فيف لاكلاس/الثلاثون/ منيرة الفهري

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • منيره الفهري
    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
    • 21-12-2010
    • 9870

    فيف لاكلاس
    رواية في أجزاء
    بقلم
    منيرة الفهري

    الجزء السابع عشر


    وصل الشيخاوي و معه الطبيب و قد رُبط الحصان في شجرة على مقربة من مكمن الفلاقة، تقدم سي محمد علي و قلبه يخفق بشدة، فهو لم يسمع صوتا منذ أن ترجل هو و الشيخاوي عن الحصان. ماذا هناك يا ترى؟ ماذا لو حدث مكروه للحكيم لا قدر الله؟ تنحنح بوجمعة و هو يستقبل الطبيب و يشير له إلى مكان سي الطاهر الذي كان مستلقيا هناك في آخر المغارة. جرى الطبيب و انحنى على الحكيم ليفحصه أو على الأقل ليفهم ماذا حصل، فلم ير ذلك الرجل الهمام الذي روّع الجندرمة الفرنسيس في عديد المرات, لكنه رأى رجلا خائر القوى، غائر العينين لا يقوى على الحراك و هو ينزف بشدة. فتح سي محمد علي حقيبته و بدأ بتضميد جراح الحكيم و في قلبه وجع و خوف كبيران على هذا المريض الذي لم يكن فقط ممرض القرية الذي يزورها كل أسبوع, بل كان صديقه المقرب منذ أن انخرط معه في المقاومة و كان يتلقى منه التعليمات من حين لآخر فيطبقها بحذافيرها. لم ينتبه الطبيب إلى هذا الجمع الكبير من الرجال الذين أحاطوا بالحكيم و هم واجمون لا يتكلمون ينتظرون سير عملية الإنقاذ و هم يرتجفون خوفا على قائدهم الذي عرفوه جبلا لا تزعزعه الرياح. ماذا لو انهار هذا الجبل؟ كيف سيواصلون المقاومة من دونه؟
    أشار الطبيب لـ(بوجمعة) أن يساعده في تحريك الحكيم, فهب الجميع يريدون المساعدة، نظر إليهم الطبيب و لسان حاله يقول، ما أروعكم يا رجال الجبل، تأكدوا أنني سأفعل ما بوسعي حتى ننقذ حبيبنا و قائدنا الحكيم.
    مسك الشيخاوي رأس المريض ليسمح للطبيب أن يعطيه الدواء الذي أذيب في نصف كوب ماء. ثم حقنه في ذراعه و أخيرا أعطاه حبة الكينة العجيبة، هذا بعد أن ضمد جراح جنبه الأيسر.
    جلس سي محمد علي على مقربة من المريض و قال مخاطبا الرجال: حالة الحكيم حرجة لأنه خسر الكثير من دمه، و قد فعلت كل ما أقدر عليه و على الله الشفاء بإذنه تعالى، و سأبقى معه الليلة، و ليوفقنا الله.
    لم يعقب أحد على كلام الطبيب بل واصلوا الوجوم و الحزن باد على محيا كلٍّ منهم.
    لا يعرف سي محمد علي كم بقي بجانب الحكيم لأنه غفا من تعبه، و عندما استيقظ سمع الحكيم يطلب ماء. لم يصدق أن مريضه يستطيع الكلام, فنظر حوله. الرجال على مقربة منهما يغطّون في نومهم, و بالفعل فقد تكلم سي الطاهر. اقترب منه الطبيب قائلا حمدا لله على سلامتك يا حكيم، سيعدّ لك أحد الرجال ماء دافئا مع نعناع لأن الماء البارد مضر في حالتك.
    لم يستطع الحكيم الكلام مرة أخرى و غاب عن الوعي.
    أيقظ الطبيب الرجال ليساعدوه و حقنه مرة أخرى و حاول إعطاءه جرعات ساخنة من "تيزانة" أعدّها بوجمعة. تنفس سي محمد علي الصعداء— فهذا مؤشر طيب لحالة المريض العزيز عليهم كلهم و أشار على الرجال أن يدثروه أكثر حتى يتعرق.
    نظر إلى الحكيم و هو يتحرك ببطء و يحاول أن يقول شيئا مشيرا بيديه الاثنتين. اقترب منه، لكن سرعان ما فهم أنها محاولة من المريض أن ينهض فمسك يده و طمأنه أنه سينهض خلال يوم أو يومين و أن عليه الراحة الآن. كان الطبيب يمسك بيد الحكيم اليمنى و استرعى انتباهه هذا الوشم الذي يعرفه جيدا و قد كُتب على ظهر يده بالفرنسية
    Vive la classe
    و هي عبارة كانت تُستعمل من قبل الجنود عندما يقومون بمهمتهم على أكمل وجه.
    و تذكر "معركة الجبل الضارية" و قبلها بسويعات كان الحكيم يجتمع بهم ليعطيهم التعليمات و كان هو بينهم. تذكر كيف صاح القائد الحكيم في وجه بعض الرجال:
    مالكم أيها الرجال ، ألاحظ أن البعض لم يعد متحمسا كالعادة
    تذكروا الوشم على أيدينا
    فيف لاكلاس
    و هذا الالتزام الذي التزمناه أمام الله و أمام الوطن بأن نتخلص من العدو الجاثم على صدورنا و كانت عبارة فيف لاكلاس كلمة السر بيننا حتى لا يستطيع أي أحد التسلل بيننا و يثنينا عن عزمنا.
    و صاح فيهم بقوة
    فيف لاكلاس
    فردد الجميع بحماس شديد
    فيف لاكلاس
    فيف لاكلاس
    تذكر الطبيب هذا و سرت رعشة في جسمه فأطبق قبضة كفه على يد الحكيم داعيا له بالشفاء العاجل، ثم أخذ مقياس الحرارة من حقيبته, فقد ارتفعت
    حرارة الحكيم جدا.


    يتبع

    تعليق

    • م.سليمان
      مستشار في الترجمة
      • 18-12-2010
      • 2080

      يعيش الرفاق، رفاق السلاح...
      فلا عاش في تونس من خانها *** ولا عاش من ليس من جندها

      أتابع بشغف.
      شكرا على المقاسمة الجميلة، الأديبة القديرة : أ. منيرة الفهري
      sigpic

      تعليق

      • ناريمان الشريف
        مشرف قسم أدب الفنون
        • 11-12-2008
        • 3454

        سلام عليك أيتها الغالية
        في هذا الجزء، تصورتُ المشهد بكل ما يحتويه من إحساس بالمرارة على ما أصاب القائد من جرح جعل دمه ينزف بشكل كبير، وهذا يدل على دقة الوصف والتصوير، وبذات الوقت زال القلق قليلاً عن سي الطاهر ويبدو أن الأجزاء القادمة حبلى بالمشاهد التي تحمل تفانياً كبيراً من الرجال الذين ذكرهم سي طاهر بـِ _ فيف لاكلاس _ وكأنه يذكرهم بالعهد المنقوش على أيديهم للاستمرار في المقاومة حتى النصر ..وبذلك تكونين أزحت الستار عن اللغز الذي بدا منذ البدء والسؤال الذي طرحته بشأن هذا المصطلح ..
        يعطيك العافية وشكراً لقلمك الأغر
        أخيراً
        أرجو أن تتقبلي هذه الملاحظة : أرجو تصويب
        مستلق ، لتصبح ( مستلقياً )
        أحاطوا الحكيم ، ( أحاطوا بالحكيم )
        الإثنتين ( الاثنتين )
        دمت بألف خير وأعانك الله على تسطير ما بقي من أحداث هذه الرواية التي أخذتني معها إليكم حيث تونس الخضراء
        وأعاننا الله على الانتظار
        شكراً أيتها الكابتة البارعة
        ولك المحبة حتى ترضي ... ناريمان
        sigpic

        الشـــهد في عنــب الخليــــل


        الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

        تعليق

        • منيره الفهري
          مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
          • 21-12-2010
          • 9870

          المشاركة الأصلية بواسطة م.سليمان مشاهدة المشاركة
          يعيش الرفاق، رفاق السلاح...
          فلا عاش في تونس من خانها *** ولا عاش من ليس من جندها

          أتابع بشغف.
          شكرا على المقاسمة الجميلة، الأديبة القديرة : أ. منيرة الفهري
          و تسعدني متابعتك للرواية
          و تعطيها معنى جميلا
          الأستاذ القدير م.سليمان
          سعيدة و جدااا بهذا الحضور الراقي.

          تعليق

          • محمد فهمي يوسف
            مستشار أدبي
            • 27-08-2008
            • 8100

            المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
            فيف لاكلاس
            رواية في أجزاء
            بقلم
            منيرة الفهري

            الجزء السابع عشر


            وصل الشيخاوي و معه الطبيب و قد رُبط الحصان في شجرة على مقربة من مكمن الفلاقة، تقدم سي محمد علي و قلبه يخفق بشدة، فهو لم يسمع صوتا منذ أن ترجل هو و الشيخاوي عن الحصان. ماذا هناك يا ترى؟ ماذا لو حدث مكروه للحكيم لا قدر الله؟ تنحنح بوجمعة و هو يستقبل الطبيب و يشير له إلى مكان سي الطاهر الذي كان مستلقيا هناك في آخر المغارة. جرى الطبيب و انحنى على الحكيم ليفحصه أو على الأقل ليفهم ماذا حصل، فلم ير ذلك الرجل الهمام الذي روّع الجندرمة الفرنسيس في عديد المرات, لكنه رأى رجلا خائر القوى، غائر العينين لا يقوى على الحراك و هو ينزف بشدة. فتح سي محمد علي حقيبته و بدأ بتضميد جراح الحكيم و في قلبه وجع و خوف كبيران على هذا المريض الذي لم يكن فقط ممرض القرية الذي يزورها كل أسبوع, بل كان صديقه المقرب منذ أن انخرط معه في المقاومة و كان يتلقى منه التعليمات من حين لآخر فيطبقها بحذافيرها. لم ينتبه الطبيب إلى هذا الجمع الكبير من الرجال الذين أحاطوا بالحكيم و هم واجمون لا يتكلمون ينتظرون سير عملية الإنقاذ و هم يرتجفون خوفا على قائدهم الذي عرفوه جبلا لا تزعزعه الرياح. ماذا لو انهار هذا الجبل؟ كيف سيواصلون المقاومة من دونه؟
            أشار الطبيب
            لِ (بُوجُمْعَةِ) أن يساعده في تحريك الحكيم, فهب الجميع يريدون المساعدة، نظر إليهم الطبيب و لسان حاله يقول، ما أروعكم يا رجال الجبل، تأكدوا أنني سأفعل ما بوسعي حتى ننقذ حبيبنا و قائدنا الحكيم.
            مسك الشيخاوي رأس المريض ليسمح للطبيب أن يعطيه الدواء الذي أذيب في نصف كوب ماء. ثم حقنه في ذراعه و أخيرا أعطاه حبة الكينة العجيبة، هذا بعد أن ضمد جراح جنبه الأيسر.
            جلس سي محمد علي على مقربة من المريض و قال مخاطبا الرجال: حالة الحكيم حرجة لأنه خسر الكثير من دمه، و قد فعلت كل ما أقدر عليه و على الله الشفاء بإذنه تعالى، و سأبقى معه الليلة، و ليوفقنا الله.
            لم يعقب أحد على كلام الطبيب بل واصلوا الوجوم و الحزن باد على محيا كلٍّ منهم.
            لا يعرف سي محمد علي كم بقي بجانب الحكيم لأنه غفا من تعبه، و عندما استيقظ سمع الحكيم يطلب ماء. لم يصدق أن مريضه يستطيع الكلام, فنظر حوله. الرجال على مقربة منهما يغطّون في نومهم, و بالفعل فقد تكلم سي الطاهر. اقترب منه الطبيب قائلا حمدا لله على سلامتك يا حكيم، سيعدّ لك أحد الرجال ماء دافئا مع نعناع لأن الماء البارد مضر في حالتك.
            لم يستطع الحكيم الكلام مرة أخرى و غاب عن الوعي.
            أيقظ الطبيب الرجال ليساعدوه و حقنه مرة أخرى و حاول إعطاءه جرعات ساخنة من "تيزانة" أعدّها بوجمعة. تنفس سي محمد علي الصعداء— فهذا مؤشر طيب لحالة المريض العزيز عليهم كلهم و أشار على الرجال أن يدثروه أكثر حتى يتعرق.
            نظر إلى الحكيم و هو يتحرك ببطء و يحاول أن يقول شيئا مشيرا بيديه الإثنتين. اقترب منه، لكن سرعان ما فهم أنها محاولة من المريض أن ينهض فمسك يده و طمأنه أنه سينهض خلال يوم أو يومين و أن عليه الراحة الآن. كان الطبيب يمسك بيد الحكيم اليمنى و استرعى انتباهه هذا الوشم الذي يعرفه جيدا و قد كُتب على ظهر يده بالفرنسية
            Vive la classe
            و هي عبارة كانت تُستعمل من قبل الجنود عندما يقومون بمهمتهم على أكمل وجه.
            و تذكر "معركة الجبل الضارية" و قبلها بسويعات كان الحكيم يجتمع بهم ليعطيهم التعليمات و كان هو بينهم. تذكر كيف صاح القائد الحكيم في وجه بعض الرجال:
            مالكم أيها الرجال ، ألاحظ أن البعض لم يعد متحمسا كالعادة
            تذكروا الوشم على أيدينا
            فيف لاكلاس
            و هذا الالتزام الذي التزمناه أمام الله و أمام الوطن بأن نتخلص من العدو الجاثم على صدورنا و كانت عبارة فيف لاكلاس كلمة السر بيننا حتى لا يستطيع أي أحد التسلل بيننا و يثنينا عن عزمنا.
            و صاح فيهم بقوة
            فيف لاكلاس
            فردد الجميع بحماس شديد
            فيف لاكلاس
            فيف لاكلاس
            تذكر الطبيب هذا و سرت رعشة في جسمه فأطبق قبضة كفه على يد الحكيم داعيا له بالشفاء العاجل، ثم أخذ مقياس الحرارة من حقيبته, فقد ارتفعت
            حرارة الحكيم جدا.


            يتبع
            متابعة التدقيق االلغوي ، مع الاستمتاع بالسرد الروائي المبهر للأديبة الأستاذة منيرة الفهري
            بعد أن أدركتُ سر لغز تسمية الرواية ( وكاد يكون مع تواصل جهاد تونس الشامخة ضد الجندرمة )
            ونهايته النصر ــ عقدة الأحداث المتنامية الصاعدة ــ في الرواية ، ليتأتي الحل بعدها ليسرح الخيال
            في أبعاده التالية وما وراءها من تصورات لدي القاريء المتابع لها .
            نقطة واحدة في المراجعة والتدقيق اللغوي لأسلوب القص العربي السليم لكاتبة ماهرة استفادت كثيرا
            من توجيهات ونصائح تذكرها لدراسة اللغة العربية الفصحى فتلاشت الهفوات الهينة التي كانت تسقط منها
            سهوا لا عمدا وترسخت أهمية المران على لغة هي قديرة بها في مجال الترجمة التي تقلدت قسمها بجدارة
            المقدرة والموهبة البارعة لهذا الباب بالذات .
            نقول على سبيل الحكاية الأسماء التي تعارف الناس على أسمائها فأصبحت كالأعلام من الأسماء :
            على سبيل المثال لا الحصر : أُعْجِبْتُ بنادي ( المقاولون العرب ) في مباراة الأمس .
            هنا : تقع كلمة / نادي بعد ( باء الجَرِّ ) فهي مجرورة بكسرة مقدرة على الياء الساكنة في آخرها
            وهي أيضا مع ذلك : تقع مُضَافةً إلى ما بعدها وهي كلمة ( المقاولون ) فكان الصواب أن نقول : نادي المقاولين !!
            لكننا تعارفنا على اسم النادي أنه ( نادي المقاولون ) كعلم بين الأندية الكروية الأخرى ، فلزم أن تضعه بين قوسين
            حتى لا يشك القاريء أننا لا نعرف العربية الفصحى السليمة لكتابته !!
            هذا ما حدث في الخطأ اللغوي الذي لحظته في هذا الفصل السابع عشر من رواية / فيف لاكلاس
            فقمت بتصويبه حسب فهمي المتواضع لاسم ( بوجمعة ) هل هو / أبو جمعة أو ( بوجمعة ) وقد
            سبقته لام الجر للاسم بعده .؟ وفي الحالتين : أرى الصواب اللغوي هو فصله بين قوسين بعد لا الجر
            لأننا نقول : فقلت لأبي بكر وليس لأبو بكر ................ والله أعلم

            تعليق

            • المختار محمد الدرعي
              مستشار أدبي. نائب رئيس ملتقى الترجمة
              • 15-04-2011
              • 4257

              حلقة مميزة
              بلغ فيها النضال ضد المستعمر ذروته
              حيث جرح الحكيم و أشرف على الهلاك
              شكرا مبدعتنا المنيرة
              ننتظر الحلقة القادمة
              [youtube]8TY1bD6WxLg[/youtube]
              الابتسامة كلمة طيبة بغير حروف



              تعليق

              • محمد فهمي يوسف
                مستشار أدبي
                • 27-08-2008
                • 8100

                جزاك الله خيرا أستاذ المختار محمد الدرعي
                فعلا الرواية وصلت للحبكة والعقدة لتباشير الحل والخاتمة
                نأمل أن تأتي بخير وتتيح فرصة للسعادة بانتصار تونس على الجندرمة الفرنسيين كما حدث في واقع التاريخ المشرف
                لنضال أبطالها على أرض الحقيقة وفي الرواية على أرض الخيال القصصي الإبداعي للأستاذة منيرة الفهري.
                تحياتي

                تعليق

                • الهويمل أبو فهد
                  مستشار أدبي
                  • 22-07-2011
                  • 1475

                  المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
                  فيف لاكلاس
                  رواية في أجزاء
                  بقلم
                  منيرة الفهري

                  الجزء السابع عشر


                  وصل الشيخاوي و معه الطبيب و قد رُبط الحصان في شجرة على مقربة من مكمن الفلاقة، تقدم سي محمد علي و قلبه يخفق بشدة، فهو لم يسمع صوتا منذ أن ترجل هو و الشيخاوي عن الحصان. ماذا هناك يا ترى؟ ماذا لو حدث مكروه للحكيم لا قدر الله؟ تنحنح بوجمعة و هو يستقبل الطبيب و يشير له إلى مكان سي الطاهر الذي كان مستلقيا هناك في آخر المغارة. جرى الطبيب و انحنى على الحكيم ليفحصه أو على الأقل ليفهم ماذا حصل، فلم ير ذلك الرجل الهمام الذي روّع الجندرمة الفرنسيس في عديد المرات, لكنه رأى رجلا خائر القوى، غائر العينين لا يقوى على الحراك و هو ينزف بشدة. فتح سي محمد علي حقيبته و بدأ بتضميد جراح الحكيم و في قلبه وجع و خوف كبيران على هذا المريض الذي لم يكن فقط ممرض القرية الذي يزورها كل أسبوع, بل كان صديقه المقرب منذ أن انخرط معه في المقاومة و كان يتلقى منه التعليمات من حين لآخر فيطبقها بحذافيرها. لم ينتبه الطبيب إلى هذا الجمع الكبير من الرجال الذين أحاطوا بالحكيم و هم واجمون لا يتكلمون ينتظرون سير عملية الإنقاذ و هم يرتجفون خوفا على قائدهم الذي عرفوه جبلا لا تزعزعه الرياح. ماذا لو انهار هذا الجبل؟ كيف سيواصلون المقاومة من دونه؟
                  أشار الطبيب لـ(بوجمعة) أن يساعده في تحريك الحكيم, فهب الجميع يريدون المساعدة، نظر إليهم الطبيب و لسان حاله يقول، ما أروعكم يا رجال الجبل، تأكدوا أنني سأفعل ما بوسعي حتى ننقذ حبيبنا و قائدنا الحكيم.
                  مسك الشيخاوي رأس المريض ليسمح للطبيب أن يعطيه الدواء الذي أذيب في نصف كوب ماء. ثم حقنه في ذراعه و أخيرا أعطاه حبة الكينة العجيبة، هذا بعد أن ضمد جراح جنبه الأيسر.
                  جلس سي محمد علي على مقربة من المريض و قال مخاطبا الرجال: حالة الحكيم حرجة لأنه خسر الكثير من دمه، و قد فعلت كل ما أقدر عليه و على الله الشفاء بإذنه تعالى، و سأبقى معه الليلة، و ليوفقنا الله.
                  لم يعقب أحد على كلام الطبيب بل واصلوا الوجوم و الحزن باد على محيا كلٍّ منهم.
                  لا يعرف سي محمد علي كم بقي بجانب الحكيم لأنه غفا من تعبه، و عندما استيقظ سمع الحكيم يطلب ماء. لم يصدق أن مريضه يستطيع الكلام, فنظر حوله. الرجال على مقربة منهما يغطّون في نومهم, و بالفعل فقد تكلم سي الطاهر. اقترب منه الطبيب قائلا حمدا لله على سلامتك يا حكيم، سيعدّ لك أحد الرجال ماء دافئا مع نعناع لأن الماء البارد مضر في حالتك.
                  لم يستطع الحكيم الكلام مرة أخرى و غاب عن الوعي.
                  أيقظ الطبيب الرجال ليساعدوه و حقنه مرة أخرى و حاول إعطاءه جرعات ساخنة من "تيزانة" أعدّها بوجمعة. تنفس سي محمد علي الصعداء— فهذا مؤشر طيب لحالة المريض العزيز عليهم كلهم و أشار على الرجال أن يدثروه أكثر حتى يتعرق.
                  نظر إلى الحكيم و هو يتحرك ببطء و يحاول أن يقول شيئا مشيرا بيديه الاثنتين. اقترب منه، لكن سرعان ما فهم أنها محاولة من المريض أن ينهض فمسك يده و طمأنه أنه سينهض خلال يوم أو يومين و أن عليه الراحة الآن. كان الطبيب يمسك بيد الحكيم اليمنى و استرعى انتباهه هذا الوشم الذي يعرفه جيدا و قد كُتب على ظهر يده بالفرنسية
                  Vive la classe
                  و هي عبارة كانت تُستعمل من قبل الجنود عندما يقومون بمهمتهم على أكمل وجه.
                  و تذكر "معركة الجبل الضارية" و قبلها بسويعات كان الحكيم يجتمع بهم ليعطيهم التعليمات و كان هو بينهم. تذكر كيف صاح القائد الحكيم في وجه بعض الرجال:
                  مالكم أيها الرجال ، ألاحظ أن البعض لم يعد متحمسا كالعادة
                  تذكروا الوشم على أيدينا
                  فيف لاكلاس
                  و هذا الالتزام الذي التزمناه أمام الله و أمام الوطن بأن نتخلص من العدو الجاثم على صدورنا و كانت عبارة فيف لاكلاس كلمة السر بيننا حتى لا يستطيع أي أحد التسلل بيننا و يثنينا عن عزمنا.
                  و صاح فيهم بقوة
                  فيف لاكلاس
                  فردد الجميع بحماس شديد
                  فيف لاكلاس
                  فيف لاكلاس
                  تذكر الطبيب هذا و سرت رعشة في جسمه فأطبق قبضة كفه على يد الحكيم داعيا له بالشفاء العاجل، ثم أخذ مقياس الحرارة من حقيبته, فقد ارتفعت
                  حرارة الحكيم جدا.


                  يتبع
                  الجزء السابع عشر جزء مفصلي في الرواية، ليس فقط من حيث دفع الحبكة وكشف تغلغل المقاومة وتاريخ تأسيسها،
                  بل حتى فنيا. ففي الجزء السادس عشر، رأينا أن "بريق" عيني الشيخاوي بالأمال الكبرى أشار إلى جانب من شخصية
                  الطبيب سي محمد علي، لكن الجزء السابع عشر كشف لنا تاريخ دوره التأسيسي والتزامه بالمقاومة. هذا الكشف المتأخر
                  يجعل القارئ "يسترجع" كثيرا من الأحداث ودور "غالية" في توجيه فهم القارئ وجهة خاطئة، كما يضطر القارئ إلى إعادة
                  حساباته حول غياب سي الطاهر اثناء علاجه الشيخاوي، وكذلك اختيار منزل سي الطاهر عشًا للمستوصف وصلة الوصل
                  بين أفراد المقاومة. وهذا يضيف بعدا إضافيا لتيمة "الأسرة": أسرة سي الطاهر الحقيقية أو أسرة الطاهر المعنوية (المقاومة).
                  لا أستطيع أن أتتبع كل علاقات هذا الجزء بالأجزاء السابقة، لكن بوصفي قارئا "مثاليا" عدت إلى البداية أصحح قراءاتي،
                  لائما غالية إذ قادتني بعيدا (أحيانا) عن المسار الصحيح.

                  ج1
                  يبدو أننا مع قاصة محترفة. فالبداية تشير لما يقتضي التفسير والكشف لاحقا. "العملية" ذات طابع سري
                  وتمت بنجاح لكننا لا نعلم ما هي. المهتمون بالعملية أربعة رجال و سي الطاهر وزوجته. هذا يجعل
                  العملية على جانب كبير من الأهمية. مثل هذه البداية تجعل من التشويق عنصرا مهما، وخير البدايات
                  ما يبدأ في "وسط الأحداث" (in medias res) . فالقارئ لا يعرف ما قبلها ولا ما يترتب عليها
                  لذلك هو يحاول فك أسرار حدث البداية. وعنصر السرية يضاعف التشويق، فالأربعة جاءوا بدون
                  أسماء ولا صفات والمادة التي أحضروها لُفَّت بأكياس وأودعت في بئر. بداية جاذبة و محيرة.

                  هذا التعليق يصدق على كل جزء، بما في ذلك الجزء السابع عشر. وكتبت فيما بعد


                  ج3

                  موقع الاجتماع كان (قاعة استقبال المستوصف). بعد ما تتكشف الأمور، يتبين أن اختيار
                  الموقع لم يأت عبثا! فهو يتسع لهذا العدد الكبير نسبيا ويفسر اقتراح سي الطاهر منزلَهُ
                  موقعا للمستوصف، ثم إنه في هذه الليلة يناسب أيضا عذره للجندرمة بالاحتفال بختان ابنه
                  البكر. فكأن سي الطاهر رسم خططه مسبقا بكل ما تقتضيه من تفاصيل وحسابات
                  .


                  ج7 لأننا قرأنا الجزء من خلال مخاوف وقلق غالية، فإننا عشنا قلقها. وهكذا قرأنا الجزء:
                  حدّة الوضع عادت من جديد في جوف الليل مع خبر إصابة "الشيخاوي" واضطرار سي الطاهر
                  للمغادرة لعلاجة وما ينطوي عليه هذا "الفعل
                  "من مخاطر ليس أهمها تركه أسرته ليلا بل تعريضه
                  نفسه لعاقبة وخيمة! كل أحداث صباح اليوم التالي تشير إلى تحقق هذه العاقبه. فهو لم يعد قبل صباح
                  اليوم التالي ولا قبل بداية نشاط المستوصف. وزاد الطين بلة أن غيابه تزامن مع زيارة الطبيب
                  الأسبوعية. وهي زيارة لا يغيب عنها إلّا لأمر جلل. ترى لماذا اختار هذه المخاطرة رغم ما يترتب
                  عليها من نتائج ليس من بينها ما هو واعد إلّا أن يسلم من الاكتشاف (واليوم كل الدلائل تشير إلى نقيض

                  السلامة). كما أن سي الطاهر ليس من عديمي الفكر السليم الذين يأتون الأمور دون وزنها والتخطيط لها
                  بدقة.الجواب في الجزء السابق.
                  [أي: مَنْ المسئول عن سلامة الأهالي والوطن]

                  كانت هذه القراءة في حينها قراءة صحيحة، لكنها تفتقر إلى المعلومات التي نجدها في الجزء السابع عشر وإلى
                  معنى: (
                  vive la classe). فوقع القارئ ضحية مخاوف غالية وقلقها. كما يعلم الآن أن سي الطاهر وزن الأمور جيدا.
                  وهو اليوم يعلم أكثر مما تعلمه غالية وينبغي من الآن أخذ أرائها بشيء
                  من التحفظ لأنها في أعراف فن الرواية
                  والرواة "راوٍ لا يعتمد عليه" (
                  unreliable narrator).

                  تعليق

                  • منيره الفهري
                    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                    • 21-12-2010
                    • 9870

                    المشاركة الأصلية بواسطة ناريمان الشريف مشاهدة المشاركة
                    سلام عليك أيتها الغالية
                    في هذا الجزء، تصورتُ المشهد بكل ما يحتويه من إحساس بالمرارة على ما أصاب القائد من جرح جعل دمه ينزف بشكل كبير، وهذا يدل على دقة الوصف والتصوير، وبذات الوقت زال القلق قليلاً عن سي الطاهر ويبدو أن الأجزاء القادمة حبلى بالمشاهد التي تحمل تفانياً كبيراً من الرجال الذين ذكرهم سي طاهر بـِ _ فيف لاكلاس _ وكأنه يذكرهم بالعهد المنقوش على أيديهم للاستمرار في المقاومة حتى النصر ..وبذلك تكونين أزحت الستار عن اللغز الذي بدا منذ البدء والسؤال الذي طرحته بشأن هذا المصطلح ..
                    يعطيك العافية وشكراً لقلمك الأغر
                    أخيراً
                    أرجو أن تتقبلي هذه الملاحظة : أرجو تصويب
                    مستلق ، لتصبح ( مستلقياً )
                    أحاطوا الحكيم ، ( أحاطوا بالحكيم )
                    الإثنتين ( الاثنتين )
                    دمت بألف خير وأعانك الله على تسطير ما بقي من أحداث هذه الرواية التي أخذتني معها إليكم حيث تونس الخضراء
                    وأعاننا الله على الانتظار
                    شكراً أيتها الكابتة البارعة
                    ولك المحبة حتى ترضي ... ناريمان
                    أستاذتي الغالية الإعلامية الكبيرة
                    ناريمان الشريف
                    تسعدني و جدااا متابعتك لروايتي
                    و قد سعدت أكثر بتصحيحك لبعض هفواتي و قد عدلت
                    و شكراااا
                    تحياتي سيدتي العزيزة

                    تعليق

                    • منيره الفهري
                      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                      • 21-12-2010
                      • 9870

                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد فهمي يوسف مشاهدة المشاركة
                      متابعة التدقيق االلغوي ، مع الاستمتاع بالسرد الروائي المبهر للأديبة الأستاذة منيرة الفهري
                      بعد أن أدركتُ سر لغز تسمية الرواية ( وكاد يكون مع تواصل جهاد تونس الشامخة ضد الجندرمة )
                      ونهايته النصر ــ عقدة الأحداث المتنامية الصاعدة ــ في الرواية ، ليتأتي الحل بعدها ليسرح الخيال
                      في أبعاده التالية وما وراءها من تصورات لدي القاريء المتابع لها .
                      نقطة واحدة في المراجعة والتدقيق اللغوي لأسلوب القص العربي السليم لكاتبة ماهرة استفادت كثيرا
                      من توجيهات ونصائح تذكرها لدراسة اللغة العربية الفصحى فتلاشت الهفوات الهينة التي كانت تسقط منها
                      سهوا لا عمدا وترسخت أهمية المران على لغة هي قديرة بها في مجال الترجمة التي تقلدت قسمها بجدارة
                      المقدرة والموهبة البارعة لهذا الباب بالذات .
                      نقول على سبيل الحكاية الأسماء التي تعارف الناس على أسمائها فأصبحت كالأعلام من الأسماء :
                      على سبيل المثال لا الحصر : أُعْجِبْتُ بنادي ( المقاولون العرب ) في مباراة الأمس .
                      هنا : تقع كلمة / نادي بعد ( باء الجَرِّ ) فهي مجرورة بكسرة مقدرة على الياء الساكنة في آخرها
                      وهي أيضا مع ذلك : تقع مُضَافةً إلى ما بعدها وهي كلمة ( المقاولون ) فكان الصواب أن نقول : نادي المقاولين !!
                      لكننا تعارفنا على اسم النادي أنه ( نادي المقاولون ) كعلم بين الأندية الكروية الأخرى ، فلزم أن تضعه بين قوسين
                      حتى لا يشك القاريء أننا لا نعرف العربية الفصحى السليمة لكتابته !!
                      هذا ما حدث في الخطأ اللغوي الذي لحظته في هذا الفصل السابع عشر من رواية / فيف لاكلاس
                      فقمت بتصويبه حسب فهمي المتواضع لاسم ( بوجمعة ) هل هو / أبو جمعة أو ( بوجمعة ) وقد
                      سبقته لام الجر للاسم بعده .؟ وفي الحالتين : أرى الصواب اللغوي هو فصله بين قوسين بعد لا الجر
                      لأننا نقول : فقلت لأبي بكر وليس لأبو بكر ................ والله أعلم
                      أستاذنا الجليل الرائع
                      محمد فهمي يوسف
                      لا أعرف كيف أشكرك لهذا المجهود الكبير الذي تبذله في متابعة روايتي و إصلاح أخطائها اللغوية
                      شكرااا و ألف
                      تحياتي و كل الامتنان سيدي الفاضل.

                      تعليق

                      • سلمى الجابر
                        عضو الملتقى
                        • 28-09-2013
                        • 859

                        يعني أن الخالة غالية وجهتنا توجيها خاطئا حسب ما جاء في تعليق الاستاذ الهويمل أبو فهد؟
                        أتابع هذه الرواية المشوقة أستاذة منيرة الفهري
                        تحية ود و وفاء

                        تعليق

                        • سليمى السرايري
                          مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
                          • 08-01-2010
                          • 13572



                          أتابع هذه الأجزاء بشغف ويا ريت تنزل هذه الرواية في كتاب، فقد أصبح المشهد الثقافي في العالم العربي وفي تونس بالخصوص مهتما أكثر بأدب الرواية
                          وأنا فعلا أنتظر روايتك في كتاب هذه السنة لنبرمجها في المهرجان الدولي للرواية السنة القادمة إن شاء الله
                          والذي انا من منظميه باسم الرابطة العربية للفنون والإبداع.

                          سأتابع هنا عزيزتي منيرة أيتها المبدعة والقلم السارد بامتياز
                          لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

                          تعليق

                          • الهويمل أبو فهد
                            مستشار أدبي
                            • 22-07-2011
                            • 1475

                            المشاركة الأصلية بواسطة سلمى الجابر مشاهدة المشاركة
                            يعني أن الخالة غالية وجهتنا توجيها خاطئا حسب ما جاء في تعليق الاستاذ الهويمل أبو فهد؟
                            أتابع هذه الرواية المشوقة أستاذة منيرة الفهري
                            تحية ود و وفاء

                            نعم يا عزيزتي سلمى الجابر. وأستغل سؤالك لأبين رأيي في عجالة.

                            تبادل الرواة على السرد قيمة روائية مهمة. والراوي المتحكم (omniscient) في روايتنا هذه هو المؤلف (السيدة منيرة الفهري). وقد استثمرت جيدا في شخصية (الخالة غالية). فما نعرفه عنها وما تخبرنا به نأخذه على أنه حقيقة مطلقة لأننا نعرف أنها على اطلاع على الأحداث لقربها منها ومن الفاعلين في سيرها، وهي أحداث خطيرة عرَضَها الراوي المتحكم منذ البداية. لا شيء يدعو القارئ للتشكيك في اطلاع غالية عليها. الآن، عندما غاب سي الطاهر (ج7, ج8، ج9 وإشارات أخرى بعد هذه الأجزاء الأساسية)، ماذا نجد؟ مصدرنا الوحيد هو ردة فعل غالية، وهي ردة فعل وهبها الرواي المتحكم مساحة واسعة (3 أجزاء) كلها خوف ورعب انعكست جسديا وعاطفيا على مصدر معلوماتنا. فمثلا في الجزء السابع، يقول "الراوي المتحكم":
                            (ج 7) لم تدر [غالية] كم من الوقت مر و هي على هذه الحالة [حالة قلقها لغياب سي الطاهر]، انتبهت
                            على صياح الديكة منبئة بفجر جديد. لم يأت سي الطاهر، و اليوم هو الثلاثاء، الموعد الأسبوعي لقدوم
                            الطبيب، ماذا لو لم يأت زوجها؟ ماذا عن المستوصف، و المرضى؟ و الطبيب؟ ماذا ستقول له عن غياب
                            سي الطاهر؟

                            توضأت و صلت و دعت الله أن يكون هذا اليوم هو يوم ستر و بركة و خرجت للمطبخ الصغير في الركن
                            الأيمن من الحوش و أشعلت البابور و بدأت تحضر فطور الصباح

                            طلع النهار و سي الطاهر لم يأت من الجبل ... فاليوم موعد الطبيب الأسبوعي ...
                            و برباطة جأش استقبلت سي محمد علي الطبيب مفسرة غياب سي الطاهر بأنه يشكو حمى مفاجئة و قد
                            أعطته حبة كينا وأشارت عليه بالراحة في البيت
                            .
                            استغرب الطبيب من هذا الأمر لكنه لم يعلق على الأمر خاصة و أنه وجد كل شيء مرتبا و المرضى بانتظاره
                            و سير عمل المستوصف لم يتأثر بغياب الممرض
                            .
                            تنفست الخالة غالية الصعداء و هي تسجل بخط رديء ما يمليه عليها سي محمد علي بعد فحص أول مريض
                            هذا اليوم
                            .


                            قبل (ج16 و ج17)، قبلنا "كذبتها" البيضاء للضرورة وتعاطفنا معها لأنها تحافظ على سرّية العمل الخطير وأنها في محنة لها تأثيرها على الأشخاص وعلى مستقبل الأسرة. استمر هذا الوضع في الجزء الثامن الذي يزيد من حدة المحنة وتصاعدها:
                            (ج 8) آه، تذكرت غياب سي الطاهر الذي لم تجد له تفسيرا، يوم و ليلة و هو في الجبل و لا تعرف عنه
                            شيئا و لا يحق لها أن تسأل أي أحد من شباب القرية خشية ان يسري خبر غيابه
                            . ...
                            و اعتكفت في المكسورة تفكر في هذا المصاب الذي حل بها.
                            ماذا لو حدث شيء لسى الطاهر عشيرها، لا سمح الله. كيف سيعيشون من دونه و ماذا سيأكلون. من
                            المستحيل أن يتركها المقيم الفرنسي تعمل بالمستوصف

                            ماذا تفعل لو حدث مكروه لزوجها لا قدر الله، كيف ستعيل أبناءها؟ حتى المبلغ الكبير الذي كان يحتفظ
                            به سي الطاهر في "السدة" للأيام العصيبة نفد من أيام ، فقد كان سي الطاهر حريصا على أن يقيم
                            مأدبات العشاء المكلفة لأعيان القرية ليشحذ وعيهم بالقضية
                            . أطلقت زفرة عميقة و هي تذكر كيف كان
                            أعيان البلد يأكلون و يتغامزون و قد نبهت سي الطاهر لذلك، لكنه لم يسمعها
                            ...
                            دخلت فاطمة المكسورة تسأل الخالة غالية إن كانت تريد شيئا قبل أن تنام هي و الأطفال. أشارت لها
                            غالية أن تقترب و أجلستها على ركبتها ثم احتضنتها بشدة و بكت بكاء مرا


                            كل هذه الأفكار تجعل تعاطف القارئ قويا مع غالية ويشعر بما تعانية من ثقل المسئولية وقلة حيلتها. ولمفاقمة المحنة نجدها في الجزء التاسع تبوح بعظم المأساة:
                            (ج 9) لم تغمض عينيها تلك الليلة، و لم تعرف طعم النوم و هي تتقلب حينا و تنهض حينا لتتفقد
                            الأطفال على الدكانة
                            .
                            فجأة و دون سابق إنذار و في يوم و ليلة انقلبت حياتها من امرأة سعيدة بما تقدمه لعائلتها و وطنها،
                            إلى مسؤولة حائرة تتملكها الهواجس و الأفكار السوداء
                            .
                            بان فجر اليوم الثاني و سي الطاهر لم يظهر بعد و الهدوء يخيم على المكان و كأنه الهدوء الذي يسبق
                            العاصفة
                            . نهضت غالية، وصلت الفجر و دعت أن يكون زوجها على أحسن حال و ألّا يطول غيابه.

                            ابتسمت فاطمة و أرادت أن تسألها إن استجدت أخبار عن سي الطاهر، لكنها أحجمت حتى لا تثير
                            المواجع
                            . ...
                            و كالعادة تساءل بعضهم عن غياب الحكيم؛ و كالعادة أجابت غالية إنه مريض في البيت.
                            و لكن إلى متى سيصدق الأهالي مرض سي الطاهر؟

                            يا رب، يا رب، كن عوني و لا تخذلني و رد لي زوجي سالما،
                            أطلقت زفرة عميقة، ثم ابتسامة عريضة و نادت أول مريض.
                            ماذا لو جاء الجندرمة و وجدوها تفحص المرضى عوضا عن زوجها؟ أكيد سيكتشفون الأمر

                            هذه التصرفات التي تنذر بكارثة تجعل غالية قريبة من القارئ وتشحنه بالتعاطف مع محنتها. لكنه بعد الجزء السادس عشر يفرغ غضبه على الراوي المتحكم الذي يعلم النتيجة لكنه تلاعب بعواطف الشخصية (غالية) والقارئ على حد سواء. الراوي الذي لا يعتمد عليه (غالية هنا) لا ذنب له، فهو لا يعرف ما يعرفه المتحكم، بل جاءت ردة فعله متوقعة ومنطقية وهذه الصفات هي ما خدعت القارئ وجعلت تعاطفه مع غالية يتصاعد بالحدة نفسها. لهذا، كانت غالية القابس الذي شحذ عواطف القارئ ووحّد عاطفيا بين الشخصية والقارئ.

                            تعليق

                            • محمد فهمي يوسف
                              مستشار أدبي
                              • 27-08-2008
                              • 8100

                              أعجبني تحليلك أستاذ الهوميل أبو فهد في تعقيبك على الأستاذة سلمى الجابر
                              عن بطلة الرواية الثانية بعد سي الطاهر في سرد الرواية على لسان البطلة الأولى المؤلفة للرواية
                              وهي الأستاذة القديرة منيرة الفهري جزاكم الله جميعا كل خير على مشاركتكم البناءة للرواية
                              تحياتي لقلمك الراقي والمتمكن من عناصر القص العربي في اللغة العربية على ما درست ووعيت.
                              أما ما يتعلق به في الأدب الأجنبي فلم أتقنه كإتقاني لعلوم اللغة العربية والقص الإسلامي الحكيم .

                              تعليق

                              • الهويمل أبو فهد
                                مستشار أدبي
                                • 22-07-2011
                                • 1475

                                المشاركة الأصلية بواسطة محمد فهمي يوسف مشاهدة المشاركة
                                أعجبني تحليلك أستاذ الهويمل أبو فهد في تعقيبك على الأستاذة سلمى الجابر
                                عن بطلة الرواية الثانية بعد سي الطاهر في سرد الرواية على لسان البطلة الأولى المؤلفة للرواية
                                وهي الأستاذة القديرة منيرة الفهري جزاكم الله جميعا كل خير على مشاركتكم البناءة للرواية
                                تحياتي لقلمك الراقي والمتمكن من عناصر القص العربي في اللغة العربية على ما درست ووعيت.
                                أما ما يتعلق به في الأدب الأجنبي فلم أتقنه كإتقاني لعلوم اللغة العربية والقص الإسلامي الحكيم .
                                أهلا ومرحبا بالمربي الفاضل محمد فهمي يوسف
                                سرني رأيك في مشاركتي، وهو رأي، من أهل الاختصاص،
                                يعتدّ به. والحمد لله أن استطعت أن أضيء زاوية من زوايا
                                رواية ثرية.

                                لك الشكر والتقدير

                                تعليق

                                يعمل...
                                X