كن تلقائيا هنا .. قصة / قصيدة / خاطرة

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    8
    اتكأ بذراعه ، فاصطدم بشيء كان يملأ جيب الصديري . تذكر الشنطة التى ضحك بها ابنه على عقله حين عاد من العراق ، و التى يستعملها كحافظة ، على الفور تغير لون وجهه كلية ، استشاط رعبا ، اعتدل واقفا .. كيف يتخلص منها - هذه الحافظة التى تحوى إلى جانب المسلة و الدوبار أربعة قطع من فئة الخمسة قروش .. وخنسر - !!
    :" آه .. ضعت يا محروس .. ضعت و لا أحد سمى عليك .. آن أن تتصرف بحكمة ، وكيف تواتيني الحكمة ؟ إنها كارثة .. كارثة ".
    جذب الرعب المرتسم على وجهه نظرات الجمع المحشود ، فى هذه الحجرة الداخلية ، التى دائما ما يقال أنها تبكى طول الليل على من خرجوا منها فاقدى البصر أو العقل ، ومن فقدوا رجولتهم ، حتى أنك لترى نهارا آثار هذه الدموع على الجدران ساخنة لم تزل !!
    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      9
      :" خنسر له مقبض من العظم .. خنسر يامحروس ، و الذبيحة يأتى عليها خنسر ، ويشفيها خنسر .. قد يسألونك و أين الساطور يامحروس ؟ ستنكر بلا شك أين الساطور ؛ لأنك لم تمسك ساطورا إلى اليوم ، لكنهم لن يملوا ، لن يتعبوا معك ، ولن يصدقوك .. حاول أن تلقي به من الشباك أو تحت الأرجل.. آه لو شافوك ثبتت عليك التهمة .. خنسر ياويلك .. لعبة جميلة يامحروس ، فحين أزاغ عقلك ، وقررت سرقته من الجزار .. كنت فى العيد الكبير ، ولما فشلت من سرقته ، أعطاه لك الجزار عن طيب خاطر .. كان جميلا ، وكنت فى حاجة إليه لقتل أعواد السريس و الجلاوين و الخس ، وتقليم أظافرك .. وماذا أيضا يامنحوس ؟!".
      يهيم فى فزعه ، يتدبر أمر الخنسر . كان القتيل بلا رأس ، بلا ذراعين ، بقدم واحدة ، وقد شفى كذبيحة ، و هذه أداة الجريمة :" خنسر يامحروس .. ألكي تقطع حبلا أو شحاطا تحمل خنسرا .. آتاك قضاؤك .. آه ".
      يبكى العم محروس ابن الخامسة و الخمسين ، يبكي وسط أولاد صغار ، وفتيان قساة ، ومشبوهين عتاة .. يبكى ويروح يخبط رأسه فى الجدار خائفا حانقا .
      sigpic

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        10
        دنا منه صابر على حذر :" عيب ياعم محروس ، دول كلمتين ياخدوهم منك ، وتروح على طول .. أنت راجل طيب ".
        مصمص شفتيه خالعا طاقتيه الصوفية ، ثم أخرج منديله المعبأ بالسخام ، مرره على وجهه :" ماذا أفعل .. كنت تعرف أنك حمار ، لم لم تهرب من أمامهم ، وليذهب الجميع إلى داهية ، خائف على البهائم ، ابسط ياعم ، سوف تنسى اسمك و بهائمك ، و أرضك ، ويتفرج عليك الخلق واحدا واحدا .ز خنسر يامحروس . كانت الترعة أمامك ، وزوجتك .. كانت العربة ، كنت تستطيع التخلص منه ، لكنك أحمق .. ماذا ستفعل ألآن ؟ و إذا ما رآك أحد و أنت تلقى به .. آه .. انتهى الأمر ، أصبحت قاتلا .. أيعقل أن يكون صابر هو القاتل .. لا .. لو أراد لفعل من زمن ، مر وقت طويل ، نعم فات وقت ، إنه يفتح بيتين الآن .. بيت أخيه و بيته ، فكيف يفعل ؟ لا .. إنه أحد اللصوص الذين يقتسمون معه أو قد تكون أنت !! ".
        sigpic

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792


          ذكريات فى ركام
          تصرخ فى صدر الوجع
          تشتل زهرات بلون الدماء
          وتفتتل حصون البقاء
          فى جباه الحزن
          فتبكى خدود السماء طويلا
          تمطر الوجد نشيجا
          يطول رؤوس المدائن
          تلك التى تنام فى دمها
          على عظام ذويها
          تئن تئن تئن
          ليس غير صدور الأسى
          بئرها طافحة بالمنايا
          و أنا هنا .. كيف لى
          أن أعبر ابكل هذا الانين
          مسافرا عبر الورق و دم المحبرة بقايا من ركام يحن للثرى
          لم يجف
          و لن يجف


          أينا الركام .. هىِ أم نحن ؟
          من خلفتنا النوابض
          تلك التواريخ التي نحتتها عميقا فى الخلايا
          ذلك الفرح الذى يغتال المسافات ما بين رئة ورئة
          أن أكون بين عينيها
          وريحها المحلق كسحابة
          أو كعبرة فارت دون إذن من أحد !!

          أينا الركام .. قل لي ؟!
          نحن الركام الذي يعوزه الثكل
          الضائعون خارج التراب و القلوب
          المدرجون بتلك الوحشة كاملة البهاء
          المتلفحون بالعراء والظنون
          القلوب الغافية على نارها
          تبكي رمادها خارج التراب و اليقين !!



          يايونيوس الكئيب حد الموت
          أينا عاد من المعركة بلا خوذته
          بلا فرسه الجموح
          بلا ذاك النشيد يعانق أنفاسه
          أنا أم هىِ
          و أنت مولدي المسجل فى دفاتر الريح
          ما بين رحيل و رحيل
          و رمادي هنا
          ينتظر ولادة لم يكن لها بشارة
          لكنها شعت كما بؤبؤ السماء يتسع لليلة أسطورية !!

          يايوينوس عد من حيث جئت
          فأنا أنتمي للريح
          و الركام الذى لا يهم أحد
          و لا تلك التى تسكن الأوردة !!
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            11
            ضبط يده على الحقيبة ، فجذبها بعيدا . هاهى ذي الأنظار تتجه إليه . يتحدث إلى أحدهم ، يكرر ما يقول حتى مله ، قيصرخ فى وجهه ، يتجه إلى آخر ، يتحدث إليه ، يعطيه أذانا صاغية - أول الأمر - يعود يكرر ما قاله ، فيمله ، يصرخ فى وجهه . فى نهاية الأمر ترابط محتميا بصابر ، فيهدئ من روعه . يكاد يسقط بلسانه ، فيبوح بما ينغص عليه ، يلطمه صوت أبيه الفاني ، يتمثل أمامه بشحمه و لحمه ، مكشرا فى وجهه :" خليك رجل ياولد .. إلى متى .. اكبر ياخرع ".
            كان بوجهه المقطب ، و أنفه العظيم ، وشعره الأبيض ، صوته الأجش كموتور خرب .
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              12
              أخيرا جاءوا ، وجاء المغص .. جاءوا خلف بعضهم ، وما أفلت أحد من قبضتهم .. لا يعرف ما الذى أحسه حين حدق فى وجه صابر لحظتها ، مما دفعه إلى معاودة النظر إليه . كان أقرب شبها بالضابط ، نفس الملامح ، نفس النظرات القوية . كانوا يدفعون شبابا إلى الحجرة الأخرى ، القريبة .. هناك ، يعلق المشبوه ، يدلى من السقف كذبيحة ، ويضرب ضربا مبرحا ، أحس بهزة قوية ، تسرى فى جسده ، على الفور اصطكت أسنانه :" يارب .. أنا رجل كبير .. هل ؟ يارب كن إلى جانبي .. ياحسين .. ياسيدة ياطاهرة .. يا أم العواجز .. يابه ".
              اللطمات لا تنقطع ، قوية كالرعد تدوي ، ترجف بدنه الهزيل ، تدوي فتحط عليه هو .. وحان دوره ، حان دوره أخيرا ، سحب فأطاع طيبا كطفل وديع ، واجهه السيد ضابط المباحث ، سأله مناورا . رد عليه محاولا قدر إمكانه الحرص . لم يكن بليغا . هاج سيادته ، هجم عليه لاطما . مهانا لوى عنقه ، ودون تفكير :" أنت يادوب قد ولد من عيالي ".
              لم تعجبه هذه اللهجة ، ثار ثانية ومنتفشا كطاووس كان يسدد لكمة متقنة إلى وجه محروس ، الذى تهالك إلى الخلف ، مصطدما بحوائط الرجال ، فأعادوه إلى قبضته !
              sigpic

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                13
                حدق بسعادة ، ارتخى على كرسيه . محروس يرغي و يزبد بكلام كالبكاء ، وبطيبته المعهودة ، كان يكرر ما سبق قوله ، فأطاحوا به ، وما تركوه حتى أشبعوه ضربا ، رغم كل ما ناله منهم إلا أنه كان راضيا ، فلم تمكنهم هذه الوسائل من كشف المصيبة التى يحملها . كان يردد :" الحمد لله ". لكنه حدس عودتهم إليه ثانية . ما أفلت أحد من قبضتهم حتى الآن ، وما مرروه على الغرفة الثانية بعد :" الحمد لله .. الحمد لله .. يابه .. الدار تختنق بمن فيها ، و ما ـى أحد ليرى حالي ، ينقذني من هذه المصيبة ، سوف أعلق من عرقوبي ، يضربني فيل من هذه الفيلة ، التى لا تعرف رحمة أو مروءة .. ياربي .. أنا لا أترك فرضا من فرائضك ، و لا أعتدي على أحد ، حتى أولادي ، أتسامح معهم فى حقوقي .. أسرح إلى الغيط من النجمة ، و لا أرى الدار إلا ليلا .. ماذا أفعل ؟ ".
                الزبد يتكور على جاني فمه ، يترنح بلا عقل ، ولا يرى إلا أشباحا وخيالات باهتة .

                حط غاضبا موهن العظم . ناداه صوت أبيه :" لا تبك ياولد .. كن رجلا و إلا أكلوك ".
                قطع بكاءه مشدوها ، راح يتابع الشيخ الفاني :" إنهم اكتفوا .. اكتفوا بهذا .. انتظر ".
                كان يرتعد كلما شعر بجيب صديريه ، يصرخ بأعلى صوت كمؤامرة :" أنا الخنسر هنا فى جيب محروس .. ياحضرة الضابط أنا الخنسر هنا فى جيب محروس ".
                يدور حول نفسه كمجنون ، يتكوم ، ينحنى ، يحاول كتم أنفاس الخنس الجبان ، يود لو سخط خنفساء ، لها حرية الخروج من هذا المكان ، و الأصوات من حوله تتعالى فى فراغ الحجرة .. صرخات و لطمات ترن ، وبكاء وركلات تمزق وجهه ، تسلخه سلخا رتيبا .
                sigpic

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  14
                  كان أولاده و أولاد أخيه يحومون حول المبنى ، يسمعون صدى الضربات ، تئن ، وترتجف لها الجدران ، وفى الظلام كانت خيوط فضية تنز على خدودها .
                  كانت جموع غفيرة تتحرك بقلق ووجد ، تفترش الطوار ، تحتضن الأسلاك الشائكة ، والبعض هناك فى الخلف ، حيث تصلهم اللطمات ، كما يصلهم الصراخ و العويل .
                  التجأ أولاد محروس للمحامين ، فما حركوا ساكنا ، كانوا على علم بالجريمة ، و أمر المشتبه فيهم ، و التقليد المتبع فى مثل هذه الظروف :" سوف يتركونه ، لكن بعد ضربه كالعادة ".
                  شغل أصغر أبنائه نفسه باحصاء عدد مكاتب المحامين المحيطة بالقسم ، و أيضا مقر الأحزاب ، عدد الجرائد ، النواب ، لكنه فشل فى لعبته ، فتركها فورا .
                  ظلوا يحومون بخيبة أمل ، تعلموا ووظفوا ، شغلوا الوظائف ، وخابوا عند الوصول إلى عمهم .. إلى أخيهم .. إلى أبيهم .. كان شعورا فظيعا ، شعورهم بعدم جدوى المحاولات المنهكة ، إنها ليست مدينتهم تلك التى يتحركون فيها ، أبدا ليست مدينتهم .. وصلوا إلى شقيق المارد السيد ، إلى قاض طيب آخر الأمر .. أقسم على التصرف ، وكانوا أكثر حرجا و قلقا .

                  كان هو فى الداخل يري بهينه و لا يصدق ، يرى و لا يفهم . عاش بفأسه و قضيبه ، فى الأرض و الدار ، ينبت الزرع و يبذر الذرية ، و الخنسر فى جيبه إلى الآن .. الخنسر و المشنقة .. المشنقة لا تلتف إلا حول رقاب الخائبين أمثاله .
                  فجأة ناداه الصقر ، تهالك ، امتقع وجهه ، تقدم برغمه ؛ فالأكف فى عطش إلى اللطم . زحف :" أنا هاسيبك يامحروس تروح ، لكن أنا هاديك علقة ، عشان إما حد يسألك عن حاجة ، تقول معرفشي !!".
                  sigpic

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    تضخني شموس ربوعنا
                    وهجا يتبدد فى محارتها
                    يرتجل الوقت فى بيداء قيظها
                    هناك يري
                    شموسا أزهرت ألوانالقزح
                    فى دم القبيلة
                    من جديس
                    إلى بكر وتغلب
                    نزار ومضر
                    بطون تلكم النائمة فىحضن السحاب
                    حيث مضاربالفرسان تصهل
                    علىأفئدة جبابرة علت
                    فقصمت ظهورها يمامات هنا

                    زرقاء اليمامة ما كانت بغيا
                    و إن أسملوا العين و النداءالبهي
                    لفخاخ نامت تحتجلودنا ردحا
                    و سنين !

                    أنا الممسوس بك
                    بتلك الربوع الخاليات حد الفجيعة
                    و التشظي بي و بك و بهم
                    نحن
                    من شقائنا نبتت ينابيع الرضا
                    سحابات ممطرات دما وزجاجا
                    و إجاجا وعذبا فرات
                    و من جلودنا تخضلت رمال الوقت
                    وابيض وجه التوحش !


                    أشهد اليمامة
                    بأربعين عاما
                    ما حركت فيها شعرة الحزن
                    إلا على ضائعها
                    أبي لا مزيد !!
                    و السالم ينقش الربوع حتى بطونالسماء
                    دماء وثأرا

                    أبي لا مزيد !!
                    و النساء و العذارى
                    و الأيامى
                    تستجدين روعتها
                    أن تكف
                    إن بعد القيظ سيلا
                    أرجأ الحضور
                    فانتهِ يابنت الصحراء
                    كيف لم تشبعكالدماء
                    و تلال الموتى من شباب و رجال و شيوخ ؟!

                    و أنت اليمامة
                    تفيضين جسارة و ضميرا
                    لا يأكله الوقت و لا تثنيه الدماء
                    لك زئير يمتد من طفولة الصحراء
                    حتى مشيب ربوعها!!

                    تعاليت على الفوارس
                    و كان لك بعض حلم
                    تاج عروس
                    وهودج
                    ومحمل يطوي حزن الرمال
                    يشتل الأقمار ما بين القبائل
                    وهناك على مشارف الوجد
                    فارس تتنفسين أشواقه
                    وزنده المشغول برحيق حنائك
                    وأطياف تركض فى سمائك
                    تعانق بسمة القمر فى استدارة الرحيق

                    شيعت قلبك
                    وتلك بنظرة
                    ثم طويتها مع دمعاتك
                    و أغلقت حلمك البرئ
                    فكيف له أن يكون
                    الدم يستصرخ الثأر
                    والأرض نافرة أصابها القيظ
                    حنينا لري يفجر صمتها
                    يقيها يدا ملوثة بدم الخسة
                    ونذالة ابن العم
                    حجوده
                    خياناته للأ نبياء
                    سرقة التراب من بين أقدام أصحابه
                    sigpic

                    تعليق

                    • ربيع عقب الباب
                      مستشار أدبي
                      طائر النورس
                      • 29-07-2008
                      • 25792

                      فأيُّ الأحلام تنسجين
                      انتظارا لفارسك الذى يرنو إلى الأنثى

                      أم ذاك الذى يرشق السيف
                      فى جبهة الصحراء
                      يستنطق الصخر
                      ويعلن الثأر ؟!!
                      sigpic

                      تعليق

                      • ربيع عقب الباب
                        مستشار أدبي
                        طائر النورس
                        • 29-07-2008
                        • 25792

                        العزل

                        1 - تداعيات
                        جذبت إيزيس مفتاح الشقة من حقيبة يدها بقلق وتفكير عميقين ، تلوك لبانتها باسترخاء ، فضح جسدها حالة التوتر التى تعانيها ، انثنى جذعها بعض الشىء ، دفعت المفتاح فى عنق الكالون ، انفرج الباب محدثا أنينا ، تقدمت ، أطاحت به وراءها .
                        وجوم جاد يهيمن على المكان ، لا صوت .. صحراء لا حد لها ، تتشح بالكاكى المائل إلى الكريم ، كأنها تحدق من خلال عتمة ذاتها إلى قتامة ضاربة بلا حدود ، تضخم اشمئزازها . طن صفير مباغت فى طبلة أذنها ، تجمدت ، تستشعر عظم وطأة هذا السكون إلى حد الموت . سكون فى وحشة الأطلال و الخرائب ، وفى قتامة أحزانها و مشاعرها المتخمة التى تصارعها .
                        نفرت من تحتطها العفوي ، ساقت قدميها ، اقتلعتهما عنوة ، جاهدت قدر طاقتها لانتشال نفسها من هذه الدوائر التهويمية ، انتقلت بناظريها إلى أشياء فقدت جمالها ورونقها . تديم التحديق .
                        هاهانا كان يجلس ، يدور النقاش ، يتجادل و الرفاق فى قضايا الدنيا . كان كل شىء يوحى بالحياة و الأمل و قرب النهاية . حورية ماتزال بالخارج . تنظر إلى ساعة معصمها ، لم يحن بعد موعد عودتها من كليتها . أين انزوي إبراهيم ؟ أمازال قابعا بحجرته .. أم أنه بالخارج ؟!
                        ليته يخرج .. من يوم عودته ، وهو صامت لا حس له ، لا كلمة يصرف فيها ، ليته يزعق ، يقور ، يضرب ، يحطم أى شىء ، لو لم ألتقط تردد أنفاسه لأيقنت أنه فى عداد الموتى .
                        لا أدري ما ألم به ، عزف عن كل شىء ، فقد شهيته حيال كل شىء ، ضج وجهه بالتجاعيد و اكتظ بالخطوط .. ليتني أقف على ما يؤرقه ، ويشقيه . إن صمته يقتلني ، يعذبني فى صحوي و منامي ، وكلما اقتربت منه ، تكور على نفسه ، وتحاشى النظر إليّ ، متباله حد الشطط ، كأنه يحمل أحزان العالمين .. أكاد أجن ، إنه لا يتذوق أى شىء ، أسقمه الهزال .. لم كل هذا العذاب .. لم ؟ مالي أختنق ، أستشعر كابوسا يجثم على صدري ؟
                        طوحت بحقيبة يدها ، اعتدلت فى سيرها بتؤدة ، دانية من حجرة زوجها . دفعت الباب الموارب برفق ، انفرج أمامها ، مدت ناظريها ، تسمرت ، تصلبت كأنما شدت على قالب .. تمثال لمسخ ، يومض الفزع و الذعر من حدقتيه . إن هى إلا ثوان معدودات ، حتى ارتعدت فرائصها ، تلوى جسدها ، احتوته رجفة ، وندت عنها صرخة مدوية ، ثم تدحرجت إلى أسفل بطراوة مغشيا عليها .
                        sigpic

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25792

                          2 - مؤثرات خارجية

                          صوت نسوي يتردد من خلال مذياع فى شقة مجاورة
                          ع لادى العونة .. ع لاى العونة
                          صلوا ع النبي .. لا تحسدونه
                          هانروح القدس و نكيد أعادينا
                          وكل حاقد ندي له صابونه !!
                          sigpic

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25792

                            3 - قيد الشعرة

                            حجرة إبراهيم .. يسيطر عليها اللون الفستقي الفاتح ، يتصدرها سرير من المعدن الرخيص ، مطلي بالأبيض الباهت ، تناثر عليه الفراش فى إهمال . فى أحد الأركان كرسيان متداعيان . يزدان الحائط الأيسر بمنظر طبيعي ، ذي ألوان زاهية متداخلة ، أكواخ مترامية حقيرة ، تحتضنها غابة بمستنقعاتها ، تطالعك برائحتها الأسنة ، و أشكال وهياكل عظمية تروح و تغدو . أظفال ممزقي الثياب ، ضامري العظام ، يبلبطون فى أكوم القمامة ، وشمس تغرب ، فترخى القتامة و الظلال على تلك الأكواخ .

                            فى الجانب المضيئ نهار فضي متلألئ ، يحلث فى خيوطه ملك و ملكة بصولجانيهما ، وصحن بللور يعكس الرؤى ، يرصد الريح أينا كانت ..نرى خيال و ظل الاثنين بارزا حيا ، وحدائق غناء مترامية الأطراف ، عشبها النرجس ، و قطيف القلوب ، تتناثر الطنافس و الأرائك و الزرابي .. يزهو طاووس ، ينحني الخصيان و الوصيفات عند موطئ قدميهما ، غطاءات الرؤوس متباينة ، بين عمامة و طرطور و برنيطة و كاب عسكري .

                            يعتلي المنضدة التى تطايرت عليها مجلات و كتب شتى ، أهم ما يري على صفحات أحدها ، مهرة ممشوقة ، تتأرجح و تتمايل على ظهرها برذعة من سندس موشى بالقصب ، أشد ما يبهر فى تشكيلها نظرة الأحداق و تلك الدموع
                            المتحدرة على خطمها .. وذاك حصان عربي تربط الظلال بينه و بين الخطوط الداخلية للمهرة ، كلما هم بالانتفاض ، ينجذب برغمه ، فى عجز قبيح ، تشتعل فى عينيه نظرة إحباط يوزعها فى أرجاء المكان .

                            تتتدلى من سقف الحجرة نجفة متواضعة ، بيعت ، وصرف ثمنها البخس على إبراهيم وهو سجين . كان مكانها خاويا، ملأ فراغها هذه الليلة جسد آدمي .. سكنت أنفاسه ، جحظت عيناه ، وتدلى لسانه ، تقوست ساقاه .. يواجه بنظراته الزاعقة هذا الحصان ، يتداه ، يعلن انتصاره عليه ، و الولوج من قيد الشعرة !!
                            sigpic

                            تعليق

                            • ربيع عقب الباب
                              مستشار أدبي
                              طائر النورس
                              • 29-07-2008
                              • 25792

                              4 - من كتاب الجريمة
                              ما كان يجب بأية حال من الأحوال ، أن أضعف إلأى هذا الدرك المزري ، كان عليّ أن أستجمع جل ما يكمن داخلي ، إنه لشىء مقزز أن يصل بي السفه إلى منعطف التبرير و ابراز الدوافع . أقدح زناد فكري فى تهويماتي الهلامية ، فتختلط الأضداد .. أحس نفسي فريسة شىء ما ، قوة خارقة تدفعني ، تجذبني ، بل تسوقني إلأى عمل حتمي ، فى غاية الشموخ و الرفعةن ، أو هو قمة المروق و الهرب .. سيان .. أظنني ما علوت هذا العلو الذى قد يراه البعض منتهى العبثية ، ويراه الآخرون علوا لا يدانيه اكتشاف قارة ، أو إحداث ثورة على سطح القمر الناعس .
                              مالي أنزلق فى تهويماتي بهذا الشكل المفرط ، هل هو القنوط ؟
                              جبان رعديد من يتصور أنه يمتلك القدرة على إصدار الأحكام ، أنى لي بهذه القوة الخارقة القادرة على النفاذ إلى ما بين البين ، أمرق إلى متاهة ، أصارعها .. إلام ما وصلت ؟
                              حسبي هذه الهرطقة التى أدور تحت رحاها ، يستبد بي شطط عجيب ، ألهث من فرط السخرية والقهقهة و الهمهمة المعادة ، أترنح من قسوة العذاب الذي يدمدم فى كياني ، يعتصرني ، أحاول جاهدا أن أركز .
                              ما كنا نبيت على مؤامرة أو عمل شائن ، يستلزم كل هذا الحدب ، شغلنا الشاغل ، الواغل فى أعماقنا ، مهرة مكتنزة الأرداف ، تتجمل بالسندس ، وكوخ يرتمي فى أحضان الفقر و الجهل و المرض ، و " يانكي " جاء على عجل ، وفى ذاكرته تترسم الأساليب ، و الملامح .. و ما أقرب اليوم بالبارحة !

                              زج بي عنوة فى غياهب السجن دون جريرة ، كل جريمتنا هو التعبير عن النفس ، وفضح المؤامرة المحبوكة ، التى يدبرها السادة و " اليانكي " ، و الصديق الجديد ، الذى قتل منا الآلاف .
                              حط بنا تدمير قذر ، شوه شخوصنا ، أحال البعض منا إلى منزلق التردي و التخاذل ، متحللا من كل شىء ، يدمر بدعوي السلام ، العيب .
                              ترحل النوارس مخافة الحيتان ، و الأمريكان يشحذون أقبيتهم الحمراء ، و يحتلون ما طردوا منه قديما ، أتووا بخزائن خاوية ، وراحوا يغترفون من حويصلات الوطن ، اللقمة ، وشربة الماء ، قتمتليء الخزائن ، و تعود إلينا قروضا و منح .
                              نرزح تحت وطأة العذاب ليل نهار نبيت برغمنا هذا البيات المفجع .. لا بكاء ، البكاء مصغرة و منهبة ، إن تبك تكن فريسة طيعة .
                              طال بنا الأمد ونحن .. من نحن ؟ مجانين ، معتوهون ، علماء ، مهووسون ، متحللون ، مناضلون ، ثوريون ؟
                              غير أننا الآن مشتتون ، تمزق جلودنا سياط الحاكم و الكبار ، تلوكنا الألسنة و الأقدام ، نزيّف ، نقهر ، نموت عريا و إهمالا .
                              تمخضت الأيام عن نوع عجيب من القهر و التسلط .. رويدا رويدا ، ومع مرور الأيام ، وتعاقبها ، تضاءل جمعنا ، تقلص ، نال بعضنا حريته .. لكم عشت ليالي طوال أبحث عن مخرج ، عن شعاع ضئيل ، عن على بابا : افتح ياسمسم .
                              أزعق ، أدور فى فلكي هاذيا .. تشككت فى كوني على بابا ، فلأكن قاسما .. لا .. لا .. لا !
                              sigpic

                              تعليق

                              • ربيع عقب الباب
                                مستشار أدبي
                                طائر النورس
                                • 29-07-2008
                                • 25792

                                خيط رفيع رهيف يفصل بين الأضداد ، وخوفي من الإنزلاق فى التعليل يلجم لساني . لن أصور نوع العذاب ، فإنه يتساوى بالضد عندي .. ابنتي حورية ، من أجلها كان صراعي ، كنت أبحث لها عن ثقب إبرة ، مجرد ثقب ، بل أنا من كنت فى أمس الحاجة إليه .
                                ضاق العالم على سعته ، صدري يضيق بما يحمل ، أحدهم يسوق إليّ كلماته عقب زيارة له .
                                - لا تبهرك الظواهر كثيرا ، تقبل هذه الزوجة دائما لزيارتي ، تكدس السلال ، تتخمها باللحم و الفطائر .. ليس من أحد يحن عليها أو يعولها ، من أين جلبت كل هذه الأشياء ؟
                                ضخم كل شىء ، مسخ كل شىء ، سخر من جمودي ، أعدم فى لحظة كل عمري ، ذبحني تحت أقدام الفكر قربانا لفكرة وليدة ، سيئة السمعة ، وجدتني ألطمه بلا رحمة ، أصرخ اخرس .. اخرس ، ثم انهرت ممتلئا بموتي .
                                تلوت إيزيس أمامي جسدا ، لا تستره إلا غلالة شفافة ، تلوت بين أحضان من نقدها ثمن الرغيف ، أباح لها إطلاق الطموحات و الأماني ، رأيتها تبثه حبها ، تتثنى كأفعى ، تلقي بنفسها فى شبق و فتون وجوع بين أوتار عرقه و أنفاسه .
                                نضجت حورية ، اكتملت أنوثتها ، اكتنز ردفاها ، وبرزت حبتا الرمان كسهمين قاتلين ، أصبحت ملفتة للانظار و الأوتار .. تعاركت الصورتان ، تراقصتا بين أحضان صاحب العطايا و مفجر الأماني .
                                أحسست أنى فى طريقي إلى الموت ، فكل شىء هراء ، و بلا قيمة .. أدور فى معتقلي ، أخبط دون تروي ، تتشكل الرؤى .. بعنف .. صرخت : افتح ياسمسم . وتناست تماما أن السيف سبق ، ما كان وقع .. أنا .. من أنا ؟ لست قديسا و لا نبيا ، بشرا يشعر ، يتألم ، ينعق من العذاب ، يتلوى تحت القهر .. يداهن نعم .. وانتشى الهاجس ببقايا التصدي و الصمود ، فتسربت مني جمل الانتهاء : افتح ياقرع .
                                فتحه قرع على مصراعيه ، ولم ينته بعد سحر شهرزاد ، و مسرور طوع البنان ، و قاسم يسوق لسانه الخوف ، فيكشف حدود اللعبة ، و حدود ما قبلها و بعدها .. الأربعون لصا يدفعونها لمزيد من التبذل ، فتفزر الحكايات لا تستكين ، و لا يتوقف لسانها عن الرقص بين خيوةطهم ليقينها أن الانفلات صعب و مدمر !!
                                sigpic

                                تعليق

                                يعمل...
                                X