فيف لاكلاس/الثلاثون/ منيرة الفهري

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فهمي يوسف
    مستشار أدبي
    • 27-08-2008
    • 8100

    تدقيق لغوي ورد /

    المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
    فيف لاكلاس
    Vive la classe
    رواية
    بقلم

    منيرة الفهري

    التاسع و العشرون

    السابق
    - عمي عمر لقد نجحت, نجحت.
    قالت فاطمة هذا و هي تدخل السقيفة و تتجه صوبا إلى مكان عمي عمر الذي وجدته يتناول طعام العشاء. ابتسم العم عمر و أراد أن يقول شيئا لو لم يكن فمه ممتلئا، و لم تترك له فاطمة الفرصة فقد اتجهت مسرعة نحو الحوش ثم البيت الكبير لتجد غالية تنتظرها على أحرّ من الجمر.

    التاسع و العشرون

    نظرت فاطمة في المرآة الصغيرة المعلقة في المطبخ الصغير ذي الباب الأصفر العجيب. كانت آخر مرة مسكَتْها عندما طلب منها سي الطاهر أن تناوله إيّاها من أسبوعين ، فهو يستعملها للحلاقة و لا تذكُر أنّ أهل الدار يستعملونها لأيّ شيء آخر.
    نظرت فيها لتتأمل تقاسيم وجهها و ابتسمت، فقد تفطنت إلى جمال لم تره من قبل، و أنزلت المرآة قليلا حتى تتمكن من رؤية باقي جسدها. احمرّ وجهها و هي ترى أنها نضجت و أنها أصبحت تشبه قليلا الخالة غالية إلا أن فاطمة كانت ممتلئة و نضِرة.
    "الوسيم البطل"..همستْ لنفسها: هل تراه يذكرها؟ هل تراه نظر إليها و هو يأخذ منها الرسالة؟ هي لا تذكر, فقد كان تبادل الرسالة و العودة إلى القرية سريعا.
    "أعيدي المرآة مكانها قد تكسرينها". قالت الخالة غالية و هي تحمل خبز الفرن الساخن الذي أعدته لِلتّو, لتضعه على المائدة.
    ارتبكت فاطمة و علّقت المرآة في الركن المخصص لها. وضعت القدر الصغير و صحنا على المائدة و حملتها إلى الغرفة الوحيدة التي تجمّع فيها الأطفال لطعام العشاء. لم تكن فاطمة ملهوفة كعادتها على الأكل. فقد كانت شاردة صامتة منقبضة الصدر. انتبهت غالية لذلك فسألتها: مالك يا ابنتي؟ أتشكين من شيء؟ جاء صوت فاطمة حزينا ضعيفا: "لا لا أنا بخير فقط أفكّر في "سِيدي" و ما يحصل له."
    ضمّتها غالية إليها و اغرورقت عيناها بالدموع.
    أمّي, أمّي, "عمّي عمر" ينادي
    فعلا فقد كان صوت عمّي عمر, كما انتبهت لذلك خديجة.
    كانت فاطمة هي من تقضي حاجياته في غالب الأحيان. اتجهت إليه البنت مسرعة فإذا به يُعلمها أن هناك من يطرق باب السقيفة. فتحت البنت الباب فكاد أن يغمى عليها: احمرّ وجهها , ارتعشت يداها , خفق قلبها و أحست بدوار خفيف و هي ترى الوسيم البطل أمامها.( هكذا سمته)
    الحمد لله أنه لم ينتبه لكل ذلك. و في صمت أعطى رسالة لفاطمة و أوصاها أن توصلها للحكيم و عاد أدراجه من حيث أتى. ليت الزمان توقّف و هي تستقبله عند الباب,ليته بقي قليلا, ليته يعود ليقول شيئا, ليقول إنه نسيَ شيئا. تركت الباب مفتوحا و هي تنتظر علّه يعود لكنه لم يأتِ. أغلقت الباب و هي تشعر بخيبة أمل. ثم و بحركة لا إرادية ألقت نظرة على لباسها و سعدتْ كثيرا عندما وجدت أنها ترتدي الفستان الأحمر المفضّل لديها و أنها تبدو فيه جميلة فاتنة.
    جاءت غالية تستطلع الأمر. و في الحين أمرت فاطمة أن تذهب لبيت الخالة محبوبة لتؤدي الأمانة لسي الطاهر إذ يبدو أنّ الأمر مستعجل.
    لم يغمض لفاطمة جفن تلك الليلة، فقد كان خيال الوسيم البطل يحاصرها. تتقلب في مضجعها و تطلق الزفرات المكتومة.
    أتراه أحسّ بها؟ أتراه رأى وجهها الصبوح؟ (هكذا أخبرتها المرآة الصغيرة ), و فستانها المفضل الذي يُبدي مفاتنها، أتراه انتبه له؟ كان قلبها منشرحا و هي تتفرس في وجهه المشرق و قد زاده خيالها إشراقا. كانت تحس بألم جميل و هي تسترجع صورته في الجبل و أمام باب السقيفة.
    لا تدري فاطمة أنامت تلك الليلة أم لم تنم فقد انتبهت على صوت غالية يوقظها.

    "باركي لي يا غالية فَغَدًا عرس حياة."
    كان باب السقيفة مفتوحا على غير العادة و قد دخلت الخالة محبوبة و هي تزف الخبر. ضحكت فاطمة و قالت : صباح الخير ياخالة. ماذا؟ كلنا نعرف أنّ حياة رحمها الله فماذا تقولين؟
    جلست محبوبة على ركن من دكان المطبخ بجانب غالية و قالت في همس: قصدتُ أنّ ابنة أخي التي تسكن القرية المجاورة ستُزَفّ لِعريسها من بيتي غدا مساء.
    فكوني معي و سأقول لكل الجيران.
    لم تعلّق فاطمة و لكن غالية سألت الخالة محبوبة عن سبب هذا العرس المفاجئ، و لماذا اختارت هذا التوقيت بالذات .و سي الطاهر و الطبيب اللذان يلوذان في بيت الخالة محبوبة، ما مصيرهما؟
    ردّت محبوبة متجاهلة السؤال الأخير: إن ابنة أخيها يتيمة الأم و قد أرادت أن تعوّضَها ذلك اليتم في يوم فرحها و تقوم بالواجب و تزفها من بيتها.
    لم ينطل كل هذا على غالية و لا على فاطمة و فهمتا أنّ في الأمر سرّا ستكشفه الأيام.


    يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

    الأخت الأستاذة منيرة الفهري
    القاريء الفاضل المحب للغة العربية ،
    اقرأ وتمتع وثق أنك ستجد الدقة والرقة والحرف الذكي الذي يشدك إلى المتابعة .
    تعقيب برؤية لبعض الكلمات القليلة في الفصل التاسع والعشرين من الرواية البطولية التونسية وأحداثها الشائقة .
    ===============
    مسكَتْها : المعروف أن زيادة المبنى تؤدي إلى زيادة المعنى / فأفضل أمسكَتْها .
    أتشكين من شيء ؟: ( يمكن أن تقرأ بعد همزة الاستفهام (أَتَشُكِّين من شيء ؟) ؛ فالأفضل : أتَشْتَكينَ من شيءٍ ؟
    لا تدري فاطمة أَنامت تلك الليلة أم لم تنم ؟ سؤال للنفس يحتاج لوضع علامة ترقيم الاستفهام ؟
    انتبهت على صوت غالية يوقظها ،( باركي لي يا غالية فغدا عرسُ حياة !!) التي أيقظتها بطلة معروفة في الرواية؛
    وغالية الثانية هي وصف لمنزلة فاطمة عندها... والقاريء أو السامع يحتاج إلى استغراب وتعجب من عبارة غالية البطلة
    ولكن غالية استفسرتْ الخالةَ محبوبةَ عن سبب هذا العرس المفاجيء : بمعنى سألتها أو طلبت التوضيح بطلب استفهامها الأمر
    فتصبح الخالة في الجملة مفعولا به بعد سؤال غالية ( الضمير المستتر هي؛ الفاعل المقدم في الجملة ) فلو وضعنا حرف الجر
    مِنْ ( الخالةِ ) عن سبب هذا العرس ... لا نحتاج لوضع علامة ترقيم الاستفهام ؟ ونضع علامة تعجب واندهاش !!
    للروائية المبدعة رؤيتها فالفعل ( استفسر ) كاستخرج .. يستخدم لازما أكثر من استخدامه متعديا إلى مفعول في اللغة العربية
    والله تعالى أعلم .

    تعليق

    • منيره الفهري
      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
      • 21-12-2010
      • 9870

      المشاركة الأصلية بواسطة المختار محمد الدرعي مشاهدة المشاركة
      فقرة تخبرنا أن النضال ضد المستعمر لا يعني شهداء و جرحى و عيش في الأدغال فقط و إنما هو كذلك أعراس و أفراح و قصص حب.. فها هو حب ذلك الوسيم البطل يطرق باب قلب فاطمة في أوج الحرب و هاهي محبوبة تستعد لزفاف إبنة أخيهاعلى غفلة من المحتل.. هكذا تختلط قصص الحب و النضال بالدم.. دمت على إبداع أختنا المنيرة نتابعك بشغف تحياتي
      أخي الفاضل الأديب المترجم
      المختار محمد الدرعي
      شكرا من القلب لمتابعتك للرواية
      و أعتذر عن التأخر في الرد لظروف طارئة
      تحياتي و كل الامتنان أخي مختار.

      تعليق

      • منيره الفهري
        مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
        • 21-12-2010
        • 9870

        المشاركة الأصلية بواسطة الهويمل أبو فهد مشاهدة المشاركة
        في الحرب والغرام تساوت الأفهام والأوهام
        All’s fair in love and war (John Lyly- 1578)


        رغم أننا عايشنا فاطمة من بداية فصول الرواية، إلا أن الجزء "التاسع والعشرون" هو فصلها بامتياز،
        وكانت بدايته في نهاية الفصل السابق حين سلمت بطل أحلامها الرسالة. وابتدأ الفصل اليوم لتتبدل الأدوار:
        إذ جاءها بطلها ليسلمها رسالة. وبين الرسالتين كانت هناك معركة ورسالة أكثر سرية وأهم، عكستها لنا
        فاطمة في مرآة لتصبح فاطمة نفسها صورة جلية:

        نظرت فاطمة في المرآة الصغيرة المعلقة في المطبخ الصغير ذي الباب الأصفر العجيب.
        كانت آخر مرة مسكَتْها عندما طلب منها سي الطاهر أن تناوله إيّاها من أسبوعين ، فهو
        يستعملها للحلاقة و لا تذكُر أنّ أهل الدار يستعملونها لأيّ شيء آخر
        .


        نظرت فيها لتتأمل تقاسيم وجهها و ابتسمت، فقد تفطنت إلى جمال لم تره من قبل، و أنزلت
        المرآة قليلا حتى تتمكن من رؤية باقي جسدها. احمرّ وجهها و هي ترى أنها نضجت و أنها
        أصبحت تشبه قليلا الخالة غالية إلا أن فاطمة كانت ممتلئة و نضِرة
        .


        بعد هذا المشهد الرومانسي الهائم وحديثها لنفسها عن بطلها وأوهامها ومقارنتها نفسها بالخالة غالية، جاء كسر
        هذا الخيال االمجنح بعبارة مبتذله عادية في سياق يومي محلي: إذ جاءت غالية فجأة
        "وهي تحمل خبز الفرن الساخن
        الذي أعدته لِلتّو, لتضعه على المائدة"
        ، لتقول
        على غفلة من فاطمة: "أعيدي المرآة مكانها قد تكسرينها."! هنا، بين
        عالم خيال فاطمة (ومعها القارئ) ومشهد الوضع العادي (قول غالية وما تحمله) يعود القارئ مع فاطمة إلى الوضع
        اليومي المحلي. خسرت فاطمة معركتها وضحك القارئ إذ عاد المشهد مع فاطمة نفسها سريعا إلى رتابة الحياة
        اليومية المحلية:

        ارتبكت فاطمة و علّقت المرآة في الركن المخصص لها. وضعت القدر الصغير و صحنا على
        المائدة و حملتها إلى الغرفة الوحيدة التي تجمّع فيها الأطفال لطعام العشاء
        .

        لكن فاطمة لم تعد مع عودة المشهد وان عادت جسديا، بل بقيت ذهنيا تعاني بين عالم الخيال وحقيقة الواقع، فقد
        أصابها "العشق" الذي يحدّه الجاحظ بأنه "داءٌ يصيب الرُّوح ويشتمل على الجسم بالمجاورة"! لا عجب إذن ألاّ
        تُقْبل على العشاء، بل "كانت شاردة صامتة منقبضة الصدر
        " لا تفكر إلاّ بـ"سيّدها وما يحصل له"! وما هي إلاّ
        لحظة ويأتي سيدها فجأة كما ظهر فجأة لها في الجبل وأكتمل تبادل الأدوار وقد رآها بثوبها الأحمر.

        وأظنّه غض البصر وانطلق سريعا كما فعلت هي من قبل، ليوافق شنٌ طبقة!
        الناقد الكبير الأستاذ الجليل
        الهويمل أبو فهد
        أسعد كثيرااا بقراءاتك التي انتظرها دائما
        فشكرااا من القلب
        و الرحلة متواصلة و سأنشر عن قريب الجزء الموالي
        تحياتي الصادقة سيدي.

        تعليق

        • منيره الفهري
          مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
          • 21-12-2010
          • 9870

          المشاركة الأصلية بواسطة محمد فهمي يوسف مشاهدة المشاركة
          الأخت الأستاذة منيرة الفهري
          القاريء الفاضل المحب للغة العربية ،
          اقرأ وتمتع وثق أنك ستجد الدقة والرقة والحرف الذكي الذي يشدك إلى المتابعة .
          تعقيب برؤية لبعض الكلمات القليلة في الفصل التاسع والعشرين من الرواية البطولية التونسية وأحداثها الشائقة .
          ===============
          مسكَتْها : المعروف أن زيادة المبنى تؤدي إلى زيادة المعنى / فأفضل أمسكَتْها .
          أتشكين من شيء ؟: ( يمكن أن تقرأ بعد همزة الاستفهام (أَتَشُكِّين من شيء ؟) ؛ فالأفضل : أتَشْتَكينَ من شيءٍ ؟
          لا تدري فاطمة أَنامت تلك الليلة أم لم تنم ؟ سؤال للنفس يحتاج لوضع علامة ترقيم الاستفهام ؟
          انتبهت على صوت غالية يوقظها ،( باركي لي يا غالية فغدا عرسُ حياة !!) التي أيقظتها بطلة معروفة في الرواية؛
          وغالية الثانية هي وصف لمنزلة فاطمة عندها... والقاريء أو السامع يحتاج إلى استغراب وتعجب من عبارة غالية البطلة
          ولكن غالية استفسرتْ الخالةَ محبوبةَ عن سبب هذا العرس المفاجيء : بمعنى سألتها أو طلبت التوضيح بطلب استفهامها الأمر
          فتصبح الخالة في الجملة مفعولا به بعد سؤال غالية ( الضمير المستتر هي؛ الفاعل المقدم في الجملة ) فلو وضعنا حرف الجر
          مِنْ ( الخالةِ ) عن سبب هذا العرس ... لا نحتاج لوضع علامة ترقيم الاستفهام ؟ ونضع علامة تعجب واندهاش !!
          للروائية المبدعة رؤيتها فالفعل ( استفسر ) كاستخرج .. يستخدم لازما أكثر من استخدامه متعديا إلى مفعول في اللغة العربية
          والله تعالى أعلم .
          أستاذي الجليل محمد فهمي يوسف
          سعيدة جدااا بمتابعتك للرواية و جهودك المبذولة في التدقيق اللغوي.
          تحياتي و كل الشكر و الامتنان.
          و سأنشر عن قريب الجزء الموالي بإذن الله و عونه.

          تعليق

          • منيره الفهري
            مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
            • 21-12-2010
            • 9870


            Vive la classe
            فيف لاكلاس
            رواية في أجزاء
            بقلم
            منيرة الفهري

            الثلاثـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون

            السابق:
            لم تعلّق فاطمة و لكن غالية سألت الخالة محبوبة عن سبب هذا العرس المفاجئ، و لماذا اختارت هذا التوقيت بالذات. و سي الطاهر و الطبيب اللذان يلوذان في بيت الخالة محبوبة، ما مصيرهما؟
            ردّت محبوبة متجاهلة السؤال الأخير: إن ابنة أخيها يتيمة الأم و قد أرادت أن تعوّضَها ذلك اليتم في يوم فرحها و تقوم بالواجب و تزفها من بيتها.
            لم ينطل كل هذا على غالية و لا على فاطمة وفهمتا أنّ في الأمر سرّا ستكشفه الأيام

            الثلاثــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــون

            -خالتي خالتي, هل أُعقّم أدواتِ التمريض؟
            انتبهت غالية على صوت فاطمة, فتحت عينيها محاولة استكشاف المكان فقد غطت في نوم عميق البارحة مُتعَبةً مُرهَقة. نعم هذه فاطمة تتوسط الغرفة, غرفتها التي يشاركها فيها زوجها سي الطاهر. لكن أين هو؟ استوت في جلستها و تذكّرت ما حدث من أيام: فقيادات المستعمر الفرنسي تفطنوا إلى دوره و الطبيب "سي محمد علي" في المقاومة و هم يبحثون عنهما الآن. أما الحكيم فهو متخفٍ قريبا منها لكنها لا تستطيع رؤيته حفظا على سلامته و سلامة صديقه.
            قالت غالية: أين إخوتك؟
            -نائمون على الدكانة كالعادة, كانت عزيزة البارحة تشكو حمّى مفاجئة لم أشأ أن أشغلك و أعطيتها حبّةَ "كينا" و هي الآن أحسن حالا.
            -حسنا فعلتِ فقد كنتُ جدّ منهكة, شكرا يا ابنتي.
            -لمْ تقولي لي يا خالتي هل أعقّم أدوات التمريض؟ هل سنفتح المستوصف اليوم؟
            -طبعا و لمَ لا نفتحه؟ سأتولّى استقبال المرضى وَ أرى ما أستطيع فعله.
            خرجت فاطمة من الغرفة و بيدها مفتاح المستوصف. بدأ الصبح ينبلج و بدأت الحركة تدب في القرية الهادئة. أصوات غريبة تنبعث من الغرفة الداخلية من المستوصف. ارتعدت فاطمة و خافت و هي تذكر ما حصل من أشهر بعد حادثة غرق حياة ابنة الخالة محبوبة. أمازالت روح حياة هنا؟ ماذا أفعل يا ربي؟ تقدمت ثم أحجمت, و كادت تخرج هلعة من المستوصف لكنها تشجعت و تقدمت ببطء و حذر تتبع الصوت. فتحت باب الغرفة و ضحكت بصوت عال فقد كانت هناك قطة و معها صغارها حديثو الولادة. تركت فاطمة الباب مفتوحا و لكن الهرة لم تتحرك من مكانها و بقيت تلعق صغارها غير مبالية بنظرات فاطمة و لا بدخولها الغرفة.
            بدأ المرضى يتوافدون على المستوصف و قد استقبلتهم الخالة غالية بمئزر سي الطاهر. سمعت شكوى كل واحد منهم و ضمّدت جراح الولد الصغير و أعطت العجوز حبة "كينا" و ربطت مشدات على ساق البنت التي التوى كاحلُها ثمّ صبّت غالية فوقها كحولا طبيا. أما باقي المرضى فقد أرجأت علاجهم إلى حين يأتي سي الطاهر الذي ذهب إلى العاصمة لقضاء حاجة مستعجلة و سيعود قريبا بإذن الله حسب ما روته لهم الخالة غالية.
            علّقت المئزر وَهمّت بالخروج من المستوصف لكن صوت الخالة محبوبة أوقفها.
            قالت غالية مداعبة: أليس اليوم عرس ابنة أخيك؟
            أجابت العجوز: بلى،بلى، جئتك في أمر مستعجل, تعالي إلى بيتي بعد ربع ساعة فقد استجدت أمور مفاجِئة.
            قالت الخالة محبوبة هذا وَأسرعت الخطى و كأنها بنت العشرين.
            أما غالية فقد خفق قلبها و ارتعشت أوصالها و بقيت تفكر حائرة: ماذا هناك يا ترى؟ هل أصاب سي الطاهر مكروه لا سمح الله؟
            سقط المفتاح من يدها و هي تغلق المستوصف مرتجفة مضطربة.

            يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع




            تعليق

            • الهويمل أبو فهد
              مستشار أدبي
              • 22-07-2011
              • 1475

              المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة

              vive la classe
              فيف لاكلاس
              رواية في أجزاء
              بقلم
              منيرة الفهري

              الثلاثـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون

              السابق:
              لم تعلّق فاطمة و لكن غالية سألت الخالة محبوبة عن سبب هذا العرس المفاجئ، و لماذا اختارت هذا التوقيت بالذات. و سي الطاهر و الطبيب اللذان يلوذان في بيت الخالة محبوبة، ما مصيرهما؟
              ردّت محبوبة متجاهلة السؤال الأخير: إن ابنة أخيها يتيمة الأم و قد أرادت أن تعوّضَها ذلك اليتم في يوم فرحها و تقوم بالواجب و تزفها من بيتها.
              لم ينطل كل هذا على غالية و لا على فاطمة وفهمتا أنّ في الأمر سرّا ستكشفه الأيام

              الثلاثــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــون

              -خالتي خالتي, هل أُعقّم أدواتِ التمريض؟
              انتبهت غالية على صوت فاطمة, فتحت عينيها محاولة استكشاف المكان فقد غطت في نوم عميق البارحة مُتعَبةً مُرهَقة. نعم هذه فاطمة تتوسط الغرفة, غرفتها التي يشاركها فيها زوجها سي الطاهر. لكن أين هو؟ استوت في جلستها و تذكّرت ما حدث من أيام: فقيادات المستعمر الفرنسي تفطنوا إلى دوره و الطبيب "سي محمد علي" في المقاومة و هم يبحثون عنهما الآن. أما الحكيم فهو متخفي قريبا منها لكنها لا تستطيع رؤيته حفظا على سلامته و سلامة صديقه.
              قالت غالية: أين إخوتك؟
              -نائمون على الدكانة كالعادة, كانت عزيزة البارحة تشكو حمّى مفاجئة لم أشأ أن أشغلك و أعطيتها حبّةَ "كينا" و هي الآن أحسن حالا.
              -حسنا فعلتِ فقد كنتُ جدّ منهكة, شكرا يا ابنتي.
              -لمْ تقولي لي يا خالتي هل أعقّم أدوات التمريض؟ هل سنفتح المستوصف اليوم؟
              -طبعا و لمَ لا نفتحه؟ سأتولّى استقبال المرضى وَ أرى ما أستطيع فعله.
              خرجت فاطمة من الغرفة و بيدها مفتاح المستوصف. بدأ الصبح ينبلج و بدأت الحركة تدب في القرية الهادئة. أصوات غريبة تنبعث من الغرفة الداخلية من المستوصف. ارتعدت فاطمة و خافت و هي تذكر ما حصل من أشهر بعد حادثة غرق حياة ابنة الخالة محبوبة. أمازالت روح حياة هنا؟ ماذا أفعل يا ربي؟ تقدمت ثم أحجمت, و كادت تخرج هلعة من المستوصف لكنها تشجعت و تقدمت ببطء و حذر تتبع الصوت. فتحت باب الغرفة و ضحكت بصوت عال فقد كانت هناك قطة و معها صغارها حديثو الولادة. تركت فاطمة الباب مفتوحا و لكن الهرة لم تتحرك من مكانها و بقيت تلعق صغارها غير مبالية بنظرات فاطمة و لا بدخولها الغرفة.
              بدأ المرضى يتوافدون على المستوصف و قد استقبلتهم الخالة غالية بمئزر سي الطاهر. سمعت شكوى كل واحد منهم و ضمّدت جراح الولد الصغير و أعطت العجوز حبة "كينا" و ربطت مشدات على ساق البنت التي التوى كاحلُها ثمّ صبّت غالية فوقها كحولا طبيا. أما باقي المرضى فقد أرجأت علاجهم إلى حين يأتي سي الطاهر الذي ذهب إلى العاصمة لقضاء حاجة مستعجلة و سيعود قريبا بإذن الله حسب ما روته لهم الخالة غالية.
              علّقت المئزر وَهمّت بالخروج من المستوصف لكن صوت الخالة محبوبة أوقفها.
              قالت غالية مداعبة: أليس اليوم عرس ابنة أخيك؟
              أجابت العجوز: نعم نعم جئتك في أمر مستعجل, تعالي إلى بيتي بعد ربع ساعة فقد استجدت أمور مفاجِئة.
              قالت الخالة محبوبة هذا وَأسرعت الخطى و كأنها بنت العشرين.
              أما غالية فقد خفق قلبها و ارتعشت أوصالها و بقيت تفكر حائرة: ماذا هناك يا ترى؟ هل أصاب سي الطاهر مكروه لا سمح الله؟
              سقط المفتاح من يدها و هي تغلق المستوصف مرتجفة مضطربة.

              يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع



              التوازي والتساوق يعتبر أحد مميزات السرد اللطيفة. وهذا التوازي والتساوق
              يظهر جليا بين رحلة فاطمة إلى الجبل ورحلة "الوسيم" إلى القرية. ولئن كان
              التوازي هنا بين رحلتين، فإنه يظهر أيضا على مستوى الأحداث اليومية
              العادية. نذكر مثلا حال فاطمة في الجزء 29 وحال غالية في الجزء 30
              .
              ففي حال فاطمة (ج29):
              لم يغمض لفاطمة جفن تلك الليلة، فقد كان خيال الوسيم البطل يحاصرها. (...)
              كان قلبها منشرحا و هي تتفرس في وجهه المشرق و قد زاده خيالها إشراقا.
              كانت تحس بألم جميل و هي تسترجع صورته في الجبل و أمام باب السقيفة.
              لا تدري فاطمة أنامت تلك الليلة أم لم تنم
              فقد انتبهت على صوت غالية يوقظها.

              أما اليوم (ج30) فستنتبه غالية نفسها على صوت فاطمة يوقظها:
              -خالتي خالتي, هل أُعقّم أدواتِ التمريض؟
              انتبهت غالية على صوت فاطمة,فتحت عينيها محاولة استكشاف المكان
              فقد غطت في نوم عميق البارحة مُتعَبةً مُرهَقة. نعم هذه فاطمة تتوسط الغرفة,
              غرفتها التي يشاركها فيها زوجها سي الطاهر.لكن أين هو؟ استوت في جلستها
              و تذكّرت ما حدث من أيام (...)

              هذا التوازي والتساوق يكاد يكون المحرك الأساسي لأحداث الرواية اليومية
              (وإن التقى كثيرا مع أحداثها النضالية). ولعل عمود هذا التوازي ومحوره هي
              الخالة محبوبة. فهي في الجزء (29) تعلن زفاف ابنة أخيها اليتيمة كي تعلن
              وجود سي الطاهر والطبيب في دارها، لكنها اليوم زارت غالية في المستوصف
              وحين داعبتها غالية:
              أليس اليوم عرس ابنة أخيك؟
              أجابت العجوز:
              نعم نعم جئتك في أمر مستعجل, تعالي إلى بيتي بعد ربع ساعة فقد
              استجدت أمور مفاجِئة.
              قالت الخالة محبوبة هذا وَأسرعت الخطى و كأنها بنت العشرين.

              واستُثْمر هذا التوازي في رفع حدّة التوتر مع نهاية الفصل ولينتظر القارئ مع غالية الفصل القادم.

              تعليق

              • محمد شهيد
                أديب وكاتب
                • 24-01-2015
                • 4295

                أتابع معكم حلقات الرواية بحضور (tandem) الكتابة: المنيرة في التأليف و الهويمل في التعريف.

                و سوف أعود بمشيئة الله إلى التعليق عن بعض ما ورد هنا و هناك.

                تحياتي الخالصة لكل القراء الذين سجلوا اسمهم مارين من هنا.

                مودتي

                م.ش

                تعليق

                • محمد فهمي يوسف
                  مستشار أدبي
                  • 27-08-2008
                  • 8100

                  التدقيق

                  المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة

                  Vive la classe
                  فيف لاكلاس
                  رواية في أجزاء
                  بقلم
                  منيرة الفهري

                  الثلاثـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــون

                  السابق:
                  لم تعلّق فاطمة و لكن غالية سألت الخالة محبوبة عن سبب هذا العرس المفاجئ، و لماذا اختارت هذا التوقيت بالذات. و سي الطاهر و الطبيب اللذان يلوذان في بيت الخالة محبوبة، ما مصيرهما؟
                  ردّت محبوبة متجاهلة السؤال الأخير: إن ابنة أخيها يتيمة الأم و قد أرادت أن تعوّضَها ذلك اليتم في يوم فرحها و تقوم بالواجب و تزفها من بيتها.
                  لم ينطل كل هذا على غالية و لا على فاطمة وفهمتا أنّ في الأمر سرّا ستكشفه الأيام

                  الثلاثــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــون

                  -خالتي خالتي, هل أُعقّم أدواتِ التمريض؟
                  انتبهت غالية على صوت فاطمة, فتحت عينيها محاولة استكشاف المكان فقد غطت في نوم عميق البارحة مُتعَبةً مُرهَقة. نعم هذه فاطمة تتوسط الغرفة, غرفتها التي يشاركها فيها زوجها سي الطاهر. لكن أين هو؟ استوت في جلستها و تذكّرت ما حدث من أيام: فقيادات المستعمر الفرنسي تفطنوا إلى دوره و الطبيب "سي محمد علي" في المقاومة و هم يبحثون عنهما الآن. أما الحكيم فهو متخفي قريبا منها لكنها لا تستطيع رؤيته حفظا على سلامته و سلامة صديقه.
                  قالت غالية: أين إخوتك؟
                  -نائمون على الدكانة كالعادة, كانت عزيزة البارحة تشكو حمّى مفاجئة لم أشأ أن أشغلك و أعطيتها حبّةَ "كينا" و هي الآن أحسن حالا.
                  -حسنا فعلتِ فقد كنتُ جدّ منهكة, شكرا يا ابنتي.
                  -لمْ تقولي لي يا خالتي هل أعقّم أدوات التمريض؟ هل سنفتح المستوصف اليوم؟
                  -طبعا و لمَ لا نفتحه؟ سأتولّى استقبال المرضى وَ أرى ما أستطيع فعله.
                  خرجت فاطمة من الغرفة و بيدها مفتاح المستوصف. بدأ الصبح ينبلج و بدأت الحركة تدب في القرية الهادئة. أصوات غريبة تنبعث من الغرفة الداخلية من المستوصف. ارتعدت فاطمة و خافت و هي تذكر ما حصل من أشهر بعد حادثة غرق حياة ابنة الخالة محبوبة. أمازالت روح حياة هنا؟ ماذا أفعل يا ربي؟ تقدمت ثم أحجمت, و كادت تخرج هلعة من المستوصف لكنها تشجعت و تقدمت ببطء و حذر تتبع الصوت. فتحت باب الغرفة و ضحكت بصوت عال فقد كانت هناك قطة و معها صغارها حديثو الولادة. تركت فاطمة الباب مفتوحا و لكن الهرة لم تتحرك من مكانها و بقيت تلعق صغارها غير مبالية بنظرات فاطمة و لا بدخولها الغرفة.
                  بدأ المرضى يتوافدون على المستوصف و قد استقبلتهم الخالة غالية بمئزر سي الطاهر. سمعت شكوى كل واحد منهم و ضمّدت جراح الولد الصغير و أعطت العجوز حبة "كينا" و ربطت مشدات على ساق البنت التي التوى كاحلُها ثمّ صبّت غالية فوقها كحولا طبيا. أما باقي المرضى فقد أرجأت علاجهم إلى حين يأتي سي الطاهر الذي ذهب إلى العاصمة لقضاء حاجة مستعجلة و سيعود قريبا بإذن الله حسب ما روته لهم الخالة غالية.
                  علّقت المئزر وَهمّت بالخروج من المستوصف لكن صوت الخالة محبوبة أوقفها.
                  قالت غالية مداعبة: أليس اليوم عرس ابنة أخيك؟
                  أجابت العجوز: نعم نعم جئتك في أمر مستعجل, تعالي إلى بيتي بعد ربع ساعة فقد استجدت أمور مفاجِئة.
                  قالت الخالة محبوبة هذا وَأسرعت الخطى و كأنها بنت العشرين.
                  أما غالية فقد خفق قلبها و ارتعشت أوصالها و بقيت تفكر حائرة: ماذا هناك يا ترى؟ هل أصاب سي الطاهر مكروه لا سمح الله؟
                  سقط المفتاح من يدها و هي تغلق المستوصف مرتجفة مضطربة.

                  يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

                  التدقيق
                  متخف
                  بدلا
                  من
                  متخفي
                  و
                  بلى
                  بدلا
                  من
                  نعم
                  ===

                  تعليق

                  • محمد شهيد
                    أديب وكاتب
                    • 24-01-2015
                    • 4295

                    مرحبا،

                    من المتحدث في الرواية و قد تعددت الشخصيات و تشابكت الأحداث و تداخلت الأصوات؟ هل تعدد الأصوات نقلاً بأسلوب المتكلم المباشر يوحي إلى القاريء أن نسخة التاريخ المحكي هي النسخة الأصلية للأحداث كما خرجت من أفواه الشخصيات؟ أم أن الصوت الطاغي على الرواية هو صوت المؤلف ذاته الذي يستعير أصوات الشخصيات لخدمة قضيته؟ عند الفيلسوف ميخائيل باختين، يعتبر تعدد الأصوات داخل الرواية الواحدة تقنية سردية قديمة كقدم التاريخ المحكي. يعبر عنها تارة بمفهوم polyphony و تارة بمفهوم dialogism و قد تراكمت الأمثلة المستوحاة من الأدب الروس (دوستيوفسكي مثلا) و الفرنسي (بالزاك، رابليه..) و الاسباني (أصوات دون كيشوط عند سيربانتيس)… حيث يرى باختين أن تعدد الأصوات داخل الرواية الواحدة من شأنه أن يتخذه المؤلف ذريعة سردية تضمن له الابقاء على نوع من الفكر المحايد neutrality عوض السقوط قي فخ النظرة الأحادية المستحوذة على رواية الأحداث من منظور واحد ضيق بصوت واحد monophonic أو monologic

                    لذلك نجد أن المتتبع لأحداث رواية (فيف لاكلاس - مع تحفظي على العنوان قد أعود إليه في حينه) يستمع إلى الحكاية بأصوات متعددة أتت على لسان كل شخصية بأسلوبها الخاص و لكنتها بحسب مكانتها الاجتماعية و مستواها الثقافي و دورها داخل الحبكة…مما يقرب المشهد إلى المتلقي و يقلص من عبء الراوي بفضل تقنية تعدد الأصوات عملياً، كما عند ميخائيل باختين نظرياً.

                    م.ش.
                    التعديل الأخير تم بواسطة محمد شهيد; الساعة 03-10-2023, 08:29.

                    تعليق

                    • منيره الفهري
                      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                      • 21-12-2010
                      • 9870

                      السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
                      الأساتذة الأجلاء
                      الهويمل أبو فهد
                      محمد فهمي يوسف
                      المختار محمد الدرعي
                      محمد شهيد
                      و كل من قرأ و أعجب و تابع و ترك كلمة تفيدني في كتابة الرواية
                      شكرااا من القلب
                      و سانشر الجزء الموالي قريبا بإذن الله.
                      و كل عام و أنتم بألف خير

                      تعليق

                      يعمل...
                      X