الجزء الرابع من الرسالة
مؤتمر جنيف:
ورابع الأخطاء العربية الفادحة،
هو الاشتراك في مؤتمر جنيف،
وعلى أساس قرار مجلس الأمن إياه.
وبقدر ما كان موقف الملوك والرؤساء سليما وواضحا في مؤتمر الجزائر فقد كان الموقف خاطئا بالكلية في الاشتراك بمؤتمر جنيف.
ذلك أن مؤتمر الجزائر، وقد سبق مؤتمر جنيف بشهر واحد تقريبا قد قرر أن مرحلة النضال العربي هي:
أولا: التحرير الكامل لكل الأراضي العربية المحتلة، وعدم التنازل أو التفريط في أن جزء من هذه الأراضي أو المساس بالسيادة الوطنية عليها.
ثانيا: الالتزام باستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ثالثا: تحرير مدينة القدس العربية وعدم القبول بأي وضع من شأنه المساس بسيادة العرب الكاملة على المدينة المقدسة.
رابعا: قضية فلسطين هي قضية العرب جميعا ولا يجوز لأي طرف عربي التنازل عن هذا الالتزام وذلك وفق ما قررته مؤتمرات القمة السابقة.
هذه قرارات واضحة وملزمة حقا. ولكن العيب الذي رافق مؤتمرا القمة منذ أن انعقد مؤتمر الملوك والأمراء في زهراء أنشاص، في عهد الملك فاروق، إن قرارات القمة سليمة دائما وأبدا، ولكن الالتزام بها لم يكن سليما دائما وأبدا.
ولقد حسبنا بعد حرب رمضان المجيدة أن "حليمة لن تعود إلى عادتها القديمة" ولكننا شهدنا بعد أن انفرط مؤتمر القمة في الجزائر بشهر واحد، أن الوفود العربية تشترك في مؤتمر جنيف لتنفيذ مؤتمر قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية من أساسها وفي مخالفة واضحة للقرارات التي اتخذها مؤتمر القمة العربي في الجزائر.
ويكفي للتدليل على أهداف مؤتمر جنيف، أن الدكتور كيسنجر قد افتتح خطابه مستشهدا بالمثل العامي المعروف "اللي فات مات" وإذا كان الاستشهاد يعني شيئا فإنه معني موت القضية الفلسطينية كما يشتهي الدكتور كيسنجر والولايات المتحدة، وإسرائيل بطبيعة الحال.
ومن أجل ذلك كله فإن استئناف العمل في مؤتمر جنيف، بعد أن وضحت الأهداف بالتجربة والممارسة، لا تتفق إطلاقا مع المبادئ الأساسية للقضية العربية، ولا مع المواقف الرسمية التي أعلنها قادة العرب منذ خمسين عاما إلى يومنا هذا، ولا مع قرارات مؤتمر القمة من بدايتها حتى الآن.
الاستمرار في الخطأ:
وخامس الأخطاء العربية الفادحة، بل أفدحها على الإطلاق، هو الاستمرار في طريق الخطأ بعد أن وضحت كل منعطفاته ومزالقه.
والآن وقد مضى عام واحد على وقف إطلاق النار، وعلى مؤتمركم الذي عقدتموه في الجزائر يمكن التأكيد بصورة جازمة أن معالم الطريق أصبحت واضحة حتى للذين أرادوا أن يكتشفوه بأقدامهم لا برؤوسهم.
ولقد وضح على وجه قاطع أن طريق مؤتمر جنيف مسدود من كل أطرافه، وأنه كان مفتوحا على سراب.. والمفكرون العرب حذروا من عواقبه قبل انعقاده.. فإن السياسة الأمريكية معروفة والأهداف الإسرائيلية مفضوحة وليس الأمر في حاجة إلى عبقرية خارقة لكشف المكشوف وفضح المفضوح.
ومع ذلك فقد مر هذا العام ليكشف عن الحقيقة في مجموعة من الوقائع المعلنة، تثبت بما لا يقبل الشك أن المرحلة النضالية التي رسمت حدودها في مؤتمر الجزائر يستحيل تنفيذها بالوسائل السياسية، إلا إذا كانت السياسة العربية المعاصرة تريد أن تسجل تراجعا آخر يضاف إلى التراجع العديدة السابقة.
وتتلخص هذه الوقائع المعلنة بما يلي:
أولا: لقد أعلن الدكتور كيسنجر غير مرة أنه يسعى للوصول إلى حل وسط بين المطالب العربية الإسرائيلية، وهذا معناه أن المطالب العربية لا يمكن تحقيقها كاملة.. كما التزم بها الملوك والرؤساء في مؤتمر الجزائر.
ثانيا: قدمت أمريكا عشية انعقاد مؤتمر جنيف وبعده مساعدة عسكرية ومالية لإسرائيل، دون أن تلتزم إسرائيل بأي موقف محدد بالنسبة إلى الانسحاب.
ثالثا: رفضت إسرائيل أثناء مباحثات الفصل بين القوات أن تعلن أن الاتفاقية هي خطوة أولى على طريق الانسحاب الكامل.
رابعا: توالت التصريحات الإسرائيلية وآخرها منذ أيام بأنها لا تعتزم العودة إلى خطوط 1967 وأنها تصر على البقاء في الجولان ومواقع معينة في سيناء.. وقد أعلنت المصادر الرسمية الأمريكية أن إسرائيل تقوم ببناء تحصينات جديدة في الجولان تبلغ تكاليفها عشرين مليون جنيه إسترليني.
خامسا: ازداد الموقف الإسرائيلي وضوحا حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، شعار "قطعة من الأرض مقابل قطعة من السلام" وإن إسرائيل مستعدة لتقديم تنازلات إقليمية وهي تتنازل بذلك من أرضنا لنا، مقابل تنازل من أرضنا لها.
سادسا: إن مؤتمر جنيف سيغرق وربما لأعوام طويلة، في خريطة تفصيلية، أعلنت عنها إسرائيل، تبين فيها المواقع التي ستحتفظ بها والمواقع التي ستتنازل عنها.
سابعا: وبالنسبة للاجئين الفلسطينيين فإن الموقف الإسرائيلي واضح، يقوم على أساس توطينهم خارج فلسطين، في تعبير إسرائيل أن الأرض العربية شاسعة وأموال العرب وافرة.
ثامنا: أما بيت القدس، وهي التي تتميز عن سائر الحواضر العربية بأنها أعظم ساحة عربية شهدت أعظم صراع بين الشرق والغرب، فالموقف الإسرائيلي بشأنها لا يحتمل ذرة واحدة من الشك.. إن القدس عند إسرائيل هي العاصمة الخالدة، شرقها وغربها، ولا يمكن التخلي عنها بالطرق السياسية، وإسرائيل التي خرجت من القنيطرة في إطار اتفاق الفصل، بعد أن هدمتها حجرا على حجر، لا يمكن أن تخرج من بيت المقدس إلا في معركة طاحنة تطحن فيها القوات الإسرائيلية عند حائط المبكى.. وعلى ضوء هذه الحقيقة يجب أن يخطط الملوك والرؤساء لتحرير بيت المقدس.. فالكفاح المسلح هو طريق التحرير ولا طريق سواه.
تاسعا: إن إسرائيل ماضية في تصعيد هجرة اليهود السوفييت، ولا تترك أمريكا فرصة إلا وتلح على الاتحاد السوفييتي لإباحة الهجرة اليهودية، وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده الدكتور كيسنجر عشية سفرته الأخيرة إلى الشرق الأوسط صرح بان المساعي الأمريكية للضغط على موسكو بشأن الهجرة اليهودية لا تزال مستمرة.. وقد كان وقف صفقة القمح الأمريكي إلى روسيا وراء هذا الموضوع الخطير، وجرى البحث بين موسكو وواشنطن على إباحة الهجرة لليهود السوفييت وانتهى الأمر بأن أعلنت المصادر الرسمية من واشنطن بأن الاتفاق قد تم مع موسكو على تسهيل هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل بمعدل ستين ألفا في العام، فماذا بقي من التسوية السلمية ؟
عاشرا: تعتزم إسرائيل تسليم الضفة الغربية وقطاع غزة، من غير القدس الكبرى والقرى الأمامية بحيث لا تملك المقومات الاقتصادية ولا القدرات الدفاعية، ولا تحقق للشعب الفلسطيني أدنى طموحاته الوطنية.. وأي طموح هذا بعد تسليم معظم الوطن إلى العدو الدخيل – وإذا كان هنالك من طموح فإنه طموح العدو أن نعترف به، ونعترف بأرضنا وطنا له.
مؤتمر جنيف:
ورابع الأخطاء العربية الفادحة،
هو الاشتراك في مؤتمر جنيف،
وعلى أساس قرار مجلس الأمن إياه.
وبقدر ما كان موقف الملوك والرؤساء سليما وواضحا في مؤتمر الجزائر فقد كان الموقف خاطئا بالكلية في الاشتراك بمؤتمر جنيف.
ذلك أن مؤتمر الجزائر، وقد سبق مؤتمر جنيف بشهر واحد تقريبا قد قرر أن مرحلة النضال العربي هي:
أولا: التحرير الكامل لكل الأراضي العربية المحتلة، وعدم التنازل أو التفريط في أن جزء من هذه الأراضي أو المساس بالسيادة الوطنية عليها.
ثانيا: الالتزام باستعادة الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ثالثا: تحرير مدينة القدس العربية وعدم القبول بأي وضع من شأنه المساس بسيادة العرب الكاملة على المدينة المقدسة.
رابعا: قضية فلسطين هي قضية العرب جميعا ولا يجوز لأي طرف عربي التنازل عن هذا الالتزام وذلك وفق ما قررته مؤتمرات القمة السابقة.
هذه قرارات واضحة وملزمة حقا. ولكن العيب الذي رافق مؤتمرا القمة منذ أن انعقد مؤتمر الملوك والأمراء في زهراء أنشاص، في عهد الملك فاروق، إن قرارات القمة سليمة دائما وأبدا، ولكن الالتزام بها لم يكن سليما دائما وأبدا.
ولقد حسبنا بعد حرب رمضان المجيدة أن "حليمة لن تعود إلى عادتها القديمة" ولكننا شهدنا بعد أن انفرط مؤتمر القمة في الجزائر بشهر واحد، أن الوفود العربية تشترك في مؤتمر جنيف لتنفيذ مؤتمر قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية من أساسها وفي مخالفة واضحة للقرارات التي اتخذها مؤتمر القمة العربي في الجزائر.
ويكفي للتدليل على أهداف مؤتمر جنيف، أن الدكتور كيسنجر قد افتتح خطابه مستشهدا بالمثل العامي المعروف "اللي فات مات" وإذا كان الاستشهاد يعني شيئا فإنه معني موت القضية الفلسطينية كما يشتهي الدكتور كيسنجر والولايات المتحدة، وإسرائيل بطبيعة الحال.
ومن أجل ذلك كله فإن استئناف العمل في مؤتمر جنيف، بعد أن وضحت الأهداف بالتجربة والممارسة، لا تتفق إطلاقا مع المبادئ الأساسية للقضية العربية، ولا مع المواقف الرسمية التي أعلنها قادة العرب منذ خمسين عاما إلى يومنا هذا، ولا مع قرارات مؤتمر القمة من بدايتها حتى الآن.
الاستمرار في الخطأ:
وخامس الأخطاء العربية الفادحة، بل أفدحها على الإطلاق، هو الاستمرار في طريق الخطأ بعد أن وضحت كل منعطفاته ومزالقه.
والآن وقد مضى عام واحد على وقف إطلاق النار، وعلى مؤتمركم الذي عقدتموه في الجزائر يمكن التأكيد بصورة جازمة أن معالم الطريق أصبحت واضحة حتى للذين أرادوا أن يكتشفوه بأقدامهم لا برؤوسهم.
ولقد وضح على وجه قاطع أن طريق مؤتمر جنيف مسدود من كل أطرافه، وأنه كان مفتوحا على سراب.. والمفكرون العرب حذروا من عواقبه قبل انعقاده.. فإن السياسة الأمريكية معروفة والأهداف الإسرائيلية مفضوحة وليس الأمر في حاجة إلى عبقرية خارقة لكشف المكشوف وفضح المفضوح.
ومع ذلك فقد مر هذا العام ليكشف عن الحقيقة في مجموعة من الوقائع المعلنة، تثبت بما لا يقبل الشك أن المرحلة النضالية التي رسمت حدودها في مؤتمر الجزائر يستحيل تنفيذها بالوسائل السياسية، إلا إذا كانت السياسة العربية المعاصرة تريد أن تسجل تراجعا آخر يضاف إلى التراجع العديدة السابقة.
وتتلخص هذه الوقائع المعلنة بما يلي:
أولا: لقد أعلن الدكتور كيسنجر غير مرة أنه يسعى للوصول إلى حل وسط بين المطالب العربية الإسرائيلية، وهذا معناه أن المطالب العربية لا يمكن تحقيقها كاملة.. كما التزم بها الملوك والرؤساء في مؤتمر الجزائر.
ثانيا: قدمت أمريكا عشية انعقاد مؤتمر جنيف وبعده مساعدة عسكرية ومالية لإسرائيل، دون أن تلتزم إسرائيل بأي موقف محدد بالنسبة إلى الانسحاب.
ثالثا: رفضت إسرائيل أثناء مباحثات الفصل بين القوات أن تعلن أن الاتفاقية هي خطوة أولى على طريق الانسحاب الكامل.
رابعا: توالت التصريحات الإسرائيلية وآخرها منذ أيام بأنها لا تعتزم العودة إلى خطوط 1967 وأنها تصر على البقاء في الجولان ومواقع معينة في سيناء.. وقد أعلنت المصادر الرسمية الأمريكية أن إسرائيل تقوم ببناء تحصينات جديدة في الجولان تبلغ تكاليفها عشرين مليون جنيه إسترليني.
خامسا: ازداد الموقف الإسرائيلي وضوحا حين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، شعار "قطعة من الأرض مقابل قطعة من السلام" وإن إسرائيل مستعدة لتقديم تنازلات إقليمية وهي تتنازل بذلك من أرضنا لنا، مقابل تنازل من أرضنا لها.
سادسا: إن مؤتمر جنيف سيغرق وربما لأعوام طويلة، في خريطة تفصيلية، أعلنت عنها إسرائيل، تبين فيها المواقع التي ستحتفظ بها والمواقع التي ستتنازل عنها.
سابعا: وبالنسبة للاجئين الفلسطينيين فإن الموقف الإسرائيلي واضح، يقوم على أساس توطينهم خارج فلسطين، في تعبير إسرائيل أن الأرض العربية شاسعة وأموال العرب وافرة.
ثامنا: أما بيت القدس، وهي التي تتميز عن سائر الحواضر العربية بأنها أعظم ساحة عربية شهدت أعظم صراع بين الشرق والغرب، فالموقف الإسرائيلي بشأنها لا يحتمل ذرة واحدة من الشك.. إن القدس عند إسرائيل هي العاصمة الخالدة، شرقها وغربها، ولا يمكن التخلي عنها بالطرق السياسية، وإسرائيل التي خرجت من القنيطرة في إطار اتفاق الفصل، بعد أن هدمتها حجرا على حجر، لا يمكن أن تخرج من بيت المقدس إلا في معركة طاحنة تطحن فيها القوات الإسرائيلية عند حائط المبكى.. وعلى ضوء هذه الحقيقة يجب أن يخطط الملوك والرؤساء لتحرير بيت المقدس.. فالكفاح المسلح هو طريق التحرير ولا طريق سواه.
تاسعا: إن إسرائيل ماضية في تصعيد هجرة اليهود السوفييت، ولا تترك أمريكا فرصة إلا وتلح على الاتحاد السوفييتي لإباحة الهجرة اليهودية، وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده الدكتور كيسنجر عشية سفرته الأخيرة إلى الشرق الأوسط صرح بان المساعي الأمريكية للضغط على موسكو بشأن الهجرة اليهودية لا تزال مستمرة.. وقد كان وقف صفقة القمح الأمريكي إلى روسيا وراء هذا الموضوع الخطير، وجرى البحث بين موسكو وواشنطن على إباحة الهجرة لليهود السوفييت وانتهى الأمر بأن أعلنت المصادر الرسمية من واشنطن بأن الاتفاق قد تم مع موسكو على تسهيل هجرة اليهود السوفييت إلى إسرائيل بمعدل ستين ألفا في العام، فماذا بقي من التسوية السلمية ؟
عاشرا: تعتزم إسرائيل تسليم الضفة الغربية وقطاع غزة، من غير القدس الكبرى والقرى الأمامية بحيث لا تملك المقومات الاقتصادية ولا القدرات الدفاعية، ولا تحقق للشعب الفلسطيني أدنى طموحاته الوطنية.. وأي طموح هذا بعد تسليم معظم الوطن إلى العدو الدخيل – وإذا كان هنالك من طموح فإنه طموح العدو أن نعترف به، ونعترف بأرضنا وطنا له.
تعليق