَمُ يا صاحبي. أنتَ تَعلَمْ

                بأنَّ جَهَنَّم مَلَّتْ جَهّنَّمْ

                وعَافَتْ جَهَنَّمْ

                لماذا تموتُ إذاً. ولماذا أعيشُ إذاً. ولماذا

                نموتُ. نعيشُ. نموتُ. نموتُ

                على هيئَةِ الأُممِ السَّاخِرهْ

                وَعُهْرِ ملفَّاتِها الفاجِرَهْ

                لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟..

                ومَا كُلُّ هذا الدَّمار وهذا السقوط وهذا العذاب

                ومَا كلُّ هذا؟ وهذا؟ وهذا؟


                • • • • •


                تذكَّرْ..

                وقدْ يُسعِفُ اللهُ مَيْتاً بأنْ يتذكَّرَ. لله نحنُ.

                فحاول إذن.. وتذكَّرْ

                تذكَّرْ رضا الوالِدَهْ

                لأُمَّينِ في واحِدَهْ

                ونعمةَ كُبَّتِها.. زينة المائِدَهْ

                وطُهرَ الرَّغيفِ المقمَّرْ

                تذكَّرْ

                أباً لا يُجيدُ الصّياحْ

                ولا يتذمَّرْ

                تذكَّرْ

                أباً لا يضيقُ ولا يتأفَّفُ مِن سَهَرٍ صاخِبٍ للصَّباحْ

                تذكَّرْ كَثيراً. ولا تتذكَّرْ

                كَثيراً. فبعضُ الحِكاياتِ سُكَّرْ

                وكُلُّ الخرافاتِ سُمٌّ مُقَطَّرْ

                ونحنُ ضَحايا الخرافاتِ. نحنُ ضَحايا نبوخذ نصّرْ

                وأيتام هتلَرْ

                ومِن دَمِنا للطُّغاةِ نبيذٌ

                ومِن لَحمِنا للغُزاةِ أكاليلُ غارٍ ووردٍ

                ومِسْكٌ. وَعَنبَرْ

                فَلا تتذكِّرْ

                قيوداً وسجناً وعسكَرْ

                وبيتاً مُدَمَّرْ

                وَليلاً طَويلاً. وَقَهراً ثقيلاً وسَطواً تكرَّرْ

                وَلا تتذكَّرْ

                لا تتذكَّرْ

                لا تتذكَّرْ.


                • • • • •


                لأنّا صديقانِ في الأرضِ والشّعبِ والعُمرِ والشِّعرِ،

                نحنُ صريحانِ في الحبِّ والموتِ.. يوماً غَضِبْتُ عليكَ..

                ويوماً غَضِبْتَ عَلَيّ

                وَمَا كانَ شَيءٌ لدَيكَ. وَمَا كانَ شَيءٌ لَدَيّ

                سِوَى أنّنا مِن تُرابٍ عَصِيّ

                وَدَمْعٍ سَخيّ

                نَهاراً كَتبْتُ إليكَ. وَليلاً كَتَبْتَ إليّ

                وأعيادُ ميلادِنا طالما أنذَرَتْنا بسِرٍّ خَفِيّ

                وَمَوتٍ قريبٍ.. وَحُلمٍ قَصِيّ

                ويومَ احتَفَلْتَ بخمسينَ عاماً مِنَ العُمرِ،

                عُمرِ الشَّريدِ الشَّقيّ البَقيّ

                ضَحِكنا مَعاً وَبَكَيْنا مَعاً حينَ غنَّى وصلّى

                يُعايدُكَ الصَّاحبُ الرَّبَذيّ:

                على وَرَقِ السنديانْ

                وُلِدْنا صباحاً

                لأُمِّ الندى وأبِ الزّعفرانْ

                ومتنا مساءً بِلا أبوَينِ.. على بَحرِ غُربتِنا

                في زَوارِقَ مِن وَرَقِ السيلوفانْ

                على وَرَقِ البَحرِ. لَيلاً.

                كَتَبْنا نشيدَ الغَرَقْ

                وَعُدْنا احتَرَقْنا بِنارِ مَطالِعِنا

                والنّشيدُ احتَرَقْ

                بنارِ مَدَامِعِنا

                والوَرَقْ

                يطيرُ بأجْنِحَةٍ مِن دُخانْ

                وهَا نحنُ يا صاحبي. صَفحَتانْ

                وَوَجهٌ قديمٌ يُقَلِّبُنا مِن جديدٍ

                على صَفَحاتِ كتابِ القَلَقْ

                وهَا نحنُ. لا نحنُ. مَيْتٌ وَحَيٌّ. وَحَيٌّ وَمَيْتْ

                بَكَى صاحبي،

                على سَطحِ غُربَتِهِ مُستَغيثاً

                بَكَى صاحبي..

                وَبَكَى.. وَبَكَيْتْ

                على سَطحِ بَيْتْ

                ألا ليتَ لَيتْ

                ويا ليتَ لَيتْ

                وُلِدنا ومتنا على وَرَقِ السنديانْ.


                • • • • •


                ويوماً كَتَبْتُ إليكَ. ويوماً كَتَبْتَ إليّ

                أُسميكَ نرجسةً حَولَ قلبي..

                وقلبُكَ أرضي وأهلي وشعبي

                وقلبُكَ.. قلبي.


                • • • • •


                يقولونَ موتُكَ كانَ غريباً.. ووجهُ الغَرابَةِ أنّكَ عِشْتَ

                وأنّي أعيشُ. وأنّا نَعيشُ. وتعلَمُ. تَعلَمُ أنّا

                حُكِمْنا بموتٍ سريعٍ يمُرُّ ببُطءٍ

                وتَعلَمُ تَعْلَمُ أنّا اجترَحْنا الحياةَ

                على خطأٍ مَطْبَعِيّ

                وتَعلَمُ أنّا تأجَّلَ إعدامُنا ألف مَرَّهْ

                لِسَكْرَةِ جَلاّدِنا تِلْوَ سَكْرهْ

                وللهِ مَجْدُ الأعالي. ونصلُ السَّلام الكلام على الأرضِ..

                والناسُ فيهم ـ سِوانا ـ المسَرَّهْ

                أنحنُ مِن الناسِ؟ هل نحنُ حقاً مِن الناسِ؟

                مَن نحنُ حقاً؟ ومَن نحنُ حَقاً؟ سألْنا لأوّلِ مَرَّهْ

                وَآخرِ مَرَّهْ

                وَلا يَستَقيمُ السّؤالُ لكي يستَقيمَ الجوابُ. وها نحنُ

                نَمكُثُ في حَسْرَةٍ بعدَ حَسْرَهْ

                وكُلُّ غَريبٍ يعيشُ على ألفِ حَيْرَهْ

                ويحملُ كُلُّ قَتيلٍ على الظَّهرِ قَبرَهْ

                ويَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّةِ.. يَسبُرُ غَوْرَ المجَرَّهْ.


                • • • • •


                تُعانقُني أُمُّنا. أُمُّ أحمدَ. في جَزَعٍ مُرهَقٍ بعذابِ

                السِّنينْ

                وعِبءِ الحنينْ

                وَتَفْتَحُ كَفَّينِ واهِنَتَينِ موبِّخَتَينِ. وَتَسأَلُ صارخةً

                دُونَ صَوتٍ. وتسألُ أينَ أَخوكَ؟ أَجِبْ. لا تُخبِّئ عَلَيَّ.

                أجِبْ أينَ محمود؟ أينَ أخوكَ؟

                تُزلزِلُني أُمُّنا بالسّؤالِ؟ فماذا أقولُ لَهَا؟

                هَلْ أقولُ مَضَى في الصَّباحِ ليأْخُذَ قَهوَتَهُ بالحليبِ

                على سِحرِ أرصِفَةِ الشانزيليزيه.

                أمْ أدَّعي

                أنَّكَ الآن في جَلسَةٍ طارِئَهْ

                وَهَلْ أدَّعي أنَّكَ الآن في سَهرَةٍ هادِئهْ

                وَهَلْ أُتْقِنُ الزَّعْمَ أنّكَ في موعِدٍ للغَرَامِ،

                تُقابِلُ كاتبةً لاجئَهْ

                وَهَلْ ستُصَدِّقُ أنّكَ تُلقي قصائِدَكَ الآنَ

                في صالَةٍ دافِئَهْ

                بأنْفاسِ ألفَينِ مِن مُعجَبيكَ.. وكيفَ أقولُ

                أخي راحَ يا أُمَّنا ليَرَى بارِئَهْ..

                أخي راحَ يا أُمَّنا والتقى بارِئَهْ.


                • • • • •


                إذنْ. أنتَ مُرتَحِلٌ عن دِيارِ الأحبَّةِ. لا بأسَ.

                هَا أنتَ مُرتَحِلٌ لدِيارِ الأحبَّةِ. سَلِّمْ عَلَيهِم:

                راشد حسين

                فدوى طوقان

                توفيق زيّاد

                إميل توما

                مُعين بسيسو

                عصام العباسي

                ياسر عرفات

                إميل حبيبي

                الشيخ إمام

                أحمد ياسين

                سعدالله ونُّوس

                كاتب ياسين

                جورج حبش

                نجيب محفوظ

                أبو علي مصطفى

                يوسف حنا

                ممدوح عدوان

                خليل الوزير

                نزيه خير

                رفائيل ألبرتي

                ناجي العلي

                إسماعيل شمُّوط

                بلند الحيدري

                محمد مهدي الجواهري

                يانيس ريتسوس

                ألكسندر بن

                يوسف شاهين

                يوسف إدريس

                سهيل إدريس

                رجاء النقاش

                عبد الوهاب البياتي

                غسَّان كنفاني

                نزار قباني

                كَفاني. كَفاني. وكُثرٌ سِواهم. وكُثرٌ فسلِّم عليهم. وسَوفَ

                تُقابِلُ في جَنَّةِ الخُلدِ سامي . أخانا الجميلَ الأصيلَ.

                وَهلْ يعزِفونَ على العُودِ في جَنَّةِ الخُلْدِ؟ أَحبَبْتَ

                سامي مَع العودِ في قَعدَةِ العَينِ .. سامي مَضَى

                وَهْوَ في مِثلِ عُمرِكَ.. (67).. لا. لا أُطيقُ العَدَدْ

                وأنتُمْ أبَدْ

                يضُمُّ الأبَدْ

                ويَمْحُو الأبَدْ

                وَأَعلَمُ. سوفَ تَعودونَ. ذاتَ صباحٍ جديدٍ تعودُونَ

                للدَّار والجار والقدس والشمس. سَوفَ تَعودونَ.

                حَياً تَعودُ. وَمَيْتاً تَعودُ. وسَوفَ تَعودون. مَا مِن كَفَنْ

                يَليقُ بِنا غيرَ دَمعَةِ أُمٍّ تبلُّ تُرابَ الوَطَنْ

                ومَا مِن بِلادٍ تَليقُ بِنا ونَليقُ بِها غير هذي البلادْ

                ويوم المعادِ قريبٌ كيومِ المعادْ

                وحُلم المغنّي كِفاحٌ

                وموتُ المغنّي جهادُ الجِهادْ.


                • • • • •


                إذاً أنتَ مُرتحلٌ عَن دِيارِ الأحِبَّةِ

                في زّوْرَقٍ للنجاةِ. على سَطْحِ بحرٍ

                أُسمّيهِ يا صاحبي أَدْمُعَكْ

                وَلولا اعتصامي بحبلٍ مِن الله يدنو سريعاً. ولكنْ ببطءٍ..

                لكُنتُ زَجَرْتُكَ: خُذني مَعَكْ

                وخُذني مَعَكْ
                sigpic

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  شاعر الأوديسا الفلسطينية: محمود درويش في مرآة الإعلام الإسرائيلي
                  عرب48

                  صدرت حديثاً عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" الورقة الاسرائيلية 45 تحت عنوان: "شاعر الأوديسا الفلسطينية: محمود درويش في مرآة الإعلام الإسرائيلي"، تقع في 58 صفحة، تضم بين دفتيها مجموعة مقالات بأقلام أدباء وكتاب إسرائيليين، تتناول الغياب الكبير للشاعر، وتعد نجاحا للشاعر في كسر حصار محكم فرضه عليه الإعلام الإسرائيلي في حياته، هروبا من التحديق في صورة الضحية الفلسطينية التي تجلت في منجزه الشعري بأدوات انسانية اثبتت جدارتها.

                  وقد أعدها الكاتب أنطوان شلحت.

                  واستعادت معظم هذه الكتابات وقائع الأوديسا المستمرة للشاعر، ابن قرية البروة المهجرة، في الجليل، والذي تعاظمت مكانته الأدبية والشعرية مع مرور الأيام، واشتهر في العالم بأسره كشاعر المنفى، وككبير الشعراء الفلسطينيين والعرب، وكان في نظر المعجبين الكثيرين به الشاعر القومي بأل التعريف. في حين أكدت قراءات أخرى أن عظمة درويش الحقيقية تبقى كامنة في عدم قدرته على أن يكون إنسانًا فرديًا، وفي تحدي شعره للأساطير الإسرائيلية المؤسسة، التي حاذرت ولا تزال ذكر النكبة في 1948، وامتنعت من استعمال تعبيرات مثل "الاحتلال" و"المناطق المحتلة"، وعملت على شطب أي إشارة إلى القرى الفلسطينية التي تمّ محوها عن وجه الأرض كما لو أنها لم تكن قائمة قطّ، وحاولت أن تصوّر فلسطين بأنها "أرض بلا شعب"، وأن تصف الفلسطينيين بأنهم خليط من البشر لا تربطه أي رابطة بالمكان، الوطن، ولذا فقد دبّ الخوف في أوصاله وهُزم وهرب. وبناء على ذلك فإن شعر درويش وصوره وأوصافه والمشاعر الدفينة التي أثارها شكلت خطرًا على الهيمنة الإسرائيلية، وهجومًا على المعارف الجديدة التي جرى اختلاقها لتكريس تلك الأساطير.

                  ورأى معدّ الورقة أن اللافت في سيل المقالات والقراءات لتجربة درويش الشعرية، أن معظمها أخذ منحى إخضاع بعض جوانبها للتحليل الجادّ، باستثناء قراءات قليلة مغرضة.

                  وقال محرر الشؤون العربية في هآرتس، تسفي بارئيل، في مقال تضمنته الورقة، إن "عظمة درويش الأساسية كامنة في البلورة الشاعرية الثاقبة للذاكرة التاريخية الفلسطينية، وخاصة فيما يتعلق بقضية اللاجئين. وفي قصيدته الشهيرة 'لماذا تركت الحصان وحيدا؟' أحيا العلاقة بين التهجير والآثار الحية التي أبقاها اللاجئون وراءهم وعنفوان حق العودة بواسطة رمزه، الحصان الذي بقي في الخلف، وبواسطة البئر المتروكة ومفتاح البيت المهجور الموجود في جيب كل لاجئ" .

                  أمّا الشاعر والناقد الأدبي إسحق لاؤور فقال إن من الأسهل على المرء أن يقول إن درويش كان شاعرًا قوميًا، غير أن عظمة درويش الحقيقية كامنة في عدم قدرته على أن يكون إنسانًا فرديًا. إن عدم القدرة هذه ناجمة، أكثر شيء، عن مسؤولية اللاجئ (ابن قرية البروة المهجرة في الجليل) الذي لم يجد أهل قريته مكانًا لهم تحت الشمس بعد، كما أنها ناجمة عن عدم رغبته في أن يدير ظهره لشعبه المقهور. إن هذه الخصيصة بالذات لم يدركها كاتب إسرائيلي مثل أ. ب. يهوشواع، الذي أبدى استخفافه بكون درويش لاجئًا في سياق روايته "العروس المحرّرة". غير أن استخفاف هذا الكاتب لا يعكس حسدًا للشخص، الذي أمضى حياته متنقلاً بين باريس وبيروت، وبين سيدني ونيويورك، وإنما يعكس، في العمق، كراهية للفلسطيني الذي يرفض أن يستسلم أو أن يساوم.

                  الشاعر حاييم غوري كتب يقول إن شعر درويش، الذي وصف مسيرة حياته بأنها أشبه بأوديسا مستمرة، أثار اهتمامه منذ ستينيات القرن الفائت، باعتباره استعارة شخصية أو مجازًا خصوصيًا لحالة قومية عامة. وأكد أن القارئ العبري اكتشف في درويش شاعرًا حقيقيًا، يحمل سمات العظمة، ويؤالف بين أساليب شتى من التقاليد الشعرية العربية العريقة، ومن التيارات المعاصرة في الشعر العالمي. ولفت إلى أن مجموعة "حالة حصار" أثارته بشكل خاص "إذ أنها مجموعة مهمة لفهم النزاع المرير والمزمن بيننا وبين جيراننا".

                  وتحت عنوان "شاعر صديق وخصم" كتب أ. ب. يهوشواع، غداة رحيل درويش، قائلاً "إن محمود درويش هو شاعر كبير وذو طاقة شاعرية حقيقية أولاً وقبل كل شيء. وفي إمكان حتى شخص مثلي، قرأ قصائده مترجمة لا بلغتها الأصلية، أن يخرج بانطباع عميق عن مخزون تصاويره الغنية والحرية الشعرية، التي سمح لنفسه أن ينتهجها".
                  sigpic

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    ديوان" لماذا تركت الحصان وحيداً"

                    الرابط
                    http://www.4shared.com/file/62471644/f68..._____.html

                    رابط آخر
                    http://www.4shared.com/file/65675283/c45..._____.html

                    قراءة ممتعة
                    sigpic

                    تعليق

                    • ربيع عقب الباب
                      مستشار أدبي
                      طائر النورس
                      • 29-07-2008
                      • 25792

                      مختارات لـ محمود درويش



                      فكِّر بغيرك




                      وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ
                      [لا تَنْسَ قوتَ الحمام]

                      وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ
                      [لا تنس مَنْ يطلبون السلام]

                      وأنتَ تسدد فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ
                      [مَنْ يرضَعُون الغمامٍ]

                      وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيركَ
                      [ لا تنس شعب الخيامْ]

                      وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّر بغيركَ
                      [ثمّةَ مَنْ لم يحد حيّزاً للمنام]

                      وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكِّر بغيركَ
                      [مَنْ فقدوا حقَّهم في الكلام]

                      وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك
                      [ قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام ]




                      ---------------------------------------------------------------

                      الآن في المنفى


                      الآن، في المنفى ... نعم في البيتِ،
                      في الستّينَ من عُمْرٍ سريعٍ
                      يُوقدون الشَّمعَ لك
                      فافرح، بأقصى ما استطعتَ من الهدوء،
                      لأنَّ موتاً طائشاً ضلَّ الطريق إليك
                      من فرط الزحام.... وأجّلك
                      قمرٌ فضوليٌّ على الأطلال,
                      يضحك كالغبي
                      فلا تصدِّق أنه يدنو لكي يستقبلك
                      هُوَ في وظيفته القديمة، مثل آذارَ
                      الجديدِ ... أعادَ للأشجار أسماءَ الحنينِ
                      وأهمَلكْ
                      فلتحتفلْ مع أصدقائكَ بانكسار الكأس.
                      في الستين لن تجِدَ الغَدَ الباقي
                      لتحملَهُ على كتِفِ النشيد ... ويحملكْ
                      قُلْ للحياةِ، كما يليقُ بشاعرٍ متمرِّس:
                      سيري ببطء كالإناث الواثقات بسحرهنَّ
                      وكيدهنَّ. لكلِّ واحدةْ نداءُ ما خفيٌّ:
                      هَيْتَ لَكْ / ما أجملَكْ!
                      سيري ببطءٍ، يا حياةُ ، لكي أراك
                      بِكامل النُقصان حولي. كم نسيتُكِ في
                      خضمِّكِ باحثاً عنِّي وعنكِ. وكُلَّما أدركتُ
                      سرَاً منك قُلتِ بقسوةٍ: ما أّجهلَكْ!
                      قُلْ للغياب: نَقَصتني
                      وأنا حضرتُ ... لأُكملَكْ!


                      ---------------------------------------

                      حين تطيل التأمل



                      حين تُطيل التأمُّلَ في وردةٍ
                      جَرَحَت حائطاً، وتقول لنفسكَ:
                      لي أملٌ في الشفاء من الرمل /
                      يخضرُّ قلبُكَ...
                      حين تُرافقُ أُنثى إلى السيرك
                      ذاتَ نهارٍ جميلٍ كأيثونةٍ ....
                      وتحلُّ كضيفٍ على رقصة الخيل /
                      يحمرُّ قلبكَ ...
                      حين تعُدُّ النجومَ وتُخطئُ بعد
                      الثلاثة عشر، وتنعس كالطفل
                      في زُرقة الليلِ /
                      يبيضُّ قلبُكَ ...
                      حين تَسيرُ ولا تجد الحُلْمَ
                      يمشي أمامك كالظلّ /
                      يصفرُّ قلبك ...



                      ------------------------------------------------------

                      إن مشيت على شارع


                      إن مشيت على شارعٍ لا يؤدي إلى هاوية
                      قُل لمن يجمعون القمامة: شكراً!
                      إن رجعتَ إلى لبيت، حيّاً، كما ترجع القافية
                      بلا خللٍ، قُلْ لنفسك: شكراً!
                      إن توقَّعتَ شيئاً وخانك حدسك،فاذهب غداً
                      لتى أين كُنتَ، وقُلْ للفرائة: شكراً!
                      إن صرخت بكل قواك، ورد عليك الصدى
                      "مَنْ هناك؟" فقل للهويّة: شكراً!
                      إن نظرتَ إلى وردةٍ دون أن توجعكْ
                      وفرحتَ بها، قل لقلبك: شكراً!
                      إن نهضت صباحاً، ولم تجد الآخرين معك
                      يفركون جفونك، قل للبصيرة: شكراً!
                      إن تذكرت حرفاً من اسمك واسم بلادك،
                      كن ولداً طيباً!
                      ليقول لك الربُّ: شكراً!


                      ------------------------------------------------------

                      كمقهى صغير هو الحبّ


                      كمقهى صغير على شارع الغرباء -
                      هو الحبُّ ... يفتح أبوابه للجميع.
                      كمقهى يزيد وينقُصُ وَفْق المُناخ:
                      إذا هَطَلَ المطرُ ازداد رُوّادُهُ،
                      وإذا اعتدل الجو قلُّوا وملُّوا...
                      أنا ههنا - يا غربيةُ - في الركم أجلس
                      [ما لون عينيكِ؟ ما اسمكِ؟ كيف
                      أناديك حين تَمُرِّين بي، وأنا جالس
                      في انتظاركِ؟ ]
                      مقهى صغيرٌ هو الحبُّ. أطلب كأسي
                      نبيذٍ وأشرب نخبي ونخبك. أحمل
                      قبّعتين وشمسية. إنها تمطر الآن.
                      تمطر أكثر من أي يوم، ولا تدخلين.
                      أقول لنفسي أخيراً: لعل التي كنت
                      أنتظرُ انتظَرَتْني ... أو انتظَرتْ رجلاً
                      آخرَ - انتظرتنا ولم تتعرف عليه / عليَّ،
                      وكانت تقول: أنا ههنا في انتظارك.
                      [ما لون عينيكَ؟ أي نبيذْ تحبُّ؟
                      وما اسمكَ؟ كيف أناديك حين
                      تَمُر أمامي]


                      ------------------------------------------------------


                      لا أعرف الشخص الغريب


                      لا أعرف الشخصَ الغريبَ ولا مآثرهُ...
                      رأيتُ جِنازةً فمشيت خلف النعش،
                      مثل الآخرين مطأطئ الرأس احتراماً. لم
                      أجد سبباً لأسأل: مَنْ هُو الشخصُ الغريبُ؟
                      وأين عاش، وكيف مات [ فإن أسباب
                      الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة].
                      سألتُ نفسي: هل يرانا أم يرى
                      عَدَماً ويأسفُ للنهاية؟ كنت أعلم أنه
                      لن يفتح النَّعشَ المُغَطَّى بالبنفسج كي
                      يُودِّعَنا ويشكرنا ويهمسَ بالحقيقة
                      [ ما الحقيقة؟] رُبَّما هُوَ مثلنا في هذه
                      الساعات يطوي ظلَّهُ. لكنَّهُ هُوَ وحده
                      الشخصُ الذي لم يَبْكِ في هذا الصباح،
                      ولم يَرَ الموت المحلِّقَ فوقنا كالصقر...
                      [ فاًحياء هم أَبناءُ عَمِّ الموت، والموتى
                      نيام هادئون وهادئون وهادئون ] ولم
                      أَجد سبباً لأسأل: من هو الشخص
                      الغريب وما اسمه؟ [ لا برق
                      يلمع في اسمه ] والسائرون وراءه
                      عشرون شخصاً ما عداي [ أنا سواي]
                      وتُهْتُ في قلبي على باب الكنيسة:
                      ربما هو كاتبٌ أو عاملٌ أو لاجئٌ
                      أو سارقٌ، أو قاتلٌ ... لا فرق،
                      فالموتى سواسِيَةٌ أمام الموت .. لا يتكلمون
                      وربما لا يحلمون ...
                      وقد تكون جنازةُ الشخصِ الغريب جنازتي
                      لكنَّ أَمراً ما إلهياً يُؤَجِّلُها
                      لأسبابٍ عديدةْ
                      من بينها: خطأ كبير في القصيدة
                      sigpic

                      تعليق

                      • ربيع عقب الباب
                        مستشار أدبي
                        طائر النورس
                        • 29-07-2008
                        • 25792

                        عن الوطن والمنفى.. الشاعر الفلسطيني محمود درويش يتحدث عن طفولته ووطنه ومنفاه..
                        بقلم: محمود درويش (نص بالفرنسية)
                        نقله عن الفرنسية: الياس رفيق الخوري

                        ----

                        لما تنته الطريق بعد كي أعلن عن بداية الرحلة.
                        كل طريق توصلني إلى بداية أخرى، والخروج مثل الدخول مشرّع على المجهول.

                        كنت في السادسة من عمري عندما رحلت نحو ما لم أكن أعرف. في ذلك اليوم، إنتصر جيش عصري على طفولة لم تكن تعرف من الغرب بعد إلا عطر البحر المالح وذهب الغروب فوق حقول القمح. دافعنا وقتها عن العلاقة الهادئة السرمدية التي تربط الفلاحين الطيبين بالأرض الوحيدة التي عرفوها، الأرض التي ولدوا عليها.

                        لم تتحول السكك والمحاريث إلى سيوف إلا في قصص الأنبياء. أما سككنا نحن فتكسّرت أمام طائرات ودبابات الغرباء الذين شرّعوا بهذه الطريقة حكاية حنينهم الطويل إلى "أرض الميعاد". لقد تغذّى الكتاب على القوة وكانت القوة بحاجة إلى كتاب.

                        منذ اليوم الأول رافق الصراع من أجل الأرض غزو للماضي وللرموز. ولبست صورة داود درع جليات، وأمسكت صورة جليات بنقّيفة (مقلاع) داود. ولكن الطفل الذي كنته لم يكن بحاجة إلى من يقص عليه التاريخ كي يعرف طريق الأقدار المجهولة التي دشنت هذه الليلة الرحبة الممتدة بين قرية جليلية وشمال مضاء بقمر بدوي معلق فوق الجبال.

                        في هذا اليوم، اقتُلع شعب من حاضره الحميم، وفُصل بينه وبين خبزه الطازج كي يتردّى في ماضٍ آت. هناك، في جنوب لبنان، نُصبت لنا خيم هشّة وتغيرت أسماؤنا. ختمونا بنفس الختم فأضعنا تمايزنا وأصبحنا كلنا "لاجئين".
                        - ما هو اللاجيء يا أبي؟
                        - لا شيء، لا شيء، لن تفهم...
                        - ماذا يعني أن تكون لاجئاً يا جدي؟ أريد أن أعرف...
                        - أن تكون لاجئاً يعني أن لا تكون طفلاً من الآن فصاعداً...
                        لم أعد طفلاً منذ قليل. منذ أن استطعت تمييز الحقيقة من الحلم، ومنذ أن قدرت على التفريق بين ما يحدث وبين ما حدث منذ سويعات. هل يتحطم الوقت مثل الزجاج؟
                        لم أعد طفلاً منذ أن عرفت بأن مخيمات اللاجئين في لبنان هي الحقيقة وأن فلسطين، من الآن فصاعداً، سوف تسكن الحلم.
                        لم أعد طفلاً منذ أن جرحني ناي الحنين، منذ أن كان القمر يكبر فوق أغصان الشجر وأنا تسكنني رسائل العتمة؛ رسائل إلى البيت المربع وشجرة التوت العالية والحصان العصبي والحمام البري والآبار... رسائل إلى خلايا النحل التي كان عسلها يجرني إلى دربي العشب اللذين يقودان إلى المدرسة وإلى الكنيسة...

                        - هل وضعنا هذا سوف يطول يا جدي؟

                        لم أتعلم كلمة "منفى" إلا عندما صارت مرادفاتي أكثر ثراء، فكلمة العودة هي الخبز اليومي للغتنا؛ عودة إلى المكان، عودة إلى الزمان، عودة من المتنقل المتحرك إلى الثابت، وعودة من الحاضر إلى الماضي والمستقبل في آن. عودة من الاستثناء إلى القاعدة، من خلية في سجن إلى بيت من حجر. هكذا أصبحت فلسطين كل ما لم تكن؛ فردوساً مفتوحاً حتى ذلك اليوم الذي تسللنا فيه إلى داخلها من جديد.

                        يومذاك وجدنا بأن البلدوزارات الإسرائيلية كانت قد محت آثارنا فلم نعثر على أي شيء من ماضينا. حضورنا أصبح منذها جزءاً من آثار الرومان. حرمت علينا الزيارة واكتشف الطفل "أدوات الغياب العتيدة" وطريقاً مشرعاً نحو الجحيم، فهذا كل ما بقي من فردوسه المفقود.
                        ............................

                        لم تكن بي حاجة لأن يقصّوا علي تاريخي.

                        لقد عادت المخرجة "سيمون بيطون" إلى مسقط رأسي بعد 50 سنة كي تصوّر بئري الأولى وأول روافد لغتي، فاصطدمت برفض القاطنين الجدد للمكان وسجلت هذا الحوار مع المسؤول عن المستعمرة الإسرائيلية:
                        - هنا ولد الشاعر...
                        - وأنا أيضاً ولدت هنا... عندما جاء أبي إلى هنا لم يجد إلا الأنقاض. أقمنا أولاً في الخيام ثم في بيوت حقيرة. لقد عملت طيلة عشرين سنة قبل أن أستطيع بناء هذا المنزل. فهل تريدينني أن أعطيه له؟
                        - أريد أن أصوّر الأنقاض فقط، ما تبقى من بيته. إنه بعمر أبيك، أولا تخجل من أن ترد هكذا؟
                        - لا تكوني ساذجة. إنه يطالب بحق العودة.
                        - هل تخاف من أن يحصل على حق العودة؟
                        - نعم...
                        - ويطردك كما طردته؟
                        - أنا لم أطرد أحداً... لقد أتو بنا في سيارات نقل كبيرة ثم أنزلونا هنا وتركونا لأنفسنا.
                        - ولكن من هو هذا "الدرويش"؟
                        - رجل يكتب حول هذا المكان... حول التينات البرية هذه... حول هذه الأشجار وهذه البئر.
                        - أي بئر؟
                        - هناك 8 آبار في البلدة... كم كان عمره؟
                        - 6 سنوات...
                        - والكنيسة، هل كتب عن الكنيسة؟.... كان هنا كنيسة ولكنها دمرت. وحدها المدرسة تركوها كي تأوي إليها الأبقار والعجول.
                        - حولتم المدرسة إسطبلاً؟
                        - ولم لا؟
                        - صحيح، بعد كل ما جرى، لم لا؟!!!... كان لديهم حصان أيضاً ، ولكن... هل أشجار الفاكهة ما زالت هنا؟
                        - طبعاً... عندما كنا صغاراً كنا نأكل من ثمارها... تيناً وتوتاً وكل ما خلق الله.. هذه الأشجار هي طفولتي!!!
                        - وطفولته هو أيضاً...

                        هذه الأرض لم تكن صحراء إذاَ، ولم تكن خالية من السكان. هناك طفل يولد في مهد طفل آخر. يشرب حليبه، يأكل توته وتينه، ويعيش مكانه مرتعداً من عودته دون ندم يذكر، ثم يقول لنفسه بأن هذه الجرائم التي ارتكبها الآخرون هي أيضاً من صنع القضاء والقدر. هل يستطيع مكان واحد أن يتسع لحياة مشتركة؟ هل يستطيع حلمان أن يتحركا بحرية تحت نفس السماء؟ هل يستطيعان ذلك دون أن يكون على الطفل الأول أن يكبر بعيداً وحيداً محروماً من الوطن والمنفى لأنه عندما لا يكون هنا فهو ليس هناك أيضاً؟

                        مات جدي كمداً وهو يرى الآخرين يعيشون حياته. مات وهو يتأمل الأرض التي سقاها يوماً دموع جسده وهو ينتوي أن يخلفها لأولاده من بعده. رائحة الجغرافيا المهشمة فوق حطام الزمان قتلته، فحق العودة من رصيف على شارع إلى رصيف على شارع آخر يقتضي ألفي سنة من الغياب؛ هذا هو الشرط كي تنتسب الأسطورة إلى الحداثة.
                        بالنسبة لي، سعيت نحو التآخي بين الشعوب، عبر حوار مفتوح في غرفة السجن مع سجّان لا يتخلى عن قناعته بغيابي.
                        - من تحرس إذاً؟
                        - نفسي القلقة.
                        - ما الذي يقلقك أيها السيد الطيب؟
                        - شبح يطاردني ويصبح أكثر حضوراً في كل مرة أنتصر بها عليه.
                        - لا شك بأن الشبح هو آثار الضحية على الأرض.
                        - ليس هناك من ضحايا غيري، أنا هو الضحية.
                        - ولكنك القوي القادر والسجّان. لماذا إذاً تنازع الضحية المكان؟
                        - كي أبرّر أفعالي... كي أكون على حق دائماً. كي أصل مرتبة القداسة وكي أفرّ من النوم.
                        - لماذا تسجنني إذاً؟ هل تظن بانني الشبح؟
                        - ليس بالضبط، ولكنك تحمل اسمه...

                        لعل الشعر مثل الحلم، لا يكذب ولكنه لا يقول الحقيقة. لعل الشعر، هذا الجنون الذي يشير إلى العناصر الأولية، ليس إلا ذاكرة الأسماء. لعله ليس لعبة بريئة إلا للذي يضع وجوده في المتراس خلف المكان المصادر والذاكرة المصادرة والتاريخ والأسطورة. لا، الشعر ليس لعبة بريئة لأنه يدل على كائن يجب ألا يكون موجوداً، ولكن المنفى يكبر أيضاً مثل الأعشاب البرية في ظل أشجار الزيتون. على العصفور إذاً أن يحقق اللقاء بين السماء البعيدة وأرض طردت منها فضائلها السماوية. نادرة هي البقاع التي تتمتع بوفر في الجمال كذلك الذي تبوح به أرضنا، أرضنا غير القادرة على إحداث القطيعة الضرورية بين الحقيقة والأسطورة. ليس من حجر هنا، ليس من شجرة لا تحكي تاريخ المواجهة بين المكان والزمن، وإحساسي بعدم رسوخ قدم الغريب يتزايد كلما تزايد الجمال ورسخت قدمه وكنت أنا الحاضر والغائب؛ نصف مواطن ولاجيء كامل.

                        أبذر شوارع حيفا على خاصرة الكرمل بين الأرض والبحر وأتشوق لحرية لا تتيحها لي سوى القصيدة التي سوف يسجنوني من أجلها.
                        عشر سنوات... عشر سنوات لا أستطيع بها الخروج من حيفا. ومنذ سنة 1967، منذ أن اتسعت رقعة الاحتلال الاسرائيلي أكثر، فرضوا علي عدم مبارحة غرفتي من غروب الشمس حتى مشرقها، وتسجيل حضوري في قسم الشرطة كل يوم في الساعة الرابعة بعد الظهر.
                        صادروا ليالي ولم يبقوا بها من خصوصية. كانت الشرطة تقرع بابي في أي وقت تريد كي تتأكد من تواجدي في البيت. لكني لم أكن حاضراً، لقد كنت مجبراً حقاً أن أمضي تدريجياً إلى المنفى منذ أن تداخلت حدود الوطن والغياب في ضباب الشعور. كنت أعلم بأن اللغة قادرة على أن تبني ما تهدم وأن تجمع ما تفرق. وليس من شك بأن "هنا" الشعر، في مرحلة نضجها بين الأفق والسلاسل، كانت بحاجة لتوسيع البعيد.
                        المسافة بين المنفى الداخلي والمنفى الخارجي لم تكن مرئية. كانت جزءاً من الصورة عندما كان معنى الوطن أصغر من حجمه. وفي المنفى الخارجي استوعبت كم كنت قريباً من البعيد، كم كان "هناك" "هنا".
                        لم يعد ثمة شيء فردي، فكل شيء يشير إلى المجموع وليس هناك من مجموع، فكل شيء ينحو نحو الحميمية. امتدت رحلتي على طرقات متعددة حملتها على أكتافي مراراً، وهويتي الممنوعة التي تمردت على أي تقليص "للمنفى والعودة" ،كانت في أزمة. لم نعد نعلم من منا الذي هاجر، نحن أم الوطن. والوطن الذي اختار مسكنه فينا رأى صورته تتطور مع نضوج عكسه الذي يخاصمه. كل شيء يُفسّر بعكسه، والنرجس المجروح سوف ينبت بكثرة وعفوية فوق جوانب الطريق.

                        أخذت اللغة مكان الحقيقة، ورحلت القصيدة في البحث عن أسطورتها عبر تراث الإنسانية، واندمج "المنفى" في أدب التيه، لا ليعطي نار المأساة الشخصية مشروعية ولكن كي يلحق بالإنساني. وهنا لاحقنا الإسرائيليون بزعمهم أنهم وحدهم المنفيون العائدون بينما الفلسطينيون الذين لاقوا مزابل الأرض العربية لا يعانون من منفى. هكذا حُرمت الضحية مرة أخرى من اسمها.
                        كانت الضحية الوحيدة تمتلك حق خلق ضحيتها الخاصة وأوجد المنفىّ الوحيد منفيّه الخاص.
                        سوف أجد الفرصة بعد ربع قرن كي أشاهد جزءاً من وطني. غزّة التي لا أعرفها إلا من خلال قصائد "معين بسيسو" الذي صنع منها جنته.

                        الطريق التي توصل إلى غزّة عبر الصحراء تُغرق المسافر في وحدة لا يقطعها بين الفينة والفينة إلا بعض النباتات الصحراوية، وشجر النخيل الملتهب، ونصب تذكاري مصنوع من هيكل دبّابة، والبحر عن يسارك.
                        أحاسيسي في ذلك اليوم تنقلت بين البرود العقلاني والارتباك الذي يدرك الفرق بين الطريق وبين هدف الطريق. في العريش أصبح النخل بستاناً على حين غرة، فعرفت بأنني أقترب من هذا المجهول الذي تمنيت أن يبقى مجهولاً. حينها بدأ قلبي يفلت من عقلي وقلت: لنسارع، لنسارع كي نصل قبل المغيب.
                        - صبراً، صبراً... أجابني وزير الثقافة ورفيقي في الرحلة. صبراً، الوطن على قاب قوسين أو أدنى، والوطن ليس شيئاً غير خفق فؤادك وتوجساتك.
                        قلت: لعله ليس إلا هذه الليلة التي يحضّر فيها الحلم نفسه كي يتحقق.
                        لا أحلم بشيء. هنا تبدأ فلسطين الجديدة. حاجز إسرائيلي، سيارة "جيب" عسكرية، علم وجندي يسأل السائق بعربية رخوة: من تقلّ؟
                        - وزير وشاعر.
                        أحاذر أن أنظر إلى كاميرات المصورين الباحثة عن فرحة العائدين. كشافات المستوطنات الضوئية واستحكامات الجنود على جانبي الطريق تحرقني، وعندما أعلن عن دهشتي للبتر الجغرافي والخلط الذي يعتور صورة المكان، ينتظر تساؤلاتي جواب حاضر جاهز يقول: غزة وأريحا أولاً، نحن ما زلنا في أول الطريق، في بداية الأمل.
                        لم يكن مسموحاً لي أن أذهب إلى أريحا، فهل كان لي أن أحلم برؤية الجليل، هويتي الشخصية، من جديد؟
                        - "يشترط الإسرائيليون عليك لزيارة الجليل شروطاً أخجل من أن أذكرها لك"
                        هذا ما قاله لي صديقي الكاتب " إميل حبيبي " الذي لم يكن يعلم بأنه سوف يقضي بعد سنتين، وبأن دفنه سوف يعطيني فرصة حزينة لفرحة قصيرة في ربوع فلسطين. يومها أعطوني تصريحاً بالإقامة ثلاثة أيام كي أؤبن صديقي الراحل وألاقي بيت أمي. يومها أكلتني نار العودة وقلت: من هنا خرجت وإلى هنا أعود. ثم رأيت كيف يستطيع الإنسان أن يولد مرة ثانية، وكان المكان قصيدتي.
                        لم يكن ينقصني شيئاً في نوبة هذه الولادة الجديدة كي أحقق موتي الموعود. ولكني كنت أعلم بأن الحقيقة التي تعرّت من الأسطورة ما تزال بحاجة للماضي وبأن التحرر من الأسطورة ما يزال بحاجة للمستقبل. أما الحاضر فلم يكن إلا زيارة قصيرة يعود بعدها الزائر كي يرحل نحو توازنه الصعب بين منفى مكره عليه ووطن بأمس الحاجة إليه. هنا لا يعارض المنفى الوطن، ولا يكون الوطن عكس المنفى.
                        لم أعد بعد، والطريق لما تنته بعد كي أعلن عن بداية الرحلة....


                        العدد (0) - السنة الأولى - شباط/فبراير 2005
                        --------------------------------------------------------------------------------
                        مجلة جسور
                        sigpic

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25792

                          عندما غنى محمود درويش للحب

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام

                          - أعدّي لي الأرض كي أستريح

                          فإني أحبّك حتى التعب...

                          صباحك فاكهةٌ للأغاني

                          وهذا المساء ذهب

                          ونحن لنا حين يدخل ظلٌّ إلى ظلّه في الرخام

                          وأشبه نفسي حين أعلّق نفسي

                          على عنقٍ لا تعانق غير الغمام

                          وأنت الهواء الذي يتعرّى أمامي كدمع العنب

                          وأنت بداية عائلة الموج حين تشبّث بالبرّ

                          حين اغترب

                          وإني أحبّك، أنت بداية روحي، وأنت الختام

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام .

                          ***

                          أنا وحبيبي صوتان في شفةٍ واحده

                          أنا لحبيبي أنا. وحبيبي لنجمته الشارده

                          وندخل في الحلم، لكنّه يتباطأ كي لا نراه

                          وحين ينام حبيبي أصحو لكي أحرس الحلم مما يراه

                          وأطرد عنه الليالي التي عبرت قبل أن نلتقي

                          وأختار أيّامنا بيديّ

                          كما اختار لي وردة المائده

                          فنم يا حبيبي

                          ليصعد صوت البحار إلى ركبتيّ

                          ونم يا حبيبي

                          لأهبط فيك وأنقذ حلمك من شوكةٍ حاسده

                          ونم يا حبيبي

                          عليك ضفائر شعري، عليك السلام

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام .

                          ***

                          - رأيت على البحر إبريل

                          قلت: نسيت انتباه يديك

                          نسيت التراتيل فوق جروحي

                          فكم مرّةً تستطيعين أن تولدي في منامي

                          وكم مرّةً تستطيعين أن تقتليني لأصرخ: إني أحبّك

                          كي تستريحي?

                          أناديك قبل الكلام

                          أطير بخصرك قبل وصولي إليك

                          فكم مرّةً تستطيعين أن تضعي في مناقير هذا الحمام

                          عناوين روحي

                          وأن تختفي كالمدى في السفوح

                          لأدرك أنّك بابل، مصر، وشام

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام .

                          ***

                          إلى أين تأخذني يا حبيبي من والديّ

                          ومن شجري، من سريري الصغير ومن ضجري،

                          من مراياي من قمري، من خزانة عمري ومن سهري،

                          من ثيابي ومن خفري?

                          إلى أين تأخذني يا حبيبي إلى أين

                          تشعل في أذنيّ البراري، تحمّلني موجتين

                          وتكسر ضلعين، تشربني ثم توقدني، ثم

                          تتركني في طريق الهواء إليك

                          حرامٌ... حرام

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام .

                          ***

                          - لأني أحبك، خاصرتي نازفه

                          وأركض من وجعي في ليالٍ يوسّعها الخوف مما أخاف

                          تعالى كثيرًا، وغيبي قليلاً

                          تعالى قليلاً، وغيبي كثيرًا

                          تعالى تعالى ولا تقفي، آه من خطوةٍ واقفه

                          أحبّك إذ أشتهيك. أحبّك إذ أشتهيك

                          وأحضن هذا الشعاع المطوّق بالنحل والوردة الخاطفه

                          أحبك يا لعنة العاطفه

                          أخاف على القلب منك، أخاف على شهوتي أن تصل

                          أحبّك إذ أشتهيك

                          أحبك يا جسدًا يخلق الذكريات ويقتلها قبل أن تكتمل

                          أحبك إذ أشتهيك

                          أطوّع روحي على هيئة القدمين - على هيئة الجنّتين

                          أحكّ جروحي بأطراف صمتك.. والعاصفه

                          أموت، ليجلس فوق يديك الكلام

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام .

                          ***

                          لأني أحبّك (يجرحني الماء)

                          والطرقات إلى البحر تجرحني

                          والفراشة تجرحني

                          وأذان النهار على ضوء زنديك يجرحني

                          يا حبيبي، أناديك طيلة نومي، أخاف انتباه الكلام

                          أخاف انتباه الكلام إلى نحلة بين فخذيّ تبكي

                          لأني أحبّك يجرحني الظلّ تحت المصابيح، يجرحني

                          طائرٌ في السماء البعيدة، عطر البنفسج يجرحني

                          أوّل البحر يجرحني

                          آخر البحر يجرحني

                          ليتني لا أحبّك

                          يا ليتني لا أحبّ

                          ليشفى الرخام

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام .

                          ***

                          - أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأ

                          بعشر زنابق بيضاء، عشر أنامل تمضي السماء

                          إلى أزرقٍ ضاع منها

                          وأمسك هذا البهاء الرخاميّ، أمسك رائحةً للحليب المخبّأ

                          في خوختين على مرمر، ثم أعبد من يمنح البرّ والبحر ملجأ

                          على ضفّة الملح والعسل الأوّلين، سأشرب خرّوب ليلك

                          ثم أنام

                          على حنطةٍ تكسر الحقل، تكسر حتى الشهيق فيصدأ

                          أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأ

                          فكيف تشرّدني الأرض في الأرض

                          كيف ينام المنام

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام .

                          ***

                          حبيبي، أخاف سكوت يديك

                          فحكّ دمي كي تنام الفرس

                          حبيبي، تطير إناث الطيور إليك

                          فخذني أنا زوجةً أو نفس

                          حبيبي، سأبقي ليكبر فستق صدري لديك

                          ويجتثّني من خطاك الحرس

                          حبيبي، سأبكي عليك عليك عليك

                          لأنك سطح سمائي

                          وجسمي أرضك في الأرض

                          جسمي مقام

                          يطير الحمام

                          يحطّ الحمام .

                          ***

                          رأيت على الجسر أندلس الحبّ والحاسّة السادسه.

                          على وردة يابسه

                          أعاد لها قلبها

                          وقال: يكلفني الحبّ ما لا أحبّ

                          يكلفني حبّها.

                          ونام القمر

                          على خاتم ينكسر

                          وطار الحمام

                          رأيت على الجسر أندلس الحب والحاسّة السادسه.

                          على دمعةٍ يائسه

                          أعادت له قلبه

                          وقالت: يكلفني الحبّ ما لا أحبّ

                          يكلفني حبّه

                          ونام القمر

                          على خاتم ينكسر

                          وطار الحمام.

                          وحطّ على الجسر والعاشقين الظلام

                          يطير الحمام

                          يطير الحمام .
                          sigpic

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25792

                            آخر خمس دواوين ل محمود درويش
                            تحياتي لكم خمس دواوين تنشر لأول مرة الكترونيا لمحمود درويش

                            لاتعتذر عما فعلت
                            http://www.4shared.com/file/64600720/82fa3...amp;cau2=MAX_IP

                            كزهر اللوز أو أبعد
                            4shared is a perfect place to store your pictures, documents, videos and files, so you can share them with friends, family, and the world. Claim your free 15GB now!


                            حالة حصار
                            http://www.4shared.com/file/64593976/854...nline.html

                            أثر الفراشة أو يوميات
                            http://www.4shared.com/file/64593128/119...nline.html

                            في حضرة الغياب
                            4shared is a perfect place to store your pictures, documents, videos and files, so you can share them with friends, family, and the world. Claim your free 15GB now!


                            وتحياتي لك وكل عام وأنتم شعراء وبألف خير
                            التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 27-11-2011, 10:40.
                            sigpic

                            تعليق

                            • سميرة بورزيق
                              أديب وكاتب
                              • 22-09-2011
                              • 79

                              تكلما كثيرا...و لما سألها ماذا قلت؟ اجابت : لم اسمعك اشتقت لكلامك.......

                              تعليق

                              • ربيع عقب الباب
                                مستشار أدبي
                                طائر النورس
                                • 29-07-2008
                                • 25792

                                أنت منذ الآن غيرك !
                                محمود درويش
                                هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق، ونرى دمنا على أيدينا... لنُدْرك أننا لسنا ملائكة.. كما كنا نظن؟

                                وهل كان علينا أيضاً أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟

                                كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء !

                                أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على غيرك!

                                أن نكون ودودين مع مَنْ يكرهوننا، وقساةً مع مَنْ يحبّونَنا - تلك هي دُونيّة المُتعالي، وغطرسة الوضيع !

                                أيها الماضي! لا تغيِّرنا... كلما ابتعدنا عنك !

                                أيها المستقبل: لا تسألنا: مَنْ أنتم؟
                                وماذا تريدون مني؟ فنحن أيضاً لا نعرف .

                                أَيها الحاضر! تحمَّلنا قليلاً، فلسنا سوى عابري سبيلٍ ثقلاءِ الظل !

                                الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما نتذكر. الهوية هي فَسادُ المرآة التي يجب أن نكسرها كُلَّما أعجبتنا الصورة !

                                تَقَنَّع وتَشَجَّع، وقتل أمَّه.. لأنها هي ما تيسَّر له من الطرائد.. ولأنَّ جنديَّةً أوقفته وكشفتْ له عن نهديها قائلة: هل لأمِّك، مثلهما؟

                                لولا الحياء والظلام، لزرتُ غزة، دون أن أعرف الطريق إلى بيت أبي سفيان الجديد، ولا اسم النبي الجديد!

                                ولولا أن محمداً هو خاتم الأنبياء، لصار لكل عصابةٍ نبيّ، ولكل صحابيّ ميليشيا!

                                أعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين: إن لم نجد مَنْ يهزمنا ثانيةً هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى !

                                مهما نظرتَ في عينيّ.. فلن تجد نظرتي هناك. خَطَفَتْها فضيحة !

                                قلبي ليس لي... ولا لأحد. لقد استقلَّ عني، دون أن يصبح حجراً .

                                هل يعرفُ مَنْ يهتفُ على جثة ضحيّته - أخيه: > الله أكبر < أنه كافر إذ يرى الله على صورته هو: أصغرَ من كائنٍ بشريٍّ سويِّ التكوين؟

                                أخفى السجينُ، الطامحُ إلى وراثة السجن، ابتسامةَ النصر عن الكاميرا. لكنه لم يفلح في كبح السعادة السائلة من عينيه.
                                رُبَّما لأن النصّ المتعجِّل كان أَقوى من المُمثِّل .

                                ما حاجتنا للنرجس، ما دمنا فلسطينيين .

                                وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة، لأنهما من جذر لغوي واحد، فما حاجتنا للدولة... ما دامت هي والأيام إلى مصير واحد؟ .

                                لافتة كبيرة على باب نادٍ ليليٍّ: نرحب بالفلسطينيين العائدين من المعركة . الدخول مجاناً! وخمرتنا... لا تُسْكِر!.

                                لا أستطيع الدفاع عن حقي في العمل، ماسحَ أحذيةٍ على الأرصفة.
                                لأن من حقّ زبائني أن يعتبروني لصَّ أحذية ـ هكذا قال لي أستاذ جامعة !.

                                أنا والغريب على ابن عمِّي. وأنا وابن عمِّي على أَخي. وأَنا وشيخي عليَّ <. هذا هو الدرس الأول في التربية الوطنية الجديدة، في أقبية الظلام .

                                من يدخل الجنة أولاً؟ مَنْ مات برصاص العدو، أم مَنْ مات برصاص الأخ؟
                                بعض الفقهاء يقول: رُبَّ عَدُوٍّ لك ولدته أمّك !.

                                لا يغيظني الأصوليون، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة. ولكن، يغيظني أنصارهم العلمانيون، وأَنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلاّ بدين وحيد: صورهم في التلفزيون !.

                                سألني: هل يدافع حارس جائع عن دارٍ سافر صاحبها، لقضاء إجازته الصيفية في الريفيرا الفرنسية أو الايطالية.. لا فرق؟
                                قُلْتُ: لا يدافع !.
                                وسألني: هل أنا + أنا = اثنين؟
                                قلت: أنت وأنت أقلُّ من واحد !.
                                لا أَخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد التأليف. ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون.

                                أنت، منذ الآن، غيرك !.
                                sigpic

                                تعليق

                                يعمل...
                                X