يلا ينام ..يلا ينام ..!
يترنح الجسد الهزيل تحت ثوب الوجع الفضفاض، يروح ويجيء في الدار التي أصبحت غريبة فجأة ، ضيقة رغم اتساع مساحتها.
وتلك البركة القديمة انقطعت عنها الحياة، وجفت إلا من دموع أهل البيت ..!
تحملها بين ذراعيها طفلة الشهر، تحضنها مع ما تبقى من صبر وأعصاب، تغني لها ما بقي صامدا في ذاكرتها من أغاني، عسى
المعدة الفارغة تملؤها بعض كلمات وألحان!
الطفلة تبكي بكل ما أوتيت من قوة تارة وتارة تستلم كل الإستسلام .. تحاول أمها تخديرها بأغنية "يلا ينام يلا ينام ..لأذبح لك طير الحمام ..!"
أين الحمام ؟ لم يعد يحط على أنامل المدينة، غادرها منذ أيام على أمل أن يعود بأسراب كثيرة، لكنه اختفى ومحا أثره الضباب!
أسبوعان والبيت القديم يطوق بطنه بذراعه ويصرخ، يئن جوعا وخوفا، يرتعش بردا في فصل الصيف .. كأن الموازين كلها انقلبت ..
وعلبة الحليب في الزاوية، صامتة منذ أيام، ليس لديها ما تقوله، شكت في البداية نادت من يسمع في أول يومين، ثم أيقنت أنه لا جدوى من الكلام ..
الطفلة لم تعد تمد كفها الصغيرة صوبها ، لم تعد تهجم على صدر أمها ، عرفت أن نهر الحليب قد جف تماما ، مثلما جفت عروق والدتها من الدماء ..!
أيام وهم يقطرون في فمها قطرات من الماء أو فتات ، مما لن تفهم يوما أصله وفصله ..!
الأب فلم يعد يطيق سماع بكاء طفلته "نور" ، التي سماها بناء على إلحاح بصيص أمل كان يترصده لفترة صغيرة ثم اختفى ..!
كان يهزأ به إذا ؟! هذا ما توصل إليه أخيرا.. لكنه لم يستسلم، أصرّ على إحضار الحليب للطفلة ، من بين أنياب الحصار ، مهما كان الثمن.!
لو أنه ينزف حليبا بدل الدماء ، لما تردد في قتل نفسه .. !وها قد ذهب فعلا للموت ، مضى على غيابه أكثر من يوم ، قال أنه سيتفق مع جندي يعرفه ليهرّب له علبة حليب ..هذا إن لازال ذلك الجندي يعترف بالصداقة !
ربما كان من الألوف الذين نسوا أننا أبناء وطنهم ، وأنه في كل بيت طفل ، يحتاج الحليب والدواء ، بعد أن أقفلت المتاجر، وقطعت الكهرباء
والمياه ، أصبحت مواد الغذاء موادا ممنوعة ، كأنها سموم أو أسلحة !
تم فصل المدينة عن باقي المدن ، تماما كما تم فصل الأجساد ، عن الإنسانية ..!
عادت الطفلة للبكاء،لتقطع حديث أمها الصامت وتزيد من قلقها، وما كان من الأم إلا أن تهدهد للطفلة، لا تدري من أين حصلت على الطاقة ، من أجل المشي والغناء ..!
الليل كان يراقبها بصمت، وعندما كانت عيناها تلتقي بعينيه، كان يدير وجهه ليخفي دمعة تحرق خدّه !
طال الانتظار ، وازداد ثوب الوجع اتساعا وأشواكا .. والجسد الهزيل ما زال يلف الدار ، يدور يدور ، وتدور على ثغره أغنية :
يلا ينام ..يلا ينام .. وبالرغم من أن الطفلة غفت ، لم يتوقف هذا الجسد الهزيل .. لم يتعب !
فجأة يفتح الباب ، إنه "أبو نور" ، عاد بعلبة الحليب، يحملها فرحا متراقصا ، يصرخ :
-لقد أحضرتها ..والله أحضرتها .
يهز الجسد الهزيل رأسه ، ويكمل السير والغناء ..
من لهفته لم يستوقفه أمر زوجته ، حتى عدم تهليلها بعودته سالما لم يلحظه!
-"أنا سأعده لها " قالها ، ثم هرع إلى المطبخ ، يعد الحليب ،مع ما كان يخبئه من الماء، بينما كان يخبر زوجته ،
عن صعوبة ما خاضه من أجل الحصول على علبة الحليب "كأني كنت أهرّب بودره بيضاء .. هل صار حليب الأطفال
يشبه المخدرات ؟!"
قال هذه الجملة ثم تنهد .
انتهى من تحضير الحليب فى ثوان، نادى زوجته ، لكنها لم ترد أبدا، لحق بها وهي تدور بالطفلة في الدار، أوقفها مذهولا مما تفعل :
- ما بك؟ هاتيها ، أنا أطعمها ..
وقفت صامتة جامدة العينين ، ثم بصعوبة تمتمت بكلمتين : "لم يعد هناك داع "
شل في مكانه ، وقعت من يده الزجاجة ، وتناثر الحليب ،
وعاد الجسد الهزيل يلف بالطفلة ، يدور في الدار ويدور .. وعلى ثغره تدور أغنية خافتة : يلا ينام .. يلا ينام ...!
يترنح الجسد الهزيل تحت ثوب الوجع الفضفاض، يروح ويجيء في الدار التي أصبحت غريبة فجأة ، ضيقة رغم اتساع مساحتها.
وتلك البركة القديمة انقطعت عنها الحياة، وجفت إلا من دموع أهل البيت ..!
تحملها بين ذراعيها طفلة الشهر، تحضنها مع ما تبقى من صبر وأعصاب، تغني لها ما بقي صامدا في ذاكرتها من أغاني، عسى
المعدة الفارغة تملؤها بعض كلمات وألحان!
الطفلة تبكي بكل ما أوتيت من قوة تارة وتارة تستلم كل الإستسلام .. تحاول أمها تخديرها بأغنية "يلا ينام يلا ينام ..لأذبح لك طير الحمام ..!"
أين الحمام ؟ لم يعد يحط على أنامل المدينة، غادرها منذ أيام على أمل أن يعود بأسراب كثيرة، لكنه اختفى ومحا أثره الضباب!
أسبوعان والبيت القديم يطوق بطنه بذراعه ويصرخ، يئن جوعا وخوفا، يرتعش بردا في فصل الصيف .. كأن الموازين كلها انقلبت ..
وعلبة الحليب في الزاوية، صامتة منذ أيام، ليس لديها ما تقوله، شكت في البداية نادت من يسمع في أول يومين، ثم أيقنت أنه لا جدوى من الكلام ..
الطفلة لم تعد تمد كفها الصغيرة صوبها ، لم تعد تهجم على صدر أمها ، عرفت أن نهر الحليب قد جف تماما ، مثلما جفت عروق والدتها من الدماء ..!
أيام وهم يقطرون في فمها قطرات من الماء أو فتات ، مما لن تفهم يوما أصله وفصله ..!
الأب فلم يعد يطيق سماع بكاء طفلته "نور" ، التي سماها بناء على إلحاح بصيص أمل كان يترصده لفترة صغيرة ثم اختفى ..!
كان يهزأ به إذا ؟! هذا ما توصل إليه أخيرا.. لكنه لم يستسلم، أصرّ على إحضار الحليب للطفلة ، من بين أنياب الحصار ، مهما كان الثمن.!
لو أنه ينزف حليبا بدل الدماء ، لما تردد في قتل نفسه .. !وها قد ذهب فعلا للموت ، مضى على غيابه أكثر من يوم ، قال أنه سيتفق مع جندي يعرفه ليهرّب له علبة حليب ..هذا إن لازال ذلك الجندي يعترف بالصداقة !
ربما كان من الألوف الذين نسوا أننا أبناء وطنهم ، وأنه في كل بيت طفل ، يحتاج الحليب والدواء ، بعد أن أقفلت المتاجر، وقطعت الكهرباء
والمياه ، أصبحت مواد الغذاء موادا ممنوعة ، كأنها سموم أو أسلحة !
تم فصل المدينة عن باقي المدن ، تماما كما تم فصل الأجساد ، عن الإنسانية ..!
عادت الطفلة للبكاء،لتقطع حديث أمها الصامت وتزيد من قلقها، وما كان من الأم إلا أن تهدهد للطفلة، لا تدري من أين حصلت على الطاقة ، من أجل المشي والغناء ..!
الليل كان يراقبها بصمت، وعندما كانت عيناها تلتقي بعينيه، كان يدير وجهه ليخفي دمعة تحرق خدّه !
طال الانتظار ، وازداد ثوب الوجع اتساعا وأشواكا .. والجسد الهزيل ما زال يلف الدار ، يدور يدور ، وتدور على ثغره أغنية :
يلا ينام ..يلا ينام .. وبالرغم من أن الطفلة غفت ، لم يتوقف هذا الجسد الهزيل .. لم يتعب !
فجأة يفتح الباب ، إنه "أبو نور" ، عاد بعلبة الحليب، يحملها فرحا متراقصا ، يصرخ :
-لقد أحضرتها ..والله أحضرتها .
يهز الجسد الهزيل رأسه ، ويكمل السير والغناء ..
من لهفته لم يستوقفه أمر زوجته ، حتى عدم تهليلها بعودته سالما لم يلحظه!
-"أنا سأعده لها " قالها ، ثم هرع إلى المطبخ ، يعد الحليب ،مع ما كان يخبئه من الماء، بينما كان يخبر زوجته ،
عن صعوبة ما خاضه من أجل الحصول على علبة الحليب "كأني كنت أهرّب بودره بيضاء .. هل صار حليب الأطفال
يشبه المخدرات ؟!"
قال هذه الجملة ثم تنهد .
انتهى من تحضير الحليب فى ثوان، نادى زوجته ، لكنها لم ترد أبدا، لحق بها وهي تدور بالطفلة في الدار، أوقفها مذهولا مما تفعل :
- ما بك؟ هاتيها ، أنا أطعمها ..
وقفت صامتة جامدة العينين ، ثم بصعوبة تمتمت بكلمتين : "لم يعد هناك داع "
شل في مكانه ، وقعت من يده الزجاجة ، وتناثر الحليب ،
وعاد الجسد الهزيل يلف بالطفلة ، يدور في الدار ويدور .. وعلى ثغره تدور أغنية خافتة : يلا ينام .. يلا ينام ...!
تعليق