كان على اليوم ، أن أكون بصحبته ، بعد محادثته بالأمس ، لأقف على سر هذا الإلحاح ، الذي بدا في أنفاسه المتلاحقة ، و هذا الصراخ المفعم بالسخرية ، و عدم الاكتراث . الفكرة كانت مجنونة ، إلي حد بعيد ، و أسلوب تناولها ، لا أقول كان ملائما ، بل أقول ، هو الجنون بعينه ، مما جعلني في حالة ارتباك ، عين عليه محاصرة ، و عين تتابع ما تعرض تلك الشاشة ، نصف عقل ، و النصف الآخر داخل غابة كثيفة ، لأشجار تنهار ، و تتفتت ، من تلقاء نفسها. أنفاس تختلط ، و أحلام خانها أصحابها ، تتبادل المواقع ، و الألوان ، و الحميمية أيضا . كأنني أعيش كابوسا . هذا المزج ، و التلاعب بالكائنات ، ما بين التجسيد الحي ، و التجسيد الممتنع عن طريق العرائس ، و الدمى ، حتى اختلطت برأسي الأمور ، بين نهار و ليل ، شمس و قمر ، حقيقة و خيال . : " عن أي شيء تبحث ؟! ". قهقه بقوة ، فأحمر أنفه ، و هطلت عيناه ، ثم حدق الصورة بغيظ عجيب ، تخلص منه فورا :"ربما لا شيء !".
أتابع من ينقر نافذة عدة نقرات ، ثم يستعين بآلة موسيقية ، و يواصل النقر ، تفتح النافذة على وجه دمية ، لم تكن دمية بالداخل ، بل كائنا من لحم و دم ، بين أحضان رجل ، ربما الزوج :" أهو العبث ؟! ". وثب بغضب ، بأنفاس متوهجة ، و صدر انفصل عنه ، و تعلق بمسمار على الحائط : " لم تحاصرني بأسئلتك ، أليس في الصورة الكفاية ؟! ".
:" لم يعد لي وقت ، لم جعلتني أحبك .. لم حاصرتني في كل مكان ، حتى أقنعت نفسي أنك تحبينني ؟! ". :" و أنا أحبك .. أعشقك و أعشق صوتك .. هيا الآن ، قبل أن تتخلى عن النائم أحلامه ". و أغلقت الدمية النافذة ، و هي تغني أغنية سريالية الصوت و المعنى ، كصرخة نشوة ، أو لحظة شبقية . بينما العازف يتحرك بصدر متراقص ، وهو يدخن نارجيلة كأنها قارة ، ثم ينفث دخانها في بأس . :" وما أمر الدميتين في الخارج ، على يمين و شمال العازف ، لم أحاط الظلام بنصف وجه واحدة دون الثانية ، وأكثرت من الزوم و الكلوز على نصف الوجه دون الآخر ؟! ". تحاشى نظراتي ، و افتعل الانشغال ، كأنه منفصل عني ، و لكن :" أنت لم تر جيدا ؛ لنعد إلي التتر، كل ما عليك مزيد من التركيز .. هييه اتفقنا ؟! ". تنقل بجسد متوتر ، و ملامح وجهه تتلون ، ثم تعود لطبيعتها .. أحسست قلقا حادا ، و لا أدرى كيف واتتني فكرة ، أنني لم أكن خارج الدائرة !
كان التتر يتحرك على خلفية ، لم تنفصل عن المطروح ، بل كانت تقدم عالما شاسعا ، يكتنفه الضباب ، يمتلك من الأقنعة ، مالا طاقة لأحد بارتكابها ، و كل قناع بلون ، و صوت مختلف بين الجمال و القبح ، الرشيق و الباهت المترهل ، ثم جعلها دمى تحلق ، تتباعد و تتجاذب ، و تغير مواقعها . ثم دنت الكاميرا أكثر من الملامح ؛ لتؤكد أن فعلا ما يتم ، و ليس مجرد استعراض كرتوني ، فثمة علاقات ، بين جنسين ، صغار و كبار ، شيوخ و عجائز ، صبية و بنات . ثم يحدث زوم ، يلم كل الدمى ، ويرجها كحبة نرد ، ثم يلقي بها ، فتغير مواقعها . لا يخلو الأمر من مواقف غرامية حميمة ، و أخرى جنسية فاضحة ، و أيضا مواقف رومانسية . و قبل أن يختتم التتر ، تصبح نقطة ، فحبة نرد ، ثم تلقى ، و تفرش الشاشة ، بتبديل المواقف ، و الأشكال ، و الدمى .
العازف في حالة بئيسة ، تستدعي القرف و الضيق ، يبتذل حب امرأة أخرى :" لا تقل هذا .. بعد الشر عنك .. ليتني أفديك بعمري ". :" ما يريد تصديره هذا المجنون ، و لم ذهب إلي شرح ما عرض بالتتر ، لم لم يكتف ؟! ". تناهت إلي أذني أصوات طرقات ، هب من جلسته ، أوقف الجهاز ، و اتجه حزينا إلي النافذة ، فتحها ، فكشف عن وجه دمية ، كانت هي نفسها ، من وقف العازف بنافذتها .
فركت عيني ، قفزت واقفا .. أتأمل الغرفة ، و أتحسس نفسي :" غصبت على ذلك ، لم لا تنس ، هذا لا يعني شيئا ". فجأة علت ذراعاه ، و أطبقتا على الهواء ، ثم علت ضحكات و صرخات ، ترصع السماء بنجوم ألوانها ، أنفاسها ، حتى تختفي . وهو يكاد يقعي ، يقفز من النافذة ملاحقها ، لكن أعجزه أنه لم يكن دمية ، في تلك اللحظة ! أسرعت هربا ، بعقل طائش ، في ترحال مر ، و أنا أتحسس نصف الوجه الذي كشفت عنه الكاميرا ، و أيضا النصف الآخر للحُمَى ، و الدمية التي لم أكنها يوما ، إلا أمام السماء !
تعليق