عبد المنعم حسن محمود
بعيدا عن الألقاب سأحتل جانبا من هذا البياض ..
نعم سأفعلها ..
وكيف الصق لقبا بمن لا يهب للألقاب وزنا ..؟!
أكثر من ربع قرن (تقريبي) يتجاهلها وهي تزحف خلفه .. فلِمَ لا أكون خفيفا عليه..
هذا الرجل المدعو ربيع عقب الباب يبعثر دائرة تأملاتي منذ أمدٍ بعيد ..
سلوكه الإنساني والكتابي داخل هذا الحيز الضيق يحيرني ..
وفي كل مرة أحاول أن أكتب عنه تتسع دائرة الإعجاب، ويمد نصف القطر لسانه في وجهي ساخرا من عجزي ..
في بداية انتمائي لهذا المكان الفريد رسمت علامة استفهام كبيرة حوله ..!
كعدسة محدبة رأيته، تتجمع الأشعة في بؤرته، قلت لنفسي ..
لِمَ لا تتضخم أناه ؟
أو على الأقل يصبح شلليا انتقائيا (يتعامل مع أسماء بعينها) ؟
تداركت وقلت :
بأن ما يحدث هنا ليس تواضعا مصطنعا، أنه تواضع فطري .. تواضع من تربى ونشأ على التواضع ..
يكتب عن نصك وعينه الأخرى لا تغادر سياج مشاعرك قيد أنملة، يزن كلماته بخيط رفيع، يقول لك أخطأت بذات الطريقة التي يقول فيها أحسنت ..
يحيريني حقا ربيع الكاتب أكثر من ربيع القاريء ..
ويحيرني حقا ربيع القاريء أكثر من ربيع الكاتب ..
وأتساءل بحق :
من أين له هذا العمق ؟
وكيف يقرأ بهذا الانتباه .. ولحظات الألق تتضاءل يوميا بفعل الإيقاع اللاهث للحياة، الصمت الذي يخلق حالة من التأمل لم يعد حالة شديدة الخصوصية، ظواهر الثراء السريع وهوايات القفز بالزانة سمات لجانب من جيل متطلع لما في يد غيره دون جهد ..
محاصر هو من كل الجهات .. فمن أين له كل هذا النفس الطويل ؟
ومن أين يستمد هذا الرهان قوته ؟
واثق هو إذن في هذا الجيل ..!
..........
كلما أقرأ مداخلة لربيع حول نص لي، أو لأحد الزملاء ومن شدة عمق هذه المداخلة أتذكر مقولة الروائي عبدالستار ناصر :
(أخطأت بحق نفسي يوم أعطيتُ الكتابة مساحة أكبر من قراءاتي)
وأشعر به كأنه ينبهني بحتمية عدم الرضا، باعتباره المحرك الأساسي لمزيد من الإبداع.
وعندما أقرأ له نصا جديدا، أشعر بأني لازلت بعيدا للدرجة التي تتجسد فيها مقولة الكاتب رسول حمزاتوف أمامي :
(إذا كنت لا تستطيع أن تكتب فلا تكتب).
............
ليلة البارحة وفي خضم استعدادي لاصدار مجموعة قصصية باسم (أكثر من لا .. أقل من نعم) لملمت كل مداخلات ورؤى أستاذي ربيع حول نصوص المجموعة المنشورة في هذا الملتقى .. هالني ما رأيت للدرجة التي صرفت فيها النظر عن فكرة أن يكتب لي تقديما .. ففي هذه المداخلات ما هو أكثر من التقديم وحتما سأكتفي بها، هذا إذا تفضل ووهبنا امضائه ..
وعبر هذه المداخلات تعلمت منه :
أن القراءة والكتابة كالأكسدة والاختزال لا يفترقان ..
وإذا أردت أن تكون كاتبا جيدا لابد أن تكون قارئا جيدا، فطريقة معالجته للنصوص تقول أن القراءة الجيدة تستدعي شخصا متمهلا ومتأملا ..
والكتابة عند ربيع فعل قصدي واعي، ومسآلة مستمرة لتداعيات الواقع، ومراجعة دائمة للذاكرة ..
يقول لنا ربيع وبلغة مختلفة وفي أماكن مختلفة، أن الكتابة لن تكون هاجسا ما لم يسبقها هاجس القراءة، وأن الاطلاع المتواصل هم يومي وهبة من الله وفعل لا يمكن أن تكتسبه وأنت كبير أو متقدم في العمر ..
وأن الكتابة التي تأتي بلا خلفية قرائية مستمرة، غالبا ما تكون هشة ولا تستطيع الصمود وبالتالي تموت وهي في بداية الطريق.
من يتمعن في تجربة أستاذنا ربيع يدرك بأن الكتابة الإبداعية ليست هدفا في حد ذاتها، بقدر ماهي توازن نفسي شديد الخصوصية، وتفريغ وتنفيس خاصة في أوطان الكتابة فيها لا تطعم فما ولا تروي ظمآنا ..!!
الخراب الذى جره السادات فى فترة السبيعينات / ربما كان مسئولا عن واقع أحوالنا كأدباء و شعراء ، حين أعلن كراهيته للأدب و الفكر و الشعر ، و الثقافة بوجه عام ، فأطاح بكل الدورات التى تربينا ، و حفظا ، و اقتاتها أبناء جيلي و الأجيال التى سبقت ، و اخترع لنا دورية ، أسماها الجديد ، و دفع بشخصية مشكوك في انتمائها ثقافيا و أدبيا إلى رئاسة تحريرها ، و أيضا مجموعة الإصدارات الدينية التى كانت معتقلة ، و خرجت بكل وحشتيها و جوعها لتملأ الأرصفة و المكتبات ؛ ليستشري جوع من لم يشبع من أدباء الستينات و السبعينات ، و لهم كل الحق ، و لكن ليس لهم أى حق فى معاداتنا نحن جيل الثمانينات ، الذى خرج مغايرا ، و أكثر انفتاحا على الآداب ، فرفض الرمزية البغيضة ، و التلاعب بالأفكار ، تحت مزاعم أثبتت الأحداث مدي ما يتمتع به أصحابها من ضحالة ، و فقر موهبة !
من هنا أخي الغالي ( عبد المنعم ) ، ومن بين ذاك الركام ، كانت أحلامنا تتراكض ، تحلق معنا على السكك ، فى ليالي البرد ، و نهارات القيظ ، بقروشنا الزهيدة ، و ربما بدونها ، فأمامنا سطوح القطارات و الريح .. و لا ندري .. أكنا نبحث عمن يسمعنا ، أم أننا كنا محملين بما لا طاقة لنا ، على صمته و سكوته !
أخشى أنني أحكي الرحلة .. و على كل حال ، كان لا بد من الاقتحام ، كان لا بد من قهر الخوف المتربص على طرقات القاهرة ، تلك الحبيبة ، التى عشقنا و كرهنا ، حلمنا بها ، وكرهنا انتماءنا لها ، فى لحظات الموت ، و نحن نراها دائما لقمة سائغة فى فم ملوث بالدم و الخديعة ، حلما يصاعد نجمه للزناة و المرتشين ، و مخربي الرؤوس ، و رؤوس الصحف المجرمة ، نجوما متعانقة نراها على صدور العسكر ، ترفرف بهم حتى السماء .. ونحن هنا نتطاحن حول رواية أفقدتنا الصواب ، أو قصيدة أرسلت صاحبها إلى غياهب المعتقلات ، أو نتابع رحلة لذاك الآبق ، الذى رجع أخيرا إلى بلدته ، و حين كانت تقله السيارة ، كان يطير ، وهو يرفض أن يموت كذكر بط ( يحي الطاهر عبد الله ) تحت عجلات حافلة عملاقة !
اعذرني
سوف أعود إليك !!
بعيدا عن الألقاب سأحتل جانبا من هذا البياض ..
نعم سأفعلها ..
وكيف الصق لقبا بمن لا يهب للألقاب وزنا ..؟!
أكثر من ربع قرن (تقريبي) يتجاهلها وهي تزحف خلفه .. فلِمَ لا أكون خفيفا عليه..
هذا الرجل المدعو ربيع عقب الباب يبعثر دائرة تأملاتي منذ أمدٍ بعيد ..
سلوكه الإنساني والكتابي داخل هذا الحيز الضيق يحيرني ..
وفي كل مرة أحاول أن أكتب عنه تتسع دائرة الإعجاب، ويمد نصف القطر لسانه في وجهي ساخرا من عجزي ..
في بداية انتمائي لهذا المكان الفريد رسمت علامة استفهام كبيرة حوله ..!
كعدسة محدبة رأيته، تتجمع الأشعة في بؤرته، قلت لنفسي ..
لِمَ لا تتضخم أناه ؟
أو على الأقل يصبح شلليا انتقائيا (يتعامل مع أسماء بعينها) ؟
تداركت وقلت :
بأن ما يحدث هنا ليس تواضعا مصطنعا، أنه تواضع فطري .. تواضع من تربى ونشأ على التواضع ..
يكتب عن نصك وعينه الأخرى لا تغادر سياج مشاعرك قيد أنملة، يزن كلماته بخيط رفيع، يقول لك أخطأت بذات الطريقة التي يقول فيها أحسنت ..
يحيريني حقا ربيع الكاتب أكثر من ربيع القاريء ..
ويحيرني حقا ربيع القاريء أكثر من ربيع الكاتب ..
وأتساءل بحق :
من أين له هذا العمق ؟
وكيف يقرأ بهذا الانتباه .. ولحظات الألق تتضاءل يوميا بفعل الإيقاع اللاهث للحياة، الصمت الذي يخلق حالة من التأمل لم يعد حالة شديدة الخصوصية، ظواهر الثراء السريع وهوايات القفز بالزانة سمات لجانب من جيل متطلع لما في يد غيره دون جهد ..
محاصر هو من كل الجهات .. فمن أين له كل هذا النفس الطويل ؟
ومن أين يستمد هذا الرهان قوته ؟
واثق هو إذن في هذا الجيل ..!
..........
كلما أقرأ مداخلة لربيع حول نص لي، أو لأحد الزملاء ومن شدة عمق هذه المداخلة أتذكر مقولة الروائي عبدالستار ناصر :
(أخطأت بحق نفسي يوم أعطيتُ الكتابة مساحة أكبر من قراءاتي)
وأشعر به كأنه ينبهني بحتمية عدم الرضا، باعتباره المحرك الأساسي لمزيد من الإبداع.
وعندما أقرأ له نصا جديدا، أشعر بأني لازلت بعيدا للدرجة التي تتجسد فيها مقولة الكاتب رسول حمزاتوف أمامي :
(إذا كنت لا تستطيع أن تكتب فلا تكتب).
............
ليلة البارحة وفي خضم استعدادي لاصدار مجموعة قصصية باسم (أكثر من لا .. أقل من نعم) لملمت كل مداخلات ورؤى أستاذي ربيع حول نصوص المجموعة المنشورة في هذا الملتقى .. هالني ما رأيت للدرجة التي صرفت فيها النظر عن فكرة أن يكتب لي تقديما .. ففي هذه المداخلات ما هو أكثر من التقديم وحتما سأكتفي بها، هذا إذا تفضل ووهبنا امضائه ..
وعبر هذه المداخلات تعلمت منه :
أن القراءة والكتابة كالأكسدة والاختزال لا يفترقان ..
وإذا أردت أن تكون كاتبا جيدا لابد أن تكون قارئا جيدا، فطريقة معالجته للنصوص تقول أن القراءة الجيدة تستدعي شخصا متمهلا ومتأملا ..
والكتابة عند ربيع فعل قصدي واعي، ومسآلة مستمرة لتداعيات الواقع، ومراجعة دائمة للذاكرة ..
يقول لنا ربيع وبلغة مختلفة وفي أماكن مختلفة، أن الكتابة لن تكون هاجسا ما لم يسبقها هاجس القراءة، وأن الاطلاع المتواصل هم يومي وهبة من الله وفعل لا يمكن أن تكتسبه وأنت كبير أو متقدم في العمر ..
وأن الكتابة التي تأتي بلا خلفية قرائية مستمرة، غالبا ما تكون هشة ولا تستطيع الصمود وبالتالي تموت وهي في بداية الطريق.
من يتمعن في تجربة أستاذنا ربيع يدرك بأن الكتابة الإبداعية ليست هدفا في حد ذاتها، بقدر ماهي توازن نفسي شديد الخصوصية، وتفريغ وتنفيس خاصة في أوطان الكتابة فيها لا تطعم فما ولا تروي ظمآنا ..!!
الخراب الذى جره السادات فى فترة السبيعينات / ربما كان مسئولا عن واقع أحوالنا كأدباء و شعراء ، حين أعلن كراهيته للأدب و الفكر و الشعر ، و الثقافة بوجه عام ، فأطاح بكل الدورات التى تربينا ، و حفظا ، و اقتاتها أبناء جيلي و الأجيال التى سبقت ، و اخترع لنا دورية ، أسماها الجديد ، و دفع بشخصية مشكوك في انتمائها ثقافيا و أدبيا إلى رئاسة تحريرها ، و أيضا مجموعة الإصدارات الدينية التى كانت معتقلة ، و خرجت بكل وحشتيها و جوعها لتملأ الأرصفة و المكتبات ؛ ليستشري جوع من لم يشبع من أدباء الستينات و السبعينات ، و لهم كل الحق ، و لكن ليس لهم أى حق فى معاداتنا نحن جيل الثمانينات ، الذى خرج مغايرا ، و أكثر انفتاحا على الآداب ، فرفض الرمزية البغيضة ، و التلاعب بالأفكار ، تحت مزاعم أثبتت الأحداث مدي ما يتمتع به أصحابها من ضحالة ، و فقر موهبة !
من هنا أخي الغالي ( عبد المنعم ) ، ومن بين ذاك الركام ، كانت أحلامنا تتراكض ، تحلق معنا على السكك ، فى ليالي البرد ، و نهارات القيظ ، بقروشنا الزهيدة ، و ربما بدونها ، فأمامنا سطوح القطارات و الريح .. و لا ندري .. أكنا نبحث عمن يسمعنا ، أم أننا كنا محملين بما لا طاقة لنا ، على صمته و سكوته !
أخشى أنني أحكي الرحلة .. و على كل حال ، كان لا بد من الاقتحام ، كان لا بد من قهر الخوف المتربص على طرقات القاهرة ، تلك الحبيبة ، التى عشقنا و كرهنا ، حلمنا بها ، وكرهنا انتماءنا لها ، فى لحظات الموت ، و نحن نراها دائما لقمة سائغة فى فم ملوث بالدم و الخديعة ، حلما يصاعد نجمه للزناة و المرتشين ، و مخربي الرؤوس ، و رؤوس الصحف المجرمة ، نجوما متعانقة نراها على صدور العسكر ، ترفرف بهم حتى السماء .. ونحن هنا نتطاحن حول رواية أفقدتنا الصواب ، أو قصيدة أرسلت صاحبها إلى غياهب المعتقلات ، أو نتابع رحلة لذاك الآبق ، الذى رجع أخيرا إلى بلدته ، و حين كانت تقله السيارة ، كان يطير ، وهو يرفض أن يموت كذكر بط ( يحي الطاهر عبد الله ) تحت عجلات حافلة عملاقة !
اعذرني
سوف أعود إليك !!
تعليق