
الحمد لله خالق الإنسان و معلمه البيان و جاعل العربية أفصح لسان.
إن مشكلة تعداد الحروف الهجائية مشكلة قديمة في المدارس النحوية العربية فقد عدها شيخ الطبقة الرابعة في المدرسة البصرية، سيبويه في "الكتاب"، 29 حرفا أصولا و أضاف إليها 14 حرفا فروعا، المستحسن منها (7) و المستقبح (7)، فصارت عنده 43 حرفا، و عدّها شيخ الطبقة السابعة في المدرسة نفسها، البصريةَ، المُبرِّد، صاحب "المقتضب" و فيه 35 حرفا منها 28 حرفا أصولا و 7 فروعا، و عدّها أبو حيان الأندلسي في كتابه "ارتشاف الضرب من لسان العرب" 47 حرفا أصولا و فروعا (29 أصولا + 18 فروعا) ثم أكملها 50 حرفا بقول ابن بطال اليمني الذي أضاف 3 أحرف فروعا في كتابه "التمهيد".
و هكذا يتبين أن سؤالي لم يكن استكبارا على إخواني أو استهانة بهم بل جاء اختبارا علميا لمن يهمه الموضوع، موضوع الحروف في اللغة العربية، و أن أساس اللغة العربية إنما هو حروفها و هي عناصرها الأساسية في بنية الكلمات العربية، فأين ما ذهب إليه إخواننا من سوء الظن بالسائل الجريء مما ذهب إليه هو ؟ إن الحروف هي خلايا الكلم في العربية كما أن الكلمات فيها تحمل دلالات كثيرة فمن وسع مداركه اللغوية يستطيع فهم ما يراد قوله و من ضاقت مداركه أخطأ الفهم و هكذا الشأن في الخطاب اللساني بمختلف أنواعه.
و كذلك الأمر بالنسبة للتفريق بين الهمزة بنوعيها و الألف، فهذه معضلة أخرى لم يفصل فيها كبار العلماء اللغويين إذ أن بعضهم يسمون الهمزة ألفا و يفرقون بين الألف "الصلبة" (الهمزة) و "الألف اللينة" (الألف العادية)، و الهمزة همزتان: همزة قطع و همزة وصل، و قد نجد في كثير من الكتب اللغوية من يتكلم عن الألف و هو يقصد الهمزة و يضرب الأمثلة لها و هذه الأمثلة إنما هي للهمزة بنوعيها و ليست للألف مثل : أسد، أخ، أخت، اسم، ابن، لأن الألف لا تكون في أول الكلمة أبدا لأنها حرف ساكن و العرب لا تبدأ كلمها بالساكن مطلقا، و إنما هي الهمزة بنوعيها: همزة قطع و همزة الوصل، أما الألف فتأتي في درج الكلمة، أو حشوها، أي في وسطها، و تأتي آخرة.
و هذان المبحثان: مبحث عدد حروف هجاء اللغة العربية (الأصوات العربية) و مبحث الهمزة بنوعيها و الألف يمكن أن يكونا موضوعين لدراسة جامعية لينل شهادة الماجيستير، أو الماستر، و شهادة الدكتورا، في الصوتيات و قد خصص بعض الباحثين أطروحات دكتورا للهمزة وحدها، كما فعلت ذلك الأستاذة خالدية محمود البيَّاع في رسالتها الموسومة بـ "الهمزة في اللغة العربية" فجاءت رسالتها في أكثر من 300 صفحة.
فكما يظهر من هذا التوضيح السريع أن ما عدَّه بعض إخواننا انتقاصا أو استصغارا أو احتقارا لهم ليس هو كذلكم البتة، و كلامي هذا لا يعني أنني أعتذر إلى إخواني الذين أساؤوا فهمي، لا، إنما يعتذر المخطئ، و لست مخطئا في هذه القضية، فحق الأخوة يقتضي عليَّ ألا أترك إخواني في وهمهم سادرين و لا في "زعلهم" غارقين، فوجب التوضيح.
فللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و علمنا يا الله اللغة العربية لسان قرآنك العظيم و لسان نبيك الكريم، اللهم آمين يا رب العالمين، و الحمد لله أولا و أخيرا.
تعليق