المشاركة الأصلية بواسطة الهويمل أبو فهد
مشاهدة المشاركة
نعم يا عزيزتي سلمى الجابر. وأستغل سؤالك لأبين رأيي في عجالة.
تبادل الرواة على السرد قيمة روائية مهمة. والراوي المتحكم (omniscient) في روايتنا هذه هو المؤلف (السيدة منيرة الفهري). وقد استثمرت جيدا في شخصية (الخالة غالية). فما نعرفه عنها وما تخبرنا به نأخذه على أنه حقيقة مطلقة لأننا نعرف أنها على اطلاع على الأحداث لقربها منها ومن الفاعلين في سيرها، وهي أحداث خطيرة عرَضَها الراوي المتحكم منذ البداية. لا شيء يدعو القارئ للتشكيك في اطلاع غالية عليها. الآن، عندما غاب سي الطاهر (ج7, ج8، ج9 وإشارات أخرى بعد هذه الأجزاء الأساسية)، ماذا نجد؟ مصدرنا الوحيد هو ردة فعل غالية، وهي ردة فعل وهبها الرواي المتحكم مساحة واسعة (3 أجزاء) كلها خوف ورعب انعكست جسديا وعاطفيا على مصدر معلوماتنا. فمثلا في الجزء السابع، يقول "الراوي المتحكم":
(ج 7) لم تدر [غالية] كم من الوقت مر و هي على هذه الحالة [حالة قلقها لغياب سي الطاهر]، انتبهت
على صياح الديكة منبئة بفجر جديد. لم يأت سي الطاهر، و اليوم هو الثلاثاء، الموعد الأسبوعي لقدوم
الطبيب، ماذا لو لم يأت زوجها؟ ماذا عن المستوصف، و المرضى؟ و الطبيب؟ ماذا ستقول له عن غياب
سي الطاهر؟
توضأت و صلت و دعت الله أن يكون هذا اليوم هو يوم ستر و بركة و خرجت للمطبخ الصغير في الركن
الأيمن من الحوش و أشعلت البابور و بدأت تحضر فطور الصباح
طلع النهار و سي الطاهر لم يأت من الجبل ... فاليوم موعد الطبيب الأسبوعي ...
على صياح الديكة منبئة بفجر جديد. لم يأت سي الطاهر، و اليوم هو الثلاثاء، الموعد الأسبوعي لقدوم
الطبيب، ماذا لو لم يأت زوجها؟ ماذا عن المستوصف، و المرضى؟ و الطبيب؟ ماذا ستقول له عن غياب
سي الطاهر؟
توضأت و صلت و دعت الله أن يكون هذا اليوم هو يوم ستر و بركة و خرجت للمطبخ الصغير في الركن
الأيمن من الحوش و أشعلت البابور و بدأت تحضر فطور الصباح
طلع النهار و سي الطاهر لم يأت من الجبل ... فاليوم موعد الطبيب الأسبوعي ...
و برباطة جأش استقبلت سي محمد علي الطبيب مفسرة غياب سي الطاهر بأنه يشكو حمى مفاجئة و قد
أعطته حبة كينا وأشارت عليه بالراحة في البيت.
أعطته حبة كينا وأشارت عليه بالراحة في البيت.
استغرب الطبيب من هذا الأمر لكنه لم يعلق على الأمر خاصة و أنه وجد كل شيء مرتبا و المرضى بانتظاره
و سير عمل المستوصف لم يتأثر بغياب الممرض.
تنفست الخالة غالية الصعداء و هي تسجل بخط رديء ما يمليه عليها سي محمد علي بعد فحص أول مريض
هذا اليوم.
و سير عمل المستوصف لم يتأثر بغياب الممرض.
تنفست الخالة غالية الصعداء و هي تسجل بخط رديء ما يمليه عليها سي محمد علي بعد فحص أول مريض
هذا اليوم.
قبل (ج16 و ج17)، قبلنا "كذبتها" البيضاء للضرورة وتعاطفنا معها لأنها تحافظ على سرّية العمل الخطير وأنها في محنة لها تأثيرها على الأشخاص وعلى مستقبل الأسرة. استمر هذا الوضع في الجزء الثامن الذي يزيد من حدة المحنة وتصاعدها:
(ج 8) آه، تذكرت غياب سي الطاهر الذي لم تجد له تفسيرا، يوم و ليلة و هو في الجبل و لا تعرف عنه
شيئا و لا يحق لها أن تسأل أي أحد من شباب القرية خشية ان يسري خبر غيابه. ...
شيئا و لا يحق لها أن تسأل أي أحد من شباب القرية خشية ان يسري خبر غيابه. ...
و اعتكفت في المكسورة تفكر في هذا المصاب الذي حل بها.
ماذا لو حدث شيء لسى الطاهر عشيرها، لا سمح الله. كيف سيعيشون من دونه و ماذا سيأكلون. من
المستحيل أن يتركها المقيم الفرنسي تعمل بالمستوصف
ماذا تفعل لو حدث مكروه لزوجها لا قدر الله، كيف ستعيل أبناءها؟ حتى المبلغ الكبير الذي كان يحتفظ
به سي الطاهر في "السدة" للأيام العصيبة نفد من أيام ، فقد كان سي الطاهر حريصا على أن يقيم
مأدبات العشاء المكلفة لأعيان القرية ليشحذ وعيهم بالقضية. أطلقت زفرة عميقة و هي تذكر كيف كان
أعيان البلد يأكلون و يتغامزون و قد نبهت سي الطاهر لذلك، لكنه لم يسمعها...
ماذا لو حدث شيء لسى الطاهر عشيرها، لا سمح الله. كيف سيعيشون من دونه و ماذا سيأكلون. من
المستحيل أن يتركها المقيم الفرنسي تعمل بالمستوصف
ماذا تفعل لو حدث مكروه لزوجها لا قدر الله، كيف ستعيل أبناءها؟ حتى المبلغ الكبير الذي كان يحتفظ
به سي الطاهر في "السدة" للأيام العصيبة نفد من أيام ، فقد كان سي الطاهر حريصا على أن يقيم
مأدبات العشاء المكلفة لأعيان القرية ليشحذ وعيهم بالقضية. أطلقت زفرة عميقة و هي تذكر كيف كان
أعيان البلد يأكلون و يتغامزون و قد نبهت سي الطاهر لذلك، لكنه لم يسمعها...
دخلت فاطمة المكسورة تسأل الخالة غالية إن كانت تريد شيئا قبل أن تنام هي و الأطفال. أشارت لها
غالية أن تقترب و أجلستها على ركبتها ثم احتضنتها بشدة و بكت بكاء مرا
غالية أن تقترب و أجلستها على ركبتها ثم احتضنتها بشدة و بكت بكاء مرا
كل هذه الأفكار تجعل تعاطف القارئ قويا مع غالية ويشعر بما تعانية من ثقل المسئولية وقلة حيلتها. ولمفاقمة المحنة نجدها في الجزء التاسع تبوح بعظم المأساة:
(ج 9) لم تغمض عينيها تلك الليلة، و لم تعرف طعم النوم و هي تتقلب حينا و تنهض حينا لتتفقد
الأطفال على الدكانة.
فجأة و دون سابق إنذار و في يوم و ليلة انقلبت حياتها من امرأة سعيدة بما تقدمه لعائلتها و وطنها،
إلى مسؤولة حائرة تتملكها الهواجس و الأفكار السوداء.
بان فجر اليوم الثاني و سي الطاهر لم يظهر بعد و الهدوء يخيم على المكان و كأنه الهدوء الذي يسبق
العاصفة. نهضت غالية، وصلت الفجر و دعت أن يكون زوجها على أحسن حال و ألّا يطول غيابه.
ابتسمت فاطمة و أرادت أن تسألها إن استجدت أخبار عن سي الطاهر، لكنها أحجمت حتى لا تثير
المواجع. ...
الأطفال على الدكانة.
فجأة و دون سابق إنذار و في يوم و ليلة انقلبت حياتها من امرأة سعيدة بما تقدمه لعائلتها و وطنها،
إلى مسؤولة حائرة تتملكها الهواجس و الأفكار السوداء.
بان فجر اليوم الثاني و سي الطاهر لم يظهر بعد و الهدوء يخيم على المكان و كأنه الهدوء الذي يسبق
العاصفة. نهضت غالية، وصلت الفجر و دعت أن يكون زوجها على أحسن حال و ألّا يطول غيابه.
ابتسمت فاطمة و أرادت أن تسألها إن استجدت أخبار عن سي الطاهر، لكنها أحجمت حتى لا تثير
المواجع. ...
و كالعادة تساءل بعضهم عن غياب الحكيم؛ و كالعادة أجابت غالية إنه مريض في البيت.
و لكن إلى متى سيصدق الأهالي مرض سي الطاهر؟
يا رب، يا رب، كن عوني و لا تخذلني و رد لي زوجي سالما،
أطلقت زفرة عميقة، ثم ابتسامة عريضة و نادت أول مريض.
ماذا لو جاء الجندرمة و وجدوها تفحص المرضى عوضا عن زوجها؟ أكيد سيكتشفون الأمر
و لكن إلى متى سيصدق الأهالي مرض سي الطاهر؟
يا رب، يا رب، كن عوني و لا تخذلني و رد لي زوجي سالما،
أطلقت زفرة عميقة، ثم ابتسامة عريضة و نادت أول مريض.
ماذا لو جاء الجندرمة و وجدوها تفحص المرضى عوضا عن زوجها؟ أكيد سيكتشفون الأمر
هذه التصرفات التي تنذر بكارثة تجعل غالية قريبة من القارئ وتشحنه بالتعاطف مع محنتها. لكنه بعد الجزء السادس عشر يفرغ غضبه على الراوي المتحكم الذي يعلم النتيجة لكنه تلاعب بعواطف الشخصية (غالية) والقارئ على حد سواء. الراوي الذي لا يعتمد عليه (غالية هنا) لا ذنب له، فهو لا يعرف ما يعرفه المتحكم، بل جاءت ردة فعله متوقعة ومنطقية وهذه الصفات هي ما خدعت القارئ وجعلت تعاطفه مع غالية يتصاعد بالحدة نفسها. لهذا، كانت غالية القابس الذي شحذ عواطف القارئ ووحّد عاطفيا بين الشخصية والقارئ.
لم أكن أتصور أن تعليقي البسيط و تساؤلي سيثيران كل هذه القراءة الثرية
فقد بينتم لي الكثير من الأحداث التي تجول في فكري دون جواب
أتابع تعليقاتك كلها أستاذ الهويمل
تعليق